معارضان إيرانيان يرويان قصة فرارهما إلى أوروبا هربا من قمع الملالي

تحدثا لـ«الشرق الأوسط»: عن مصاعب سياسية وارتفاع في الأسعار وتزايد التوجس الأمني

فرزاد مددزاده (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)  -  بريسا كوهندل (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
فرزاد مددزاده (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط») - بريسا كوهندل (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
TT

معارضان إيرانيان يرويان قصة فرارهما إلى أوروبا هربا من قمع الملالي

فرزاد مددزاده (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)  -  بريسا كوهندل (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
فرزاد مددزاده (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط») - بريسا كوهندل (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)

قدم معارضان إيرانيان، من جيل الشباب الجديد الذي ولد بعد ثورة الخميني في 1979، شهادتيهما لـ«الشرق الأوسط» عن سبب فرارهما أخيرا، عبر طرق معقدة وخطرة، إلى خارج البلاد، وصولا إلى أوروبا. وتحدثا عن ارتفاع درجة المصاعب السياسية التي تحول دون مشاركة الإيرانيين في أي نشاط لا يؤيد السلطات الحاكمة، بالإضافة إلى تزايد التوجس الأمني تجاه المواطنين، مع وجود ارتفاع كبير في أسعار السلع والخدمات، من الطعام إلى الملابس العادية وحتى وسائل التدفئة.
وقال المعارضان إن تدهور الأحوال في إيران بشكل عام بدأ يظهر بوضوح على مرحلتين. الأولى عقب انتفاضة الإيرانيين في ما عرف بـ«الثورة الخضراء» في عام 2009، والثانية بعد انتخاب الرئيس الحالي حسن روحاني في عام 2013.
والمعارضان هما الشاب فرزاد مددزاده (29 عاما)، وكان ممنوعا من السفر، وأمضى خمس سنوات في السجون، ويحظى بشهرة في بلاده بسبب إعدام السلطات لعدد من أقاربه المنخرطين في السياسة.. والفتاة بريسا كوهندل (18 عاما)، المعروفة في أوساط بعض أسر المعتقلين سياسيا في طهران، خاصة فتيات «الثورة الخضراء» وطالبات التعليم الثانوي، وكانت تخضع للمراقبة على خلفية أنشطتها وأنشطة أسرتها المناوئة للنظام، حيث إن والدها محكوم عليه بالسجن لعشر سنوات للسبب نفسه.
قبل انتقاله للعيش في طهران ودخوله السجن، كان فرزاد يقيم في مدينته الأصلية، جولفا، التي ولد فيها، والتابعة لمحافظة أذربيجان الشرقية الواقعة في شمال شرقي إيران، وكان وقتها يعد نفسه لدخول الجامعة ويعمل سائق سيارة نقل. لكن تغير مساره بعد خروجه من السجن، وتحول إلى أعمال البناء.
لقد عاش في العاصمة 12 عاما، إلى أن بدأت إرهاصات الحركات الاحتجاجية التي تفجرت في منتصف عام 2009 والرافضة لـ«تزوير الانتخابات الرئاسية وإعلان فوز الرئيس السابق أحمدي نجاد». جرى القبض عليه في مارس (آذار) من تلك السنة، وعانى الأهوال في سجني «إيفين» و«قزل حصار»، مع جماعات من الشبان الذين شاركوا في «الثورة الخضراء». دخل السجن مع بداية عهد نجاد ولم يخرج منه إلا بعد انتخاب الرئيس الجديد روحاني بنحو تسعة أشهر، لكنه يقول إن عهد روحاني أسوأ بكثير من عهد نجاد.
