وظائف ما قبل الشهرة... «أكل العيش كان مرّاً»

براد بيت مهرّج بزيّ دجاجة... وباراك أوباما بائع مثلّجات

وظائف ما قبل الشهرة... «أكل العيش كان مرّاً»
TT

وظائف ما قبل الشهرة... «أكل العيش كان مرّاً»

وظائف ما قبل الشهرة... «أكل العيش كان مرّاً»

معلّقاً على تجربته الإخراجيّة في فيلم «The Boys in the Boat» (الأولاد في القارب) الذي انطلق عرضه قبل أيام، قال الممثل الأميركي جورج كلوني إنها ذكّرته بعصاميّة بداياته. فقبل أن يسطع نجماً في سماء هوليوود، نشأ كلوني وسط بيئة متواضعة في مزرعة جدَّيه الصغيرة لزراعة التبغ في ولاية كنتاكي.

كلوني الذي تحدّث إلى مجلّة «فانيتي فير»، كشف عن أنه كان مزارع تبغ صغيراً يتقاضى 3 دولارات ونصف دولار عن كل ساعة عمل في الحصاد اليدويّ لأوراق التبغ. «ليست أسهل الوظائف لكن هكذا كنّا نكسب عيشنا. لم نكن نملك المال، وجميع مَن حولنا كانوا مثلنا».

في طريقه إلى تحقيق حلم التمثيل، لم يمانع كلوني القيام بوظائف متواضعة. فبموازاة تخصّصه الجامعيّ في الصحافة بين عامَي 1979 و1981، عمل في ورشٍ للبناء، وفي بيع الأحذية النسائية، والرفوف، وعقود التأمين، متنقّلاً من بابٍ إلى باب كي يسوّق لِما لديه.

جورج كلوني في كواليس تصوير «The Boys in the Boat» وهو أحدث فيلم من إخراجه (منصة إكس)

مثل زميله كلوني، خاض براد بيت وظائف عدّة قبل أن يستقرّ أمام الكاميرا. فخلال سنواته الأولى في لوس أنجليس، عمل الممثل الأميركي سائقاً، كما أمضى شهوراً في توصيل المفروشات إلى المنازل. غير أنّ الوظيفة التي لا ينساها إطلاقاً، فهي في مطعم للدجاج، حيث كان يتنكّر بزيّ دجاجة ويقف أمام باب المطعم ملوّحاً للمارّة داعياً إيّاهم للدخول. كان بيت حينها في الـ22 من عمره، أي قبل سنتَين من حصوله على دوره السينمائي الأوّل.

أما طليقته الممثلة أنجلينا جولي، فكانت تطمح في بداياتها إلى وظيفةٍ أقلّ كوميديّةً؛ إذ إنها تقدّمت بطلب لتصبح مديرة جنازات، متأثّرةً حينذاك بوفاة جدّها.

خططت أنجلينا جولي قبل انطلاقتها الفنية لأن تصبح مديرة جنازات (أ.ف.ب)

من الواضح أنّ بدايات معظم نجوم هوليوود متشابهة من حيث الاتّكال على الذات والسعي وراء لقمة العيش، حتى إن اقتضى الأمر القيام بوظائف متواضعة ومتعبة. تصف الممثلة جنيفر أنيستون عملها ساعية بريد بأنه الأصعب على الإطلاق. ففي سنّ الـ19، كانت نجمة مسلسل «فريندز» تتنقّل على الدرّاجة الهوائيّة في نيويورك، موزّعةً الطرود والرسائل على المنازل والشركات.

في سن الـ19 عملت جنيفر أنيستون ساعية بريد (إنستغرام)

يذكر العالم وجهها الجميل في فيلم «Pretty Woman»، لكنّ أحداً لا يتذكّرها بائعة مثلّجات. جوليا روبرتس، وبالتزامن مع دروس التمثيل التي كانت تأخذها، عملت في سكب البوظة في أحد أشهر محال هوليوود، حتى تتمكّن من تسديد أقساطها الدراسيّة.

