ماكرون وأتال منكبّان على «إنضاج» الصيغة الحكومية الجديدة

في مسعى لتوسيع قاعدة الأكثرية النسبية في البرلمان وتجنب خسارة فادحة في الانتخابات الأوروبية

رئيس الحكومة الجديد غابريال أتال (يمين) ووزير الداخلية جيرالد درانمانان في زيارة لمقر للشرطة بمقاطعة فال دو لوز صباح الأربعاء (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة الجديد غابريال أتال (يمين) ووزير الداخلية جيرالد درانمانان في زيارة لمقر للشرطة بمقاطعة فال دو لوز صباح الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

ماكرون وأتال منكبّان على «إنضاج» الصيغة الحكومية الجديدة

رئيس الحكومة الجديد غابريال أتال (يمين) ووزير الداخلية جيرالد درانمانان في زيارة لمقر للشرطة بمقاطعة فال دو لوز صباح الأربعاء (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة الجديد غابريال أتال (يمين) ووزير الداخلية جيرالد درانمانان في زيارة لمقر للشرطة بمقاطعة فال دو لوز صباح الأربعاء (أ.ف.ب)

تتكثف المشاورات بين الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة المعين غابريال أتال لإنتاج صورة الحكومة الجديدة. وينص الدستور الفرنسي على أن رئيس الحكومة المعين يقدم نظرياً تشكيلته الحكومية لرئيس الجمهورية الذي يُقرّها. إلا أن الأمور، عملياً، تتم بشكل مختلف؛ إذ إن رأسَي السلطة التنفيذية يعملان يداً بيد على إنضاج «الطبخة الحكومية»، في حين أن الكلمة النهائية تعود لرئيس الجمهورية الذي جعله دستور عام 1958 المرجع النهائي. وأفادت معلومات متداولة في باريس بأن ماكرون وأتال تناولا العشاء معاً ليل الثلاثاء إلى الأربعاء، كما أنهما التقيا ظهر الأربعاء. وتتوقع الأوساط السياسية أن تخرج الصيغة الحكومية إلى العلن مع نهاية الأسبوع الحالي، المرجح يوم الجمعة.

لعبة توازنات

وحتى اليوم، تأكد فقط بقاء وزير الداخلية جيرالد درامانان في منصبه؛ إذ أعلن بنفسه أنه طلب من ماكرون الاحتفاظ بموقعه للإشراف على أمن الألعاب الأولمبية التي تستضيفها فرنسا، الصيف المقبل، وأن ماكرون جدد ثقته به. وصباح الأربعاء، قام أتال ودارمانان بزيارة مشتركة لمقر للشرطة في منطقة فال دواز الواقعة شمال غربي باريس، ما يؤكد بقاء دارمانان في التركيبة الحكومية المرتقبة.

غبريال أتال وإليزابيث بورن في باحة قصر ماتينيون في 9 يناير (أ.ف.ب)

ويُفهم من المعلومات المتناقلة أن «الإليزيه» سيفصح، في مرحلة أولى، عن أسماء الوزراء الرئيسيين وعن حقائبهم، على أن تستكمل اللائحة لاحقاً مع أسماء وحقائب وزراء الدولة والوزراء المفوضين، مع الرغبة في إصدار حكومة غير فضفاضة. ومن الصعوبات التي تواجه رئيسي الجمهورية والحكومة العثور على الشخصيات التي تتوافق مع تحديات المرحلة والمهمات التي ستوكل إليها، وإرضاء التشكيلات البرلمانية الثلاث التي تدعم «العهد»، وهي حزب ماكرون المسمى «النهضة» («الجمهورية إلى الأمام» سابقاً)، وحزب «آفاق» (هوريزون) لرئيس الوزراء الأسبق أدوار فيليب، وحزب «الحركة الديمقراطية» (موديم) الوسطي الذي يقوده الوزير السابق فرنسوا بايرو.

وكان الأخير قد أبدى تحفّظين على اختيار أتال لخلافة أليزابيث بورن في «قصر ماتينيون» الحكومي، أولها أن الأخير لا يملك التجربة الحكومية الكافية لإدارة شؤون البلاد، ولا السلطة للتعامل مع أقطاب وزارية كوزراء الاقتصاد والعدل والداخلية. والتحفظ الثاني يتناول تخلّي أتال عن وزارة التربية التي أسندت حقيبتها إليه، ونجح في إدارتها وإطلاق إصلاحات رئيسية كان يجدر أن يتابعها حتى تؤتي أكلها.

