ألمانيا: اجتماع «سري» لسياسيين من اليمين المتطرف يبحث ترحيل الملايين

نواب من حزب «البديل لألمانيا» وأعضاء في حزب ميركل شاركوا في الاجتماع

لافتات انتخابية داعمة لحزب «البديل لألمانيا» في برلين 2 يناير (أ.ف.ب)
لافتات انتخابية داعمة لحزب «البديل لألمانيا» في برلين 2 يناير (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا: اجتماع «سري» لسياسيين من اليمين المتطرف يبحث ترحيل الملايين

لافتات انتخابية داعمة لحزب «البديل لألمانيا» في برلين 2 يناير (أ.ف.ب)
لافتات انتخابية داعمة لحزب «البديل لألمانيا» في برلين 2 يناير (أ.ف.ب)

فيما يعيد إلى الأذهان الأصداء التاريخية لملاحقة النازيين لليهود قبل 80 عاماً، عقد سياسيون ألمان من اليمين المتطرف اجتماعاً سرياً كشف عنه موقع استقصائي ألماني، بحثوا خلاله ترحيل ملايين السكان من ألمانيا بناء على أصولهم الإثنية، ومن ضمنهم من يحملون الجنسية الألمانية.

وكشف موقع «كوريكتيف» عن الاجتماع الذي عُقد في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في فندق «لاندهاوس أدلون» في مدينة بوتسدام القريبة من برلين، شارك فيه سياسيون من حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، وناقشوا خلاله سبل وقانونية ترحيل مَن هم من أصول مهاجرة، في خطة يطمح المشاركون لتنفيذها بعد وصول حزب «البديل لألمانيا» إلى السلطة.

صورة لفندق «لاندهاوس أدلون» حيث انعقد الاجتماع وفق الإعلام الألماني

ويعيد الاجتماع إلى الأذهان «مؤتمر فانزي» الشهير الذي انعقد قبل نحو الـ80 عاماً، في يناير (كانون الثاني) 1942وجمع كبار قادة قوات الأمن الخاصة النازية المعروفة بـ«إس إس» في قصر فانزي بولاية براندبيرغ المجاورة لبرلين، لمناقشة «الحل النهائي» لليهود فيما بات يعرف تاريخياً بـ«مؤتمر فانزي» الذي بدأ على أثره تجميع اليهود وإرسالهم إلى معسكرات الاعتقال.

مقارنات تاريخية

ورغم أن الحدثين يختلفان بالجماعة المستهدفة، وأن النازيين كانوا قد وصلوا إلى السلطة بينما «البديل لألمانيا» ما زال في المعارضة، فإن التشابه بينهما كبير، ويمتد كذلك إلى التقارب الجغرافي بين المكانين. إذ يقع فندق «لاندهاوس أدلون» المملوك لعائلة أدلون صاحبة الفندق التاريخي على بوابة براندنبيرغ، على بعد كيلومترات قليلة من «قصر فانزي» التاريخي الذي مهّد وشرّع للمحرقة التي نفذها النازيون في الحرب العالمية الثانية.

صورة أرشيفية لرولاند هارتفيغ المستشار الخاص لزعيمة حزب «البديل لألمانيا» في يناير 2018 (أ.ف.ب)

وشارك في الاجتماع رولاند هارتفيغ، المستشار الخاص لزعيمة حزب «البديل لألمانيا» أليس فيدل، إلى جانب عدد من النواب المنتمين للحزب المتطرف الذي دخل البرلمان الفيدرالي في عام 2017، وهو الآن في المعارضة. وبحسب الصحافي الذي قال إنه كان موجوداً في المكان وراقب وصول المشاركين، فقد كان من بين الحاضرين أيضاً اثنان من السياسيين المنتمين للحزب المسيحي الديمقراطي اليميني الوسطي الذي تنتمي إليه المستشارة السابقة أنغيلا ميركل.

