كيف يمكن إعادة إعمار أوكرانيا؟

يقود هذا إلى سؤال مهم آخر: من أين ستأتي الأموال؟

انفجار في بناية خلال المعارك التي شهدتها مدينة ماريوبول في مارس 2022 (أ.ب)
انفجار في بناية خلال المعارك التي شهدتها مدينة ماريوبول في مارس 2022 (أ.ب)
TT

كيف يمكن إعادة إعمار أوكرانيا؟

انفجار في بناية خلال المعارك التي شهدتها مدينة ماريوبول في مارس 2022 (أ.ب)
انفجار في بناية خلال المعارك التي شهدتها مدينة ماريوبول في مارس 2022 (أ.ب)

تعهدت عدة دول غربية العام الماضي بتقديم مساعدات لأوكرانيا بمليارات الدولارات لإعادة الإعمار من تبعات الحرب الروسية على البلاد. والسؤال المطروح هو: كيف يمكن إنفاق هذه الأموال على الوجه الأمثل لضمان تحقيق الازدهار للأوكرانيين؟

رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك يقدم رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي في الجلسة الافتتاحية خلال اليوم الأول من مؤتمر «تعافي أوكرانيا» في لندن في يونيو الماضي (أ.ف.ب)

يقول المحلل السياسي دوغ إيرفنغ في تقرير نشرته مؤسسة البحث والتطوير الأميركية (راند) إن خبراء الاقتصاد في أوكرانيا احتفظوا بحصيلة قاتمة منذ بدأ الجيش الروسي اجتياح حدودهم في أوائل عام 2022، إذ بلغ عدد المنازل الخاصة التي دمرت في السنة الأولى من الحرب 66 ألفا و618 منزلا، إلى جانب ثمانية آلاف و746 كيلومترا من الطرق الرئيسية التي أتت عليها جنازير الدبابات، والمتفجرات الشديدة.

انفجار في بناية خلال المعارك التي شهدتها مدينة ماريوبول في مارس 2022 (أ.ب)

ويتتبع الاقتصاديون عدد المدارس التي تحولت إلى أنقاض والتي بلغت 434 في السنة الأولى من الحرب، وأيضا عدد محطات الطاقة الكهرومائية التي تضررت، أو دمرت، وتبين أن جميعها قد نالها المصير نفسه. وهم يعرفون عدد مستعمرات النحل الزراعية التي تم القضاء عليها في عام واحد من القتال، والتي بلغت 87 ألفا وتعطي أرقامهم فكرة عن ضخامة جهود إعادة الإعمار اللازمة عندما يتوقف إطلاق النار. لكنها مجرد البداية.

جندي روسي في ماريوبول خلال حصارها قبل عام (أ.ف.ب)

ودرس الباحثون في مؤسسة راند عبر عقود من جهود التعافي، من أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى ما بعد إعصار كاترينا الذي ضرب مدينة نيو أورلينز بولاية لويزيانا الأميركية، لتوضيح ما تتطلبه إعادة إعمار أوكرانيا.

أرشيفية لرئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز)

ولم يكن هدفهم إعادة بناء المنازل وفتح المدارس فحسب، بل ضمان «مستقبل أكثر حرية وازدهارا وأمنا» للأوكرانيين وللغرب. وقال هوارد شاتز، وهو خبير اقتصادي بارز في مؤسسة «راند» شارك في إعداد التقرير: «قد يكون هذا أكبر مشروع تعاف في التاريخ الحديث. لن يكون مثل العراق أو أفغانستان. لا يوجد تمرد هنا لقد وحدت الحرب الأوكرانيين، ولم تقسمهم. سيكون هذا أشبه بما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية أو سقوط جدار برلين».

ويقول المحلل إيرفنغ إن أوكرانيا كانت أفقر دولة في أوروبا حتى قبل غزو روسيا، وكانت بنيتها التحتية في حالة سيئة لدرجة أن الرئيس فولوديمير زيلينسكي قال ذات مرة قبل الحرب إنه يأمل في أن يذكره التاريخ بصفته قائدا بنى طرقا جيدة.