أما الصعوبة الأخيرة في بلورة التشكيلة الحكومية؛ فهي ذات وجهين: الأول، النجاح في الالتزام بمبدأ المساواة في توزيع الحقائب على الجنسين. والثاني، التوافق على أسماء الوزراء التي ستبقى في التركيبة الوزارية الجديدة، وتلك التي ستبقى خارجها من الوزارة السابقة. وثمة أسماء يبدو إبعادها مؤكداً؛ إما لأنها لم تظهر دينامية في مهامها السابقة، وبقيت مجهولة إلى حد كبير من قبل المواطنين. وإما أنها تجرأت على التعبير عن مواقف تخالف أو تنتقد التدابير والخطط الحكومية، ومنها (على سبيل المثال) توجيه الانتقاد لقانون الهجرات الذي أُقر قبيل نهاية العام الماضي في مجلس النواب، الذي عدَّه عدة وزراء مستوحى من طروحات اليمين وحتى من اليمين المتطرف.

بورصة المرشحين

تبين بورصة الأسماء أن سيباستيان لو كورنو، وزير الدفاع المقرب جداً من ماكرون، سيبقى بشكل مؤكد في منصبه الذي يشغله منذ ربيع عام 2020، وكان اسمه مطروحاً بقوة لترؤس الحكومة العتيدة. إلا أن ماكرون اختار، في نهاية المطاف، أتال. وكانت إحدى أوراق لو كورنو الرابحة أنه يأتي من صفوف اليمين الذي تحتاج إليه الحكومة للوصول إلى الأكثرية المطلقة في البرلمان.

الرئيس إيمانويل ماكرون متحدثاً للصحافة وإلى جانبه غابريال أتال بمناسبة زيارة لمدرسة في مدنية أرّاس (شمال فرنسا) في 13 أكتوبر الماضي (أ.ب)

وإلى جانب لوكورنو، ثمة رهان على بقاء وزير الاقتصاد، برونو لو مير، الذي شغل هذه الحقيبة الوزارية منذ 6 سنوات، في منصبه. وليس سراً أن لو مير يفكر بمستقبله السياسي، وهو أحد الأسماء المطروحة لخوض المنافسة الرئاسية في عام 2027، إلا أنه يجد، كما وزير الداخلية، منافساً جديداً بوجهه هو غبريال أتال، الذي بدأ يُنظر إليه على أنه سيكون «خليفة ماكرون» السياسي والشخصية التي يجد فيها كثيراً من نقاط التشابه مع شخصيته.

وبيّن استطلاع للرأي أجري لصالح القناة الإخبارية «إل سي إي» أن 56 في المائة من الفرنسيين ينظرون بإيجابية لتعيين أتل في منصبه الجديد. تجدر الإشارة إلى أن استطلاعات الرأي السابقة جعلت من رئيس الحكومة الشاب الشخصية السياسية المفضلة لدى الفرنسيين ليحل محل رئيس الوزراء الأسبق إدوار فيليب. وثمة شخصيتان يُرجح بقاؤهما في الحكومة العتيدة، هما وزير العدل أريك دوبون - موريتي، ووزيرة الدولة لشؤون المدينة سابرينا أغرستي - روباش غير المعروفة بشكل كافٍ على المستوى الوطني.

كذلك، يرجح بقاء أوليفيه دوسوب، وزير العمل القادم من صفوف الحزب الاشتراكي في منصبه رغم الشكوك التي تدور حوله على المستوى القضاء حيث يُلاحَق في تهمة مالية.

رئيس الحكومة الجديد غابريال أتال (يمين) ووزير الداخلية جيرالد درانمانان الأربعاء (أ.ف.ب)

أما الذين يُرجَّح رحيلهم فهم كثر، وعلى رأسهم كليمون بون وزير المواصلات، وريما عبد الملك وزيرة الثقافة، وكلاهما يدين لماكرون بمنصبه. وحالة سيلفي روتايو، وزيرة التعليم العالي، شبيهة بحالة الأولين، لا، بل إنها قدمت استقالتها من منصبها بسبب قانون الهجرات. إلا أن ماكرون رفضها، بعكس قبوله استقالة أورليان روسو وزير الصحة، الذي ترك الصفوف الحكومية للسبب نفسه. وحلَّت محله أنياس فيرمين لو بودو. لكن ليس من المؤكد أن تبقى في منصبها بسبب اتهامها بتلقي رشوة من 20 ألف يورو من مختبرات «أورغو»، في إطار عملها الأسبق في القطاع الصيدلي.

