هل يشهد عام 2024 إفلاس بعض الدول؟

3 سيناريوهات أمام البلدان المثقلة بالديون بعد بلوغها مستويات قياسية

 قد تصبح إثيوبيا أحدث دولة أفريقية تعلن إفلاسها بعد تخلفها عن سداد دفعات استحقاق بقيمة 33 مليون دولار (رويترز)
قد تصبح إثيوبيا أحدث دولة أفريقية تعلن إفلاسها بعد تخلفها عن سداد دفعات استحقاق بقيمة 33 مليون دولار (رويترز)
TT

هل يشهد عام 2024 إفلاس بعض الدول؟

 قد تصبح إثيوبيا أحدث دولة أفريقية تعلن إفلاسها بعد تخلفها عن سداد دفعات استحقاق بقيمة 33 مليون دولار (رويترز)
قد تصبح إثيوبيا أحدث دولة أفريقية تعلن إفلاسها بعد تخلفها عن سداد دفعات استحقاق بقيمة 33 مليون دولار (رويترز)

إذا كانت إيراداتك الشهرية تكفي مصروفاتك، فليس عليك التفكير إلا في كيفية زيادة دخلك الشهري، في حال تطلعك إلى حياةٍ أفضل.

وإذا كانت إيراداتك الشهرية أقل من مصروفاتك، فليس عليك إلا أن تلجأ إلى ترشيد نفقاتك. وإذ لم تكن قادراً على فرملة إنفاقك، فأنت مضطر عندها إلى الاستدانة أو الاقتراض؛ لتلبية احتياجاتك الأساسية أولاً، ثم التفكير في كيفية زيادة إيراداتك، في حال استهدافك حياة أفضل.

أما إذا كانت إيراداتك الشهرية أعلى من مصروفاتك، فالفائض الذي يتحقق عادة ما يتم ضخه في مشروعات جديدة وخطط تحقق مستهدفات أعلى.

ومع غلاء الأسعار الذي يواجه اقتصادات الدول جميعها حول العالم، تبدّلت بنود ميزانيات الأفراد، الذين باتوا في حاجة إلى زيادة دخلهم الشهري، بعد أن ارتفعت نفقاتهم عن معدل أجورهم، جراء ارتفاع معدلات التضخم حول العالم. وصار الأفراد ذوو الخلل المالي شهرياً، أي الذين تتجاوز مصروفاتُهم إيراداتِهم، في حاجة لزيادة مديونياتهم، ولن يتحقق ذلك إلا إذا استدانوا، مع شرط الالتزام في سداد الديون وفوائدها في مواعيدها المستحقة. هي حال عديد من الحكومات والدول، التي اضطرت إلى الاقتراض لا سيما بعد تداعيات أزمة «كورونا» وتأثيرات الحرب الروسية - الأوكرانية، مما كان له عظيم الأثر في أوضاعها الاقتصادية. البعض من هذه الدول دخل دوامة الاقتراض؛ لتلبية جزء من ديون مستحقة، لتتراكم عليه ديون أخرى بآجال مختلفة، حتى صار مديناً في جميع الآجال، القريبة والمتوسطة والبعيدة. مع الأخذ في الاعتبار أن تصنيف الدول ائتمانياً يراعي مدى قدرتها على سداد هذه الديون، والطرق المتبعة لحل هذا الخلل المتراكم.

عندما أعلنت سريلانكا تخلفها في أبريل (نيسان) 2022، كان عليها سداد ديون تبلغ 51 مليار دولار.

وعندما أعلن لبنان تخلفه عن سداد استحقاق سندات دولية أيضاً في مارس (آذار) من عام 2020، بات عليه أن يسدد للخارج ما قيمته 31 مليار دولار.

وبالنظر إلى وضع مصر، ورغم كثرة ديونها الخارجية، التي تتخطى 160 مليار دولار، فإن التزامها حتى الآن بسداد ديونها وعدم تخلفها عن أي دين مستحق، قد يكون دافعاً رئيسياً لعدم خفض تصنيفها الائتماني، أكثر من الفئة «سي». في حين يتجاوز إجمالي الديون السيادية المستحقة على الأرجنتين، رائدة الدول المدينة حالياً حول العالم، 400 مليار دولار، منها نحو 110 مليارات دولار مستحقة لصندوق النقد الدولي وحاملي سندات اليورو المعادة هيكلتها والمملوكة للقطاع الخاص. وقد تصبح إثيوبيا الواقعة في القرن الأفريقي، تصبح أحدث دولة أفريقية تعلن تخلفها عن السداد بعد تخلفها عن سداد دفعات استحقاق بقيمة 33 مليون دولار.