وعما إذا كان قد علق آمالا خلال وجوده في السجن على انتخاب روحاني على أساس أنه سيكون أفضل من سلفه، أوضح قائلا: «في الحقيقة إذا أردت أن أصارحك فأنا شخصيا لم أكن أعلق آمالا على تحسن الأوضاع بانتخاب روحاني، لكن أصحابي في السجن، وبما أنهم كانوا مرتبطين بشكل من الأشكال بالنظام، وتركيبته، فإنهم كانوا يتوقعون أن يكون روحاني أفضل. إلا أن المهم هو أنه سرعان ما تغيرت قناعاتهم، ولم تمض أشهر حتى جاءوا معلنين ومقرين بأنهم كانوا على خطأ».
ويواصل: «أما أصدقائي من خارج السجن، والذين كانوا قد صوتوا لصالح انتخاب روحاني، ووضعوا صوره على هواتفهم الجوالة، فقد عادوا بعد مرور بضعة أشهر، وأرسلوا رسائل لي في داخل السجن، وقالوا: (كنتم على حق ونحن أخطأنا بالرهان على روحاني). وعلى كل حال، إذا أردت الحقيقة، فإنه بعد مجيء روحاني لم يتغير شيء داخل السجن، بل زاد الأمر سوءا، بحيث إن بعض الأشخاص الذين كانوا يتوقعون أن تمنح لهم إجازات مؤقتة للخروج خارج السجن، وهو أمر كان يحدث أيام نجاد، فوجئوا بعد روحاني بإلغاء هذا النوع من الإجازات. كذلك الأمر بالنسبة للعناية الطبية والعلاجية، سواء على مستوى المستشفيات أو المستوصفات داخل السجن، فقد أصبحت محدودة جدا، وشبه معطلة. في عهد روحاني بدأت أرى وأسمع عن اتساع مداهمات بيوت الناشطين من طلبة الجامعات، وجرى إلقاء القبض على عدد كبير منهم وجاءوا إلينا في السجن. وكان منهم أيضا عمال ومعلمون. وأذكر أنه كان في السجن معلم من هؤلاء محكوم عليه لمدة ستة أعوام، يدعى رسول بوداغي، وبعد أن أمضى مدة محكوميته ما عدا شهرين، حيث كان يأمل أن يفرج عنه، نقلته المخابرات إلى زنزانة انفرادية، وصدر قرار حكم بحبسه من جديد لمدة ثلاث سنوات. كنت أطرح هذا السؤال على نفسي: ما الذي يمكن لشخص مسجون أن يفعله داخل السجن حتى يحكم عليه بثلاث سنوات جديدة؟».
ويتابع فرزاد قائلا: «منذ ألقي القبض علي تم اقتيادي إلى ردهة تسمى 2009، وهي ردهة خاصة بوزارة المخابرات داخل سجن إيفين، ولكن ولفترة ستة أشهر كنت أعيش في زنزانة انفرادية، وهي غرفة مساحتها متر ونصف المتر في مترين. أنت قابع في هذا المكان ومنفصل عن العالم الخارجي، وممنوع عليك إحداث أي ضجيج أو أي صوت. مفروض عليك أن تبقى دائما في صمت مطبق. في أسوأ الأحوال يأخذونك إلى الاستجواب. وتعرضت خلال التحقيق إلى الضرب بشكل عنيف. كان لي أصدقاء جرى إحراق أجسادهم بالسجائر، خاصة بعد انتفاضة 2009، حيث أصبحت مثل هذه الممارسات شائعة جدا في السجون بمجيء روحاني. واستمر هذا الحال إلى أن جرى نقلي إلى ردهة أخرى اسمها 350 في سجن إيفين أيضًا. وآنذاك كنت مع زملائي المساجين في الغرف حيث يفترض أن تتسع كل غرفة، بالكاد، لعدد من 15 إلى 18 شخصا. لكن وضعوا في كل غرفة 50 شخصا. الاستيعاب للنزلاء في الردهة 350 يفترض ألا يتعدى 100 شخص، إلا أنه في كثير من الأحيان كان يبلغ عدد النزلاء في هذه الردهة 400 شخص وأكثر».