وأخيراً، يرجح خروج رولان ليسكور وزير الصناعة، وباتريس فيرغريات من التشكيلة الجديدة.

تبقى وزارة الخارجية السيادية التي تشغلها، منذ إعادة انتخاب ماكرون ربيع عام 2022، كاترين كولونا. وحتى اليوم، لا معلومات متوافرة بشأن هذه الحقيبة الرئيسية، حيث يتعين على شاغلها أن يعمل بالتنسيق مع رئاسة الجمهورية، حيث ينص الدستور على أن الرئيس هو مَن «يرسم» سياسة البلاد الخارجية ويعود للوزير أو للوزيرة تنفيذها.

اختيار أتال

ومع تعيين أتال في منصبه الجديد، يكون ماكرون قد استخدم أفضل أوراقه من أجل توفير زخم جديد لعهده الذي ينتهي في عام 2027، إلا أن صورة رئيس الحكومة الجديد لن تكون كافية؛ إذ يتعين عليه إحراز النجاح في مهمتين رئيسيتين أوكلهما إليه ماكرون.

غبريال أتال يلقي كلمة خلال التسليم والتسلم مع إليزابيث بورن في باحة «قصر ماتينيون» الثلاثاء (إ.ب.أ)

الأولى توسيع قاعدة الأكثرية النسبية التي تساند الحكومة والعهد في البرلمان لتمكينهما من تمرير مشاريع القوانين الضرورية لتسيير أمور البلاد. والثانية، إبعاد شبح الهزيمة عن العهد في الانتخابات الأوروبية التي ستحصل في فرنسا يوم التاسع من يونيو (حزيران) المقبل، حيث تبين استطلاعات الرأي المتواترة أن حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف الذي تقوده المرشحة الرئاسية مارين لوبان سيحتل المرتبة الأولى، ويمكن أن يحصل على 30 في المائة من الأصوات متقدماً على الحزب الرئاسي وحلفائه بـ12 نقطة.

ومشكلة ماكرون أنه لم يعثر بعد على الشخصية القوية التي يمكن أن تقنع لائحة تحالف الأحزاب الثلاثة التي تدعمه. وفوز اليمين المتطرف يعني تقريب مارين لوبان من «قصر الإليزيه»، علماً بأن ماكرون أكد العديد من المرات أن غرضه «تنحيف» حجم هذا الحزب. والحال أن فوزه سيعد بمثابة هزيمة له. من هنا، أهمية اختيار أتال، ابن الـ34 عاماً لمواجهة جوردان بارديلا، رئيس حزب «التجمع الوطني» الذي لا يزيد عمره على 28 عاماً.


مقالات ذات صلة

«عدوى» الاحتجاجات الفرنسية تتوسّع في أوروبا

أوروبا 
جانب من الاحتجاجات في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ف.ب)

«عدوى» الاحتجاجات الفرنسية تتوسّع في أوروبا

توسّعت موجة الاحتجاجات العنيفة التي تجتاح فرنسا لتصل إلى دول أوروبية أخرى؛ إذ شهدت مدن إيطالية، بينها ميلانو وتورينو، مواجهات مماثلة خلال مظاهرات ضد غلاء.

«الشرق الأوسط» (باريس - روما - تيرانا)
أوروبا لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)

ماكرون بعد أعمال الشغب في فرنسا: نشعر جميعاً بالغضب والعار

أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأحد، عن «الغضب والعار» إزاء أعمال التخريب والنهب التي رافقت تظاهرات الأمس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب) p-circle

فرنسا تواجه تداعيات أسوأ اضطرابات تشهدها منذ سنوات

تواجه فرنسا تداعيات موجة من الاضطرابات الاجتماعية تعد من الأعنف منذ سنوات، بعدما تحولت الاحتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة إلى أعمال عنف ونهب.