مستوى قياسي للدين العالمي

جاءت الأزمات العالمية المتلاحقة لتكشف هشاشة اقتصادات بعض الدول وضعف بعضها الآخر، وتسببت في إفلاس بعض منها. فقد ازدادت الاحتياجات التمويلية للدول الناشئة بعد خروج الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة منذ أن قرر الاحتياطي الفيدرالي الأميركي رفع أسعار الفائدة، مما حدّ من جاذبية الأسواق الناشئة أمام جذب استثمارات جديدة، خصوصاً أنها تعاني من مشكلات تراكمية جعلت علاوة المخاطر ترتفع فيها إلى نسب عالية. وقد حدّت ضحالة الاستثمارات غير المباشرة، من وجود عملات أجنبية في الاقتصادات الناشئة، التي تستورد معظم احتياجاتها بالعملة الأجنبية، والتي بات الحصول عليها صعباً، إذ ارتفعت تكاليف التمويل من الأسواق الدولية مع تراجع السيولة، مما زاد من حدة أزمة الديون. وفي الربع الثاني من عام 2023، سجّل الدين العالمي مستوى قياسياً بلغ 307 تريليونات دولار، وقادت أسواق مثل الولايات المتحدة واليابان هذا الارتفاع.

ووفقاً لمعهد التمويل الدولي، فإن الدين العالمي بالقيمة الدولارية ارتفع 10 تريليونات دولار في النصف الأول من عام 2023، و100 تريليون دولار على مدى العقد الماضي. وهناك أكثر من 70 دولة منخفضة الدخل تواجه عبء ديون جماعية بقيمة 326 مليار دولار، أكثر من نصفها في ضائقة ديون. وفي كثير من هذه الحالات، فإن الصين هي الدائن الأكبر. على سبيل المثال، 75 في المائة من ديون زامبيا التي تجب إعادة هيكلتها مستحقة للصين، وفقاً لصندوق النقد الدولي، مما يستدعي تساؤلاً عن احتمالات إعلان بعض الدول إفلاسها خلال عام 2024، وسط توقعات بتضخم التكاليف الإجمالية لخدمة الدين في أفقر 24 بلداً في عامي 2023 و2024، بنسبة تصل إلى 39 في المائة، وفق البنك الدولي.

وأفاد البنك الدولي، في آخر تقرير له صدر في ديسمبر (كانون الأول) 2023، بأن مدفوعات خدمة الدين - التي تشمل أصل الدين والفائدة - ازدادت بنسبة 5 في المائة عن 2022، بالنسبة للبلدان النامية جميعها، وأن البلدان المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية، التابعة للبنك الدولي، وعددها 75 بلداً، دفعت مستوى قياسياً بلغ 88.9 مليار دولار من تكاليف خدمة الدين في 2022. وعلى مدى العقد الماضي، تضاعفت مدفوعات الفائدة التي تسددها الدول النامية، 4 مرات، لتصل إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 23.6 مليار دولار في عام 2022.

الديون العربية

تقف بعض الدول العربية على حافة أزمة ديون... فالديون تواصل تناميها في مختلف أنحاء المنطقة، حيث إنها بلغت مستويات قياسية في عديد من الدول. ويواجه كل من تونس ومصر والأردن ولبنان وضعاً محفوفاً بالمخاطر وأزمة ديون مرتفعة، مع اختلاف وضع كل دولة. يرى عدنان مزارعي، زميل أول غير مقيم في معهد «بيترسون للاقتصاد الدولي»، في دراسة نشرها صندوق النقد الدولي، أن أزمة الديون تتفاقم مع صعوبة الحفاظ على استدامة القدرة على تحمل أعباء الدين؛ «بسبب ندرة التمويل بفائدة منخفضة، وإحجام البلدان الثرية عن مواصلة الدعم المالي غير المشروط الذي كانت تقدمه في الماضي».