وكانت سمعة أوكرانيا في مجال الفساد أسطورية. وأشار تقرير أميركي إلى حالة قاضية تم القبض عليها وهي تقبل رشوة بقيمة 12 مليون دولار ورغم ذلك تمكنت من الاحتفاظ بوظيفتها. ويضيف أنه من أجل إعادة إعمار ناجح، ستحتاج أوكرانيا إلى الخروج من الحرب على مسار جديد. والآن هو الوقت المناسب للبدء في التفكير في الشكل الذي سيبدو عليه ذلك، وكيفية تحقيق ذلك.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر افتراضي لقادة «مجموعة السبع» في قصر الإليزيه (أ.ف.ب)

وربما لا تنتصر أوكرانيا، ولا روسيا، في هذه الحرب بشكل مباشر. وقد يتخذ السلام، عندما يحل، بدلا من ذلك شكل وقف إطلاق النار أو الهدنة. وستحتاج أوكرانيا إلى سبيل ما لضمان أمنها ضد أي تهديد بهجوم روسي آخر، ومنح المستثمرين الثقة. وانضمام البلاد إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) هو أحد الخيارات، لكنه خيار واحد فحسب.

ماكرون وسوناك على هامش «قمة العشرين» في نيودلهي (أ.ف.ب)

ويمكن للولايات المتحدة وحلفاء آخرين، بدلا من ذلك، الاستمرار في تزويد أوكرانيا بالأسلحة والتدريب لبناء دفاعاتها الخاصة، كما يمكنهم التهديد بإرسال قوات حال عبرت روسيا الحدود مرة أخرى. وعندئذ يمكن لأوكرانيا، الأكثر أمنا، أن تتحول إلى مهمة إعادة البناء الطويلة والمكلفة. ويقدر خبراء اقتصاد أن الحرب تسببت في أضرار بأكثر من 15 مليار دولار، فقط للبنية التحتية المادية.

بايدن مع زيلينسكي (أ.ب)

لقد كان الدمار كاسحا وكاملا لدرجة أنه في بعض الأماكن يشبه وقوع كارثة طبيعية. ويقود هذا إلى السؤال المهم التالي: من أين ستأتي الأموال؟

كانت الدول الغربية جمدت نحو 300 مليار دولار من الأصول الروسية. لكن ليس من الواضح على الإطلاق أن الاستيلاء على هذه الأصول واستخدامها لإعادة البناء سيكون أمرا قانونيا بموجب القانون الدولي. ولكن بدلا من ذلك، ونظرا لحجم التحدي، دعا الكثير من المعلقين إلى وضع خطة مارشال جديدة لأوكرانيا.

وقدمت خطة مارشال الأصلية مليارات الدولارات للمساعدة في انتشال أوروبا الغربية من حطام الحرب العالمية الثانية. ووفرت المساعدات، وتأسيس الناتو في الوقت نفسه، الاستقرار الذي احتاجته أوروبا لإعادة البناء. ولكن ما يتعرض للتجاهل في كثير من الأحيان هو أن الاستثمار الخاص، وليس المساعدات الدولية، هو الذي مول التعافي في الأساس.

مبنى سكني دمره القصف وسط الحرب في ماريوبول بأوكرانيا (رويترز)

ولم تبدأ المحركات الاقتصادية لأوروبا مرة أخرى حتى بدأت التجارة الدولية في التدفق. وقد تشكل أوروبا الوسطى بعد سقوط سور برلين سابقة أقرب لأوكرانيا.

وجاءت بعض المساعدات الأميركية في شكل صناديق مشروعات استثمرت في شركات صغيرة ومتوسطة الحجم. وأعادت هذه الأموال تنشيط المصارف، وبناء الصناعات لمساعدة البلدان التي تلقتها، مثل بولندا والمجر، على الانضمام في نهاية المطاف إلى السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي.

وهذا هو الهدف المعلن لأوكرانيا أيضا، ويجب أن يكون لإمكانية حصول البلاد على عضوية الاتحاد الأوروبي «قوة جاذبية» لجهود التعافي.

ويخلص إيرفنغ إلى أنه يجب على الاتحاد الأوروبي أن يأخذ زمام المبادرة، في إدارة التعافي الاقتصادي، مع تحديد أوكرانيا للأولويات. ويتعين على الولايات المتحدة أن تأخذ زمام المبادرة فيما يتعلق بالأمن.

كما يجب على جميع الشركاء الرئيسيين تعيين ممثلين خاصين لتنسيق دعمهم وضمان تلبية احتياجات أوكرانيا، حتى إزالة الأنقاض. ومع احتمال تدفق مليارات الدولارات إلى البلاد، يتعين على أوكرانيا أن تعين مفتشا عاما مستقلا لضمان إنفاق الأموال بشكل جيد وشفافية العملية.


