ظلال ثقيلة لحرب غزة على الداخل العراقي

وسط فشل ضبط قواعد الاشتباك بين واشنطن والفصائل المسلّحة

قاسم سليماني و"ابو مهدي المهندس" (رويترز)
قاسم سليماني و"ابو مهدي المهندس" (رويترز)
TT

ظلال ثقيلة لحرب غزة على الداخل العراقي

قاسم سليماني و"ابو مهدي المهندس" (رويترز)
قاسم سليماني و"ابو مهدي المهندس" (رويترز)

لم تصمد المساعي التي بذلها رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني في ضبط قواعد الاشتباك بين الولايات المتحدة والفصائل العراقية المسلّحة التي تُواصل قصف القواعد والمنشآت التي تتمركز فيها قوات مسلّحة أميركية في كل من العراق وسوريا. وفي حين يسعى السوداني إلى أن يجعل من العام الجديد (2024) «عام منجزات»، كما وعد العراقيين، وسط وفرة مالية عبر موازنة ثلاثية نجح في تمريرها داخل البرلمان - وهذا أمر يحصل للمرة الأولى - فإن التحديات التي بدأت تفرضها تداعيات «حرب غزة»، وتفاعل عدد من الفصائل العراقية المسلَّحة القريبة من إيران معها، أخذت تُلقي بظلالها على الداخل العراقي، وسط انقسام سياسي ومجتمعي في كيفية التعامل معها.

كان رئيس الوزراء العراقي، محمد شيّاع السوداني، قد سقف تحدّيه للفصائل المسلّحة التي استهدفت، الشهر الماضي، مقر السفارة الأميركية في بغداد. فيومذاك وصف ما فعلته تلك الفصائل، التي باتت معروفة وتعلن صراحةً ما تقوم به، بأنه «عمل إرهابي». وحقّاً، حاز هذا الوصف رضا واشنطن، وفي المقابل لم يلقَ ممانعة في الداخل، بما في ذلك قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي التي يحسبها البعض على طهران.

إلا أنه في النهاية لم يؤدِّ إلى منع تلك الفصائل من مواصلة استهداف القواعد؛ حيث تتمركز القوات الأميركية بصفة «مستشارين» - مثلما تقول الحكومة العراقية - في قاعدتيْ عين الأسد بمحافظة الأنبار، وحرير بمحافظة أربيل، ولا إلى قدرة الحكومة على اعتقال العناصر التي تعلن دائماً، وطبقاً للبيانات الرسمية، أنها ستقدّمهم إلى العدالة.

الجانب الوحيد الذي التزمت به تلك الفصائل هو تجنّبها توجيه ضربات أخرى إلى مجمع السفارة الأميركية، وهو ما يعني أنها، طبقاً لتصريحات صدرت عن بعض قيادات الفصائل، ستحترم رؤية الدولة بشأن حماية البعثات الدبلوماسية الأجنبية، بما فيها السفارة الأميركية. بيد أن نوبات القصف للمواقع والمنشآت الأميركية، التي أدت إلى وقوع إصابات في صفوف العسكريين الأميركيين داخل مواقع استهدفتها تلك الفصائل على الحدود العراقية السورية أدّت إلى ردّ فعل أميركي لم يكن متوقّعاً إلى حد كبير، إذ جاء الرد عبر استهداف مقر لقوات «الحشد الشعبي» نتج عنه وقوع قتلى وجرحى عراقيين.

ما يستحق الذكر أن رئيس الوزراء العراقي كان قد أخذ موافقة قوى «الإطار التنسيقي» إزاء كيفية التعامل مع عناصر يُطلق عليها أحياناً مسمى «خارجين على القانون»، وأحياناً أخرى مسمى «إرهابيين». إلا أن الوصف الأخير بات يطلَق للمرة الأولى على فصائل لها عناوين واضحة وتعتبر نفسها «فصائل مقاومة»، الأمر الذي يعكس طبيعة الانقسام داخل قوى «الإطار التنسيقي» التي تسيطر على الحكم الآن؛ كون محمد شيّاع السوداني ينتمي إليها.