وتمكّن صحافيون متخفّون في موقع «كوريكتيف»، من «التجسس» على المجتمعين بعد أن حصلوا على رسالة الدعوة للاجتماع، التي قالوا إن أحد المشاركين سرّبها لهم. والرسالة وجّهها شخصان؛ أحدهما طبيب أسنان في الستينات من العمر من دوسلدورف يُدعى غيرنوت موريغ، وهو معروف بانتمائه المتطرف، والآخر هانس كريستيان ليمر مستثمر في قطاع سلسلة مطاعم شهيرة في ألمانيا. وتشير الدعوة إلى أن الاجتماع سيقدّم «الخطة الرئيسية بمفهومها الاستراتيجي لإعادة بلدنا لطبيعته ومساره الصحي». ويطالب الداعون المشاركين بدفع تبرع بقيمة 5 آلاف يورو للمشاركة في الاجتماع.

البحث عن «بلد الاستقبال»

وبحسب التحقيق الاستقصائي، فقد كان «نجم» المؤتمر مارتن سيلنر، وهو كاتب نمساوي معروف في صفوف اليمين المتطرف. وقدم سيلنر الذي كان المتحدث الأول في المؤتمر، رؤيته حول تحقيق «إعادة ترحيل» من لديهم جذور مهاجرة من ألمانيا.

وبحسب مكتب الإحصائيات الفيدرالي، فإن هناك أكثر من 20 مليون شخص في ألمانيا من أصول مهاجرة. وحدد سيلنر الفئات المستهدفة بثلاثة؛ أولا اللاجئون، وثانياً من يحملون إقامات دائمة، وثالثاً مَن هم من المجنسين الذين اعتبرهم «المشكلة الكبرى».

وطرح سيلنر فكرة «دولة استقبال» يمكن أن تكون في شمال أفريقيا، ويمكنها أن تستقبل مليوني شخص ويمكن «نقلهم إليها وتكون فيها فرص للتمرين والرياضة، ويمكن لكل من يدعم اللاجئين أن يذهب إلى هناك». وفي هذا الطرح أصداء لأفكار تداولها النازيون في عام 1940 لترحيل اليهود إلى جزيرة مدغشقر.

لافتات انتخابية في أحد شوارع برلين في 5 يناير 2024 (إ.ب.أ)

ومن اللافت أن فكرة إرسال لاجئين إلى دول أفريقية كانت قد طُرحت من قبل يانس شبان، وزير الصحة السابق والعضو في الحزب المسيحي الديمقراطي المعارض (حزب ميركل). واقترح شبان قبل بضعة أسابيع أن يكون هناك مركز لجوء في رواندا أو غانا؛ حيث يمكن للاجئين المكوث ريثما يتم البت بطلبات لجوئهم إلى ألمانيا.

وبحسب التحقيق الاستقصائي، فإن أحداً من المشاركين لم يعترض على الأفكار التي طرحها سيلنر، ولكن كانت هناك شكوك حول «مدى إمكانية تنفيذها». وعلّقت إحدى المشاركات، وهي سيلكه شرودر التي تنتمي لجمعية تعنى باللغة الألمانية مرتبطة بالحزب المسيحي الديمقراطي، بالسؤال حول كيف يمكن تطبيق الخطة على المجنسين، مضيفة أنه عندما يأخذ الأشخاص جواز السفر الألماني يصبح ترحيلهم «مستحيلاً». ورد سيلنر بالقول إن هذه العملية ستستغرق فترة طويلة تستمر طوال عقد من الزمن، وهي بحاجة لتغيير وتوجيه القوانين.

وعلّقت كذلك على الطرح غيريت هاي، نائبة في البرلمان الفيدرالي تنتمي لحزب «البديل لألمانيا»، قائلة إنها تدعم التوجه، لا بل هي تروج له منذ مدة طويلة. وأضافت أنها لهذا السبب لم تعد تعارض خطة الحكومة الحالية بتغيير قانون الجنسية والسماح بازدواجيتها، «لأن هذا يعني أنه يمكن سحب الجنسية الألمانية، وستبقى لديهم جنسية أخرى».