عملت جوليا روبرتس في بيع المثلجات قبل أن تدخل عالم التمثيل (فيسبوك)

في سلسلة المحال ذاتها، إنما في فرع هونولولو – هاواي، بدأ باراك أوباما مسيرته المهنيّة في سنّ الـ14. فقبل 33 سنة من دخوله البيت الأبيض رئيساً، عمل أوباما مثل روبرتس في سكب المثلّجات. وقد سبق أن كشف الأمر في منشور على منصة «لينكد إن» قال فيه: «لم تكن وظيفة باهرة، إلا أنها علّمتني دروساً قيّمة كالمسؤوليّة والعمل بجدّ. لكن للأسف، فقدت من بعدها رغبتي في تناول المثلّجات».

خلال مراهقته في هاواي عمل باراك أوباما في بيع المثلجات (رويترز)

في أحد أشهر المقاهي الأميركية، عملت كذلك مادونا خلال بداياتها في نيويورك. لكن سرعان ما طُردت «ملكة البوب» من وظيفتها بعد أن دلقت الحلوى على أحد الزبائن. مثلُها، طُردت مغنية الراب نيكي ميناج من عملها الأول في مطعم سمك، بعد أن أهانت زبونَين سرقا قلمها.

أما ليدي غاغا فقد حالفها الحظ أكثر. في بداياتها، عملت الفنانة الأميركية نادلة في أحد المطاعم اليونانيّة في مانهاتن. تتذكّر تلك التجربة معلّقةً: «كنت جيّدة جداً في هذا العمل. كنت أخبر الزبائن الحكايات وأحصل على إكراميّات كبيرة».

شكّل قطاع المطاعم انطلاقةً لمجموعة من النجوم، قبل أن يصبح المسرح ملعبهم. فالمغنّي البريطاني هاري ستايلز عمل في مخبز، أما «باربي 2023» الممثلة مارغوت روبي، فتفاخر في مقابلاتها بأنها كانت تحضّر أفضل السندويتشات في مطعم معروف للوجبات السريعة. كما أنها، وقبل انطلاقة مسيرتها، عملت في تنظيف المنازل.

استرجعت ليدي غاغا تجربتها كنادلة في كليبها Telephone عام 2009 (إنستغرام)

مقابل 4 دولارات في الساعة، كانت عارضة الأزياء العالميّة سيندي كروفورد تعمل في تقشير الذرة في سنّ الـ17. تقول إنها كانت تشعر بمسؤولية العمل وجني المال طوال الوقت خلال بداياتها. مثلُها، كانت الإعلامية الأميركية أوبرا وينفري مراهِقةً عاملة، لكنها لم تستمتع بتجربة الوظيفة في محل البقالة، إذ كان يُمنع عليها التحدّث مع الزبائن.

وخلال سنوات ما قبل النجوميّة، عمل الممثل توم كروز في فندق. كان يوصل النزلاء إلى غرفهم ويساعدهم في نقل أمتعتهم. أما طليقته الممثلة نيكول كيدمان، فعملت في مجال التدليك بعد أن أخذت دروساً في تقنيّاته. بدأ الأمر مع إصابة والدتها بالسرطان فكانت تدلّكها لتساعدها على الاسترخاء، ثم تحوّل إلى وظيفة تكسب بواسطتها المال. مع العلم بأن كيدمان معتادة العمل منذ سن الـ14، حيث كانت مضيفة في أحد مسارح سيدني.

تعلمت نيكول كيدمان التدليك للتخفيف من آلام أمها المصابة بالسرطان ثم عملت في المجال في سن صغيرة (إنستغرام)

وجدت جنيفر لوبيز وظيفة في مكتب محاماة، قبل أن تدخل مجال الغناء والتمثيل. من جانبه، أمضى كانييه ويست بعض سنوات مراهقته موظف مبيعات في أحد أهمّ متاجر الألبسة الأميركية. يقول إنه وقع هناك في حب الملابس، وبدأ التخطيط لخوض المجال لاحقاً. حتى إنه تطرّق إلى تلك التجربة في أغنيته «Spaceship».

منهم مَن اختار مساراً أكثر مجازفةً، مثل الممثل سيلفستر ستالون الذي كان ينظّف أقفاص الأسود في حديقة حيوانات «سنترال بارك» في نيويورك. وقد تنقّل النجم الأميركي بين وظائف عدّة في بداياته، من بينها دليل في صالة سينما.

