صفقات الاندماج الكبرى تنذر بأزمة مالية جديدة

بلغت منذ بداية العام نحو 3.5 تريليون دولار

عمليات الاندماج والاستحواذ في سبيلها إلى بلوغ مستوى قياسي سنوي (أ.ف.ب)
عمليات الاندماج والاستحواذ في سبيلها إلى بلوغ مستوى قياسي سنوي (أ.ف.ب)
TT

صفقات الاندماج الكبرى تنذر بأزمة مالية جديدة

عمليات الاندماج والاستحواذ في سبيلها إلى بلوغ مستوى قياسي سنوي (أ.ف.ب)
عمليات الاندماج والاستحواذ في سبيلها إلى بلوغ مستوى قياسي سنوي (أ.ف.ب)

يأتي اليوم الأول من أسبوع العمل في وول ستريت مصحوبًا في العادة بإعلان عن صفقة أو صفقتي اندماج بين الشركات، ومن هنا جاءت عبارة «ميرجر منداي» أو «اثنين الاندماج»، لكن هذه الأيام ربما تكون عبارة «مانيك منداي» أو «اثنين الجنون» هي الأنسب لوصف الوضع الراهن.
وشهد يوم الاثنين الماضي كشف النقاب عن صفقات بقيمة تتجاوز 170 مليار دولار. فقد وافقت ديل على الاستحواذ على شركة «إي إم سي» لتخزين البيانات، في صفقة تبلغ قيمتها نحو 67 مليار دولار، بينما قالت إنهيزر بوش إنبيف إنها رفعت عرضها مقابل شراء ساب ميلر إلى نحو 103 مليارات دولار. وإذا أضفت بعض المعاملات الصغرى، يصبح لديك واحد من أضخم الأيام على الإطلاق في مجال إبرام الصفقات في تاريخ وول ستريت.
إن عمليات الاندماج والاستحواذ في سبيلها إلى بلوغ مستوى قياسي سنوي، حيث شهد عام 2015 حتى الآن صفقات بقيمة تقترب من 3.5 تريليون دولار، حسبما تفيد طومسون رويترز. ويقول أحد المصرفيين في وول ستريت إن يوم الاثنين الماضي يذكره الآن إلى حد ما «بسنة 1986 أو ربما 2007». ولو أن هذا الشعور صحيح، فإن تلك الصفقات لا تصبح نذير خير، وإنما تمثل على الأرجح النهاية - أو على الأقل بداية النهاية - لسوق صاعدة.
ولا يعني ذلك أن السوق سوف تتعثر غدًا، أو حتى في الشهور القليلة المقبلة. ولو استرشدنا بالتاريخ، فإن أمامنا على الأرجح عامًا آخر من الصفقات، مع بقاء أسعار الفائدة عند معدلاتها المنخفضة، ومن الجائز أن يستمر ذلك لوقت أطول. وعندما تعلن بنوك وول ستريت أرباحها خلال الأسبوعين المقبلين، توقع الحديث عن قائمة طويلة غير معتادة من الصفقات التي يجري الإعداد إليها. لكن الكثير من أصحاب العقول المالية الفطنة يرون أن هذا المستوى من إبرام الصفقات غير قابل للاستدامة.
وفي يونيو (حزيران)، أشرنا إلى أن الموجة الأخيرة من الصفقات المبرمة ما هي إلا مؤشر على ضعف الاقتصاد. لكن تلك الصفقات ربما تنذر بأمر أفدح: ضعف الأساسيات.
والآن فكر في الأطراف الواردة في إعلانات يوم الاثنين: إنها شركات محاصرة وتحاول تبديل جلدها. وفي حالة ديل - إي إم سي، تحاول شركة ديل الابتعاد عن نشاطها الأساسي في الحاسبات الشخصية، بينما كانت إي إم سي تعاني في ظل تغير مناخ العمل في قطاع تخزين البيانات الحاسوبية. وبحسب زميلي بيتر إيفيس، تعكس نتائج ديل صافي خسارة يبلغ 768 مليون دولار، مقابل خسارة بقيمة 570 مليون دولار في نفس الفترة من العام السابق. كما تراجعت الإيرادات لتصل إلى 27.5 مليار دولار في الشهور الستة الأخيرة، مقابل 29.5 مليار دولار في نفس الفترة من العام السابق. وربما تحقق الصفقة نجاحًا كبيرًا - في الواقع، إنها على الأرجح ما كان ينبغي أن تقدم عليه الشركتان - لكن الصفقة تبرم بالكاد من موقع قوة.
