ألمانيا: اجتماع «سري» لسياسيين من اليمين المتطرف يبحث ترحيل الملايين

نواب من حزب «البديل لألمانيا» وأعضاء في حزب ميركل شاركوا في الاجتماع

لافتات انتخابية داعمة لحزب «البديل لألمانيا» في برلين 2 يناير (أ.ف.ب)
لافتات انتخابية داعمة لحزب «البديل لألمانيا» في برلين 2 يناير (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا: اجتماع «سري» لسياسيين من اليمين المتطرف يبحث ترحيل الملايين

لافتات انتخابية داعمة لحزب «البديل لألمانيا» في برلين 2 يناير (أ.ف.ب)
لافتات انتخابية داعمة لحزب «البديل لألمانيا» في برلين 2 يناير (أ.ف.ب)

فيما يعيد إلى الأذهان الأصداء التاريخية لملاحقة النازيين لليهود قبل 80 عاماً، عقد سياسيون ألمان من اليمين المتطرف اجتماعاً سرياً كشف عنه موقع استقصائي ألماني، بحثوا خلاله ترحيل ملايين السكان من ألمانيا بناء على أصولهم الإثنية، ومن ضمنهم من يحملون الجنسية الألمانية.

وكشف موقع «كوريكتيف» عن الاجتماع الذي عُقد في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في فندق «لاندهاوس أدلون» في مدينة بوتسدام القريبة من برلين، شارك فيه سياسيون من حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، وناقشوا خلاله سبل وقانونية ترحيل مَن هم من أصول مهاجرة، في خطة يطمح المشاركون لتنفيذها بعد وصول حزب «البديل لألمانيا» إلى السلطة.

صورة لفندق «لاندهاوس أدلون» حيث انعقد الاجتماع وفق الإعلام الألماني

ويعيد الاجتماع إلى الأذهان «مؤتمر فانزي» الشهير الذي انعقد قبل نحو الـ80 عاماً، في يناير (كانون الثاني) 1942وجمع كبار قادة قوات الأمن الخاصة النازية المعروفة بـ«إس إس» في قصر فانزي بولاية براندبيرغ المجاورة لبرلين، لمناقشة «الحل النهائي» لليهود فيما بات يعرف تاريخياً بـ«مؤتمر فانزي» الذي بدأ على أثره تجميع اليهود وإرسالهم إلى معسكرات الاعتقال.

مقارنات تاريخية

ورغم أن الحدثين يختلفان بالجماعة المستهدفة، وأن النازيين كانوا قد وصلوا إلى السلطة بينما «البديل لألمانيا» ما زال في المعارضة، فإن التشابه بينهما كبير، ويمتد كذلك إلى التقارب الجغرافي بين المكانين. إذ يقع فندق «لاندهاوس أدلون» المملوك لعائلة أدلون صاحبة الفندق التاريخي على بوابة براندنبيرغ، على بعد كيلومترات قليلة من «قصر فانزي» التاريخي الذي مهّد وشرّع للمحرقة التي نفذها النازيون في الحرب العالمية الثانية.

صورة أرشيفية لرولاند هارتفيغ المستشار الخاص لزعيمة حزب «البديل لألمانيا» في يناير 2018 (أ.ف.ب)

وشارك في الاجتماع رولاند هارتفيغ، المستشار الخاص لزعيمة حزب «البديل لألمانيا» أليس فيدل، إلى جانب عدد من النواب المنتمين للحزب المتطرف الذي دخل البرلمان الفيدرالي في عام 2017، وهو الآن في المعارضة. وبحسب الصحافي الذي قال إنه كان موجوداً في المكان وراقب وصول المشاركين، فقد كان من بين الحاضرين أيضاً اثنان من السياسيين المنتمين للحزب المسيحي الديمقراطي اليميني الوسطي الذي تنتمي إليه المستشارة السابقة أنغيلا ميركل.

وتمكّن صحافيون متخفّون في موقع «كوريكتيف»، من «التجسس» على المجتمعين بعد أن حصلوا على رسالة الدعوة للاجتماع، التي قالوا إن أحد المشاركين سرّبها لهم. والرسالة وجّهها شخصان؛ أحدهما طبيب أسنان في الستينات من العمر من دوسلدورف يُدعى غيرنوت موريغ، وهو معروف بانتمائه المتطرف، والآخر هانس كريستيان ليمر مستثمر في قطاع سلسلة مطاعم شهيرة في ألمانيا. وتشير الدعوة إلى أن الاجتماع سيقدّم «الخطة الرئيسية بمفهومها الاستراتيجي لإعادة بلدنا لطبيعته ومساره الصحي». ويطالب الداعون المشاركين بدفع تبرع بقيمة 5 آلاف يورو للمشاركة في الاجتماع.