عمل سيلفستر ستالون بتنظيف أقفاص الأسود في حديقة حيوانات خلال بداياته (إنستغرام)

أما بيونسيه، وقبل أن تصير رقماً صعباً في عالم الغناء، فصقلت مواهبها في صالون والدتها، حيث كانت تنظّم عروضاً غنائية وراقصة للزبائن ما بين عمر 6 و9 سنوات. كما أنها كانت تنظّف أرض الصالون من الشعر، مقابل بعض الإكراميّات، وفق ما تسرد في إحدى مقابلاتها.

بيونسيه في صالون والدتها عام 1990 (إنستغرام)

لأميرات هذا الزمن تجربة مع الوظائف «العاديّة» كذلك. عملت أميرة ويلز زوجة الأمير ويليام كيت ميدلتون في أحد متاجر الموضة في لندن، فكانت مسؤولة عن شراء الإكسسوارات لذلك المتجر. في حين بدأت ميغان ماركل، مسيرتها خطّاطة في أحد متاجر بيع الورق. بخطّ يدها المميّز، كانت تكتب الدعوات إلى الأعراس والمناسبات. حدث ذلك قبل أن تدخل مجال التمثيل، وقبل أن تصبح لاحقاً زوجة الأمير هاري ودوقة ساسكس.

مهنة ميغان ماركل الأولى كانت خطّاطة (أ.ف.ب)

ولعلّ الأبرز من بين حكايات البدايات المتواضعة لأسماء لمعت في سماء الشهرة والنجاح، حكاية رجل الأعمال الملياردير جيف بيزوس. فالرجل الذي تُقدَّر ثروته بـ172 مليار دولار الذي يُعد ثاني الأثرياء في العالم بعد إيلون ماسك، بدأ مسيرته المهنية في أشهر مطعم للوجبات السريعة في الولايات المتحدة الأميركية، حيث كان في الـ16 من عمره، يقلي اللحم والدجاج والبطاطا مقابل 3 دولارات في الساعة. يقول إنه تعلّم هناك حرفة تأمين السلعة بسرعة للزبون، الأمر الذي طبّقه لاحقاً في شركته العالمية «أمازون».


مقالات ذات صلة

الأرض لا تدور بنا فقط... مغناطيسيتها قد تؤثّر في الشيخوخة

يوميات الشرق للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)

الأرض لا تدور بنا فقط... مغناطيسيتها قد تؤثّر في الشيخوخة

المجال المغناطيسي للأرض قد يؤثّر في كيفية إنتاج خلايا الجسم للطاقة والأداء البدني وحتى العمر الافتراضي للكائن الحيّ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)

عظام بشرية تحت مطبخ زوجين... وسرّ عمره 1000 عام!

صادف عامل بناء، خلال عمله في مشروع روتيني بأحد المنازل، اكتشافاً مرعباً تمثّل في رفات بشرية قديمة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)

قردة مدغشقر تُجيد «السوبرانو» وتُسمِع أغنياتها عبر الغابات

هذه الرئيسيات تفتح أفواهها على نحو أوسع حين تُصدر نغمات أعلى طبقة، وهو نمط يتّسق مع تقنية صوتية تُعرف بـ«ضبط الفورمانت».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق سجّلت ليان يونتشي في حل مكعب «روبيك» زمناً بلغ 4.52 و4.27 ثانية وذلك بعد حل المكعب خمس مرات (رويترز)

طفلة صينية عمرها 6 سنوات تحل مكعب «روبيك» بأقل من 5 ثوانٍ (فيديو)

سجلت طفلة صينية تبلغ من العمر 6 سنوات رقماً قياسياً عالمياً جديداً للسيدات في حل مكعب «روبيك» (مقاس 3×3) في زمن يزيد قليلاً على أربع ثوانٍ.

«الشرق الأوسط» (بكين)
يوميات الشرق ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)

«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

تغوص مسرحية «دنيا»؛ لكاتبها ومخرجها زياد نجّار، في أعماق الأمومة والتضحيات التي ترافقها، فتشرِّح مشاعر مكبوتة لدى نساء نسين أنفسهن من أجل سعادة أبنائهن...