مقالات ذات صلة

اتهام كيني أرسل مواطنين للقتال في روسيا بـ«الاتجار بالبشر»

أفريقيا فيستوس أوموامبا مؤسس وكالة التوظيف «غلوبال فايس للموارد البشرية» (رويترز)

اتهام كيني أرسل مواطنين للقتال في روسيا بـ«الاتجار بالبشر»

أعلن الادعاء العام في نيروبي الخميس توجيه تهمة الاتجار بالبشر لعنصر رئيسي في شبكة أرسلت أكثر من ألف كيني للقتال في صفوف الجيش الروسي.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
وزير خارجية جنوب أفريقيا رونالد لامولا (أ.ف.ب)

جنوب أفريقيا تعلن مقتل اثنين من مواطنيها في أوكرانيا

قالت وزارة خارجية جنوب أفريقيا الخميس إن اثنين على الأقل من أبناء جنوب أفريقيا قُتلا في القتال لحساب روسيا في أوكرانيا بعدما تم خداعهما.

«الشرق الأوسط» ( كيب تاون)
أوروبا صورة للمحادثات بين أوكرانيا وروسيا بقيادة واشنطن في جنيف لإنهاء الحرب 17 فبراير (رويترز) p-circle

زيلينسكي يبحث هاتفياً مع ترمب جولة مفاوضات جديدة لإنهاء الحرب

تحدث زيلينسكي مع ترمب لمدة 30 دقيقة واتفقا على ضرورة أن تؤدي الجلسة المقبلة من المحادثات الثلاثية مع روسيا إلى اجتماع لقادة الدول لمعالجة القضايا العالقة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لافتة لشركة «لوك أويل» في «مؤتمر أبوظبي الدولي للطاقة - أديبك» (رويترز)

واشنطن تُبطئ عملية بيع أصول «لوك أويل» بسبب محادثات السلام بشأن أوكرانيا

أفادت مصادر بأن الولايات المتحدة أبطأت عملية بيع الأصول الدولية لشركة «لوك أويل» الروسية؛ لاستخدامها ورقة ضغط في محادثات السلام بشأن أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا خلال إضاءة برج إيفل بألوان العلم الأوكراني بمناسبة الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي لأوكرانيا 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

باريس: اتهامات موسكو بمساعدتنا أوكرانيا على امتلاك «قنبلة قذرة» غير صحيحة

ردّت فرنسا، الخميس، على ما وصفتها باتهامات روسية لا أساس لها من الصحة مفادها أن أوكرانيا تسعى للحصول على سلاح نووي أو قنبلة قذرة بمساعدة من باريس أو لندن.

«الشرق الأوسط» (باريس)

رئيسة الحكومة الدنماركية تدعو لانتخابات تشريعية في 24 مارس

ملصق حملة انتخابية يظهر رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن في ميدان هيرليف إحدى ضواحي كوبنهاغن بالدنمارك يوم 26 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
ملصق حملة انتخابية يظهر رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن في ميدان هيرليف إحدى ضواحي كوبنهاغن بالدنمارك يوم 26 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

رئيسة الحكومة الدنماركية تدعو لانتخابات تشريعية في 24 مارس

ملصق حملة انتخابية يظهر رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن في ميدان هيرليف إحدى ضواحي كوبنهاغن بالدنمارك يوم 26 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
ملصق حملة انتخابية يظهر رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن في ميدان هيرليف إحدى ضواحي كوبنهاغن بالدنمارك يوم 26 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

أعلنت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، الخميس، تحديد موعد الانتخابات التشريعية لهذا العام في 24 مارس (آذار).

وقالت فريدريكسن أمام البرلمان الدنماركي: «أعزائي شعب الدنمارك، لقد طلبت اليوم من جلالة الملك الدعوة إلى انتخابات الفولكتينغ»، (البرلمان الدنماركي). وأضافت أن «استمراري في منصب رئيسة الحكومة يتوقف على مدى قوة التفويض الذي ستمنحونه للحزب الاشتراكي الديمقراطي في الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في 24 مارس 2026»، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبموجب النظام الدنماركي، يتعين على فريدريكسن الدعوة إلى الانتخابات قبل 31 أكتوبر (تشرين الأول)، أي بعد أربع سنوات من الانتخابات الأخيرة. وانتهزت فريدريكسن الفرصة لعرض الخطوط العريضة لبرنامجها الانتخابي. وقالت إن على الدنمارك مواصلة التسلح والمساهمة في حماية أوروبا من روسيا.