نفس الشيء ينطبق على صفقة بوش إنبيف - ساب ميلر. لقد انخفض نصيب الشركتين من السوق، كما تراجعت مبيعاتهما في البلدان المتقدمة، حيث تختلس مصانع الجعة الصغيرة نصيبًا معتبرًا من السوق. وهكذا فإن المبرر المنطقي للاندماج بين الكيانين واضح جدًا: خفض النفقات.
ربما تعود هاتان الصفقتان بالنفع على حملة الأسهم، لكنهما تكشفان الكثير عن العوامل الموجهة للجولة الحالية من الاندماجات، وربما الأهم، عن القوى الاقتصادية الفاعلة الآن. إن الشركات الكبرى التي كانت تقلص نفقاتها سعيًا وراء العودة إلى الربحية على مدار السنوات الكثيرة الماضية استنفدت كل النفقات التي يمكن تخفيضها. فماذا تفعل إذن؟ فلتندمج إمعانًا في تقليص النفقات. وكتب سبيروس مالاندراكيس، وهو محلل في يورومونيتور، الشهر الماضي حول صفقة الاندماج المحتملة في صناعة الجعة «إن تكتل الشركات ربما يقدم القطرات الأخيرة في سكرة أسواق الأسهم».
وإذا وضعت أداء مؤشر ستاندرد آند بورز 500 أمام رسم بياني لأحجام الصفقات في السنوات الثلاثين الماضية، ستتبين أن إبرام صفقات الاندماج هو مؤشر متخلف، وليس تقدميا لأسواق الأسهم. وبصيغة أخرى، إن أي زيادة في أحجام الصفقات تعقب ارتفاع أسواق الأسهم، ولا تستبقها. كما تحدث في العادة طفرة في عقد الصفقات في العام ونصف العام الذي يسبق أي تصحيح كبير في الأسواق. وتبرم الصفقات الأكبر غالبًا في نهاية دورة السوق الصاعدة، مثل صفقة الاستحواذ المدعوم بالقروض على شركة تي إكس يو للطاقة عام 2007 والتي انتهت بطلب إشهار إفلاس العام الماضي. بالطبع تكون الصفقات أكثر منطقية في بداية الدورة، لكن المديرين التنفيذيين يشعرون عادة بقلق بالغ إزاء شركاتهم يمنعهم من خوض أي مخاطرة كبيرة. وبالتأكيد تخوض ديل مخاطرة كبيرة، حيث ستكبلها صفقة إي إم سي بدين يبلغ 50 مليار دولار. واستغلت ميغ وايتمان، رئيسة شركة هوليت - باكارد، الدين الثقيل الذي انطوت عليه الصفقة في توجيه سهام الانتقاد إلى الشركة المنافسة. وكتبت في مذكرة إلى موظفيها «لكي تسدد الفائدة على الدين البالغ 50 مليار دولار، والذي سيكون مسجلاً في ميزانية الشركة المتحدة، سوف يتعين على ديل أن تدفع ما يقرب من 2.5 مليار دولار سنويًا من الفوائد فقط». وأضافت: «هذا المبلغ سوف تقتطعه من ميزانية الأبحاث والتطوير وأنشطة أخرى حيوية لعمل الشركة، مما سيمنعها من تحسين خدمة عملائها».
ربما يكون ذلك حقيقيًا، لكن موديز تخطط في الواقع لترقية دين ديل على أساس الصفقة، بدعوى أن الأرقام منطقية: «برغم الزيادة الكبيرة في الدين والرافعة المالية الأولية، فإن الوضع الائتماني الإجمالي لشركة ديل سوف يتحسن مع الاستحواذ على إي إم سي، لأنها صفقة اندماج ستخلق أكبر شركة خاصة للتقنية في العالم من حيث الإيرادات».
بالطبع إن صفقة ديل - إي إم سي والاندماج المحتمل في صناعة الجعة أكثر منطقية مقارنة بالصفقات الخيالية المدفوعة بأهداف وهمية، مثل اندماج شركتي إيه أو إل - تايم ورنر سيئ السمعة عام 1999، والذي يعتبر على نطاق واسع أسوأ صفقة على الإطلاق. بالتأكيد لم نرَ شيئا بهذا السخف - حتى الآن.