ويواصل: «بعد ذلك تم نقلي إلى سجن جوهرداشت، في منطقة كرج، حيث كنت في ذلك السجن مع السجناء غير السياسيين. ووجدت الحالة نفسها وأسوأ.. إذ إن الردهة التي كانت معدة لاستيعاب 150 شخصا بالكاد كان يوضع فيها من 450 إلى 500 شخص، بحيث كان النوم مستحيلا لمعظم النزلاء. كان معي من حكم عليه بالإعدام أو الحبس المؤبد. وإذا أصبت بمرض فكان عليك أن تنتظر لمدة ثلاثة أو أربعة أشهر حتى يأتي دورك لتذهب إلى المستوصف. المشكلة الأخرى التي كنت أراها انتشار تداول المخدرات داخل السجون. هذه المخدرات كانت تباع للنزلاء وكانت تستهدف إصابة الشبان السياسيين بالإدمان. ومع ذلك كنت أتعجب لأنني كنت أرى أشخاصا معنا محكوما عليهم بالإعدام بعد أن جرى القبض عليهم في الخارج بتهمة حيازة مخدرات. مثلا كان معنا شاب حكم عليه بالإعدام لحيازته 30 غراما من المخدرات. وعدد كبير منهم نفذت أحكام الإعدام بحقهم بالفعل».
فرزاد يتوقف عن الكلام قليلا قبل أن يواصل قائلا: «من الشخصيات التي قابلتها في السجن ولا أنساها، سجين سياسي متهم بدعم أسر المعارضين، يدعى محسن دكمتشي، وهو من أشهر البزارين (التجار) في العاصمة، وله ابنة معارضة للنظام في الخارج. المهم أن هذا السجين أصيب بالسرطان وهو في سجن إيفين. وبدلا من نقله إلى المستشفى، جرى نفيه إلى سجن جوهرداشت. وفي كل مرة يكون له موعد في مستوصف السجن، كانوا يشترطون نقله وعيناه معصوبتان ويداه وقدماه مكبلة بالأغلال. كان دائما يرفض ويقول: (لن أذهب إلى المستوصف بهذه الحالة. إنني لا أقبل بهذه الإهانة فأنا مريض). وظل هكذا إلى أن مات في السجن في 2011. وما أتذكره أيضا أن عدد السجناء ارتفع بعد انتفاضة عام 2009، وازدادت الأعداد بعد انتخاب روحاني، إلى درجة أننا كنا ننام مثلما توضع الكتب في المكتبة. كما زاد منسوب الإعدامات وفقا لما كنت أشاهده في السجون التي كنت موجودا فيها. وحتى خروجي من السجن كنت أشاهد باستمرار نزلاء جددا».
وبعد خروج فرزاد من السجن توجه لزيارة مدينته جولفا، حيث مسقط رأسه. ويقول إنه لاحظ أن درجة المعارضة للنظام أصبحت أكثر وضوحا عن السابق. ويضيف: «الحالة التي أريد أن أشرحها لك أعتقد أنها تنسحب على معظم الناس في المدن الأخرى، وليس في جولفا فقط، أو في طهران فقط. ما أعرفه أن غالبية الشعب ضد النظام. أما عن عدم إظهار أهالي مدينتي جولفا لمعارضتهم للنظام فيرجع لكون المدينة صغيرة. وقوات الأمن كانت منتشرة في شوارعها دائما. أما بعد خروجي من السجن، وعندما كنت أذهب لبيوت أصدقائي في المدينة نفسها، فإنني كنت أتعجب كثيرا حين وجدت أن 80 في المائة ممن التقيت بهم يتابعون قناة (الحرية) المعارضة والمحظورة في إيران، والتي تبث من الخارج برامج ساخرة عن رجال الحكم في طهران».
