«سوء التغذية» يواجه سكان شمال غربي سوريا مع تقليص المساعدات الأممية

مصادر طبية: تنتشر بنسبة 25 إلى 30 % بين الأطفال و15 إلى 25 % بين النساء

TT

«سوء التغذية» يواجه سكان شمال غربي سوريا مع تقليص المساعدات الأممية

صورة أرشيفية لأطفال نازحين يتناولون إفطاراً خيرياً في بلدة البردقلي بالريف الشمالي لإدلب 2022 (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لأطفال نازحين يتناولون إفطاراً خيرياً في بلدة البردقلي بالريف الشمالي لإدلب 2022 (أ.ف.ب)

وسط خيمة متواضعة، في ريف إدلب الشمالي، تحمل زبيدة العمر طفلتها (40 يوماً) وتقرب لفمها زجاجة الإرضاع المليئة بسائل قاتم اللون.

«أرضعها اليانسون»، قالت المرأة البالغة من العمر 35 عاماً لـ«الشرق الأوسط»، مبررة عدم إرضاعها طفلتها بشكل طبيعي بصدمة أفقدتها القدرة على الإرضاع تماماً، تلقتها قبل سنوات حينما نجت من قصف ببرميل متفجر على المنزل الذي كانت تقيم فيه مع أسرتها في ريف إدلب الجنوبي.

ترضع زبيدة طفلها البالغ من العمر 40 يوماً اليانسون بدل الحليب (الشرق الأوسط)

زبيدة، الأم لـ11 طفلاً، واجهت ولادة عسيرة بداية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إذ قال لها مقدمو الرعاية الصحية إن وزن الطفلة يدل على سوء تغذيتها وإنها مهددة بالوفاة، لكن بعد يومين في الحاضنة زال عنها الخطر.

تناول الغذاء الصحي والكافي ليس خياراً متاحاً لزبيدة ولـ3.7 مليون آخرين مصابين بفقد الأمن الغذائي في شمال غربي سوريا، أي لـ82 بالمائة من مجموع السكان البالغ عددهم 4.5 مليون شخص.

وبعد قرار برنامج الغذاء العالمي، الذي أُعلن عنه في 4 من ديسمبر (كانون الأول) الحالي، بإيقاف توزيع السلال الغذائية على العوائل المحتاجة مع بداية عام 2024، وعن عودته بعد شهرين أو 3 بنهج توزيع غير محدد يقلص المستفيدين بشكل كبير، ستزداد صعوبة تأمين الغذاء للعائلات الفقيرة، وترتفع نسب سوء التغذية التي تسبب مشكلات صحية تصل إلى الموت.

تقليص تدريجي

عائلة زبيدة كانت تحصل على سلة غذائية شهرياً، تتكون من مواد أساسية متعددة مثل 5 كيلوغرامات من السكر و10 كيلوغرامات من البرغل، ومثلها من الأرز، إضافة إلى الزيت النباتي والسمن ورب البندورة والعدس والحمص والمعلبات.

لكن قبل سنتين بدأ برنامج الغذاء العالمي بتقليص الحصص لتصل إلى نصف الحجم الموصى به، قبل إعلانه في يونيو (حزيران) من العام الماضي عن قطع المساعدات عن 2.5 مليون شخص من أصل 5.5 مليون محتاج كانوا يتلقون المساعدة يومياً في عموم سوريا.

المراكز الصحية الخاصة بعلاج سوء التغذية غير كافية لتأمين احتياجات المرضى (الشرق الأوسط)

«نقص التمويل الحاد»، الذي بلغ عجزاً بنسبة 67 بالمائة حتى الشهر الماضي، هو السبب الرئيسي للقرار الذي وصفه برنامج الغذاء العالمي بأنه يحمل «عواقب لا توصف على ملايين الأشخاص».

قالت زبيدة إن التقليص بدأ بتوزيع قسائم الشراء بقيمة 60 دولاراً بالشهر بدلاً من السلال الجاهزة، وفي الشهر الذي يليه تراجعت قيمة القسيمة إلى 40 دولاراً، وبعد 6 أشهر أصبحت قيمة القسيمة 20 دولاراً. «حين يأتي بائع الخبز نستدين منه، ولكن بعد أن تراكمت الديون لم يعد يقبل أن يمهلنا أو أن يعطينا شيئاً».