فيفيان حداد (بيروت)

الأرض لا تدور بنا فقط... مغناطيسيتها قد تؤثّر في الشيخوخة

للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)
للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)
TT

الأرض لا تدور بنا فقط... مغناطيسيتها قد تؤثّر في الشيخوخة

للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)
للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة نوتنغهام الإنجليزية عن أنّ المجال المغناطيسي للأرض قد يؤثّر في كيفية إنتاج خلايا الجسم للطاقة، والأداء البدني، وحتى العمر الافتراضي للكائن الحيّ.

وتقدّم النتائج، المنشورة الأربعاء في دورية «الشيخوخة» لبحوث الشيخوخة، رؤى جديدة حول كيفية تفاعل هذه القوة غير المرئية مع العمليات البيولوجية الأساسية في الجسم، ممّا قد تكون له تداعيات مهمّة على فهمنا لعملية الشيخوخة وأمراض التنكس العصبي، مثل باركنسون وألزهايمر.

وعزا الباحثون هذه التأثيرات إلى الميتوكوندريا، وهي تراكيب دقيقة داخل الخلايا مسؤولة عن توليد جزء كبير من الطاقة اللازمة للحياة. فقد تغيّرت عمليات التمثيل الغذائي للطاقة في الميتوكوندريا عند خفض المجال المغناطيسي، وكذلك مستويات «فوق الأكسيد»، وهو جزيء شديد التفاعل تنتجه الميتوكوندريا.

وقال الباحث جاكوب ريد، طالب الدكتوراه بجامعة نوتنغهام: «البحوث في هذا المجال نادرة، إذ تركز غالباً على إعداد البشر لرحلات الفضاء. ومع ذلك، لا نزال نعرف قليلاً جداً عن سبب حاجة الكائنات الحيّة إلى المجال المغناطيسي. جمع هذا المشروع بين خبرات في الفيزياء والهندسة وعلم الأحياء، وتقنيات ومعدات مبتكرة ومتخصّصة جداً، لدراسة الجوانب الفسيولوجية والمرضية أيضاً».

وأضاف في بيان الأربعاء: «يفتح هذا العمل آفاقاً جديدة محتملة لنهج علاجي غير جراحي يستهدف الميتوكوندريا لعلاج أمراض عدّة. نأمل أن يُسهم هذا البحث في إبراز أهمية المجالات المغناطيسية للحياة».

حجب المجال المغناطيسي

درس الفريق البحثي ما يحدث عند حجب المجال المغناطيسي للأرض بصورة شبه كاملة. وباستخدام نظام حجب مغناطيسي صُمّم خصوصاً لهذا الغرض، خفّض الباحثون المجال المغناطيسي المحيط بذبابة الفاكهة إلى مستوى يقارب الصفر. وقارنوا بين ذباب سليم وآخر يحمل خللاً في جين «بينك 1»، المرتبط بمرض باركنسون الوراثي المبكر لدى البشر.

ووجد الباحثون أنّ عزل الذباب عن المجال المغناطيسي للأرض أدّى إلى تغيّرات في وظائف الميتوكوندريا، وهي مراكز إنتاج الطاقة في الخلية، والعمر الافتراضي والأداء البدني، مع تفاوت لافت في التأثيرات تبعاً للحالة الصحية للميتوكوندريا لدى الذباب.

ووفقاً لهم، كانت النتائج لافتة للنظر؛ إذ أدّى حجب المجال المغناطيسي للأرض عن الذباب الذي يحمل طفرة في جين «بينك 1» إلى زيادة متوسط عمره بنحو 20 في المائة، رغم تراجع أدائه البدني. وفي المقابل، كانت استجابة الذباب السليم مختلفة تماماً؛ فمع أن مدّة حياته الصحية تأثرت، فإن حركته تحسّنت.

وتُجرى البحوث العلمية على ذبابة الفاكهة لأنها توفّر نموذجاً حيّاً سريعاً وبسيطاً، يشترك مع الإنسان في نسبة كبيرة من جيناته الأساسية، ونحو 60 إلى 75 في المائة من الجينات المسببة للأمراض، بما فيها أمراض الأعصاب. وتتميَّز ذبابة الفاكهة بدورة حياة قصيرة جداً لا تتجاوز أسبوعين، ممّا يتيح للعلماء مراقبة تأثير الطفرات الجينية عبر أجيال عدّة في وقت قصير.