في هذا الصدد، فإن رؤية السوداني، سواءً لجهة طريقة إدارة الدولة في الداخل أم على صعيد التعامل مع ملفّات الخارج، بدأت تختلف عما يراه عدد من قادة قوى «الإطار التنسيقي». لكن إقدام القوات الأميركية على ضرب مقرّ لـ«الحشد الشعبي» في منطقة جرف الصخر، جنوب بغداد، كان «المتغير» الذي أدى إلى إحداث خلل بموازين العلاقة بين بغداد وواشنطن. وهنا نشير إلى أن الأخيرة كانت قد أعربت عن رضاها على خطوات السوداني حيال استهداف السفارة الأميركية من قِبل الفصائل المسلّحة، بما في ذلك إطلاقه وصف «العمل الإرهابي» على ما حدث.

من جهة ثانية، صحيح أن الحكومة العراقية أدانت عملية جرف الصخر، لكن الإدانة ظلّت دون مستوى تقديم احتجاج، كما علّقت أطراف عراقية مناوئة للوجود الأميركي في العراق. ثم إن «اللغة الدبلوماسية» التي كُتب بها البيان، توحي وكأن هذه الحكومة تسير على «حبل مشدود» بين واشنطن من جهة، والفصائل المسلَّحة من جهة أخرى، ولا سيما في ظل التأكيد الدائم للحكومة العراقية بحاجتها إلى التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، ناهيك عن التمسك بـ«اتفاقية الإطار الاستراتيجي» الموقَّعة بين بغداد وواشنطن عام 2009. وبالفعل، فإن البيان الحكومي يقول: «نُدين بشدة الهجوم الذي استهدف منطقة جُرف الصخر، الذي جرى دون علم الجهات الحكومية العراقية؛ ما يُعدّ انتهاكاً واضحاً للسيادة، ومحاولة للإخلال بالوضع الأمني الداخلي المستقر، فالحكومة العراقية هي المعنية حصراً بتنفيذ القانون، ومحاسبة المخالفين».

«رسالتا احتجاج وطمأنة»هذا يعني أن الهجوم شُنّ دون علم الحكومة العراقية، وبدا، من ناحية، كما لو كان «رسالة احتجاج» موجهة إلى واشنطن، لإحجامها عن التنسيق مع بغداد، رغم أن اتفاقية الإطار الاستراتيجي تُلزمها بذلك، ومن ناحية ثانية بدا بمثابة «رسالة طمأنة» للفصائل المسلَّحة بأن الحكومة لم تعطِ واشنطن «الضوء الأخضر» بأي شكل من الأشكال، وهو ما عدّته انتهاكاً للسيادة.

ليس هذا فحسب، بل إن البيان الحكومي كرّر الترحيب بالتحالف الدولي، عندما نصّ على أن «وجود التحالف الدولي في العراق هو وجود داعم لعمل قواتنا المسلّحة عبر مسارات التدريب والتأهيل وتقديم الاستشارة، وأن ما جرى يُعدّ تجاوزاً واضحاً للمهمة التي توجد من أجلها عناصر التحالف الدولي لمحاربة (داعش) على الأراضي العراقية؛ لذلك فإنها مدعوّة إلى عدم التصرف بشكل منفرد، وأن تلتزم سيادة العراق التي لا تهاون إزاء خرقها بأي شكل كان».

مجمع السفارة الأميركية في بغداد (آ ف ب / غيتي)

ومع هذا، حسم رئيس الوزراء الحالي محمد شيّاع السوداني، بخلاف كل رؤساء الوزراء العراقيين السابقين، العلاقة الملتبسة بين الدولة والفصائل المسلَّحة، التي دأبت طوال السنوات الماضية، على استهداف المصالح الأميركية في العراق، إذ إن هذه الفصائل، التي تربط غالبيتها علاقات تحالفية مع إيران، ركّزت هجماتها على القواعد؛ حيث الوجود العسكري الأميركي في البلاد، كقاعدتيْ عين الأسد وحرير، بجانب مقر السفارة الأميركية، من منطلق رفضها بقاء القوات الأميركية في العراق. غير أن تلك الهجمات تكرّرت، طوال السنوات الماضية، وارتفعت وتيرتها على عهد حكومة رئيس الوزراء السابق، مصطفى الكاظمي، ولم تتبنَّ أية جهة المسؤولية عن تنفيذها.