يعيش مليونا شخص في مخيمات شمال غربي سوريا ويعانون من الفقر (الشرق الأوسط)

لا تعلم زبيدة كيف ستتمكن من تأمين الطعام لعائلتها بعد توقف الدعم، أما زوجها فهو عامل يومي بأجر لا يتعدى 30 ليرة تركية، أي نحو دولار واحد: «لا نستطيع شراء اللحم ولا الفاكهة... ليلة أمس استيقظ طفلي الساعة الواحدة ليلاً يطلب الطعام، ولم أجد شيئاً لأعطيه».

اختصار الوجبات

تقدر مبادرة مراقبة الأسواق في شمال غربي سوريا التابعة للأمم المتحدة، الحد الأدنى من الإنفاق الشهري على المواد الغذائية الأساسية لأسرة مكونة من 6 أشخاص بـ141.25 دولار، ومع عجز العائلات الفقيرة عن تأمين ذلك المبلغ يكتفي المحتاجون باختصار الوجبات الغذائية والاعتماد على أرخص المواد المتوافرة في الأسواق.

أحمد هاشم منسق المشاريع الاجتماعية في «جمعية عطاء» للإغاثة الإنسانية شمال غربي سوريا (الشرق الأوسط)

منسق المشاريع الاجتماعية في «جمعية عطاء» للإغاثة الإنسانية، أحمد هاشم، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن جهود عشرات المنظمات العاملة في المنطقة لم تكن تكفي 40 بالمائة من أعداد المحتاجين، ووفق خطة برنامج الغذاء العالمي الحالية فإن النسبة الكبرى من العوائل المستفيدة ستستبعد من المساعدات.

«السلة كانت من الدعائم الأساسية لتلك العائلات»، قال هاشم، مضيفاً أن السلة على الرغم من تقليص حجمها كانت «تسد الرمق بالحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية للعائلات»، وكانت ترفق بمتمم غذائي لمساعدة المصابين بسوء التغذية.

ما يخشاه هاشم هو انعكاسات القرار على المجتمع بأكمله، إذ إضافة إلى خسارة العائلات المستفيدة فإن أسعار المواد الغذائية التي كانت تستوردها المنظمات إلى المنطقة، سترتفع نتيجة قلة توافرها، ومن ثم سيزداد الفقر. «نقص التمويل يتناسب طرداً مع قلة عدد المستفيدين»، قال هاشم معقباً على قرارات التخفيض الأممية، ويضيف: «سنصل إلى المجاعة وسوء الأوضاع الاقتصادية، وقد تزداد السرقات والعنف أيضاً».

الأطفال مهددون بسوء التغذية والتقزم في شمال غربي سوريا (الشرق الأوسط)

جيل مهدد بالقزامة

خدمات التغذية التي يقدمها برنامج الغذاء العالمي لها تمويل مخصص، ووفقاً لأحدث بيانات قطاع التغذية حول حالة التمويل والتوزيع لشهر سبتمبر (أيلول) الماضي، فإن مساعدات التغذية وصلت لـ67 بالمائة من أعداد المستهدفين التي تصل إلى 1.5 مليون شخص.

إلا أن البيانات السنوية لتوزيع مساعدات التغذية، توضح تراجعاً للخدمات منذ يوليو (تموز) الماضي، مع عجز بالتمويل لعام 2023 بلغ حتى الشهر التاسع 38 بالمائة.

نقص المساعدات الغذائية يهدد بـ«مضاعفة» أعداد المصابين بسوء التغذية، خصوصاً الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات، حسب تقدير الطبيب المختص بالأطفال محمد حاج إبراهيم، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن النسبة الحالية تتراوح ما بين 25 إلى 30 بالمائة بين الأطفال في شمال غربي سوريا، وما بين 15 إلى 25 بالمائة بين النساء.