تونس

تواجه تونس، الدولة الواقعة في شمال أفريقيا، أزمة اقتصادية كاملة. صحيح أن معظم ديونها داخلية، لكن وكالات تصنيف ائتماني عديدة تتوقع تخلفها عن السداد. ولا يزال الاقتصاد التونسي، المعتمد على السياحة، يعاني نقصاً في الأغذية والأدوية المستوردة. ومنذ أزمة «كوفيد 19»، التي عصفت بالاقتصاد والموازنة التونسية، لم يستقر الاقتصاد حتى الآن. وأدى رفض شروط صندوق النقد الدولي، إلى تآكل قدرات تونس على سداد الديون؛ مما دفع البلاد نحو حالة المديونية الحرجة على نحو يصعب اجتنابه، لكن في الوقت نفسه قد يدعم موقف تونس الرافض للهجرة غير الشرعية، عبرها، الدول الأوروبية إلى دعم الاقتصاد التونسي، مع عودة انتعاش القطاع السياحي، مما يسند البلد الخضراء وسط آفاق قاتمة لـ«انبعاثات الديون الخانقة»، بيد أن عام 2024 سيكون فاصلاً في هذا الأمر.

مصر

تنفق الحكومة المصرية، التي توسّعت بشكل حاد في الاقتراض، أكثر من 40 في المائة من إيراداتها على مدفوعات فوائد الديون. يبلغ حجم الديون الخارجية على مصر أكثر من 160 مليار دولار، تضاعفت أكثر من مرة على مدار العقد الماضي، من 40 مليار دولار قبل نحو 10 سنوات، وكأن القاهرة وقعت في فخ الديون. تفاقمت مشكلات مصر؛ بسبب الخسائر التي مُني بها القطاع السياحي جراء تداعيات جائحة «كورونا»، إلى جانب الارتفاع الحاد في تكاليف استيراد الغذاء في أعقاب الحرب الروسية في أوكرانيا.

وارتفعت حدة الأزمة المصرية بفعل العجز الدائم في الموازنة، والإنفاق غير الرشيد، وشح الدولار، مما نتج عنها احتياجات تمويلية كبيرة، تمت تلبية جزء منها من خلال التدفقات الرأسمالية الداخلة قصيرة الأجل، وفقاً لرأي مزارعي، الذي نقله صندوق النقد الدولي عبر موقعه الإلكتروني بعنوان: «غيوم الديون تخيم على منطقة الشرق الأوسط». ووفقاً لتقرير الراصد المالي، الصادر عن صندوق النقد الدولي، في عدد أبريل الماضي، سجّل إجمالي احتياجات مصر التمويلية في عام 2023 نسبة تبلغ 35 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، مما يجعلها شديدة التأثر بارتفاع أسعار الفائدة ومخاطر تجديد الدين. ولدى القاهرة برنامج مع صندوق النقد الدولي بقيمة 3 مليارات دولار، وخفّضت قيمة الجنيه بنحو 50 في المائة منذ فبراير (شباط) 2022.

الأردن

يعاني الأردن من تراجع معدلات النمو، وسط الاضطرابات الجغرافية-السياسية والاقتصادية. وأدى تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين والاضطرابات التجارية عقب الحرب الأهلية السورية إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد الأردني. وفي الوقت نفسه، يكافح الأردن للسيطرة على موارده العامة، في الوقت الذي يعتمد فيه بشكل كبير على المساعدات الرسمية.

لبنان

تحتاج الحكومة اللبنانية إلى تنفيذ استراتيجية مالية متماسكة لاستعادة القدرة على تحمل أعباء الديون وإفساح المجال للإنفاق الاجتماعي والإنفاق على البنية التحتية، وفقاً لصندوق النقد الدولي. قال الصندوق منتصف سبتمبر (أيلول)، إن السلطات اللبنانية لم تطبق الإصلاحات العاجلة المطلوبة مما سيؤثر في الاقتصاد لأعوام مقبلة، ورأى أن الافتقار للإرادة السياسية في اتخاذ قرارات صعبة يضعف القطاع المصرفي هناك.

الديون الأميركية

جاء أكثر من 80 في المائة من تراكم الديون الأحدث من العالم المتقدم، إذ سجلت الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا وفرنسا أكبر الزيادات. ومن بين الأسواق الناشئة، مثلت الصين والهند والبرازيل أكبر الارتفاعات. تجاوز إجمالي الدين القومي الأميركي، أكبر اقتصاد في العالم، 33 تريليون دولار للمرة الأولى، وسط صراع حول الإنفاق الفيدرالي. وزاد الجدل حول الديون الأميركية في 2023، وتخللته مواجهة ممتدة حول رفع سقف الاقتراض في البلاد. وانتهت تلك المعركة باتفاق بين الحزبين الرئيسيين لتعليق حد الديون لمدة عامين، وخفض الإنفاق الفيدرالي بمقدار 1.5 تريليون دولار على مدى عقد من الزمن عن طريق تجميد بعض التمويل الذي كان من المتوقع أن يزداد في عام 2024، ثم الحد من الإنفاق إلى نمو بنسبة 1 في المائة في عام 2025.