«عملية المطار»

ثم إن الحكومة العراقية نفسها، حينذاك، ما كانت تجرؤ لا على تحديد هوية تلك الفصائل، ولا إطلاق أوصاف تتجاوز وصف «الخارجين عن القانون»، في بيانات الإدانة. وكانت في الغالب تكتفي بالقول إنها تمكنت من العثور على منصات إطلاق الصواريخ. وفي حين كان الكاظمي يعلن الاتفاق مع الأميركيين على جدولة انسحابهم من العراق، والقول إن ما سيبقى منهم لن يزيد على نحو 2000 مستشار تحتاج إليهم الحكومة العراقية بموجب «اتفاقية الإطار الاستراتيجي» - التي كان العراق قد وقّعها مع الولايات المتحدة عام 2009 على عهد حكومة نوري المالكي - فإن الفصائل كانت تهاجم الكاظمي بشدة، وثمة مَن اتهمه بأنه هو من سهّل «عملية المطار»، التي وقعت يوم 3 يناير (كانون الثاني) 2020 أيام كان رئيساً لجهاز المخابرات خلال فترة تصريف الأعمال لحكومة عادل عبد المهدي. وكما هو معروف، نفّذت في تلك العملية طائرة حربية أميركية ضربة، بالقرب من مطار بغداد الدولي، أدت إلى مقتل قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري الإيراني»، وأبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة «الحشد الشعبي» العراقي، وأدت، من ثم، إلى تصعيد غير مسبوق، سواء في الهجمات أم المواقف السياسية. وحقّاً، خلال ثلاثة أيام من العملية، أصدر البرلمان العراقي قراراً غير مُلزِم للحكومة العراقية بإخراج الأميركيين من العراق، لكن هذا القرار تَحوّل إلى شمّاعة تُعلّق عليه القوى السياسية المناوئة للوجود الأميركي كل خلافاتها مع الحكومة التي كان يرأسها مصطفى الكاظمي في الشهر الخامس من عام 2020.

وبينما ازدادت الهجمات، ومعها تعقيد العلاقة مع الكاظمي، إلى حد تنفيذ بعض الفصائل ضربة على منزله بهدف اغتياله، فإن التداعيات اللاحقة فاقمت تعقيدات الموقف حتى ظهور نتائج الانتخابات التي أُجريت أواخر عام 2021، ونتج عنها إخراج الكاظمي ومطاردته مع فريقه، والمجيء بحكومة شكّلتها قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي التي رشحت السوداني لرئاستها.لا حياد مع الدولةعلى صعيد آخر، بعد اندلاع حرب غزة، يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أعلنت فصائل عراقية أطلقت على نفسها «المقاومة الإسلامية في العراق»؛ من بينها حركة «النجباء»، و«كتائب حزب الله» العراقي، أنها قرّرت استهداف المواقع والأهداف الأميركية، سواءً في العراق أم سوريا، من منطلق أن واشنطن تقف بالكامل خلف إسرائيل في حربها ضد غزة وحركة «حماس»، وأيضاً أعلنت بشكل واضح أنها جزء من «وحدة الساحات» في مواجهة إسرائيل.

إقدام القوات الأميركية على ضرب مقرّ لـ«الحشد الشعبي» في منطقة جرف الصخر كان «المتغير» الذي أدى إلى إحداث خلل في موازين العلاقة بين بغداد وواشنطن