* خدمة «نيويورك تايمز»



«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

TT

«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط)
الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط)

مع تسارع التحولات الاقتصادية عالمياً، وإعادة الدول ترتيب أولوياتها الاستثمارية وسلاسل الإمداد، تبرز السعودية لاعباً محورياً بفضل رؤيتها الواضحة لتمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي.

هذا ما أكده الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية»، الدكتور مهند الشيخ، موضحاً أن الفرص التجارية في المملكة تتجه بقوة نحو الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات العملاقة التي يتوقع أن تحقق نمواً سنوياً يصل إلى 29 في المائة على مدى ما بين 7 و8 سنوات مقبلة، بالتوازي مع المشروعات العملاقة والسياحة الدينية والانفتاح المتنامي على تملك الأجانب العقار.

جاءت تصريحات الشيخ لـ«الشرق الأوسط» على هامش «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص»، في الرياض، حيث أوضح أن «المشهد الاقتصادي في المملكة اليوم يقوم على رؤية استثمارية وتجارية واضحة، مدعومة بتشجيع الاستثمار الأجنبي، وتمكين القطاع الخاص ليكون شريكاً رئيسياً في النهضة الاقتصادية الجارية».

وقال إن التحول العالمي الناتج عن الأحداث الجيوسياسية والاقتصادية جعل الدول أعمق وعياً بأهمية بناء قواعد إنتاج محلية قوية؛ «مما استفادت منه السعودية عبر تسريع برامج التوطين وتعزيز بيئة الأعمال».

الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات

ويرى الشيخ أن الحصة الكبرى من فرص النمو خلال السنوات المقبلة ستكون في مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الضخمة، مشيراً إلى وجود نقص عالمي في الكفاءات المختصة بتصميم وهندسة هذه المراكز، وكذلك بتصنيع المعدات المرتبطة بها.

وأضاف أن نجاح مراكز البيانات يعتمد بشكل أساسي على سرعة التنفيذ وطرح المشروعات في السوق للمستثمرين أو المستفيد النهائي؛ «مما يجعل توفر الموارد البشرية المؤهلة عاملاً حاسماً».

ولفت إلى أن المملكة «بحكم أنها مصدر رئيسي للطاقة، فإن تمتلك ميزة تنافسية مهمة في هذا المجال، خصوصاً أن مراكز البيانات تعتمد بشكل كبير على الطاقة والتبريد». كما أشار إلى «الاستثمارات المعلنة من قبل شركات محلية من بينها (هيوماين) و(إس تي سي)، إلى جانب التركيز المتصاعد من الجامعات السعودية على إطلاق برامج علمية تدعم احتياجات القطاع الخاص في هذا المجال الذي يشهد نقصاً عالمياً في المهارات».

وأضاف أن موقع المملكة الجغرافي الذي يربط الشرق بالغرب، إلى جانب بنيتها التحتية الرقمية، «يعززان من جاذبيتها بوصفها مركزاً إقليمياً لمراكز البيانات المتصلة بالذكاء الاصطناعي».

إلى جانب التكنولوجيا، أشار الشيخ إلى أن «المشروعات العملاقة المقبلة، واستضافة المملكة فعاليات دولية كبرى، من بينها (كأس العالم لكرة القدم) و(إكسبو)، سيفتحان آفاقاً واسعة أمام قطاعات متعددة». كما توقع نمواً كبيراً في مكة المكرمة والمدينة المنورة بمجال السياحة الدينية، مدعوماً بانفتاح السوق السعودية على الاستثمار الأجنبي والسماح بتملك الأجانب العقار.

محفزات التوطين

وبشأن العوامل الأساسية لنجاح مشروعات التوطين، أوضح الشيخ أن السوق السعودية تمثل ما بين 60 و70 في المائة من سوق الشرق الأوسط؛ «مما يجعل وجود الصناعات داخل المملكة ضرورة تفرضها سرعة الوصول إلى المنتج النهائي، قبل أن يكون مطلباً تنظيمياً». وأضاف أن المحفزات الحكومية لعبت دوراً داعماً من خلال تشجيع توطين بعض الصناعات وتعزيز سلاسل الإمداد.