لكن الدين العام في طريقه إلى بلوغ أعلى من 50 تريليون دولار بحلول نهاية العقد، حتى بعد أخذ تخفيضات الإنفاق التي تم تمريرها أخيراً، في الاعتبار، مع ازدياد الفائدة على الديون وتكلفة برامج شبكة الأمان الاجتماعي في البلاد.

الدين الصيني

ارتفع الدين الحكومي للصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بما في ذلك القروض غير المدرجة في الموازنة، إلى 10 أمثاله خلال أكثر من 10 سنوات، مما أدى إلى ارتفاع أسعار العائد على السندات وتوجيه الإيرادات بعيداً عن برامج التحفيز الاقتصادي.

وارتفع إجمالي الدين الحكومي في الصين إلى 156 تريليون يوان (22 تريليون دولار) في نهاية عام 2022، أي ما يعادل 126 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، مقابل 14 تريليون يوان (تريليوني دولار) بما يعادل 43 في المائة من إجمالي الناتج المحلي عام 2008، وفق تقرير صادر عن بنك الاستثمار الأميركي «غولدمان ساكس غروب».

وبحسب تقديرات «بلومبرغ»، فإن إجمالي نفقات خدمة الدين الحكومي سيمثل نحو 15 في المائة من إجمالي مخصصات الإنفاق الحكومي في 2023، مقابل 7.6 في المائة خلال 2009.

هل من سيناريوهات؟

وضع الدكتور محمد يوسف رئيس القسم الاقتصادي بمركز «تريندز» للأبحاث في الإمارات، سيناريوهين لأزمة الديون العالمية، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «بالنسبة للسيناريو الأقل ترجيحاً، فهو يتمثل في حدوث انفراجة دولية في حجم الديون وفي نوعيتها وتوزيعها الجغرافي عالمياً، مع تحقيق معدلات نمو اقتصادي عالمي تتفوق على معدلات نمو المديونية في الدول المتقدمة والدول ثقيلة المديونية على السواء... سيكون هذا السيناريو مرهوناً بتوافر وسائل دولية ومحلية داعمة لذلك، والتي من بينها تخفيف أعباء الديون من قبل الدائنين، وتطوير قواعد الحكومة المحلية، ودعم بيئة الأعمال أمام القطاع الخاص عالي الإنتاجية والقيمة المضافة». وأضاف: «أما السيناريو الأكثر ترجيحاً، فيتمثل في استمرار وتيرة الديون الدولية في المسار التصاعدي، مع بعض الجهود الدولية المهدئة لتفاقمها ومنع وصولها لنقطة الانفجار في الدول المتقدمة، ونقطة اللاعودة في الدول النامية ثقيلة المديونية. أي أن هذا السيناريو يعني استمرار تصاعد أزمة الديون العالمية بمعدلات تفوق معدلات نمو الاقتصاد العالمي ونمو الإنتاجية العالمية خلال السنوات القليلة المقبلة دون وجود حل جذري في الأفق، مع استمرار ارتفاع تكاليف الفرصة الدولية البديلة لهذه الديون».

بينما وضع الباحث الاقتصادي ومحلل الأسواق هيثم الجندي، 3 سيناريوهات لأزمة الديون العالمية، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «السيناريو الأمثل والأقل احتمالاً هو حدوث تباطؤ ملحوظ للاقتصاد الأميركي يدفع الاحتياطي الفيدرالي للبدء في خفض أسعار الفائدة إلى مستويات تتماشى مع السائد قبل مارس 2022... حينها ستحدث انفراجة وتتجه رؤوس الأموال بقوة من جديد إلى البلدان الناشئة» لتهدأ من بعدها وتيرة أزمة الديون.