وتعمل الحكومة الحالية على تعديلات على قانون الجنسية بما يسمح بتعدد الجنسيات، علماً بأن القانون الحالي يفرض على المتقدمين التخلي عن الجنسية الأصلية. ويعارض «البديل لألمانيا» والحزب «المسيحي الديمقراطي» هذا التعديل، علماً بأنه من المفترض أن يتم تبنّيه في الأسابيع المقبلة ويدخل حيز التنفيذ بغضون منتصف العام الجاري. ويمكن بحسب القانون تجريد الأشخاص من الجنسية الألمانية في حال ارتكبوا مخالفات معينة وكانوا يحملون جنسية أخرى.

حظوظ «البديل لألمانيا»

وناقش المشاركون كذلك تقوية حظوظ وصول حزب «البديل لألمانيا» إلى السلطة، علماً بأن استطلاعات الرأي تشير إلى أنه أصبح ثاني أكبر حزب على الصعيد الوطني بعد «المسيحي الديمقراطي». كما أن الحزب أصبح الأكبر في معظم الولايات الألمانية الشرقية، التي ستصوّت 3 منها في انتخابات محلية في الخريف المقبل.

ولكن رغم ذلك، فإن المشكلة الرئيسية التي يواجهها حزب «البديل لألمانيا» هي رفض كل الأحزاب الأخرى التحالف معه، إن كان على الصعيد المحلي أو الوطني. ولكن منذ تسلم فريدريش ميرتز زعامة الحزب «المسيحي الديمقراطي» العام الماضي، يبدو الحزب اليميني الوطني أكثر ليونة في هذا الطرح. وميرتز نفسه تسبب بعاصفة عندما قال قبل أشهر إنه لا يستبعد التحالف مع «البديل لألمانيا» على مستوى الولايات. ولكنه اضطر لسحب كلامه مع موجة غضب واسعة داخل الحزب، خصوصاً من التيار الوسطي الذي تنتمي إليه ميركل.

رفع شعار «البديل لألمانيا» في مظاهرة للمزارعين في برلين رفضاً لسياسات الحكومة بزيادة التعريفات والضرائب (رويترز)

وناقش المؤتمر كيفية زيادة حظوظ وصول «البديل لألمانيا» إلى السلطة، وطرح مراراً فكرة التحالف والتقارب مع هانس يورغ ماسن الذي ينتمي للحزب «المسيحي الديمقراطي»، وكان رئيس المخابرات الداخلية ويُعرف بقربه من اليمين المتطرف. ورغم ازدياد الدعوات مؤخراً لطرده من حزب ميركل بسبب آرائه وتصريحات شديدة التطرف، فهو ما زال عضواً بالحزب. ولكن يبدو أنه يستعد لتشكيل حزبه الخاص، ويخطط لسحب مجموعة من الذين يرون أن «المسيحي الديمقراطي» أصبح وسطياً وأن هناك حاجة للعودة إلى اليمين أكثر.

وبحسب التحقيق، فإن ماسن شارك في اجتماعات اليمين المتطرف في فندق «لاندهاوس أدلون» مرات عديدة، علماً بأن الفندق تحول، بحسب تحقيق سابق لصحيفة «دي تزايت»، إلى مقر رئيسي يستضيف اجتماعات اليمين المتطرف منذ عام 2017.


مقالات ذات صلة

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)
أوروبا تيمو خروبالا وليف - إريك هولم يحتفلان بتصدّر «البديل من أجل ألمانيا» انتخابات إقليم مكلنبورغ - فوربومرن 20 سبتمبر الحالي (أ.ف.ب)

«أقصى اليمين» الأوروبي... مكاسب انتخابية واتساع للحضور السياسي

يعزّز اليمين المتطرف والقومي حضوره في دول أوروبية عدة خلال السنوات الأخيرة عبر مكاسب انتخابية ومشاركة في الحكم، رغم تراجعه في بعض الاستحقاقات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا شارل ديغول (أرشيفية) p-circle

فرنسا: نسيبة للجنرال ديغول تترشح لـ«الشيوخ» على لائحة اليمين المتطرف

تخوض ابنة أحد أحفاد أقارب مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة الجنرال شارل ديغول الانتخابات المقبلة لمجلس الشيوخ على إحدى لوائح حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف.