من الأسباب الرئيسية وراء تغير مزاج الناس ضد السلطة الحاكمة، كما يقول فرزاد، الارتفاع المتسارع في الأسعار لدرجة لا يمكن تحملها، ويضيف موضحا: «أنا كنت أعمل وأعيش بمفردي ولا أعول أسرة، ورغم ذلك أجد نفسي في نهاية الشهر مديونا للآخرين. كثير ممن أعرفهم كانوا مثلي. شهر بعد شهر تجد نفسك تواجه هذا الغلاء وضيق ذات اليد. الأمر تحول إلى سخرية. هذا متداول بين الناس. ننام ليلا، وحين نأتي صباحا نجد السعر أعلى مما كان عليه بالأمس، خاصة أن روحاني حين تولى الرئاسة أقدم على زيادة سعر الخبز. ويقول المواطنون إننا على الأقل كنا بالأمس نأكل الخبز. هذا الشح يحدث في الوقت الذي نرى فيه ثروات الدولة وهي تنفق على تمويل الإرهاب والعدوان على دول المنطقة».
ويواصل فرزاد: «على سبيل المثال شقيقتي كانت تؤجر شقة وكانت تدفع 100 دولار شهريا، لكن بعد فترة قصيرة ارتفعت الأسعار، وكان عليها أن تدفع 550 ألف تومان (عملة إيران)، أي نحو 170 دولارا شهريا. أذكر أيضا أنني عندما خرجت من السجن في الشتاء ذهبت للسوق لأشتري (جاكيت). كنت أتصور أن سعره العادي 50 ألف تومان، لكني وجدته بـ300 ألف تومان. وعندما شاهد البائع استغرابي سألني: (ألم تكن تسكن في إيران؟)».
ويبدو من حديث الشاب فرزاد، والفتاة بريسا، أن الجيل الجديد من المعارضين الإيرانيين، ممن يقفون ضد نظام الحكم المستند إلى ثورة الخميني، يستفيدون من وسائل الاتصال الحديثة بأكثر مما كان عليه الوضع أيام انتفاضة «الثورة الخضراء» التي شارك فيها من يعرفون بالمعارضين الإصلاحيين، أي المعارضين تحت عباءة رجال الدين وثورة الخميني. واستعان فرزاد بالإنترنت لتثقيف نفسه وفتح نوافذ جديدة بعيدا عن دعايات النظام، والبحث عن المعارضين الذين يشبهونه سواء داخل البلاد أو خارجها، إلى أن تمكن من الفرار.
ولا يريد فرزاد أن يروي تفاصيل رحلته التي انتهت به في فرنسا، بيد أنه يقول: «بما أننا ارتبطنا بالشبكة الاجتماعية لمنظمة (مجاهدين خلق) في داخل إيران، فإن هذه الشبكة هي التي ساعدتنا على المغادرة. كان التحدي الأهم الذي نواجهه خلال هذه العملية ألا تتعرض الشبكة للملاحقة الأمنية وألا تتعرض حياة عناصرها للخطر. لذلك نحن مصرون على ألا نتحدث كثيرا عن طريقة الخروج».
وعما إذا كان قد جرى عبور حدود دول معينة، خاصة مع القلاقل التي تمر بها دول المنطقة مثل العراق وتركيا المجاورتين لإيران، يوضح: «في ما يتعلق بعبور الحدود فبإمكاني أن أقول لقد مشينا كيلومترات على الأقدام. وفي كل لحظة كنا نعيش قلقا خشية التعرض للخطر، لكن كنا قد اخترنا لأنفسنا هذا التحدي وهذه المجازفة».