أما «السيناريو الأخطر، فهو أن تستمر قوة الاقتصاد الأميركي ويصبح معدل 5 في المائة عائداً على الديون الأميركية هو الوضع الطبيعي الجديد. وقتها لا بد من تغيير في الهيكل المالي العالمي لإنقاذ الدول من شفا الإفلاس بتغير سياسات مؤسسات التمويل متعددة الأطراف». وأضاف الجندي: «السيناريو الأرجح هو أن يشهد الاقتصاد الأميركي تباطؤاً لكن تدريجياً يسهم في تحقيق الاحتياطي الفيدرالي ما يعرف بـ(الهبوط السلس)، ولكن معه ستكون وتيرة خفض الفائدة العام المقبل بطيئة ومتأخرة، ووقتها ستلجأ الدول النامية إلى إجراءات مؤلمة لتمويل احتياجاتها وسط ضغوط تضخمية مستمرة».

مخاطر اقتصادية

حدد رئيس القسم الاقتصادي بمركز «تريندز» للأبحاث، 5 مخاطر تواجه الاقتصاد العالمي جراء تفاقم هذه الديون، «أولها أن هذه الديون التي كبّلت الاقتصادات العالمية، أضعفت الجهود التنموية في عديد من بلدان العالم، لينعكس ذلك على التراجع في خلق الفرص الاستثمارية المربحة للشركات الدولية عالية الإنتاجية. وثاني هذه المخاطر ما ترتب على نمو المديونية العالمية وأعباء خدمتها من زيادة مقابلة في الهشاشة الاقتصادية العالمية، خصوصاً هشاشة النظام النقدي الدولي الذي بات مهدداً في أصوله التاريخية».

وأضاف: «ثالث المخاطر العالمية للديون ما يسببه التوسع في الديون غير المنتجة من إضعاف قواعد الحوكمة العالمية. ورابع المخاطر التي تخلقها الديون العالمية، ما تسببه من عرقلة جهود التنمية في الدول النامية في ظل ضخامة الاحتياجات التنموية، حيث تحولت المديونية في تلك الدول من دعم التنمية إلى عرقلتها. وباتت هذه الدول تواجه الخيار المستحيل، إما خدمة ديونها أو خدمة شعوبها. ففي بعض الإحصاءات الدولية ما يوضح أن نحو 3.3 مليار شخص يعيشون في بلدان تنفق على مدفوعات الفائدة أكثر مما تنفق على التعليم أو الصحة».

أما خامس هذه المخاطر، فهو ما تتركه الديون من «آثار سلبية على العمل المناخي الدولي، في ظل إضعافها القدرات الاقتصادية الضرورية لحماية البيئة، وفي ظل ما تسببه من شح في مصادر التمويل المناخي الدولي».

بينما يرى الجندي، أن فرص حدوث تعثر عن سداد الديون السيادية تزداد مع تفاقم ضغوط التضخم في ضوء ارتفاع عوائد السندات الأميركية إلى مستويات لم تتسجل منذ سنوات طويلة وقوة الدولار الأميركي. وبحسب صندوق النقد الدولي، هناك ديون أكثر من ربع اقتصادات الدول الناشئة تتداول عند مستويات متعثرة بارتفاع العائد عليها بأكثر من ألف نقطة أساس فوق عائد السندات الأميركية القياسية. وقال الجندي: «السياسة النقدية الأميركية أصبحت أشبه بطوق خانق للاقتصاد العالمي والدول النامية».

حلول ومقترحات

على صعيد الحلول المطروحة، قال يوسف، إنه «على الرغم مما يشوب مصطلح الحلول أساساً من شكوك، وأن غاية ما يمكن تسميته به أنها عبارة عن مسكنات ومهدئات للمشكلة، فإنه يمكن النظر إلى بدائل دولية عدة؛ ومنها سياسة الاستثمار محل الديون، إذ يمكن النظر في دعم دولي يقدَّم للدول النامية عبر مبادلة الديون المستحقة بفرص إنتاجية تحت التنفيذ تطرح للدائنين وبضمانات محلية، لكي تصبح مجدية من منظور اقتصادي ومن منظور تنموي في الوقت نفسه». وأضاف: «من المقترحات أيضاً الربط الدولي بين العمل المناخي وبين إسقاط جزء من الديون، شرط أن يكون هذا الجهد الدولي برعاية الأمم المتحدة ومنظماتها الداعمة لقضايا المناخ».

وأخيراً، يرى الخبير الاقتصادي الدولي، محمد يوسف، أنه «لا بديل عن اللجوء لإسقاط بعض من الديون المستحقة على الدول ثقيلة المديونية، وربط ذلك بتطوير مؤشراتها المحلية للحوكمة، والاعتماد على دبلوماسية الديون في مساندة الدول المدينة تنظيمياً وبما يفيد أكبر قدر من التسويات مع نادي باريس للدائنين».