وتُظهر نتائج هذه التجارب أنّ البيئة المغناطيسية المحيطة بالكائن الحيّ يمكن أن تؤثر في العمليات البيولوجية الأساسية، بما فيها إنتاج الطاقة والأداء البدني ومتوسط العمر.

وعلّقت أستاذة بيولوجيا الميتوكوندريا في كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة نوتنغهام، البروفسورة ليزا تشاكرابارتي: «نعيش حياتنا بأكملها في ظلّ وجود المجال المغناطيسي للأرض؛ فهو يخترق أجسامنا وخلايانا وكل كائن حيّ على هذا الكوكب، ومع ذلك، لا نعرف سوى قليل عمّا إذا كانت هذه القوة غير المرئية تؤثّر في آلية عمل خلايانا، وكيفية حدوث ذلك».

وأضافت: «تطرح نتائجنا احتمالاً مثيراً للاهتمام، وهو أنّ المجال المغناطيسي للأرض يُشكّل جزءاً من البيئة البيولوجية التي تكيّفت معها الحياة عبر مسار التطوّر»، موضحة أنّ «فهم كيفية استشعار الخلايا للمجالات المغناطيسية واستجابتها لها قد يكشف في نهاية المطاف عن طرق جديدة للتحكّم في وظائف الميتوكوندريا في حالات الشيخوخة والمرض».


«إيكيبانا»... حين تصغي الزهور إلى ما في داخلنا

تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)
تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)
TT

«إيكيبانا»... حين تصغي الزهور إلى ما في داخلنا

تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)
تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)

قد يجلس شخص أمام مجموعة من الزهور ليضعها في إناء، فيبدو المشهد لأول وهلة بسيطاً للغاية. لكنه في اليابان قد يتحول لحظةَ تأمل ومواجهة مع النفس. فمنذ أكثر من 500 عام، يمنح فن الـ«إيكيبانا» الياباني لتنسيق الزهور مريديه فرصة للابتعاد قليلاً عن ضجيج الحياة، في حين يجد فيه جيل جديد وسيلة لاستعادة الهدوء والتوازن وسط عالم سريع الإيقاع، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

و«إيكيبانا»، وتعني باليابانية «الزهور الحية»، هو أحد الفنون اليابانية التقليدية التي تقوم على تنسيق الزهور والأغصان والأوراق بطريقة تجمع بين الجمال والتأمل. ويُعرف هذا الفن أيضاً باسم «كادو»، أي «طريق الزهور»، في إشارة إلى أن ممارسته ليست مجرد ترتيب للزهور، وإنما رحلة تقوم على الصبر والانتباه والتفاعل مع الطبيعة.

وعلى خلاف كثير من أساليب تنسيق الزهور في الغرب، التي قد تركز على وفرة الزهور وتنوع ألوانها وإبراز جمالها، يهتم «إيكيبانا» بالمساحة والتوازن والخطوط والعلاقة بين الزهرة والأغصان والإناء. وقد تبدو النتيجة في كثير من الأحيان بسيطة، بل شديدة البساطة، لكن وراء هذا الهدوء قواعد ورؤية عميقة للطبيعة والحياة.

تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)

ولا يقوم «إيكيبانا» على البحث عن تنسيق مثالي واحد، ولا توجد فيه بالضرورة إجابة واحدة صحيحة. لكل زهرة شكلها وشخصيتها، ولكل غصن اتجاهه، تماماً كما لكل إنسان طريقته الخاصة في رؤية الأشياء. ولذلك؛ يمكن للزهور نفسها أن تنتج تنسيقات مختلفة، وفق الشخص الذي يقف أمامها.

يقول هيرويوكي أوكادا، البالغ 40 عاماً، الذي بدأ دراسة «إيكيبانا» قبل نحو 7 سنوات، إن ممارسة هذا الفن تحمل شيئاً من «التطهير»، وتأثيراً علاجياً. ويعمل أوكادا اليوم مدرساً في مدرسة «إيكنوبو» في كيوتو، وهي من أقدم مدارس «إيكيبانا» وأشدها ارتباطاً بالتقاليد اليابانية.