ومن جانبها، تقول بريسا المولودة في طهران: «بكل تأكيد بما أننا كنا مصرين على الخروج من إيران بصورة غير شرعية، فإن الأمر كان شديد الصعوبة، لكن كان هذا هو القرار الذي اتخذناه. كنت مصرة على مغادرة إيران قبل عشرين يوما من موعد امتحانات دخول الجامعة. لكن بما أنني كنت أقترب من عمر 18 سنة، فهذا كانت تترتب عليه تعقيدات في استخراج جواز سفر لي من جانب النظام الإيراني. كان ينبغي علي ترك دراستي وكل شيء ومغادرة إيران».
وتضيف بريسا: «منذ فتحت عيني على الدنيا تعرض والدي للاعتقال. تكرر هذا ثلاث مرات، وفي كل مرة كنت مصرة على الذهاب إليه لزيارته في السجن. وأنا في عمر ثلاث سنوات ألقي القبض عليه بسبب انضمام عمي للمعارضة في الخارج، وسجن أبي وقتها لمدة خمسة أشهر. حتى اليوم لا أستطيع أن أفهم لماذا ألقوا القبض على أبي بينما عمي هو الذي كان في المعارضة. وفي المرة الثانية ألقي القبض عليه لمدة سنة، لأنه كان يوزع منشورات ضد النظام. وفي المرة الثالثة كان عمري تسع سنوات، حين داهمت قوات المخابرات المنزل، وكبلوا أيدي والدي وقاموا بتفتيش البيت، ووضعوا فوهات الأسلحة على رأسي، ثم اقتادوه، وقالوا لنا إنهم يلقون القبض عليه مع بدء رأس السنة الإيرانية حتى نتعذب نحن، أسرته، أكثر. وبعد بضعة أشهر حكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات».
وتواصل بريسا: «في أحد الأيام سألت والدي عن سبب سجنه كل هذه المدة، فشرح لي أن المخابرات عرضت عليه أن يظهر في التلفزيون الحكومي ويعلن أنه لا توجد معارضة ضد النظام، وقالوا له إنهم في هذه الحالة سيوفرون له كل إمكانات العيش. ولأنه رفض مطلبهم حكم عليه، وهو الآن ما زال في السجن. بعدها اضطرت والدتي لمغادرة إيران مع شقيقتي التي هي أكبر مني بثلاث سنوات. وكان اثنان من أخوالي قد سبقاهما. ومنذ كنت في عمر 12 سنة، وحتى مغادرتي إيران قبل شهر، كنت مصرة على أن أذهب وحدي لزيارة أبي في السجن، وعليه أدركت الكثير من الأمور بشكل مباشر».
وتضيف: «كنت أدرس في مدرسة البورز الثانوية للبنات في منطقة كرج، وهي قريبة من سجن والدي في جوهرداشت. وأنا في عمر 15 عاما قابلت والدي في مستشفى السجن حيث كان يعالج وكان معصوب العينين ومكبل القدمين والرجلين. ومنذ ذلك الوقت اخترت أن أحمل هذه المأساة وهذه المعاناة، واخترت أن أكون معارضة. قمت بكتابة مقالات على الإنترنت. وردت علي الأجهزة المرتبطة بالنظام على مواقعها الإنترنتية بالشتائم والسب والتهديد. وآخر كتاباتي كانت في عيد النيروز في 20 مارس الماضي. في ذلك الوقت كنت في بيت خالتي وزوجها، لكن النظام فرض عليهما ألا يتعاملا معي، وألا أعيش معهما، لذلك قررت الخروج حتى أرفع عنهما هذه الضغوط. فعشت أولا في منطقة إكواتان غرب طهران والقريبة من منطقة جنة آباد، ثم انتقلت إلى منطقة كرج قرب العاصمة. ورغم أن كثيرا من مواقع الإنترنت في إيران محجوبة، فإنني كنت مثل كثيرين مثلي أستطيع الدخول على (فيسبوك) وغيره عبر برامج لكسر الحواجز، وهذا مكلف. العديد من المواطنين الإيرانيين يفعلون ذلك للحصول على برامج لكسر الحواجز. في داخل المدرسة كنت نشطة في نشر مقاطع الفيديو عن المعارضة وكنت أوزع المنشورات».