أما الجندي، فيرى أن الحلول المقترحة، تتمثل في «قيام نادي باريس ومعه دول دائنة أخرى مثل الصين بشطب حصة من ديون الدول المتعثرة، أو قيام صندوق النقد الدولي بتقديم حقوق سحب خاصة جديدة (على غرار عام 2021 وقت منحه 650 مليار دولار قيمة حقوق سحب خاصة) مع إلزام الدول الغنية بتحويل حصتها إلى الدول الأكثر احتياجاً (على سبيل المثال كانت حصة قارة أفريقيا وقتها 33 مليار دولار فقط وهذا أقل من نصف ما حصلت عليه أميركا)».

وختم الجندي قائلاً: «باختصار مصير الاقتصاد العالمي والدول المثقلة بالديون يحدده مستقبل الاقتصاد الأميركي، وسياسة الاحتياطي الفيدرالي».



التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

TT

التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

رسائل كثيرة بعثها مؤتمر العلا في نسخته الثانية، لكنَّ أبرزها أنَّ «زمن الانتظار» خلف الاقتصادات المتقدمة قد انتهى؛ فاليوم تقف الأسواق الناشئة لا كأنها قوة مكملة، بل بوصفها محركاً سيادياً يقود أكثر من 70 في المائة من النمو العالمي. هذه الرسائل لم تكن مجرد استعراض للأرقام، بل كانت «بيان ثقة» يرتكز على ثلاثة دروس جوهرية قدمها وزير المالية السعودي محمد الجدعان من واقع التجربة السعودية، لتكون بمثابة بوصلة للاقتصادات الناشئة.

لقد وضع الجدعان العالم أمام حقيقة اقتصادية صلبة أنَّ مصداقية السياسات لا تُقاس ببراعة الخطط، بل بجسارة التنفيذ. وتجسد ذلك في دروسه الثلاثة؛ أولها أن استقرار الاقتصاد الكلي والانضباط المالي هما حجر الزاوية لأي نهوض، وثانيها أن الإصلاحات الهيكلية لا قيمة لها دون مؤسسات قادرة على تنفيذها، إذ تنبع المصداقية من الحوكمة والشفافية لا من الوعود. أما الدرس الثالث، فهو أن التعاون الدولي متعدد الأطراف بات ضرورة وجودية لحماية هذه الأسواق من الصدمات المتكررة.

هذه «الثلاثية» (الاستقرار، وكفاءة المؤسسات، والتعاون) هي التي تلخص فلسفة التحول الجديدة؛ حيث لم تعد الأسواق الناشئة مجرد ساحة للتجارب، بل أصبحت هي المنصة التي تُصاغ منها الحلول لمواجهة تحديات الدين وتباطؤ التجارة. غير أنَّ هذه الرسائل لم تغفل الجانب التنبيهي؛ إذ إنَّ هذه الأسواق - ورغم تفوقها النموذجي على الاقتصادات المتقدمة - لا تزال تتحرك فوق أرضية ملغومة بالديون المرتفعة، مما يجعل من دعوة الجدعان لتحويل المؤسسات إلى «أدوات تنفيذية مرنة» المرتكز الذي لا يقبل المساومة لضمان استدامة النمو.

وكانت انطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الأحد، الذي تحتضنه محافظة العلا الواقعة (غرب السعودية) بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء مالية، ومحافظي بنوك مركزية، وقادة مؤسسات مالية دولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

«مجموعة العشرين»

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح الجدعان أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في «مجموعة العشرين» تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وتابع أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، التي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

جانب من حضور وزراء ومسؤولين في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

الإصلاحات الهيكلية

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

ولفت الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها بمثابة مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

النمو دون المستويات

من جهتها، ذكرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة، محذرة من أن ذلك يثير القلق في ظل توقع التعرض لمزيد من الصدمات، مع تآكل الهوامش المالية في كثير من الدول، وارتفاع ضغوط الإنفاق ومستويات الدين.

وحدَّدت غورغييفا أولويَّتين للسياسات؛ الأولى إطلاق نمو يقوده القطاع الخاص عبر تقليص البيروقراطية، وتعميق الأسواق المالية، وتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة، إلى جانب تمكين الشباب من اكتساب مهارات وظائف المستقبل وتشجيعهم على ريادة الأعمال.