البحث عن «بلد الاستقبال»

وبحسب التحقيق الاستقصائي، فقد كان «نجم» المؤتمر مارتن سيلنر، وهو كاتب نمساوي معروف في صفوف اليمين المتطرف. وقدم سيلنر الذي كان المتحدث الأول في المؤتمر، رؤيته حول تحقيق «إعادة ترحيل» من لديهم جذور مهاجرة من ألمانيا.

وبحسب مكتب الإحصائيات الفيدرالي، فإن هناك أكثر من 20 مليون شخص في ألمانيا من أصول مهاجرة. وحدد سيلنر الفئات المستهدفة بثلاثة؛ أولا اللاجئون، وثانياً من يحملون إقامات دائمة، وثالثاً مَن هم من المجنسين الذين اعتبرهم «المشكلة الكبرى».

وطرح سيلنر فكرة «دولة استقبال» يمكن أن تكون في شمال أفريقيا، ويمكنها أن تستقبل مليوني شخص ويمكن «نقلهم إليها وتكون فيها فرص للتمرين والرياضة، ويمكن لكل من يدعم اللاجئين أن يذهب إلى هناك». وفي هذا الطرح أصداء لأفكار تداولها النازيون في عام 1940 لترحيل اليهود إلى جزيرة مدغشقر.

لافتات انتخابية في أحد شوارع برلين في 5 يناير 2024 (إ.ب.أ)

ومن اللافت أن فكرة إرسال لاجئين إلى دول أفريقية كانت قد طُرحت من قبل يانس شبان، وزير الصحة السابق والعضو في الحزب المسيحي الديمقراطي المعارض (حزب ميركل). واقترح شبان قبل بضعة أسابيع أن يكون هناك مركز لجوء في رواندا أو غانا؛ حيث يمكن للاجئين المكوث ريثما يتم البت بطلبات لجوئهم إلى ألمانيا.

وبحسب التحقيق الاستقصائي، فإن أحداً من المشاركين لم يعترض على الأفكار التي طرحها سيلنر، ولكن كانت هناك شكوك حول «مدى إمكانية تنفيذها». وعلّقت إحدى المشاركات، وهي سيلكه شرودر التي تنتمي لجمعية تعنى باللغة الألمانية مرتبطة بالحزب المسيحي الديمقراطي، بالسؤال حول كيف يمكن تطبيق الخطة على المجنسين، مضيفة أنه عندما يأخذ الأشخاص جواز السفر الألماني يصبح ترحيلهم «مستحيلاً». ورد سيلنر بالقول إن هذه العملية ستستغرق فترة طويلة تستمر طوال عقد من الزمن، وهي بحاجة لتغيير وتوجيه القوانين.

وعلّقت كذلك على الطرح غيريت هاي، نائبة في البرلمان الفيدرالي تنتمي لحزب «البديل لألمانيا»، قائلة إنها تدعم التوجه، لا بل هي تروج له منذ مدة طويلة. وأضافت أنها لهذا السبب لم تعد تعارض خطة الحكومة الحالية بتغيير قانون الجنسية والسماح بازدواجيتها، «لأن هذا يعني أنه يمكن سحب الجنسية الألمانية، وستبقى لديهم جنسية أخرى».

وتعمل الحكومة الحالية على تعديلات على قانون الجنسية بما يسمح بتعدد الجنسيات، علماً بأن القانون الحالي يفرض على المتقدمين التخلي عن الجنسية الأصلية. ويعارض «البديل لألمانيا» والحزب «المسيحي الديمقراطي» هذا التعديل، علماً بأنه من المفترض أن يتم تبنّيه في الأسابيع المقبلة ويدخل حيز التنفيذ بغضون منتصف العام الجاري. ويمكن بحسب القانون تجريد الأشخاص من الجنسية الألمانية في حال ارتكبوا مخالفات معينة وكانوا يحملون جنسية أخرى.

حظوظ «البديل لألمانيا»

وناقش المشاركون كذلك تقوية حظوظ وصول حزب «البديل لألمانيا» إلى السلطة، علماً بأن استطلاعات الرأي تشير إلى أنه أصبح ثاني أكبر حزب على الصعيد الوطني بعد «المسيحي الديمقراطي». كما أن الحزب أصبح الأكبر في معظم الولايات الألمانية الشرقية، التي ستصوّت 3 منها في انتخابات محلية في الخريف المقبل.