يهدد سوء التغذية الأطفال بنقص النمو أو ما يعرف بـ«التقزم»، وهو ما يعاني منه 22.3 بالمائة في المنطقة، وفقاً لبيانات الأمم المتحدة. ويعاني 36.18 بالمائة من الأطفال ما بين عمر 6 أشهر و5 سنوات من فقر الدم، في حين لا يحصل سوى 11 بالمائة من الأطفال ما بين عمر 6 أشهر وسنتين على الحد الأدنى من التغذية المطلوبة.

يهدد سوء التغذية في سوريا بانتشار الأوبئة والأمراض ونقص نمو الأطفال (الشرق الأوسط)

44 بالمائة من الأطفال دون عمر 6 أشهر يحرمون من الاعتماد على حليب أمهاتهم في التغذية، يلوم الطبيب محمد ذلك على الفقر وسوء التغذية ونقص الثقافة الطبية بين الأهالي.

«يلجأ الناس لإطعام أبنائهم حليب الأبقار أو الأغنام أو الماعز، أو النشاء»، كما قال طبيب الأطفال، مشيراً إلى الخطر الذي تفرضه تلك التغذية الخاطئة على الطفل والتي قد توصله للعناية المشددة.

تلجأ المنظمات الإغاثية لتوزيع المتممات الغذائية والفيتامينات وألواح الحلاوة والزبد على المصابين بسوء التغذية، لكن تلك المساعدات غير كافية بتقدير الطبيب، الذي أوضح أن كثيراً من الحالات بحاجة للعلاج ضمن المراكز الطبية ومن خلال التغذية بالحليب كامل الطاقة.

الطبيب محمد حاج إبراهيم يتوقع تضاعف نسب سوء التغذية (الشرق الأوسط)

ويتوقع د. محمد انتشار الأوبئة والأمراض السارية بعد توقف المساعدات الغذائية، لأن أجسام المصابين بسوء التغذية لن تمتلك المناعة اللازمة لصد الأمراض، وأضاف أنه في حال لم تتابع خطط المساعدة «ستكثر الوفيات والأمراض السارية والأوبئة بين الأطفال».


مقالات ذات صلة

أميركا ترفع العقوبات عن المقررة الأممية للأراضي المحتلة

المشرق العربي المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)

أميركا ترفع العقوبات عن المقررة الأممية للأراضي المحتلة

رفعت واشنطن إلى حين اسم المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، من لوائح العقوبات الأميركية بقرار من محكمة فيدرالية.

علي بردى (واشنطن)
أفريقيا صورة تظهر جانباً من المساعدات المقدّمة من الأمم المتحدة نشرها منسق الإغاثة في حالات الطوارئ بالأمم المتحدة توم فليتشر على صفحته على منصة «إكس»

الأمم المتحدة تخصص تمويلاً وموظفين لاحتواء فيروس «إيبولا» في الكونغو

أعلنت الأمم المتحدة أنها ستخصص نحو 60 مليون دولار لاحتواء تفشي فيروس «إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وستنشر المزيد من الموظفين.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الولايات المتحدة​ فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)

واشنطن: رفع اسم ⁠الخبيرة ‌الأممية ‌المعنية ​بالأراضي ‌الفلسطينية من العقوبات ليس تغيراً في السياسة

قال متحدث باسم وزارة ‌الخارجية الأميركية، ​الخميس، ‌إن ⁠قرار إزالة اسم فرانشيسكا ألبانيزي، من ‌قائمة الأفراد ‌الخاضعين للعقوبات هو قرار ⁠مؤقت.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ المندوب الفلسطيني لدى الأمم المتحدة رياض منصور خلال كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة (الأمم المتحدة)

رياض منصور يسحب ترشيحه لمنصب أممي بضغوط أميركية

سحب المندوب الفلسطيني الدائم لدى الأمم المتحدة رياض منصور ترشيحه لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة للمنظمة الدولية تحت وطأة تهديدات من إدارة الرئيس الأميركي ترمب.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ المندوب الفلسطيني لدى الأمم المتحدة رياض منصور خلال كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة (الأمم المتحدة)