يقول أوكادا: «عندما تنسق الزهور، فأنت تتعامل مع حياة موجودة أمامك؛ مع الجمال بالطبع، لكنك في الوقت نفسه تكتشف ما في داخلك. إنك تواجه نفسك وجهاً لوجه».

وربما يعكس أوكادا نفسُه الطريقة التي وجد بها هذا الفن طريقه إلى الحياة المعاصرة. فهو يرتدي عادة سلاسل فضية وسراويل الجينز، كما يعطي دروساً في أداء الشقلبة الخلفية، لكنه يختار الكيمونو الأنيق عندما يقدم عروضاً رسمية لتنسيق الزهور.

وبالنسبة إليه، فإن كثيراً من الأشخاص الذين يتجهون اليوم إلى «إيكيبانا» لا يبحثون فقط عن هواية جديدة، بل عن شيء أشد بساطة وعمقاً: لحظة هدوء، أو شعور بالهدف، أو مساحة للابتعاد عن الضغوط اليومية.

يوضح هيرويوكي أوكادا مدرب «إكينوبو إيكيبانا» أسلوباً أساسياً لتنسيق الزهور يسمى «شوكا شوفوتاي» داخل استوديو في طوكيو (أ.ب)

زهور تساعد على الهدوء

تقوم فلسفة «إيكيبانا» على علاقة مباشرة بالطبيعة، حتى لو اقتصرت تلك العلاقة على إناء صغير داخل منزل. فمراقبة نمو الزهور والنباتات، والانتباه إلى شكل الأوراق وانحناء الأغصان وملمس البتلات... كلها أجزاء من التجربة.

وتقول سينكو إيكنوبو، الرئيسة المقبلة لمدرسة «إيكنوبو»، إن الأمر في جوهره يتعلق «بالعلاقة بين الشخص الذي يبدع والزهور».

وتنحدر سينكو من عائلة ارتبطت بهذا الفن عبر أجيال عدة، فيما يشغل والدها حالياً منصب رئيس المدرسة. وتقول إنها شاهدت كيف أصبح «إيكيبانا» جزءاً من حياة أشخاص في مراحل مختلفة؛ من نساء يحاولن الموازنة بين العمل والأمومة، إلى أخريات يعتنين بوالديهن المتقدمين في السن.

وتشير جانيت هافيلاند جونز، أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة رودغرز الأميركية، إلى أن دراسات عدة أظهرت أن الزهور، وحتى روائحها، يمكن أن تعزز مشاعر السعادة لدى الإنسان. ولا يقتصر الأمر، بالنسبة إلى أوكادا، على منظر الزهرة أو رائحتها؛ إذ يرى أن لمس البتلات والأوراق جزء أساسي من التجربة، بما يشبه الشعور بالراحة عند مداعبة قطة صغيرة أو جرو.

أما مايو شيميزو، التي تعمل في مجال التعليم عبر الإنترنت وتتلقى دروساً لدى أوكادا منذ نحو 3 سنوات، فتصف فن «إيكيبانا» بأنه تجربة قريبة من اليوغا، والتأمل، وحتى اللعب.

سينكو إكينوبو الرئيسة المعينة لمدرسة «إكينوبو» تتحدث خلال مقابلة في طوكيو

زهرة تختصر دورة الحياة

ومن أشهر أساليب مدرسة «إكينوبو» التقليدية «شوكا شوفوتاي»، الذي يحاول تقديم الزهور والأغصان كما قد تظهر في الطبيعة؛ بعضها يمتد نحو الضوء، وبعضها ينحني أمام الرياح. وحتى الإناء نفسه يصبح جزءاً من التكوين، سواء أكان مصنوعاً من الخشب أم من الفخار.