وتواصل بريسا قائلة إنها كانت تقوم بذلك بينما المناهج الدراسية الرسمية تروج للنظام وتدفع الطلاب للتدريب على استخدام الأسلحة ضمن منهج اسمه «الاستطلاع التعبوي». وتوضح: «منذ كان عمري ثماني سنوات وأنا أتلقى دروسا في المدرسة معظمها موجه ضد المعارضة، واكتشفت أن كل هذا تزييف وكذب. وأنا عمري 15 عاما كان علينا، لمواصلة الدراسة، النجاح في كتاب اسمه (الاستطلاع التعبوي)، وفيه طرق تفكيك الأسلحة وتركيبها، وكيفية حمل السلاح. كنت أدرس في المدرسة وبشكل إلزامي أيضًا منهجا اسمه (الاستعداد الدفاعي) المختص بالدعاية للنظام، حيث يأتي لنا عناصر من النظام إلى المدرسة ويقولون إن من ينجح في هذه المادة سيكون من السهل عليه اجتياز امتحانات دخول الجامعة».
بريسا تمكنت، رغم صغر سنها، من أن تكوِّن حلقة اتصال لكثير من المعارضين وأسر السجناء السياسيين، بمن فيهم المعلم بوداغي الذي سجن ثلاث سنوات إضافية أثناء قضاء مدة محكوميته الأولى البالغة ست سنوات. وتقول: «تعرفت على بنات المعلم بوداغي. كانت له ابنة في مثل عمري وابنتان أصغر. كنت أقوم بالتواصل معهن، وهن صديقاتي. هناك أشخاص آخرون، خاصة أنهم كانت لديهم بنات في سني، وأصبحن صديقات لي وقريبات مني. على سبيل المثال هناك ابنة السجين السياسي وممثل العمال، شاهروخ زماني، الذي قتل تحت وطأة التعذيب في السجن قبل شهر. كان هناك سجناء محبوسون منذ اعتقالات الثورة الخضراء، وأعرف أسرهم وقمت بزيارات لهم، ولا أريد أن أذكر أسماءهم خوفا عليهم. حتى البعض من بنات السجناء غير السياسيين كن قد عرفن أنني معارضة، وكانت أسرهن توصيهن بالتواصل معي خارج السجن. وأهم مشكلة تواجه عائلات المساجين الذين لديهم ميول معارضة للنظام هي الضغوط والتهديدات التي تزداد يوما بعد يوم عليهم، حتى لا يتحولوا هم وأسرهم إلى كيان متماسك، خاصة بعد مجيء روحاني للحكم، حيث زادت مراقبة تحركات المواطنين في الشوارع، وارتفعت الأسعار أيضًا».
وتضيف بريسا: «الغريب في الأمر أن روحاني جاء لإنهاء الغلاء وتحسين الوضع الاقتصادي، لكن، بدلا من ذلك، ارتفعت الأسعار باتباع الحكومة لطرق عجيبة. مثلا سعر السلعة التي كانت بألف تومان يزيد فجأة إلى 5 آلاف تومان، وبعد ذلك يقول النظام إنه قرر تخفيض ثمن هذه السلعة إلى 3 آلاف تومان فقط. أي أنها زادت فعليا ألفي تومان. وفي المدرسة كان الأمر يجري بطريقة التفافية أيضًا. وبحسب القانون فإن المدارس الحكومية لا يجب أن تطالب التلاميذ بأي مبالغ مالية عند التسجيل، ولكن هذا لم يكن موجودا على أرض الواقع، لأنه بدلا من الرسوم الخاصة بالتسجيل كانت المدرسة تطالب بنفقات خاصة بالتدفئة في موسم الشتاء. وإذا كانت التلميذة غير قادرة على سداد هذه النفقات تقوم المدرسة بإغلاق دفايات الصف الدراسي كله، مما كان يضطرنا لجلب بطاطين معنا داخل الفصل لمواجهة البرد القارس».