أما الثانية، فتعزيز التكامل في عالم يشهد تبدل التحالفات وأنماط التجارة، عبر اغتنام فرص التعاون الإقليمي وعبر الأقاليم، وخفض الحواجز بما يحافظ على التجارة بوصفها محركاً للنمو.

وأبانت غورغييفا أن إطلاق المؤتمر، العام الماضي، جاء اعترافاً بالدور المتنامي للاقتصادات الناشئة في عالم يشهد تحولات واسعة في الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والتجارة.

وطبقاً لمديرة صندوق النقد الدولي، فإن السياسات الجيدة تؤتي ثمارها، وإن معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة تبلغ نحو 4 في المائة هذا العام، متجاوزة بفارق كبير نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة، البالغة قرابة 1.5 في المائة، بينما تزيد حصة الاقتصادات الناشئة من الاقتصاد العالمي على 56 في المائة.

غورغييفا تتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

من ناحيته، أكد وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، على ضرورة السرعة والمرونة في صنع السياسات لاقتصادات الأسواق الناشئة، قائلاً: «الوقت ليس محايداً، فالتأخير يحمل تكلفة اقتصادية كلية تتراكم بمرور الوقت، لذلك تمكنت الدول التي استطاعت ضغط دورات اتخاذ القرار مع الحفاظ على الثقة والمصداقية من تحويل تلك السرعة إلى ميزة استراتيجية».

وزاد الإبراهيم، أن السعودية «ستظل منارة للبراغماتية في شراكاتها»، وستعمل كأنها حلقة وصل تخلق منصة للفرص من جميع أنحاء العال، مفيداً أن التجارة والاستثمار لا يزالان محركين أساسيين للنمو والمرونة لاقتصادات الأسواق الناشئة.

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأردف وزير الاقتصاد والتخطيط: «أمامنا اليوم فرصة لبحث آليات المواكبة مع نظام التجارة المتطور، واستكشاف كيف يمكننا تحقيق قيمة أكبر من خلال ذلك»؛ مؤكداً على الدور الاستراتيجي للمؤسسات في ضمان المواءمة مع نظام التجارة العالمي.

المخاطر الجيوسياسية

من جانبه، صرّح وزير المالية الصيني لان فوان آن، بأن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وتابع أن الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة، مؤكداً أن ذلك يعود إلى تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عن ذلك من تباطؤ في التجارة العالمية، وتجزؤ الاقتصاد الدولي.

وزير المالية الصيني في كلمته الخاصة خلال مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكمل أن هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية. وحسب لان فوان آن، فإن أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار، ويؤثر سلباً على جهود التنمية، مشيراً إلى أن دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي.

السياسات النقدية

من جهة أخرى، أفاد محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، بأن حالة عدم اليقين الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية - لا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتنامي للوساطة المالية غير المصرفية.

وأبان السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات، مثل طلبات تغطية الهوامش، وخصومات الضمانات، وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

محافظ البنك السعودي المركزي في جلسة حوارية (الشرق الأوسط)

وزاد أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات.

وتحدث السياري عن تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وشرح أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

التضخم

أما محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، فيرى أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأردف، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في كثير من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، شرح أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

إصلاحات السعودية

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر العلا، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما سماه «التكامل المجزأ».

ولفت أنتراس إلى أن «رؤية السعودية» وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد البروفيسور بول أنتراس خلال حديثه إلى الحضور في المؤتمر (الشرق الأوسط)

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، أجاب أنتراس: «تحد أسعار الفائدة المرتفعة، مضافة إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ووفق أنتراس، فإن هذا النمو هو المخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».


السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
TT

السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)

أكد سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية»، على جاهزية المواني السعودية وقناة السويس لاستقبال عودة الخطوط الملاحية الكبرى للعبور مرة أخرى من المنطقة بعد استقرار الأوضاع.

وعبر المزروع، خلال لقائه الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس المصرية، على هامش فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) بالقاهرة، عن تقديره لجهود هيئة قناة السويس في تعزيز الاستدامة والاستقرار لحركة الملاحة العالمية المارة بمنطقة البحر الأحمر وباب المندب.

تجدر الإشارة إلى أن منطقة البحر الأحمر كانت تشهد فترة من الاضطرابات الملاحية، بسبب الهجوم على السفن التجارية، من قبل جماعة الحوثيين اليمنية، غير أن التوصل لوقف إطلاق النار في غزة، ساهم في توقف الحوثي بنسبة كبيرة عن تلك الهجمات، وعودة خطوط الملاحة الدولية الكبرى للمرور من قناة السويس، التي يمر بها نحو 12 في المائة من التجارة العالمية.