وأكدت فريدريكسن أن «السياسات الأمنية ستظل الركيزة الأساسية للسياسة الدنماركية لسنوات طويلة قادمة».

وأعلنت رئيسة الوزراء أنه سيتوجب على الدنمارك خلال السنوات الأربع المقبلة الاعتماد على نفسها، مع إعادة تعريف علاقاتها بالولايات المتحدة.

وتوترت علاقة الدنمارك بالولايات المتحدة، التي تعتبرها الدنمارك أقرب حلفائها، بسبب رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاستحواذ على غرينلاند. وتجري الدنمارك وغرينلاند حالياً محادثات مع الولايات المتحدة حول مستقبل هذه الجزيرة القطبية الشمالية التي تحظى بحكم ذاتي، والتي يرى ترمب أنها بالغة الأهمية لـ«الأمن القومي» الأميركي.


الانتخابات البلدية تهدد الطموح الرئاسي لرئيس وزراء فرنسا الأسبق

رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق إدوار فيليب خلال فعالية في باريس 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق إدوار فيليب خلال فعالية في باريس 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

الانتخابات البلدية تهدد الطموح الرئاسي لرئيس وزراء فرنسا الأسبق

رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق إدوار فيليب خلال فعالية في باريس 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق إدوار فيليب خلال فعالية في باريس 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أظهر استطلاعٌ للرأي أن رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق إدوار فيليب يمكن أن يخسر منصبه رئيساً لبلدية لو هافر الساحلية، في الانتخابات البلدية المقررة الشهر المقبل، ما يحتمل أن يشكل ضربة لطموحاته الرئاسية لعام 2027.

ويشير معظم استطلاعات الرأي إلى أن فيليب، المنتمي لتيار الوسط والذي شغل منصب رئيس الوزراء في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون حتى عام 2020، يُعد المرشح الأقرب لهزيمة مرشح حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وفق ما أفادت وكالة رويترز» للأنباء.

وكشف الاستطلاع، الذي أجراه مركز «أوبينيون واي» لصالح معهد «هيكساغون»، ونُشر في وقت متأخر الأربعاء، أن فيليب سيحتل المرتبة الأولى بنسبة 37 في المائة، في الجولة الأولى من انتخابات رئاسة البلدية، لكنه سيخسر، في النهاية، أمام المرشح الشيوعي جان بول لوكوك في الجولة الثانية.

وسبق لفيليب أن اعترف بأن خسارة الانتخابات البلدية ستؤثر على فرصه في السباق الرئاسي.


السجن عاماً نافذاً في فرنسا للإيرانية إسفندياري بتهمة «تمجيد الإرهاب»

الإيرانية مهدية إسفندياري والمحامي نبيل بودي قبل إحدى جلسات المحاكمة في باريس يوم 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
الإيرانية مهدية إسفندياري والمحامي نبيل بودي قبل إحدى جلسات المحاكمة في باريس يوم 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

السجن عاماً نافذاً في فرنسا للإيرانية إسفندياري بتهمة «تمجيد الإرهاب»

الإيرانية مهدية إسفندياري والمحامي نبيل بودي قبل إحدى جلسات المحاكمة في باريس يوم 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)
الإيرانية مهدية إسفندياري والمحامي نبيل بودي قبل إحدى جلسات المحاكمة في باريس يوم 13 يناير 2026 (أ.ف.ب)

قضت محكمة فرنسية، الخميس، بسجن الإيرانية مهدية إسفندياري 4 أعوام؛ منها عام نافذ مع حظر دائم على دخول الأراضي الفرنسية، بعدما أدانتها بتهمة «تمجيد الإرهاب».

وغادرت إسفندياري المحكمة وهي في حال سراح، وفق مراسلة «وكالة الصحافة الفرنسية» في المكان. وقد يمهد الحكم لمبادلتها بالفرنسيين سيسيل كولر وجاك باريس؛ المفروضة عليهما الإقامة الجبرية داخل السفارة الفرنسية لدى إيران بعد سجنهما بتهمة التجسس لمصلحة إسرائيل.

من جهته، أعلن محامي الإيرانية أنه سيستأنف الحكم القضائي. وقال المحامي نبيل بودي، بعد الجلسة: «لقد أُبلغنا منذ البداية بهذا التبادل المزعوم الذي من المفترض أن يُجرى بين مواطنَينا والسيدة إسفندياري... إذا أصدرت المحكمة مثل هذا الحكم القاسي بناء على حسابات دبلوماسية، فقد ارتكبت المحكمة خطأ».