ولكن رغم ذلك، فإن المشكلة الرئيسية التي يواجهها حزب «البديل لألمانيا» هي رفض كل الأحزاب الأخرى التحالف معه، إن كان على الصعيد المحلي أو الوطني. ولكن منذ تسلم فريدريش ميرتز زعامة الحزب «المسيحي الديمقراطي» العام الماضي، يبدو الحزب اليميني الوطني أكثر ليونة في هذا الطرح. وميرتز نفسه تسبب بعاصفة عندما قال قبل أشهر إنه لا يستبعد التحالف مع «البديل لألمانيا» على مستوى الولايات. ولكنه اضطر لسحب كلامه مع موجة غضب واسعة داخل الحزب، خصوصاً من التيار الوسطي الذي تنتمي إليه ميركل.

رفع شعار «البديل لألمانيا» في مظاهرة للمزارعين في برلين رفضاً لسياسات الحكومة بزيادة التعريفات والضرائب (رويترز)

وناقش المؤتمر كيفية زيادة حظوظ وصول «البديل لألمانيا» إلى السلطة، وطرح مراراً فكرة التحالف والتقارب مع هانس يورغ ماسن الذي ينتمي للحزب «المسيحي الديمقراطي»، وكان رئيس المخابرات الداخلية ويُعرف بقربه من اليمين المتطرف. ورغم ازدياد الدعوات مؤخراً لطرده من حزب ميركل بسبب آرائه وتصريحات شديدة التطرف، فهو ما زال عضواً بالحزب. ولكن يبدو أنه يستعد لتشكيل حزبه الخاص، ويخطط لسحب مجموعة من الذين يرون أن «المسيحي الديمقراطي» أصبح وسطياً وأن هناك حاجة للعودة إلى اليمين أكثر.

وبحسب التحقيق، فإن ماسن شارك في اجتماعات اليمين المتطرف في فندق «لاندهاوس أدلون» مرات عديدة، علماً بأن الفندق تحول، بحسب تحقيق سابق لصحيفة «دي تزايت»، إلى مقر رئيسي يستضيف اجتماعات اليمين المتطرف منذ عام 2017.


مقالات ذات صلة

جولة ثانية لانتخابات الرئاسة في البرتغال... بين اليمين المتطرف ويسار الوسط

أوروبا أنصار المرشح الاشتراكي أنتونيو خوسيه سيغورو يتابعون استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراح مساء الأحد (أ.ف.ب)

جولة ثانية لانتخابات الرئاسة في البرتغال... بين اليمين المتطرف ويسار الوسط

أول مرة يتطلب فيها انتخاب الرئيس في البرتغال تنظيم جولة ثانية منذ عام 1986، ما يعكس الاضطرابات التي سببها صعود اليمين المتطرف في السنوات الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (لشبونة)
أوروبا وزير الخزانة السابق من حزب «المحافظين» ناظم الزهاوي يتحدث على خشبة المسرح بعد أن تم الكشف عنه بصفته عضواً جديداً في حزب «الإصلاح» البريطاني بمؤتمر صحافي بلندن 12 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أول وزير عراقي في بريطانيا ينضم إلى اليمين المتطرف

انشق وزير المالية البريطاني السابق ناظم الزهاوي عن حزب «المحافظين» يوم الاثنين وانضم إلى حزب «الإصلاح» البريطاني اليميني المتطرف الذي يتزعمه نايجل فاراج.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا متهمون ومحاموهم يصلون إلى بداية محاكمة 7 متطرفين يساريين متهمين بالانتماء إلى منظمة إجرامية في 25 نوفمبر 2025 في المحكمة الإقليمية العليا في دريسدن بشرق ألمانيا (أ.ف.ب)

محاكمة 7 «مناهضين للفاشية» في ألمانيا بتهمة العنف ضد يمينيين متطرفين

بدأت في ألمانيا، الثلاثاء، محاكمة 7 أشخاص يُشتبه في أنهم ينتمون إلى حركة «أنتيفا أوست» اليسارية المتطرفة، بتهمة شن هجمات عنيفة على أشخاص من اليمين المتطرف.

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم بولين هانسون زعيمة حزب «أمة واحدة» ترتدي النقاب في مجلس الشيوخ الأسترالي اليوم (د.ب.أ)

أستراليا: برلمانية يمينية تثير غضباً بارتدائها النقاب في مجلس الشيوخ

أثارت سياسية أسترالية من اليمين المتطرف غضباً واسعاً، الاثنين، بعد وضعها النقاب في برلمان البلاد، في تصرف وصفه نواب آخرون بأنه «عنصري».