أسراب الزوارق الإيرانية تزيد مخاطر الملاحة في مضيق هرمز

زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (أرشيفية - تسنيم)
زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (أرشيفية - تسنيم)
TT

أسراب الزوارق الإيرانية تزيد مخاطر الملاحة في مضيق هرمز

زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (أرشيفية - تسنيم)
زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (أرشيفية - تسنيم)

استخدمت إيران سرباً من الزوارق الصغيرة الحجم والسريعة الحركة للاستيلاء على سفينتي حاويات بالقرب من مضيق هرمز، في إجراء يقوض الادعاءات بأن ​القوات الأميركية قد عطلت تهديدها البحري، ويكشف عن التحديات التي تواجه إعادة فتح أحد أهم طرق تصدير النفط في العالم.

وأقر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الاثنين، بأنه في حين تم تدمير الأسطول البحري التقليدي لإيران إلى حد كبير، فإن «السفن الهجومية السريعة» لم تكن تُعدّ تهديداً كبيراً.

وقال إن أي سفن من هذا النوع تقترب من منطقة الحصار الأميركي خارج المضيق سيتم القضاء عليها «فوراً» باستخدام «نظام القتل نفسه» الذي طُبق في البحر الكاريبي والمحيط الهادي، حيث ضربت غارات جوية أميركية قوارب يشتبه في أنها تنقل مخدرات وقتلت ما لا يقل عن 110 أشخاص.

ومع ذلك، لم تكن تلك الزوارق تهاجم سفناً تجارية كبيرة غير مسلحة، كما أنها ليست مدججة بالسلاح، إذ يتسلح «الحرس الثوري» الإيراني برشاشات ثقيلة وقاذفات صواريخ، وفي بعض الحالات، بصواريخ مضادة للسفن.

وتقول ‌شركة الأمن البحري ‌اليونانية «ديابلوس»، لوكالة «رويترز»، إن هجمات الزوارق السريعة تشكل الآن جزءاً من «نظام تهديدات متعدد الطبقات»، إلى ​جانب «الصواريخ ‌التي تطلق من ​الساحل والمسيّرات والألغام والتشويش الإلكتروني لخلق حالة من عدم اليقين وإبطاء عملية اتخاذ القرار».

صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)

ويقدر متخصصون في الأمن البحري أن إيران كانت تمتلك المئات، إن لم يكن الآلاف، من هذه القوارب قبل الحرب، والتي كانت تخبأ في الغالب في أنفاق ساحلية أو قواعد بحرية أو بين السفن المدنية.

وقال كوري رانسلم، الرئيس التنفيذي لمجموعة «درياد غلوبال» للأمن البحري، إن نحو 100 قارب أو أكثر ربما تم تدميرها منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط).

تغيير في الخطط

قبل الأسبوع الحالي، كانت إيران تعتمد على الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة لاستهداف حركة الملاحة البحرية حول المضيق، وهو طريق يمر عبره عادة 20 في المائة من الإمدادات اليومية العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال. وتوقفت تلك الهجمات مع وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل (نيسان).

وجاء احتجاز إيران لسفينتي الحاويات ‌في أعقاب فرض واشنطن حصاراً لمنع التجارة البحرية الإيرانية وبعد شروعها في ‌اعتراض ناقلات نفط مرتبطة بإيران وسفن أخرى.

وقال دانيال مولر، وهو محلل بارز ​في شركة «أمبري» البريطانية للأمن البحري: «صناعة النقل البحري المدني غير ‌مجهزة لمنع القوات المسلحة الإيرانية من الاستيلاء على السفن».

لقطات وزّعتها البحرية الأميركية لناقلة نفط تحاصرها زوارق إيرانية في مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

وأضاف أنه عادة ما يتم استخدام نحو 12 قارباً في ‌عملية الاستيلاء.

وقال مسؤول أمني إيراني رفيع المستوى، لوكالة «رويترز»، إن القوارب السريعة الإيرانية تشكل الآن «العمود الفقري» لاستراتيجية إيران البحرية، وهي قادرة على الانتشار بسرعة في إطار «حربها غير المتكافئة ضد العدو».

وأضاف المسؤول، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته: «بفضل سرعاتها العالية جداً، يمكن لهذه القوارب تنفيذ هجمات كر وفر بنجاح دون أن يتم اكتشافها».

محدودية القوارب السريعة

قال مولر من شركة «أمبري» إن إيران استخدمت الزوارق الصغيرة والسريعة سبع مرات على الأقل منذ ‌عام 2019، بما في ذلك في عمليات الاستيلاء التي جرت هذا الأسبوع.

وقال مصدر إيراني مطلع إن الرياح العاتية والأمواج العالية في المياه الإقليمية الإيرانية خلال فصل الصيف تجعل من الصعب تنفيذ مثل هذه العمليات.

وأضاف المصدر: «عندما تكون المياه شديدة الاضطراب، لا يمكنهم (القوات المسلحة على متن القوارب) إطلاق النار».