«الشرق الأوسط» (باريس - روما)
الخليج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس (رويترز)

الرئيس الفرنسي في جولة خليجية موسعة «لتعزيز الشراكات الاستراتيجية»

يجري الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جولة موسعة في الخليج من أجل «تعزيز الشراكات الاستراتيجية»، خصوصاً في قطاعات الدفاع، والطاقة، والتكنولوجيات المتقدمة.

ميشال أبونجم (باريس)
الخليج الرئيس الفرنسي وأمير الكويت (أرشيفية - كونا)

ماكرون يبدأ جولة خليجية من الكويت لبحث أمن الطاقة والتعاون الدفاعي

يبدأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين المقبل، جولة خليجية تستمر ثلاثة أيام، تشمل الكويت، والإمارات، والبحرين وقطر.

«الشرق الأوسط» (الكويت)

ترمب يوقع أمراً تنفيذياً يهدف إلى تعزيز أبحاث صحة المرأة

الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يوقع أمراً تنفيذياً يهدف إلى تعزيز أبحاث صحة المرأة

الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب (أ.ب)

أكد البيت الأبيض، اليوم الإثنين، أن الرئيس دونالد ترمب يستعد لتوقيع أمر تنفيذي يهدف إلى تعزيز الأبحاث الفيدرالية المتعلقة بصحة المرأة، في خطوة جاءت بمبادرة من السيدة الأولى ميلانيا ترمب.

وينص الأمر التنفيذي، الذي كانت صحيفة «يو إس إيه توداي» أول من أوردت نصه، على إنشاء قسم جديد لصحة المرأة في المعاهد الوطنية للصحة، وتشكيل فرقة عمل في البيت الأبيض تكرس جهودها لهذه القضية.

ومن المتوقع أن تتحدث ميلانيا ترمب، خلال مراسم التوقيع اليوم الاثنين، عن إعطاء الأولوية للبحوث وكسر المحظورات حول مناقشة القضايا المتعلقة بصحة المرأة، بحسب ما أعلنه البيت الأبيض.

وستتولى سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، التي أنهت مؤخراً علاجها من سرطان الثدي، إلى جانب وزير الصحة والخدمات الإنسانية روبرت إف كينيدي جونيور، قيادة فرقة العمل التابعة للبيت الأبيض.

ولا يتضمن الأمر التنفيذي أهدافاً تمويلية محددة.


حكومة فرنسا تسعى لاحتواء الشارع وتجيز منع التجول في أواسط المدن

احتراق قصر البلدية في مدينة «ليموج» وسط فرنسا ليل السبت - الأحد (أ.ف.ب)
احتراق قصر البلدية في مدينة «ليموج» وسط فرنسا ليل السبت - الأحد (أ.ف.ب)
TT

حكومة فرنسا تسعى لاحتواء الشارع وتجيز منع التجول في أواسط المدن

احتراق قصر البلدية في مدينة «ليموج» وسط فرنسا ليل السبت - الأحد (أ.ف.ب)
احتراق قصر البلدية في مدينة «ليموج» وسط فرنسا ليل السبت - الأحد (أ.ف.ب)

عجلت «تنسيقية السترات الصفراء» في الإعلان عن يوم حراك جديد السبت المقبل، في 24 أكتوبر (تشرين الأول) لمواصلة الضغط على الحكومة، التي بدت عاجزة في اليومين الأخيرين عن المحافظة على سلمية المظاهرات وحماية المؤسسات العامة والملكيات الخاصة، في العديد من المدن من الحرائق والسلب والنهب، في حين تحولت شوارع المدن الرئيسية، مثل باريس العاصمة وليون ومرسيليا وتولوز وغيرها، ساحات معارك للكرّ والفرّ.

ولم تساعد الكلمة التي ألقاها الرئيس إيمانويل ماكرون، ليل الأحد، في تهدئة الوضع؛ كونها خلت، وفق الأكثرية الساحقة من التعليقات، من أي إعلان جدي لجهة الاستجابة لمطالب التلامذة والطلاب والمتظاهرين الآخرين الذين نزلوا إلى الشوارع والساحات في غالبية الأراضي الفرنسية، للتنديد بغلاء المعيشة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط) مترئساً اجتماعاً أمنياً في قصر الإليزيه الأحد (أ.ب)

كذلك، عجَّل التلامذة في الإعلان عن مواصلة حراكهم يوم 5 نوفمبر (تشرين الثاني)؛ ما يعني أن رهان الحكومة على أسبوعي العطلة المدرسية (من 17 أكتوبر إلى 2 نوفمبر) لم يكن في مكانه، وأن الحلول الجزئية التي هلَّل لها وزير التربية، إدوار جيفراي، وسعى لتسويقها لم تشفِ غليلهم ولم تقنعهم بالعودة إلى صفوف الدراسة.