«الشرق الأوسط» (سيدني)
شؤون إقليمية النائب العربي في الكنيست أيمن عودة خلال مظاهرة في تل أبيب نوفمبر 2023 ضد الحرب في غزة (أ.ف.ب)

ميليشيات لكتم الأفواه تعمل في إسرائيل

بعد تكرار حوادث الاعتداءات على القادة السياسيين العرب ونشطاء سياسيين يهود من المعارضة وصحافيين ناقدين، بات واضحاً أن هناك ميليشيات لكتم الأفواه.

نظير مجلي (تل أبيب)

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)
الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)
TT

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)
الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)

قال جهاز الأمن الاتحادي الروسي، اليوم الأحد، إن الرجل الذي يشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى روسيا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال محققون إن اللفتنانت جنرال أليكسييف، الذي يشغل منصب نائب رئيس المخابرات العسكرية، تعرض لعدة طلقات نارية في بناية سكنية في موسكو، يوم الجمعة. وذكرت وسائل إعلام روسية أنه خضع لعملية جراحية بعد الإصابة.

وأشار جهاز الأمن الاتحادي الروسي إلى أن روسياً يدعى ليوبومير كوربا اعتقل في دبي للاشتباه في تنفيذه الهجوم.

واتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أوكرانيا بالوقوف وراء محاولة الاغتيال التي قال إنها تهدف لإفساد محادثات السلام.

وقالت كييف إنه لا علاقة لها بإطلاق النار عليه.

ويقود الأميرال إيغور كوستيوكوف، رئيس المخابرات العسكرية ومدير أليكسييف، الوفد الروسي في مفاوضات مع أوكرانيا في أبوظبي بشأن الجوانب الأمنية في اتفاق سلام محتمل.


زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
TT

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة منذ قرابة 4 سنوات.

وأضاف أنه إذا لم يتم الوفاء بالموعد النهائي وهو يونيو (حزيران) المقبل، فمن المرجح أن تمارس إدارة ترمب ضغوطاً على كلا الجانبين.

وقال زيلينسكي إن واشنطن «عرضت لأول مرة أن يلتقي فريقا التفاوض في الولايات المتحدة، على الأرجح في ميامي، خلال أسبوع».

وتبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات بقصف البنى التحتية في البلدين. وقالت كييف، أمس، إن قواتها قصفت مستودع نفط يُعرَف باسم «بالاشوفو» في منطقة ساراتوف الروسية. وبدورها شنَّت قوات موسكو هجوماً كبيراً على شبكة الطاقة الأوكرانية تسبب بانقطاع الكهرباء عن جزء كبير من البلاد، وأكدت أن صواريخها استهدفت مرافق البنية التحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا.


تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

أعلن السفير الروسي لدى أرمينيا، سيرغي كوبيركين، أن روسيا تراقب من كثب مشروع «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين» الأرميني الأميركي، وأنها مستعدة لمناقشة إمكانية المشاركة في هذه المبادرة.

وحمل التصريح تطوراً في الموقف الروسي حيال النشاط الأميركي المتزايد في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت لقرون منطقة نفوذ حيوي لموسكو، والخاصرة الرخوة لروسيا التي شهدت مراراً تقلبات وتهديدات للنفوذ الروسي.

مصافحة ثلاثية بين دونالد ترمب وإلهام علييف ونيكول باشينيان في البيت الأبيض يوم 8 أغسطس 2025 بعد توقيع الاتفاق بين أرمينيا وأذربيجان (رويترز)

وفي إشارة إلى مشروع «ممر زنغزور» البري المثير للجدل الذي يربط أذربيجان بمنطقة نخجوان (ناخيتشيفان وفق التسمية الأرمينية) عبر جنوب أرمينيا، قال الدبلوماسي إن بلاده «تتابع التطورات المتعلقة بالمشروع، ونحن على استعداد للانخراط في مفاوضات ومناقشة إمكانية الانضمام إلى هذه المبادرة، مع الأخذ في الاعتبار -من بين أمور أخرى- التعاون الوثيق بين روسيا وأرمينيا في صيانة وتطوير قطاع سكك الحديد في جمهورية أرمينيا».

وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قد أشار إلى هذا الموضوع بشكل مبهم في وقت سابق، عندما قال إن «التفاصيل العملية المحددة لهذا المشروع بدأت تتبلور للتو، وإن إطلاقه سيستغرق بعض الوقت».

من اليسار إلى اليمين: قادة أذربيجان وكازاخستان وروسيا وبيلاروسيا وأوزبكستان وطاجيكستان وأرمينيا يصلون إلى مقر قمة رابطة الدول المستقلة في دوشانباي يوم 10 أكتوبر (إ.ب.أ)

كما أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن روسيا مستعدة لاستكشاف الخيارات المتاحة لمشاركتها في المشروع، بما في ذلك الاستفادة من الخبرة الفريدة لشركة سكك الحديد الروسية.