وبين أن «جونسون كنترولز العربية» تعمل مع نحو 280 مورداً، وأن بعض منتجاتها تضم ما يصل إلى 40 ألف جزء؛ «مما يجعل استدامة سلاسل الإمداد عنصراً حيوياً للمصنعين». كما شدد على أهمية التعاون مع الجامعات السعودية في البحث والتطوير، مشيراً إلى أن هذا التعاون أسهم في رفع المحتوى المحلي؛ «بل ومكّن الشركة من تصنيع منتجات في السعودية وتصديرها إلى أسواق أميركية؛ نظراً إلى تطابق معايير الاستهلاك والجودة».

وأضاف أن وجود مراكز بحث وتطوير ومختبرات محلية يسرّع تطوير المنتجات ويساعد الشركات على تلبية متطلبات الأسواق الإقليمية والدولية.

سلاسل الإمداد وفرص المستقبل

وبشأن توطين سلاسل الإمداد، قال الشيخ إن جائحة «كوفيد19» كانت نقطة تحول عالمية؛ إذ أدركت الدول خلالها أهمية تأمين احتياجاتها داخلياً. وأوضح أن المملكة تشهد اليوم «ثورة اقتصادية» على مستوى المشروعات والبيئة الاستثمارية، «مع توفر قاعدة صناعية محلية قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في كثير من المنتجات النهائية».

وأشار إلى أن «الفرص لا تزال واسعة أمام المستثمرين العالميين للدخول في مجال توطين سلاسل الإمداد»، لافتاً إلى أن «هذا القطاع تحديداً ما زال يحمل إمكانات نمو أكبر مقارنة بالمنتجات النهائية التي حققت السعودية فيها مستويات متقدمة من الاكتفاء».

منصة تربط العرض بالطلب

وقال الرئيس التنفيذي إن «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص» يمثل منصة عملية تجمع جميع الأطراف لتمكين الفرص وتحويلها إلى شراكات ومشروعات ملموسة.

يذكر أن «المنتدى» يجمع بين العرض والطلب، عبر ربط شركات محفظة الصندوق بالجهات الحكومية والمستثمرين وشركات القطاع الخاص، بما يفتح آفاقاً واسعة لعقد شراكات جديدة وتشكيل موجة تالية من المشروعات التي تعزز دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.

ويختصر الشيخ المشهد بالقول إن «المملكة اليوم تعمل على بناء منظومة متكاملة تشمل الصناعة، والابتكار، وسلاسل الإمداد، والكوادر البشرية؛ مما يضعها في موقع متقدم للاستفادة من موجة التحول العالمي المقبلة، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والصناعات المتقدمة».


«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة
TT

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

لم يكن البيان المشترك الصادر عن وزير المالية السعودي محمد الجدعان، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، في ختام «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»، مجرد توثيق روتيني لانتهاء الفعاليات؛ بل جاء ليعلن عمَّا يمكن وصفه بـ«مانيفستو العُلا» الاقتصادي الجديد الخاص بالاقتصادات الناشئة.

ولمن يتساءل عن ماهية «المانيفستو»؛ فهو في العُرف السياسي والاقتصادي «وثيقة مبادئ علنية» تُحدد أهدافاً استراتيجية ونيّات حاسمة لإحداث تغيير جذري في واقع قائم. وفي قلب العُلا، لم يكن هذا البيان مجرد كلمات، بل كان «ميثاقاً» يضع خريطة طريق لإنهاء حقبة «التبعية الاقتصادية» وتأسيس عهد تكون فيه الاقتصادات الناشئة هي القائد لا التابع.

التحليل العميق لمخرجات هذا «المانيفستو» يكشف عن تحول جذري: فالاقتصادات الناشئة لم تعد «الخاصرة الضعيفة» التي تئنّ تحت وطأة أزمات الدول المتقدمة، بل تحوّلت إلى «صمّام أمان» يقود اليوم 70 في المائة من النمو العالمي.

لقد أبرز مؤتمر العُلا الصمود الاستثنائي للاقتصادات الناشئة في وجه العواصف الجيوسياسية، بالتقاطع مع إطلاق تنبيه صارم مفاده أن «هذا ليس وقت التراخي». وفي البيان الختامي الصادر عن الجدعان وغورغييفا، تم التأكيد أن المؤتمر في نسخته الثانية رسَّخ مكانته منتدىً عالمياً مخصصاً يركز على التحديات والفرص المشتركة.

كما شدد الجدعان وغورغييفا على أن المرحلة المقبلة تفرض «ضرورة ملحة لتعزيز أطر السياسات والمؤسسات لدعم قدرة الاقتصادات الناشئة على الصمود واستغلال الفرص الكامنة، خصوصاً في ظل بيئة عالمية يكتنفها عدم يقين مستمر، وتحولات جيوسياسية عميقة، وتغير متسارع في أنماط التجارة العالمية والتكنولوجيا».

وقال البيان: «على مدى اليومين الماضيين، ركّزت المناقشات على كيفية تمكّن اقتصادات الأسواق الناشئة من التعامل مع بيئة عالمية تتسم باستمرار حالة عدم اليقين، والتحولات الجيوسياسية، وتغيّر أنماط التجارة، والتطور التقني المتسارع. وتُبرز هذه التحولات العميقة الحاجة الملحّة إلى تعزيز أطر السياسات والمؤسسات بما يدعم القدرة على الصمود ويُمكّن من اغتنام الفرص المتاحة في المرحلة المقبلة».

كسر قاعدة «الزكام» التاريخية

أبرزت مخرجات المؤتمر رسالة جوهرية وهي كسر القاعدة التاريخية التي تقضي بإصابة الأسواق الناشئة بـ«الزكام» كلما عطست الدول المتقدمة. فقد أشار البيان إلى أن الأطر السياساتية الموثوقة التي تبنتها هذه الدول جعلتها أكثر صموداً في وجه التضخم وتقلبات العملات، مما حافظ على قدرتها على النفاذ إلى الأسواق العالمية حتى في ظل ذروة عدم اليقين.

الإصلاحات

كما حدد البيان المشترك أن التحدي الحقيقي الآن ليس مجرد «البقاء» بل «الازدهار» والانطلاق إلى المرحلة التالية من الإصلاحات، وهي الإصلاحات التي تحقق نمواً أعلى وأكثر استدامة وزيادة بفرص العمل. وهنا تبرز ركائز المرحلة المقبلة التي تتجاوز استقرار المؤشرات الكلية إلى تحسين مستوى معيشة الشعوب عبر:

  • إطلاق عنان القطاع الخاص بوصفه المحرك الأساسي، مع ضرورة تقليل البيروقراطية وتعميق الأسواق المالية.
  • الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية.
  • الاستثمار في «الإنسان»: تأهيل الشباب في الدول الناشئة ليكونوا وقوداً لسوق العمل العالمية المتغيرة، وليس مجرد عبء ديمغرافي.

كما بعث المؤتمر برسالة مفادها أنه في ظل التحولات المتسارعة في أنماط التجارة والاستثمار، فإن تعميق التكامل داخل الإقليم وبين الأقاليم المتعددة يوفر فرصاً واعدة ومهمة. ويبقى تمكين التجارة وتعزيز التعاون الإقليمي أمرين أساسيين لاقتصادات الأسواق الناشئة في إطار تكيفها مع المشهد الاقتصادي العالمي المتغير.

تحذير من فخ الظروف المواتية

توازياً مع البيان الختامي، قدم الجدعان وغورغييفا في مقال تحليلي مشترك نشرته «بروجيكت سينديكيت» (Project Syndicate) العالمية، قراءة نقدية لمستقبل الأسواق الناشئة. وقد انطلق المقال من حقيقة تاريخية تغيرت؛ فبينما كان يُقال قديماً: «إذا عطست الاقتصادات المتقدمة، أصيبت الأسواق الناشئة بالزكام»، أثبتت الأزمات الأخيرة -من تضخم ما بعد جائحة «كورونا»، إلى موجات التعريفات الجمركية- أن الأسواق الناشئة باتت تمتلك حصانة ذاتية، حيث استقرت عملاتها، وتباطأ التضخم فيها، وبقيت تكاليف ديونها تحت السيطرة.

ورغم هذا الصمود، حدد الجدعان وغورغييفا «نقاط اليقظة» في أربعة محاور استراتيجية:

أولاً- حذر من «فخ التراخي» والمكاسب الهشة: أكد الجدعان وغورغييفا أن هذا ليس وقت الركون للهدوء.