في الداخل العراقي، على صعيد القوى الرئيسة التي شكّلت الحكومة الحالية؛ وهي قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي، بدا أن الأمر أضحى مُحرجاً لجهة كون بعض قوى «الإطار التنسيقي» جزءاً من الحكومة، مثلما لبعضها تمثيل برلماني، وإن كانت تَعتبر نفسها جزءاً من محور «المقاومة». ومع كشف الفصائل، التي باتت تستهدف القوات الأميركية في العراق أو السفارة الأميركية، عن اسمها الصريح، غدا واضحاً أن القوى الأخرى التي هي جزء من «الإطار التنسيقي» الذي يقود الحكومة، وفي الوقت عينه تَعدُّ نفسها جزءاً من المقاومة، صارت تشعر بالحرج لجهة كيفية التوفيق بين مسارين لا يلتقيان. فالحكومة العراقية، وعلى لسان رئيسها، أعلنت موقفاً رسمياً واضحاً حيال حرب غزة تَعدُّه القوى السياسية المؤيدة لرئيس الوزراء موقفاً قوياً. ومع استمرار الحكومة في هذا الموقف، صار استهداف الفصائل المسلَّحة المصالح الأميركية - وبأسمائها الصريحة – واقعاً محرجاً للحكومة نفسها ولداعميها من داخل «الإطار التنسيقي»، وذلك لجهة الفصل بين ضرورة احترام سيادة الدولة، وبين البعد العاطفي في سياق الحرب على غزة وما تفرضه من سياقات دعم.

وفي محاولة من رئيس الوزراء لعقد تسوية مع الأطراف المسلَّحة عن طريق القوى التي تصنِّف نفسها بأنها «مقاومة» مثلها، لكنها جزء من الحكومة للتخفيف من استهداف القواعد العراقية التي تضم قوات التحالف الدولي، أدى استمرار الضربات إلى تصاعد الرفض الرسمي لعمليات الاستهداف، وإن كان من دون أن يبلغ مدًى يمكن أن تترتب عليه مواقف سياسية حادّة. لكن استهداف السفارة الأميركية في قلب بغداد كان «القشّة التي قصمت ظهر بعير» العلاقة بين الحكومة وتلك الفصائل.

ففي بيان حكومي يُعدّ الأقوى لجهة التوصيف، أطلق محمد شيّاع السوداني وصف «عمل إرهابي» على ما فعلته الفصائل باستهدافها السفارة الأميركية. إلا أن هذا الوصف بقدر ما أدى إلى مزيد من المواقف المحرِجة داخل تلك الفصائل، كان محل قبول من قِبل الأميركيين الذين بدا أنهم كانوا ينتظرون مثل هذه الخطوة، وبالأخص، أنهم كانوا يلامون عراقياً لجهة إدراجهم بعض هذه الفصائل في خانة «الإرهاب». ولهذا فإن هذا التوصيف، وخصوصاً أنه جاء على لسان الناطق العسكري باسم القائد العام للقوات المسلّحة، له دلالاته العميقة.

السوداني لم يكتف بذلك، بل أخذ موافقة قوى «الإطار التنسيقي» التي اجتمع معها ليلة الحادث، لكي تعلن دعمها إياه في سياق حماية البعثات الأجنبية في البلاد. وعلى صعيد هذا التوصيف بدا أن قواعد الاشتباك اختلفت بين الفصائل المسلّحة وواشنطن التي سعى رئيس الوزراء إلى ضبط إيقاعها قدر الإمكان. ومع أن العلاقة ظلت طبيعية بين السوداني والفصائل المسلّحة، من منطلق أنها قريبة من الحكومة - ما أدى إلى حصول هدنة طويلة امتدت لسنة تقريباً - فإن تكثيف العمليات العسكرية في سياق حرب غزة، وتصاعد عمليات الاستهداف للمصالح الأميركية في العراق، أنهيا الهدنة بين الطرفين.

 

محمد شيّاع السوداني (آ ف ب)