وكانت موسكو قد أعربت عن تحفظ في وقت سابق على بعض تفاصيل الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن بين أرمينيا وأذربيجان في أغسطس (آب) من العام الماضي. وعلى الرغم من أنها رحبت بجهود السلام المبذولة بين باكو ويريفان فإن مسؤولين روساً أبدوا استياء واضحاً من التفاصيل المتعلقة بمنح الولايات المتحدة وجوداً مباشراً في المنطقة.

وكان الطرفان الأذري والأرميني قد وقَّعا اتفاقاً أولياً للسلام وإنهاء عقود من النزاع، خلال اجتماع عُقد برعاية أميركية، ولم تُدعَ إليه موسكو التي كانت وسيطاً مباشراً بينهما لعقود. وتضمن الاتفاق بشأن إرساء السلام وتعزيز العلاقات بين البلدين بنداً يتعلق بإنشاء ممر يربط أذربيجان بمنطقة ناخيتشيفان ذات الحكم الذاتي عبر أرمينيا، وكان يشكل نقطة خلافية جوهرية بينهما.

نقطة تفتيش أذربيجانية في ناغورنو كاراباخ خلال أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ووافقت يريفان على التعاون مع الولايات المتحدة وأطراف ثالثة، لإنشاء الممر الذي بات يحمل تسمية «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين». وشكل التطور تهديداً مباشراً لمصالح روسيا وإيران في المنطقة؛ خصوصاً مع ازدياد الحديث عن دعوة شركات أميركية لتنفيذ المشروع، ما يعني تثبيت حضور أميركي اقتصادي وتجاري وأمني لفترة طويلة. وفي مقابل تجنب موسكو توجيه انتقاد مباشر لواشنطن، واكتفاء بعض المسؤولين بالإعراب عن استياء ضمني، عارضت إيران بقوة إنشاء الممر، خشية أن يؤدي إلى عزلها عن القوقاز، وجلب وجود أجنبي إلى حدودها.

وقبل أيام، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال لقاء مع وزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان، أن يريفان ستمنح واشنطن حصة في الممر على أراضيها. وقالت وزارة الخارجية إنه سيتم إنشاء شركة تكون ملكيتها تابعة للولايات المتحدة بنسبة 74 في المائة، وستتكلَّف بناء البنية التحتية للسكك الحديد والطرق على هذه القطعة من الأرض.

ويفترض أن يسمح المشروع باستثمارات أميركية، ووصول «المعادن الحيوية والنادرة» إلى السوق الأميركية، كما يحدد النص الإطاري لوزارة الخارجية.

وقال روبيو خلال هذا الاجتماع، إن «الاتفاق سيصبح نموذجاً للعالم؛ إذ سيُظهر كيف يمكننا الانفتاح على النشاط الاقتصادي والازدهار، دون المساس بالسيادة وسلامة الأراضي».

وأضاف: «سيكون هذا أمراً جيداً لأرمينيا، وجيداً للولايات المتحدة، وجيداً لجميع المعنيين»، مؤكداً أن إدارة ترمب ستعمل الآن «على تنفيذ الاتفاق».

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين) يتبادل الاتفاقيات الموقعة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماعهما في يريفان (إ.ب.أ)

من جهته، أكد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أن أمن الممر الذي يربط أذربيجان بناخيتشيفان سوف تضمنه «أرمينيا وليس دولة ثالثة».

وترافق التطور في موقف روسيا حيال المشروع والبدء في الحديث عن استعدادها للانضمام إليه، مع توجيه موسكو إشارات إلى أرمينيا التي كانت حليفاً وثيقاً لروسيا قبل أن تتجه لتعاون أوسع مع أوروبا. وقبل أيام، قال الوزير لافروف، خلال لقائه برئيس الجمعية الوطنية الأرمينية، ألين سيمونيان: «آمل بصدق أن تُدرك أرمينيا تماماً ما يكمن وراء هذا الوضع؛ حيث أعلن الاتحاد الأوروبي وأعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبي الحرب صراحة على روسيا، بهدف إلحاق هزيمة استراتيجية بها. أتمنى بشدة ألا تهيمن رواية زرعت الشكوك -بل والأكاذيب- على الرأي العام في بلدينا». وأكد الوزير أن روسيا «لا تعترض أبداً على أي شريك يُطوِّر علاقات خارجية في أي اتجاه. فإن نظراءهم من الاتحاد الأوروبي يُخيِّرون الدولة المعنية باستمرار بين خيارين: إما معنا وإما معهم».