بيد أن السؤال الرئيسي الذي شغل الطبقة السياسية يميناً ويساراً يدور حول التساؤل التالي: كيف لدولة كبرى بحجم فرنسا أن تعيش مثل هذا «السبت الأسود»، حيث قنوات التلفزة العالمية، من قلب باريس العاصمة وعشرات المدن الأخرى، نقلت مشاهد الحرائق والاشتباكات و«غيوم» الغازات المسيلة للدموع وصور هذه المجموعات من المشاغبين يحطمون وينهبون ويحرقون كل ما قدروا عليه؟ والسؤال الآخر كان، بطبيعة الحال: من المسؤول؟

من المسؤول؟

إذا كان من أمر أجمعت عليه غالبية الأحزاب، فعنوانه تحميل المسؤولية لوزير الداخلية لوران نونيز، المسؤول عن أمن الفرنسيين. ولأن أصابع الاتهام وجهت إليه؛ فإن نونيز لم يتأخر، مساء الأحد في تقديم استقالته للرئيس ماكرون الذي رفضها «نظراً لضرورة ضمان استمرارية قيادة قوات حفظ النظام»، وفق ما جاء في بيان صباحي لقصر الإليزيه.

وماكرون نفسه لم يكن بعيداً عن هذا التقييم؛ إذ لم يتردد في كلمته المسائية من الإشارة إلى «إخفاقات» في إدارة المسؤولين الأمنيين للمظاهرات، داعياً وزارة الداخلية إلى «تكييف أساليبها» في التعاطي مع مثيري الشغب «في أسرع وقت ممكن». كذلك، عبَّر ماكرون عن «قصور» الأجهزة الأمنية عن الاستعداد المسبق للمظاهرات وما رافقها، وعن فشل المخابرات الداخلية في توقع حجمها. ذلك أن المعلومات التي رشحت عنها أفادت بأنها تتوقع نزول ما يقل عن 200 ألف شخص إلى الشوارع في الأراضي الفرنسية كافة ومنهم خمسون ألفاً في باريس. والحال، أن العدد وصل، وفق الأرقام الرسمية إلى 550 ألفاً، منهم 110 آلاف في العاصمة، وسط قناعات المسؤولين بأن الحراك الطلابي إلى تراجع، وأن «السترات الصفراء» لم يعيدوا تنظيم صفوفهم للتظاهر بقوة.

كذلك، فشلت المخابرات الداخلية في استباق تدفق مجموعات اليسار المتطرف، التي تعمل لإحداث الفوضى والإطاحة ببنى الدولة، والتي تتألف بشكل رئيسي ممن يسمون «البلاك بلوك» الذين ينزلون إلى الشوارع بثيابهم السوداء وهم بالغو التنظيم والحركية، كما أنهم يستغلون المظاهرات كافة مهما تكن أسبابها للاصطدام مع رجال الشرطة والدرك.

ميدان «لاريبوبليك» وسط باريس 17 أكتوبر حيث بدأت أعمال الشغب (أ.ب)

إزاء هذا الواقع، لم يمكن من مَنفذ لوزير الداخلية سوى تقديم استقالته. وهو قال صباح الاثنين في حديث لإذاعة «فرنس أنتير»: «لقد قدمت استقالتي لأنني أتحمل مسؤولية كل ما حصل». وذهب إلى حد الاعتراف بـ«فقدان السيطرة» على الوضع الذي أفلت تماماً من أيدي القوى الأمنية التي وُجّهت لها سهام النقد حول كيفية إدارتها لمجمل ما حصل يوم «السبت الأسود».

ولم يتردد جيرالد درامانان، وزير العدل، في القول إن السلطات «أخفقت بلا شك» في إدارة الأزمة. والحال أن القوى الأمنية التي أصيب منها قرابة ألف عنصر، لم تتأخر في إلقاء القبض على عدد كبير من الموقوفين في يوم واحد (2331 شخصاً). وفي باريس وحدها، التي تواصلت فيها أعمال العنف والنهب واستهداف الممتلكات الخاصة، الأحد، حيث أوقف أيضاً 350 شخصاً. وتم تداول معلومات تفيد بأن القوى الأمنية وصلت إلى حد استنزاف مخزونها من القنابل المسيلة للدموع والقنابل الصوتية والقنابل المستخدمة لتفريق المتظاهرين.