وأبدى المزروع رغبته في التعاون مع قناة السويس في مجال بناء المعديات، فضلاً عن التعاون مع شركات الهيئة العاملة في مجالات التكريك وأعمال الأرصفة، لا سيما مع اتجاه المملكة لتطوير ميناء جدة والقيام بالعديد من مشروعات البنية التحتية.

وشدَّد رئيس «الهيئة العامة للموانئ» بالمملكة العربية السعودية على أن التعاون مع هيئة قناة السويس يعكس قوة العلاقات الثنائية بين البلدين ووحدة الأهداف، متوقعاً أن تشهد الفترة المُقبلة مزيداً من التعاون البنَّاء بين الجانبين.

من جانبه، صرَّح الفريق أسامة ربيع، أنه بحث مع المزروع، سبل التعاون المستقبلي، والتباحث حول آليات التعاون في مجالات تقديم الخدمات اللوجيستية، وبناء الوحدات البحرية، وأعمال المواني والتكريك.

وأعرب ربيع، وفقاً لبيان صحافي صادر عن هيئة قناة السويس، عن تطلعه «لتعزيز علاقات الشراكة والصداقة ومد جسور التعاون لتشمل مجالات عمل جديدة بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة في ضوء تطور مفهوم الخدمات البحرية واللوجيستية بهيئة قناة السويس وزيادة متطلبات المواني البحرية السعودية».

وأكد الفريق ربيع أن «هيئة قناة السويس تمتلك تجربة تعاون ناجحة مع (هيئة الموانئ السعودية) حيث قامت أكاديمية المحاكاة والتدريب البحري التابعة للهيئة بعملية نمذجة ناجحة لميناء رأس الخير في السعودية تمهيداً لتنفيذ عملية ازدواج لقناة الاقتراب في الميناء، وهو التعاون الذي شهد إشادة كبيرة من جانب وفد (هيئة الموانئ السعودية)».

واستعرض ربيع جهود توطين الصناعة البحرية في الترسانات والشركات التابعة لهيئة قناة السويس والتي شهدت طفرة كبيرة خلال العامين الماضيين تحت شعار «صنع في مصر» بجودة عالمية وأسعار تنافسية.

بدأت فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) في نسخته الخامسة عشر، والذي تنظمه الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري تحت رعاية جامعة الدول العربية وبالتعاون مع وزارة النقل المصرية بالقاهرة، خلال الفترة من 8 - 10 فبراير (شباط) الحالي.

وأشار رئيس الهيئة إلى أن إحصائيات الملاحة بالقناة خلال النصف الأول من العام المالي (2025/ 2026) شهدت تحسناً نسبياً مُسجلة نمواً في أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8 في المائة، وارتفاعاً في الحمولات الصافية بنسبة 16 في المائة، بما انعكس إيجاباً على زيادة الإيرادات بنسبة 18.5 في المائة، وذلك مقارنة بالفترة ذاتها من العام المالي 2024/ 2025.

وأضاف أن حركة الملاحة بالقناة منذ بداية العام الحالي 2026 سجلت عبور 1315 سفينة بإجمالي حمولات صافية 56 مليون طن محققة إيرادات قدرها 449 مليون دولار مقابل عبور 1243 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 47 مليون طن، محققة إيرادات قدرها 368 مليون دولار، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.


«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
TT

«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)

وقّع «صندوق النقد الدولي» مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي»، على هامش «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»؛ بهدف تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين، وقد وقّعتها المديرة العامة لـ«صندوق النقد الدولي» الدكتورة كريستالينا غورغييفا، والمدير العام لـ«صندوق النقد العربي» الدكتور فهد التركي.

تهدف مذكرة التفاهم إلى «تعزيز التنسيق في مجالات السياسات الاقتصادية والمالية، بما يشمل التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض، وتبادل البيانات والأعمال التحليلية، وبناء القدرات، وتقديم المساندة الفنية، دعماً للاستقرار المالي والاقتصادي في المنطقة».

وأكد الجانبان أن هذه المذكرة تمثل خطوة مهمة نحو «تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين المؤسستين، والإسهام في دعم شبكة الأمان المالي الإقليمي؛ بما يخدم الدول الأعضاء، ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية».