المشهد الثقافي المصري 2023: حوار غائب ورحيل فادح لكُتاب وشعراء

احتفى بنجيب محفوظ وشهد إصدارات متنوعة ومعرضين تشكيليين لافتين

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
TT

المشهد الثقافي المصري 2023: حوار غائب ورحيل فادح لكُتاب وشعراء

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

ماذا بعد الفقد والرحيل المُباغت؟... سؤال مشحون بالأسى والألم، تتناثر في شظاياه صورة مضطربة وحزينة للمشهد الثقافي المصري، خلال هذا العام المنصرم، والذي طوى في عباءته ستة شعراء من شتى الأطياف الشعرية غيّبهم الموت، بعضهم بعد صراع مرير مع المرض، وبعضهم سقط فجأة من شجرة الحياة: محمود قرني، وأشرف عامر، وسامي الغباشي، ومحمود سليمان، وعبد الحفيظ طايل، وشهدان الغرباوي. وامتدت حِبال الفقد لتطول كوكبة أخرى من الكُتاب والروائيين: حمدي أبو جليل، عبده جبير، كمال رحيِّم، والكاتب المسرحي أبو العلا السلاموني، وشيخ المترجمين: شوقي جلال، صاحب الجهد الوفير في الترجمة في شتى مجالات الأدب والمعرفة والفكر الإنساني، ومُنيت الأوساط الفنية بخسارة فادحة ودّعت، في ظلالها، عدداً كبيراً من الفنانين من أجيال مختلفة، رحلوا عن عالمنا بسبب المرض والحوادث والموت المفاجئ، بينهم موسيقيون ومطربون وممثلون، منهم المطربة الشهيرة شريفة فاضل، والمطرب علاء عبد الخالق، ومُغنية الأوبرا هالة فكري صالح، والفنان مصطفى درويش، والفنانة ماجدة صالح، إحدى رائدات فن الباليه المصري، والموسيقار أشرف أبو زيد، والكاتب السيناريست القدير محمود أبو زيد، والفنان أشرف عبد الغفور، أحد أبرز ممثلي المسرح، والذي رحل في حادث سير.

جميل شفيق في ملتقى البرلس للرسم على الحوائط

خيَّم هذا المشهد بظلاله القاتمة على كثير من الأنشطة والفعاليات الثقافية، حيث تحوَّل معظمها إلى مرثية للتأبين والاحتفاء بمُنجَز هؤلاء الراحلين، وكان من أبرز هذه الأنشطة الندوة التي أقامها منتدى المستقبل للفكر والإبداع لتأبين القاصّ والروائي حمدي أبو جليل، قدّمها وأدارها الناقد الدكتور يسري عبد الله، وشارك فيها باقة من المبدعين والأدباء: أشرف أبو جليل، سعيد نوح، أشرف عبد الشافي، إنجي همام، نهى محمود، عصام الزهيري، وكاتب هذه السطور، استدعوا في مقالاتهم وشهاداتهم وذكرياتهم مع أبو جليل، روحه المرِحة الساخرة، والتي انعكست بقوة في أعماله الروائية والقصصية، وكست طرائق السرد والحكي برائحة خاصة. وكان لافتاً الأمسية التي خصصها مؤتمر «قصيدة النثر المصرية»، ضمن فعاليات دورته السابعة التي انعقدت في بيت السناري الأثري على مدار ثلاثة أيام. أدار الأمسية الشاعر والناقد أسامة جاد، وقدّمت مختارات من قصائد الشعراء الراحلين أثارت حالة من الشجن لدى الحضور ازدادت نبرتها مع إلقاء الفنان طارق الدسوقي باقة من قصائد صديقه الشاعر أشرف عامر وحديثه عنه. وليس بعيداً عن هذا المشهد الاحتفاء بذكرى ميلاد نجيب محفوظ، العربي الوحيد الحاصل على جائزة نوبل في الآداب حتى الآن، حيث ازدانت بصوره وأغلفة أعماله مواقع التواصل الاجتماعي، وكتب أدباء وشعراء ونقاد برقيات حب له، سلّطوا الضوء من جديد على فلسفته وحكمته في الكتابة والحياة، كما نشر بعضهم قصصاً قصيرة له، صدّروها بعبارات اعتزاز بالريادة والقيمة المتجددة في جسد الزمان.

أيام الشمس المشرقة

الاحتفاء بنجيب محفوظ وبكثير من المبدعين الراحلين يعكس في جوهره أحد أوجه أزمة الثقافة المصرية والمشهد الثقافي العام، وهو افتقاد القدوة والمثال المُحفّز على النضوج والابتكار، والذي يجب أن يُحتذى بوصفه قيمة خالصة لوجه الحقيقة المجردة من أجل الإبداع والفن والرقيّ بالذوق العام وإثراء الوجدان. ينعكس افتقاد القدوة على طبيعة المثقف المصري نفسه، فهو يمتلك المقدرة على الحضور والمشاركة في كل المواقف، لكنه مع ذلك يفتقر إلى الموقف الذي يخصه، النابع من ذاته، ويعبر عن قناعاته ورؤاه وأفكاره، ومن خلاله يتقبل النقد بشكل رحب، باعتباره ليس نقيصة، وإنما أحد عناصر بناء الشخصية والمستقبل أيضاً.

في السياق نفسه يمكن أن نفسر غياب الحوار الموضوعي الصحيح، سواء بين المثقفين أنفسهم، أم بينهم وبين المؤسسات الثقافية الرسمية، وعلى رأسها وزارة الثقافة، فلا تزال نظرتها للشأن الثقافي العام محكومة بمنطق الولاء والشللية، وما ينجم عنه من مصالح نفعية ضيقة، تنعكس على بعض الأفراد الذين يندرجون تحت مظلة هذا الولاء، ورغم المؤتمرات التي يغلب عليها طابع المناسبة، وتتناثر في العاصمة والمدن والأقاليم، لا يوجد مؤتمر للثقافة المصرية بالمفهوم الشامل والعميق، يشارك فيه جموع الكُتاب والمبدعين والشعراء من كل المشارب والأطياف الأدبية، يناقش، بحُرّية وحيوية، ما لها وما عليها، ويقترح الحلول ويضع الخطط للمشاكل والعقبات التي تعوق مسيرتها وتقدمها في شتى المجالات. يعزز ذلك أن الثقافة المصرية تمتلك كثيراً من المقومات الإيجابية إبداعاً وتنظيراً، ما يمكن البناء عليه ودفعه بثقة إلى آفاق أرحب من المغامرة والتجريب الخلّاق، وهو المعنى نفسه الذي يضمره الاحتفاء اللافت بذكرى ميلاد نجيب محفوظ بوصفه أحد رموز القدوة المفتقَدة.

صاحب العالم

وفي خضم هذا المشهد الحزين، شهد الواقع الثقافي عدداً من الإصدارات المهمة، منها في الشعر: ديوان «غياب حر» عن الهيئة المصرية للكتاب، للشاعر عاطف عبد العزيز، أحد أبرز شعراء الثمانينات، وديوان «الوقت خارج الوحدة» للشاعرة نجاة علي، وهو أيضاً صادر عن الهيئة المصرية للكتاب، كما صدرت عدة روايات مهمة؛ أبرزها «صاحب العالم» لأحمد صبري أبو الفتوح، دار الشروق، و«حامل الصحف القديمة» لإبراهيم عبد المجيد، دار الشروق، و«العروس» لحمدي الجزار، دار ديوان، و«جريمة في الجامعة» لعز الدين شكري فشير، دار الشروق، و«أيام الشمس المشرقة» لميرال الطحاوي، دار العين، و«وادي الكون» لهالة البدري، دار بتانة، و«آيس هارت في العالم الآخر» لمحمد بركة، دار إيبدي، و«كل يوم تقريباً» لمحمد عبد النبي، دار المحروسة، ورواية «يوم المِلاجَا» لأيمن شكري، دار الثقافة الجديدة، والمجموعة القصصية «أيام عادية» لعادل عصمت، دار الكتب خان. وفي الترجمة رواية «جريمة الابن الصالح» للكاتب الكوري الجنوبي جونج يو جونج، ترجمة محمد نجيب، دار العربي، و«قارئ الجثث» للبريطاني سيدني سميث، ترجمة مصطفى عبيد، الدار المصرية اللبنانية، «ثلاثية» للكاتب النرويجي الفائز بجائزة نوبل، هذا العام، جون فوسه، ترجمة شيرين عبد الوهاب، دار الكرمة.

تبرز هذه الإصدارات وتنوعها ملاحظة مهمة وأساسية هي أن مغامرة التجريب في الكتابة السردية والشعرية لم تعد مقصورة على كُتاب بعينهم، وإنما أصبحت همّاً مشتركاً بين الكُتاب المخضرمين والشباب، ما يعكس روحاً شفيفة ومُحفّزة تعتدُّ بجدلية التأثير والتأثر، يبقى أن تتبلور في حوار أدبي صحيح مبنيّ على أسس وركائز نقدية موضوعية.

غياب حر

وعلى مستوى الفن، لا يزال الفن التشكيلي يتمتع بحيوية خاصة في المشهد، لكن هذه الحيوية لا تخرج عن نطاق المعارض المُقامة وجدرانها البراقة الملساء، لتشتبك مع الهمّ الثقافي في حراكه الخاص والعام، بحيث يمتدّ فضاء اللوحة إلى بقية الفضاءات في عباءة الإبداع، وخصوصاً الشعر والموسيقى والسينما، ومن أبرز المعارض التي أقيمت، معرض حمل عنوان «البدايات» بقصر الفنون في أرض الأوبرا. جاءت فكرة المعرض من منظور شيّق يستعيد، من خلاله، العجينة الأولى واللمسة الأولية لفرشاة الفنان على مسطح الرسم الأبيض؛ بماذا كان يحلم، وبأي لغة رأى اللوحة، وكيف تخيّل صورة العالم فيها وحركة العناصر والأشياء في هذه الأجواء من الفرح بطفولة الفن والحياة؛ وفي مرحلة النضوج والتشكل الفني. ضمّ المعرض نحو 350 عملاً متنوعاً لـ149 فناناً من مختلف الأجيال، من بينهم مجموعة من الفنانين يُعدّون من رُواد الحركة التشكيلية المصرية. ورغم أهمية هذا المعرض فإنه لم ينجُ من العشوائية، فلم يوضح القائمون عليه مفهوم «البدايات» نفسه وتركوه فضفاضاً، دون أي إطار زمني، ولو تقريبي، فليس من المعقول أن يتساوي في التجربة نفسها فنان له باعٌ في الفن على مدار ثلاثين أو أربعين عاماً، وآخر لم يتجاوز بضع سنوات... فعن أي بدايات إذن نتحدث، وأي مخزون للذاكرة والحلم يمكن أن يلفت النظر هنا، ونتوقف عنده.

يبقى من أهم المعارض التي أقيمت، في أواخر هذا العام، وشكّلت حالة من الوفاء والتقدير المستحَق، المعرض الاستعادي للفنان الراحل جميل شفيق (1938 - 2016)، الذي يُعدّ أيقونة الرسم بالأبيض والأسود. احتضن المعرض قاعة أفق بمتحف محمود خليل؛ وضم مجموعة كبيرة ومتنوعة من أعمال شفيق، التي اتسمت بفلسفة جمالية خاصة، وبصيرة شديدة الرهافة والحساسية، تعبر عن رؤيته للفن والحياة، بالإضافة إلى مجموعة من الإسكتشات والأعمال التي تُعرَض لأول مرة.


مقالات ذات صلة

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب «بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ وقصصه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكتاب والقراء الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً

سعيد الأبيض (الطائف)
ثقافة وفنون باومان

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان.

محمود الزيباوي

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.