هل سيكون 2024 «عام المنجزات» في العراق؟

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني، في إطار برنامجه الحكومي، الذي بدا شاملاً وطَموحاً، مع مطلع العام الجديد، أن هذا العام سيكون «عام المنجزات».السوداني كتب، في سياق تهئنته للعراقيين بمناسبة دخول العام الجديد: «ندخل عاماً جديداً نحمل فيه تطلعات شعبنا، ونعقد الأمل والعزيمة، ونجدد الإصرار على أن يكون عاماً مفعماً بالتقدّم والعمل والعطاء، والمُضيّ بما التزمت به الحكومة في برنامجها وأولوياته التنفيذية، بأنها حكومة خدمات وإصلاح وتحقيق المتطلبات والاحتياجات، التي تلاقي تطلعات المواطنين في كل مكان من هذا الوطن الغالي». وتابع: «عامنا الجديد سيكون (عام الإنجازات) بإذن الله تعالى، سيكون عام تحويل الخُطط إلى واقع عمل، وقطف ثمار الجهد وحصاده، بما يلبّي طموح مواطنينا في كلّ مكان. حفظ الله العراق عزيزاً قوياً مُعافى». وفعلاً، في مارس (آذار) الماضي، أعلن السوداني أن 2023 سيكون «عام المشاريع». وتعهّد رئيس الوزراء، في كلمة له بمناسبة إطلاق الحزمة الأولى من المشاريع الخاصة بفك الاختناقات المرورية في العاصمة العراقية بغداد، خلال احتفالية أقامتها وزارة الإعمار والإسكان والبلديات والأشغال العامة، بأن «الحكومة وضعت أولويات الخدمات في مقدمة برنامجها، وبغداد اليوم بحاجة ماسّة إلى مشاريع خِدمية». وأردف أن «اليوم كل موظف بحاجة إلى ساعتين للوصول إلى مكان عمله، بسبب الاختناقات المرورية... وعام 2023 سيكون عام المشاريع». السوداني أوضح أن «مشاريع المجسّرات تُعدّ ضرورية في العاصمة، وبغداد تستحق تنفيذ حلول دائمة لمسألة الزحامات المرورية»، مبيناً أن «المشاريع التي ستطلَق، اليوم، تحصل للمرة الأولى في بغداد». ومن ثم أضاف أن «الحلول موجودة رغم التأخير والمركز، وأطراف بغداد ستكون واحدة لسهولة التنقل... وهذه المشاريع لن تذهب مع المشاريع المتلكئة، وأي جهة تعرقل تنفيذ المشاريع فأنا موجود»، إلى أن قال: «هذه المشاريع تأتي التزاماً وإيفاءً بما وعدنا به شعبنا، وما سبق أن أدرجناه في البرنامج الحكومي، ضمن حزمة الخدمات التي هي جزء أساس من واجبنا واستحقاقات شعبنا».وطبقاً للمراقبين والمتابعين، فإن ما تحقَّق من منجزات، خلال السنة الأولى من عمر حكومة السوداني، ما كان يمكن أن يتحقق لولا الاستقرار السياسي الذي كان أحد العوامل المساعِدة للعمل. ففي خلال العام كله، وبخلاف الأعوام الماضية، لم تحدث إلا تظاهرات مطلبية بسيطة من قِبل الموظفين أو العاطلين عن العمل أو المفسوخة عقودهم. وحتى حين حاولت بعض القوى المدنية المعارِضة رفع سقف المعارضة والخروج إلى الشارع بتظاهرات، فإنها بسبب تغيب «التيار الصدري» عنها، لم تتمكن من حشد الأعداد المطلوبة التي كان يمكن أن تشكل خطراً تستدعي اتخاذ إجراءات استثنائية في مواجهتها. «التيار الصدري»، على الرغم من زخمه الجماهيري الكبير، لم يتحرك في الشارع ضد الحكومة، مع أنه بقي رافضاً لها، فقد درج زعيم «التيار» مقتدى الصدر على إطلاق تسمية حكومة «بني العباس» عليها، في مقابل «العلويين» الذين يعلن أنه مَن يمثلهم. غير أنه مع دخول العام الجديد الذي يريده السوداني أن يكون «عام المنجزات»، تظل المخاوف قائمة إذا ما واصلت الفصائل المسلَّحة ضرب المواقع المرافقية والعسكرية الأميركية. كذلك هناك خشية من أن يأتي الرد الأميركي قوياً في المرات المقبلة. وما يزيد من وتيرة المخاوف أكثر هو الخشية من انخراط إسرائيل في المواجهة مع تلك الفصائل داخل العراق، ما يسبب إحراجاً كبيراً للحكومة، وللسوداني شخصياً، في ظل تركيبة سياسية غير متجانسة في ملفات عدة، رغم كونها تشكل ائتلافاً كبيراً داعماً للحكومة اسمه «ائتلاف إدارة الدولة».



«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».