وقال جيريمي بيني، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بشركة «جينز» للاستخبارات الدفاعية، إن الزوارق غير مجهزة أيضاً لمواجهة سفن حربية، ومن المرجح أن تتكبد «خسائر فادحة» في أي هجوم مباشر على إحداها.

وأضاف: «حتى لو حاولوا إرباك دفاعات السفينة بمهاجمتها من اتجاهات متعددة، فسيكونون مكشوفين بشدة للدعم الجوي الذي سيتم استدعاؤه».

وقال بيني إن الضربات الصاروخية الموجهة ستدمر هذه القوارب بسهولة، لكن قاذفات الصواريخ المحمولة على الكتف ستشكل تهديداً للطائرات الأميركية التي تحلق على ارتفاع منخفض.

زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات بحرية (تسنيم)

وأوضح: «سيكون القضاء على تهديد القوارب الصغيرة أصعب بكثير مما كان عليه تدمير السفن الحربية الإيرانية الأكبر حجماً، التي كانت أهدافاً كبيرة يسهل نسبياً العثور عليها وتعقبها، ولم تكن لديها، في أحسن الأحوال، سوى قدرة محدودة على الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الجوية».

والحقيقة الماثلة بالنسبة لقطاع الشحن هي مزيد من الاضطراب بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف التأمين.

وقال دنكان بوتس، مدير شركة الاستشارات «يونيفرسال ديفينس آند سيكيوريتي سولوشنز» ونائب الأميرال السابق في البحرية الملكية البريطانية، إنه بعد ما سُميت «حرب ​الناقلات» في الثمانينات، زادت إيران من استخدام تكتيكات المواجهات غير ​المتكافئة مع تدمير البحرية الإيرانية فعلياً، كما هو الحال تماماً في الصراع الحالي.

وأضاف: «عندما تقول البحرية الأميركية والرئيس (لقد دمرنا البحرية، وأغرقنا فرقاطة قبالة سريلانكا)... لقد فعلتم ذلك من قبل، لكنكم نسيتم أن خصمكم هنا انتهج أسلوباً غير نمطي. وقد أتقنوا ذلك».


وصول حاملة الطائرات الأميركية «جورج بوش» إلى الشرق الأوسط

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» (رويترز)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» (رويترز)
TT

وصول حاملة الطائرات الأميركية «جورج بوش» إلى الشرق الأوسط

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» (رويترز)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» (رويترز)

أعلن الجيش الأميركي، الخميس، وصول حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» إلى الشرق الأوسط، مما يرفع عدد حاملات الطائرات الأميركية العاملة في المنطقة إلى ثلاث.

وقالت القيادة الوسطى الأميركية «سنتكوم»، في منشور على منصة «إكس»، إن الحاملة كانت تُبحر «في المحيط الهندي ضِمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأميركية، في 23 أبريل (نيسان) الحالي»، مرفقاً بصورة تُظهر سطحها المكتظ بالطائرات الحربية.

وتعمل حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد فورد»، الخميس، في البحر الأحمر، كما تعمل في المنطقة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، وفق منشورات لـ«سنتكوم» على شبكات التواصل الاجتماعي.

يأتي نشر حاملة الطائرات الثالثة في الشرق الأوسط، في خِضم هدنة مستمرة منذ أكثر من أسبوعين، أوقفت الضربات الجوية الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وكانت حاملة الطائرات «جيرالد فورد» قد أبحرت إلى كرواتيا، حيث أُجريت فيها إصلاحات قبل عدة أسابيع، على أثر اندلاع حريق على متنها في 12 مارس (آذار) الماضي.

و«جيرالد فورد» تُبحر، منذ نحو عشرة أشهر شاركت خلالها في العمليات الأميركية بمنطقة البحر الكاريبي، حيث جرى تنفيذ ضربات على قوارب مُشتبَه بقيامها بتهريب مخدرات، واعترضت ناقلات نفط خاضعة لعقوبات.

كما شاركت في العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا، التي أُلقي خلالها القبض على الرئيس نيكولاس مادورو.

وتُبحر مع كل من حاملات الطائرات مجموعة ضاربة تابعة لها.


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».