«الشرق الأوسط» (لومان (فرنسا))
شمال افريقيا عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة في يوليو الماضي (إ.ب.أ)

البرلمان الأوروبي يحض إسبانيا والمغرب على تسريع ترحيل مهاجري سبتة

أقرّ البرلمان الأوروبي، اليوم الخميس، نصّاً تقدّمت به قوى اليمين بدعم من اليمين المتطرف، يدعو إسبانيا والمغرب إلى تسريع إجراءات ترحيل المهاجرين الذين دخلوا سبتة

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ (فرنسا))
أوروبا ملصق إعلاني في لندن ينتقد التبرعات التي تلقاها حزب نايجل فاراج (رويترز)

جدل في بريطانيا بعد تلقّي حزب نايجل فاراج تبرعات قياسية

أعلن ملياردير في مجال العملات المشفرة، الجمعة، أنه تبرع بمبلغ 36 مليون جنيه إسترليني لحزب «ريفورم يو كاي» (إصلاح المملكة المتحدة) اليميني المتشدد.

«الشرق الأوسط» (لندن)

البابا يخاطب حشوداً في الفاتيكان بعد خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني

البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
TT

البابا يخاطب حشوداً في الفاتيكان بعد خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني

البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)

خاطب البابا ليو الرابع عشر آلاف الذين احتشدوا في ساحة القديس بطرس، الأحد، وذلك في أول صلاة أسبوعية له منذ خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني في الرئة.

وغادر رأس الكنيسة الكاثوليكية التي تضم 1.4 مليار شخص في العالم، المستشفى، في روما، السبت، بعد فترة نقاهة أمضاها فيه عقب خضوعه لجراحة الثلاثاء، تمَّ خلالها استئصال ورم سرطاني وجزء من رئته اليمنى.

وأطل البابا البالغ 71 عاماً من نافذة الشقة البابوية، وبدا في حالة جيدة، وتحدث بطريقة طبيعية ودون صعوبة.

وشكر البابا من صلُّوا لأجله، قائلاً: «بعد تجاوز هذه المرحلة الدقيقة -كما تعلمون- سأستأنف الآن أنشطتي تدريجياً»، وذلك على وقع هتافات: «يعيش البابا!» في الساحة.

وأُدخل ليو الرابع عشر الثلاثاء إلى مستشفى «جيميلي» في روما، الواقع شمال الفاتيكان؛ حيث خضع للعملية. وعاد إلى الفاتيكان السبت؛ إذ اعتبر طبيباه أنه «بات مؤهلاً لمغادرة المستشفى».

وقد ألغى ليو الرابع عشر كل استقبالاته حتى 20 أكتوبر (تشرين الأول).

وكان البابا قد تولى بنفسه في 11 أكتوبر إبلاغ الجمهور المحتشد في ساحة القديس بطرس أنه سيخضع «في الأيام المقبلة» لعملية جراحية لإزالة ورم اكتُشف «في مرحلة مبكرة جداً»؛ مشيراً إلى أن «الأطباء يرون أن التدخل الجراحي هو الخيار الأنسب».

ولا تزال نتائج الفحوص الرامية إلى تحديد ما إذا كان السرطان قد انتشر قيد الانتظار.

واستأنف البابا بعضاً من أنشطته في المستشفى؛ إذ أجرى اتصالاً الجمعة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حثَّه فيه على وقف إطلاق النار في مدينة أوليشكي الأوكرانية التي تحتلها موسكو.


زيلينسكي: روسيا هاجمت قطاع الطاقة الأوكراني 76 مرة في أسبوع

موقع المنازل التي تضررت بسبب غارة جوية روسية في مدينة سلوفيانسك على الخطوط الأمامية الأوكرانية (رويترز)
موقع المنازل التي تضررت بسبب غارة جوية روسية في مدينة سلوفيانسك على الخطوط الأمامية الأوكرانية (رويترز)
TT

زيلينسكي: روسيا هاجمت قطاع الطاقة الأوكراني 76 مرة في أسبوع

موقع المنازل التي تضررت بسبب غارة جوية روسية في مدينة سلوفيانسك على الخطوط الأمامية الأوكرانية (رويترز)
موقع المنازل التي تضررت بسبب غارة جوية روسية في مدينة سلوفيانسك على الخطوط الأمامية الأوكرانية (رويترز)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (الأحد)، إن روسيا شنَّت عشرات الهجمات على منشآت الكهرباء والنفط والغاز في بلاده خلال الأسبوع الذي تلا إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقف الهجمات على البنية التحتية للطاقة.

وكتب على «إكس»: «منذ أن أعلن الرئيس الأميركي وقف إطلاق النار على منشآت الطاقة قبل أسبوع، شنَّت روسيا هجمات متعمَدة على قطاعات الكهرباء والنفط والغاز في أوكرانيا 76 مرة»، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف زيلينسكي أن الهجمات الأخيرة استهدفت محطات فرعية في مناطق فينيتسا وجيتومير وخميلنيتسكي وأوديسا.

ولم تؤكد كييف ولا موسكو وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترمب.


توقيف 1200 شخص وإصابة 150 شرطياً... فرنسا تعاين أضرارها غداة الاحتجاجات

رجل يصلح نافذة متجر «سالومون» (Salomon) تضرر خلال اشتباكات وقعت في اليوم التالي لمظاهرات وطنية احتجاجاً على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود في باريس (رويترز)
رجل يصلح نافذة متجر «سالومون» (Salomon) تضرر خلال اشتباكات وقعت في اليوم التالي لمظاهرات وطنية احتجاجاً على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود في باريس (رويترز)
TT

توقيف 1200 شخص وإصابة 150 شرطياً... فرنسا تعاين أضرارها غداة الاحتجاجات

رجل يصلح نافذة متجر «سالومون» (Salomon) تضرر خلال اشتباكات وقعت في اليوم التالي لمظاهرات وطنية احتجاجاً على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود في باريس (رويترز)
رجل يصلح نافذة متجر «سالومون» (Salomon) تضرر خلال اشتباكات وقعت في اليوم التالي لمظاهرات وطنية احتجاجاً على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود في باريس (رويترز)

تُعاين فرنسا، الأحد، حجم الأضرار التي أصابتها بعد يوم من أعمال عنف ونهب وفوضى غطَّت على مشهد احتجاجي شارك فيه مئات الآلاف تنديداً بغلاء المعيشة، وذلك قبل 6 أشهر من الانتخابات الرئاسية.

وفي مواجهة توتر اجتماعي متصاعد، وفي ظلِّ حالة من العجز الحكومي بسبب الافتقار لغالبية برلمانية، تعهدت الحكومة بالتعامل بحزم مع مثيري الشغب.

رجل يمر بدراجته بجوار سيارة محترقة في أحد شوارع باريس (رويترز)

وكانت أعمال الشغب أشد مما كانت عليه في احتجاجات عام 2023 واحتجاجات «السترات الصفراء» عامي 2018 و2019، وفق ما لاحظ مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية».

في باريس، كما في شوارع المدن الكبرى، استُهدفت مئات المؤسسات والمتاجر، وغطى الحطام وهياكل الدراجات النارية المحترقة شوارع بأكملها. وقالت السلطات المحلية إن «شوارع بأكملها خُربت بشل منهجي».

عامل في البلدية ينظف الشارع في اليوم التالي لاندلاع اشتباكات خلال يوم وطني من المظاهرات المنددة بتكلفة المعيشة وارتفاع أسعار الوقود في مدينة مرسيليا بفرنسا (رويترز)

وأفاد مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية» في باريس بأن مجموعات صغيرة من الشبان كانت تنفِّذ عمليات النهب بطريقة منظمة، إذ عمد أفرادها، وهم يضعون أقنعة وقفازات، إلى تعطيل كاميرات المراقبة قبل تحطيم الواجهات الزجاجية للمتاجر واقتحامها.

رجل يجلس في منتصف الشارع بجوار نفايات خلّفها مثيرو الشغب في باريس (رويترز)

في مرسيليا (جنوب) وليل (شمال) وبوردو (جنوبي غرب)، اقتحم متظاهرون مباني للبلديات والمحافظات وخربوها. أما في ليموج (وسط)، فقد أتى حريق على جزء كبير من مبنى البلدية، وهو صرح ضخم يعود إلى القرن التاسع عشر، وفق السلطات المحلية.

وتعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عبر منصة «إكس»، بملاحقة ومعاقبة «كل من ارتكب أعمال تخريب أو اعتدى على مؤسسات أو شركات أو شارك في أعمال نهب».

حريق يلتهم مبنى البلدية بعد أن اقتحمته مجموعة من الأفراد خلال احتجاجات ضد «ارتفاع تكاليف المعيشة» في مدينة ليموج بوسط فرنسا (أ.ف.ب)

وقالت السلطات إنها أوقفت 1200 شخص السبت، وإن 150 عنصر أمن أُصيبوا في المواجهات مع المتظاهرين.

وأُصيب عدد من المتظاهرين أيضاً، بعضهم بجروح خطرة، لا سيما في سانت إتيان (وسط)، حيث بُترت يد شاب في الـ17 من العمر، بسبب قنبلة ألقتها الشرطة.

سيارة تحترق بمحاذاة قناة «سان مارتان» في باريس وذلك خلال احتجاجات جرت أمس ضد «ارتفاع تكاليف المعيشة» (أ.ف.ب)

وقال رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، بعد زيارة ليلية لقوات الأمن: «معجزة ألا تكون الحصيلة أكبر هذا المساء».

«تكلفة باهظة»

ناهز عدد المتظاهرين 550 ألفاً بحسب تقديرات وزارة الداخلية، لكن المنظمين يتحدثون عن 800 ألف.

وقالت ريجين مونفروا، وهي مرشدة اجتماعية كانت في صفوف المتظاهرين: «أتيت للاحتجاج على غلاء المعيشة، ولأقول إننا سئمنا الكدح مقابل أجور زهيدة بينما بدلات الإيجار ترتفع باستمرار».

عناصر من الشرطة يتقدمون في «ساحة الجمهورية» خلال مظاهرة احتجاجاً على «ارتفاع تكاليف المعيشة» في باريس (أ.ف.ب)

وأثارت الاحتجاجات وما رافقها من أعمال شغب مواقف متباينة بين الأحزاب السياسية. فبينما شارك رئيس حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي جان لوك ميلانشون في مظاهرة في باريس داعياً للابتعاد عن أعمال العنف والتخريب، أكدت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان، والتي تتصدر الاستطلاعات، أن حزبها «التجمع الوطني» يقف في صفِّ الشرطة، عادة أن موقف اليسار «يُضفي الشرعية على العنف» ويدفع البلاد نحو الفوضى.

متظاهر يركل حواجز وسط سحب من الغاز المسيل للدموع أمام مكتب السياحة في مدينة ليون جنوب شرقي فرنسا (أ.ف.ب)

وقبل 6 أشهر من الانتخابات الرئاسية، ترتفع حدة المواجهة السياسية بين ميلانشون ولوبان، اللذين تشير استطلاعات رأي عدة إلى احتمال أن يتواجها في الدورة الثانية.

ومع استمرار أعمال العنف حتى وقت متأخر من المساء، خصوصاً في باريس، حذَّر لوكورنو من أن «التكلفة المالية للأضرار ستكون باهظة».

وقال رئيس اتحاد التجارة والتوزيع، ألكسندر بومبار، إنه يتوقع «عواقب اقتصادية ومالية كبيرة».