وتحمل عناصر التنسيق معاني مرتبطة بالحياة. فالعنصر الأطول؛ «شين»، يمثل جوهر الإنسان وامتداده نحو السماء. ويأتي «سوي» أقصر منه، ليعبر عن خصوصية الزهرة وتفردها، وقد تظهر عليه علامات ذبول بسيطة؛ في إشارة إلى مراحل العمر المتقدمة. أما «تاي»، فيمثل المستقبل؛ ولذلك تختار له زهرة متفتحة أو أوراقاً صغيرة نضرة، في إشارة إلى ما يولد وينمو.

ومع ذلك، فلا يعيش «إيكيبانا» في الماضي وحده. فقد ظهرت أساليب أرحب، تقترب من باقات الزهور الغربية، وتمنح المبتدئين مساحة أكبر للتجربة بعيداً عن القواعد الصارمة.

ولعل سر استمرار هذا الفن أكثر من 5 قرون يكمن في أنه لا يتحدث عن الزهور وحدها. فالزهرة تتفتح ثم تذبل، والأوراق تتغير، والأغصان تنحني، وفي كل ذلك صورة صغيرة من حياة الإنسان نفسه.

وهكذا؛ لا يصبح فن «إيكيبانا» مجرد طريقة لوضع الزهور في إناء، بل طريقة للنظر إليها... وربما للنظر إلى أنفسنا أيضاً. كما يبقى جسراً بين الأجيال، تنتقل عبره مهارات فن قديم من يد إلى أخرى، ومن حياة إلى حياة.


قطّ يخطف الأنظار في بوليفيا... لكنه لا يحبّ الشهرة!

«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)
«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)
TT

قطّ يخطف الأنظار في بوليفيا... لكنه لا يحبّ الشهرة!

«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)
«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)

بات قطّ برّي صغير يختبئ في غابات بوليفيا الضبابية مَعْلماً سياحياً غير متوقَّع، إذ تتدفّق إليها موجات من الزوّار أملاً في إلقاء نظرة على الحيوان الذي صنّفه العلماء نوعاً جديداً كلياً.

لكن ثمة مشكلة واحدة: «تيغرينو»، الاسم المحبّب الذي أُطلق عليه، لا يحبّ الاهتمام.

ذكرت وكالة «أسوشييتد برس» أنّ القطّ الصغير، المرقّط ببُقع كبيرة تشبه بُقع الفهد، سريع التوتر، لذا يُبعده القائمون على محمية للحياة البرّية قرب لاباز عن أنظار العامة، رافضين إتاحته للحشود المتشوّقة للاقتراب منه. ويوم الأحد، خرج «تيغرينو» بحذر من مأواه، واستنشق الهواء، وتجوّل قليلاً لبضع دقائق، قبل أن يعود متسلّلاً إلى أوراق الأشجار.

كلّ العيون عليه... وعيناه على مخبئه (رويترز)

ينتمي «تيغرينو» إلى نوع «ليوباردوس تيلكايو»، وهو أول نوع حيّ من القطط البرّية يصفه العلماء منذ أكثر من قرن. ولا يتجاوز طوله 18 بوصة (46 سنتيمتراً) من الرأس حتى قاعدة الذيل، ولا يزيد وزنه على 3 أرطال (1.4 كيلوغرام)، ممّا يجعله أصغر من القطة المنزلية العادية.

صغيرٌ على كلّ هذه الأضواء (رويترز)

وأثار الاكتشاف، المنشور يوم الخميس الماضي في دورية «كارنت بيولوجي»، موجة من الحماسة على وسائل التواصل الاجتماعي. وتوافد زوّار من أنحاء بوليفيا وخارجها إلى محمية «سيندا فيردي» للحياة البرّية، حيث يعيش «تيغرينو» منذ عام 2017، حين أحضرته عائلة كانت قد حاولت، دون جدوى، تربيته على أنه قط منزلي عادي.

وقال المؤسِّس المُشارك للمحمية، مارسيلو ليفي: «أصبح (تيغرينو)، في غضون أيام قليلة فقط، سفيراً للحفاظ على الطبيعة»، مضيفاً أن تصنيفه على أنه نوع جديد أسهم في رفع الوعي بالحاجة إلى حماية القطط البرّية وموائلها في الغابات الاستوائية البوليفية.

وأردف ليفي: «إنه حيوان بالغ الصغر، وقد أصبح شيئاً شديد الأهمية لنا».