ثانياً- التحول من «الدفاع» إلى «الهجوم» عبر الإصلاحات: أشاد الجدعان وغورغييفا بنماذج إصلاحية ناجحة؛ مثل البرازيل التي كانت سباقة في رفع الفائدة لمواجهة التضخم، ونيجيريا التي أصلحت نظام تسعير الطاقة، ومصر التي توسع قاعدتها الضريبية وتعتمد الرقمنة. وشددا على أن الصمود لا يترجَم تلقائياً إلى نمو، بل تجب الموازنة بين سياسات تعزيز النمو والحفاظ على «الهوامش المالية» (الاحتياطيات) للحماية من التقلبات.

ثالثاً- الذكاء الاصطناعي والاستثمار في «العنصر البشري»: دعا الجدعان وغورغييفا الدول الناشئة إلى الاقتداء بـالسعودية والهند ودول الخليج في استثماراتها الضخمة في البنية التحتية الرقمية، ووصفاها بالأساس الضروري لتبني الذكاء الاصطناعي. كما ركزا على «العائد الديمغرافي»، مؤكداً أن السكان الشباب هم «أصول اقتصادية» هائلة، لكن بشرط الاستثمار المكثف في تعليمهم وتدريبهم لمواجهة تحديات سوق العمل العالمية.

رابعاً- «التكامل» في مواجهة «التشرذم الجيوسياسي»: أقر الجدعان وغورغييفا بأن التوترات في التحالفات القديمة خلقت حالة من عدم اليقين، لكنها في المقابل خلقت فرصاً لأنماط جديدة من التعاون. وأشارا إلى أن دولاً في جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بدأت بالفعل في صياغة روابط تجارية ومالية أعمق، مما يجعل «التعاون الإقليمي» أداة بقاء وازدهار في ظل تراجع العولمة التقليدية.

واختتم الجدعان وغورغييفا بيانهما المشترك بالإعراب عن التقدير للالتزام الذي أبدته اقتصادات الأسواق الناشئة بالتكاتف وتبادل الخبرات واتخاذ خطوات حاسمة لمواجهة التحديات العالمية، متطلعَين إلى مواصلة هذه المناقشات والبناء على هذا الزخم في النسخ المقبلة من مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة.

إن «مانيفستو العُلا» لم يعد مجرد كلمات في ختام مؤتمر، بل هو تعهد دولي بصياغة مستقبل يقوده «المحرك السيادي» للاقتصادات الناشئة، متطلعين إلى بناء زخم أكبر في النسخ المقبلة من هذا المنتدى العالمي الفريد.


رئيس «إنرجيان إنترناشونال»: مصر وجَّهت شركات النفط بمضاعفة الإنتاج بحلول 2030

سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
TT

رئيس «إنرجيان إنترناشونال»: مصر وجَّهت شركات النفط بمضاعفة الإنتاج بحلول 2030

سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)

قال نيكولاس كاتشاروف الرئيس التنفيذي لشركة «إنرجيان ‌إنترناشونال»، ​الثلاثاء، إن ‌مصر وجَّهت شركات النفط الدولية بمضاعفة ⁠الإنتاج ‌بحلول عام ‍2030.

وأضاف، وفقاً لـ«رويترز»، أن العقود الحالية تحتاج إلى إعادة ​التفاوض لزيادة إنتاج مشاريع إعادة ⁠تطوير المناطق.

وأوضح أن أسعار الغاز المنخفضة التي دعمت مراحل التطوير السابقة قد «انتهت»، مما يستدعي تحديث الشروط لتشجيع الشركات على استثمار رؤوس أموالها وزيادة الإنتاج في المواقع القائمة.وقال: «لا أستطيع تحديد السعر بدقة، لكن هناك فرقا شاسعا بين أسعار الغاز المحلي وأسعار الغاز المستورد». وأشار إلى أن شركته مدينة لمصر بأكثر من 200 مليون دولار، وقد استلمت مؤخراً 80 مليون دولار، مؤكداً أن الشركة لا تزال واثقة من تعهدات وزير البترول بتسديد المتأخرات المتبقية. كما ذكر أن تدفقات الغاز من إسرائيل إلى مصر قد ارتفعت، وأن خط الأنابيب يعمل الآن بكامل طاقته.