وأضاف: «سنستأنف الحكم... على أمل الحصول على قرار يستند إلى عناصر قانونية وواقعية».

ورداً على سؤال عمّا إذا كانت موكلته تنوي البقاء في فرنسا أم مغادرتها خلال إجراءات الاستئناف، أجاب بودي: «سنرى؛ ليست لديّ إجابة».

وجاء الحكم مطابقاً لطلب النيابة العامة. وكانت المدعية العامة قد ارتأت ألا ضرورة لإعادة سجن إسفندياري؛ إذ سبق أن قضت 8 أشهر رهن الحبس الاحتياطي.

وأعربت السلطات الإيرانية عن رغبتها في مبادلة مهدية إسفندياري بعد انتهاء محاكمتها في فرنسا بالفرنسيين كولر وباريس اللذين أوقفا في إيران خلال مايو (أيار) 2022. وأُفرج عن الاثنين في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 مع فرض حظر سفر عليهما يمنعهما من مغادرة الأراضي الإيرانية.

ووُجهت إلى إسفندياري (39 عاماً)، المولودة في إيران ووصلت إلى فرنسا عام 2018، تهمة تمجيد عمل إرهابي عبر الإنترنت، والتحريض المباشر عبر الإنترنت على عمل إرهابي، والتجريح العلني عبر الإنترنت على أساس الأصل أو العرق أو الجنسية أو الدين، والانتماء إلى عصابة مجرمين.

واتهمتها النيابة العامة بوضع منشورات على حسابات باسم «محور المقاومة» في عامي 2023 و2024، لا سيما على منصات «تلغرام» و«إكس» و«تويتش» و«يوتيوب»، وموقع إلكتروني يديره متهم آخر فرنسي الجنسية.

«استكمال الإجراءات»

وأقرت المرأة الإيرانية التي تَرجمت إلى الفرنسية مؤلفات صادرة عن دار نشر تابعة للسلطات الإيرانية، بأنها صاحبة فكرة إنشاء شبكة «محور المقاومة»، لكنها نفت تأليف المنشورات.

الإيرانية مهدية إسفندياري في باريس (أ.ف.ب)

وأيّدت مهدية إسفندياري هجوم حركة «حماس» الفلسطينية على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وعلّقت عليه: «لقد قُتل أطفال، وقُتلت نساء، واحتُجِز رهائن من الجانب الفلسطيني... وعملية (7 أكتوبر) كانت رداً منطقياً»، وأضافت: «هذا ليس عملاً إرهابياً، بل هو عمل مقاومة».

ورأت طهران أن مواطنتها سُجنت ظلماً، وطالبت علناً بمبادلتها مع سيسيل كولر وجاك باريس.

وقال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في أواخر نوفمبر الماضي لقناة «فرانس24»، «جرى التفاوض على هذا التبادل بيننا وبين فرنسا، وتوصلنا إلى اتفاق، ونحن في انتظار استكمال الإجراءات القانونية والقضائية في كلا البلدين».

وأضاف: «لقد صدر الحكم، ولكن كما قلت لكم: استناداً إلى القانون الإيراني... يمكن تبادل السجناء بناء على المصالح الوطنية، وتُحدَّد عملية التبادل في إطار (مجلس الأمن القومي) الإيراني». وأكد أن «كل شيء جاهز. نحن ننتظر انتهاء الإجراءات القانونية في فرنسا».

لكنّ وزارة الخارجية الفرنسية، التي أخذت علماً بهذه التصريحات، شددت على أن القضاء مستقل.

أما بشأن سيسيل كولر (41 عاماً) وجاك باريس (72 عاماً) فقد انتهى مسار التقاضي؛ إذ أمضيا 3 سنوات ونصف سنة وراء القضبان بعدما صدر بحقهما حكمان بالسجن 20 و17 عاماً على التوالي بتهمة التجسس لمصلحة إسرائيل.

وغادر الاثنان السجن، لكنهما يقيمان داخل مقر سفارة فرنسا في طهران. وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية، باسكال كونفافرو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء: «هما بخير، وفي أمان».

ولم تتضح بعد كيفية تنفيذ هذا التبادل المحتمل، في وقت تخيّم فيه ضبابية كبيرة على الوضع في إيران، وسط الانتشار العسكري الأميركي الكثيف في الشرق الأوسط، وتهديدات واشنطن باللجوء إلى الخيار عسكري في حال فشل المسار الدبلوماسي بشأن البرنامج النووي الإيراني.