عود على بدء

بعد عام واحد من وصوله إلى قصر الإليزيه، اندلع حراك «السترات الصفراء». وها هم هؤلاء ينزلون مجدداً إلى الشوارع قبل ستة أشهر من نهاية ولاية ماكرون الثانية. ولا يتيح الدستور الفرنسي له الترشح لولاية ثالثة. ومشكلة رئيس الجمهورية أن الدولة ليست اليوم في وضع يتيح لها الاستجابة للمطالب الاجتماعية والطلابية وكلها تحتاج إلى مليارات، في حين الحكومة تجهد لإقرار ميزانية تقشفية للعام المقبل مع عجز يصل إلى 5 في المائة في حين القاعدة الأوروبية تقول باحتوائه عند 3 في المائة.

رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو ولوران نونيز وزير الداخلية بعد انتهاء اجتماع بمقر الوزارة في باريس الاثنين (رويترز)

كذلك، تجدر الإشارة إلى أن ديون الدولة، في 2026، بلغت أرقاماً غير مسبوقة (3600 مليار يورو) بحيث تبلغ فوائدها أقل بقليل من 80 مليار دولار. ويعني ذلك، عملياً، أن الحكومة التي لا تتمتع بأكثرية تدعمها في البرلمان، ليست متأكدة من قدرتها على تمرير الميزانية كما أنها لا تمتلك الملاءة المالية التي تمكنها من الاستجابة للمطالب المرفوعة إليها. فطلاب المدارس الثانوية يريدون مثلاً عشرة مليارات يورو للنهوض بالتعليم الثانوي وتوفير 250 ألف مقعد دراسي جامعي إضافي، وإصلاح مباني الثانويات، وتوفير العدد الكافي من الأساتذة، ناهيك عن المطالب الاجتماعية برفع مرتبات الموظفين وتوفير الرعاية الاجتماعية.

طوارئ... أم الجيش إلى الشوارع؟

ولأن الوضع على هذا المنوال، وبناءً على طلب ماكرون؛ فقد بكّر رئيس الحكومة، سيباستيان لوكورنو، في عقد اجتماع لـ«خلية الأزمة (الأمنية) الوزارية» في «قصر ماتينيون» (مقر رئاسة الحكومة)، أعلن على أثره أن عزم الحكومة على إعادة الإمساك بالوضع «كاملاً». واستكمل الاجتماع الأول بآخر مسائي وفق الصيغة نفسها. وأهم ما نتج منه الطلب من المحافظين الذين يقع حفظ الأمن على عاتقهم، أن يعمدوا إلى «فرض حظر جزئي ومحدد للتجول» في وسط المدن التي يديرونها، وهو ما كان أوحى به ماكرون في كلمته مساء الأحد.

وكان برونو روتايو، رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي والمرشح للانتخابات الرئاسية، قد طالب بفرض «حالة الطوارئ» للسيطرة على الوضع الأمني. أما غبريال أتال، رئيس الوزراء السابق ورئيس حزب «النهضة» الداعم لماكرون والمرشح أيضاً للرئاسة، فقد دعا إلى الاستعانة بالقوات المسلحة «بشكل مؤقت» للسيطرة على الوضع.

وكان العديد من السياسيين قد أخذ على الحكومة أنها لم تنشر العدد الكافي من رجال الشرطة والدرك، كما أنها لم تتهيأ لمواجهة زحف المتظاهرين. ورد وزير الداخلية بالقول إنه نشر 60 ألف رجل (مقابل 80 ألفاً نشروا نهاية 2018 في عز أزمة «السترات الصفراء»).

ومن المآخذ الأخرى على وزارة الداخلية، أن محافظ مدينة مرسيليا أكد أن ثلاثين ألفاً من المشاغبين شاركوا في أعمال السرقة والنهب والحرائق. ورد عليهم رئيس بلدية المدينة المذكورة بأن هذا الرقم «وهمي» وأن هؤلاء لا يزيد عددهم عن 1500 شخص. وشكا بونوا بايان، في الوقت نفسه من العدد القليل وغير الكافي من رجال الشرطة والدرك الذين انتشروا في مدينته؛ ما مكن عدد من المتظاهرين من اقتحام مبنى البلدية.

مارين لوبن: المستفيدة الأولى

تأخذ قوى اليسار على السلطة تجاهلها مطالب المتظاهرين، في حين تطالبها قوى اليمين بمزيد من الحزم والصرامة. وقال إيمانويل غريغوار، عمدة باريس الاشتراكي إن السلطة «عملت على ترك هذه الحركة الاجتماعية تتعفن». بالمقابل، أكد رئيس حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، جوردان بارديلا، أنها «تخلّت تماماً عن مسؤولياتها». وتوجه السلطة وأحزاب اليمين واليمين المتطرف أصابع الاتهام إلى أقصى اليسار وتحديداً نحو حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد الذي تتهمه بتشجيع الحراك والسعي لاستغلاله في المعركة السياسية الرئاسية. بيد أن التحليلات المتداولة ترى العكس إذ تعتبر ان مارين لو بن، مرشحة حزب ألتجمع الوطني» اليميني المتطرف أولى المستفيدين مما يجري في فرنسا من فوضى وتفلت الشارع وهي تقدم نفسها على أنها «الأقدر» على فرض القوانين والتعامل مع الهجرات غير الشرعية. وكتب سيباستيان شينو، في تغريدة على منصة «إكس» متوجهاً للفرنسيين قائلاً: «الوضع بالغ الخطورة. أيها الفرنسيون، اصمدوا فنحن واصلون».


تهديد أمني يجبر طائرة نمساوية قادمة من تل أبيب على الهبوط في صوفيا

أرشيفية لطائرة تابعة للخطوط الجوية النمساوية (أ.ف.ب)
أرشيفية لطائرة تابعة للخطوط الجوية النمساوية (أ.ف.ب)
TT

تهديد أمني يجبر طائرة نمساوية قادمة من تل أبيب على الهبوط في صوفيا

أرشيفية لطائرة تابعة للخطوط الجوية النمساوية (أ.ف.ب)
أرشيفية لطائرة تابعة للخطوط الجوية النمساوية (أ.ف.ب)

اضطرت رحلة تابعة للخطوط الجوية النمساوية كانت متجهة من تل أبيب إلى فيينا إلى الهبوط غير المقرر في العاصمة البلغارية صوفيا، مساء الأحد، عقب تهديد استهدف الطائرة، وفق ما أفادت به «وكالة الأنباء النمساوية» (إيه.بي.إيه)، نقلاً عن شركة الطيران.

وذكرت الخطوط الجوية النمساوية في بيان نقلته وكالة أنباء «إيه.بي.إيه»: إنه يجري تفتيش طائرة تابعة لها من طراز «إيرباص A320» بعد تحويل مسارها وهبوطها، إثر تلقي تهديد.

وأفادت تقارير إعلامية إسرائيلية بأن طائرة تلقت تهديدا بوجود قنبلة بعد مغادرتها الأجواء الإسرائيلية، حيث كانت تحلق حينها قرب الحدود البلغارية - الرومانية.

وهبطت الطائرة بأمان في صوفيا وعلى متنها 51 راكباً وطاقم مكون من ستة أفراد، وفقاً لما أوردته «إيه.بي.إيه». وستجري إعادة حجز تذاكر للركاب على رحلات بديلة في أسرع وقت ممكن بمجرد فحص الطائرة.

وقالت وزارة النقل البلغارية إن الطائرة كانت قد وصلت إلى المنطقة الحدودية بين بلغاريا ورومانيا عندما عادت أدراجها باتجاه صوفيا بسبب التهديد.

ووفقاً لوزارة الدفاع البلغارية، أطلقت الطائرة إشارة تفيد بوجود تهديد بوجود قنبلة؛ ما دفع طائرات مقاتلة لمرافقة الرحلة.

وقالت الخطوط الجوية النمساوية، وهي شركة تابعة لمجموعة «لوفتهانزا» الألمانية، إنه تم تفتيش الطائرة والركاب والطاقم في صوفيا، ولم يتبين وجود أي خطر.

وبعد إعلان زوال الخطر، تمكن الركاب من متابعة رحلتهم إلى فيينا خلال ليلة الأحد إلى الاثنين. ولم تتوفر معلومات إضافية حول طبيعة التهديد.