أميركا تضغط لسحب ترشح فلسطيني لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة

إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب هددت بإلغاء تأشيرات الوفد الفلسطيني لدى الأمم المتحدة إذا رفض المندوب الفلسطيني سحب ترشيحه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده قرب الحدود مع لبنان

غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده قرب الحدود مع لبنان

غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
غارة جوية إسرائيلية تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

قال الجيش الإسرائيلي، السبت، إن أحد جنوده قُتل، الجمعة، قرب الحدود مع لبنان، مما يرفع عدد القتلى في صفوفه إلى 22 منذ بداية الحرب مع «حزب الله» الموالي لإيران.

وأعلن الجيش، في بيان مقتضب، أن الرقيب أول نوعام هامبرغر، البالغ 23 عاماً والمتحدر من عتليت (شمال)، «سقط في شمال إسرائيل».

وأوضح الجيش، في تصريح لوكالة «فرانس برس»، أن هامبرغر قضى بعد ظهر الجمعة قرب الحدود مع لبنان.

في المجموع، قُتل 23 إسرائيلياً، هم 22 جندياً، ومتعاقد مدني واحد، منذ اندلاع الحرب مع «حزب الله» في الثاني من مارس (آذار).


توقيف 4 أشخاص في مطار إسباني إثر صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول غزة

قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
TT

توقيف 4 أشخاص في مطار إسباني إثر صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول غزة

قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)

اعتقلت الشرطة 4 أشخاص في مطار بلباو بشمال إسبانيا، السبت، عقب وقوع صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول مساعدات كان متوجهاً إلى غزة، إلى بلادهم.

ووقع الحادث عندما تجمع حشد من مؤيدي الناشطين في قاعة الوصول، لاستقبال 6 منهم لدى عودتهم على متن رحلة جوية من تركيا، بعد أن احتجزتهم القوات الإسرائيلية.

وعندما حاول أحد أقارب الناشطين الاقتراب منهم منعه شرطي بالقوة، ما أدى إلى عراك بين الطرفين، حسبما أفادت قناة «تي في إي» التلفزيونية العامة.

وأظهرت صور بثتها القناة عناصر من الشرطة يضربون أشخاصاً بالهراوات في المطار، ويثبِّتون آخرين على الأرض، وسط هتافات استهجان من المارة.

واعتُقل 4 أشخاص بتهمة العصيان الجسيم، ومقاومة الاعتقال، والاعتداء على عناصر إنفاذ القانون، وفق بيان لشرطة إقليم الباسك.

وأضاف البيان: «عقب ما حدث في المطار، فتحت إدارة الشؤون الداخلية (في الشرطة) تحقيقاً لتحديد ما إذا كان سلوك العناصر متوافقاً مع الإجراءات المتبعة».

واحتجزت القوات الإسرائيلية مئات الناشطين من دول عدة، بعد اعتراض سفنهم خلال أحدث محاولة لكسر الحصار الإسرائيلي على القطاع الفلسطيني.

وبين هؤلاء الناشطين 44 إسبانياً، حسب وزارة الخارجية الإسبانية.

ووصل نحو 20 ناشطاً آخر إلى مطار برشلونة السبت؛ حيث كان في استقبالهم حشد من المؤيدين، من بينهم وزير الثقافة إرنست أورتاسون.


«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
TT

«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)

فعّل «حزب الله»، في الأيام الأخيرة، استهدافاته لمنصات القبة الحديدية للدفاع الجوي داخل الأراضي الإسرائيلية، فيما بدا أنه محاولة لرفع تكلفة الخسائر المادية في صفوف الجيش الإسرائيلي واستباقاً لأي تجدد للحرب سواء في الداخل اللبناني أو في إيران، مما يسهّل وصول الصواريخ إلى العمق الإسرائيلي، حسبما يقول خبراء.

وبدا أن التركيز على استهداف منصات القبة الحديدية تحوُّل لافت في مسار المعركة العسكرية، بالنظر إلى أن «حزب الله»، وطوال شهر منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في 17 أبريل (نيسان) الماضي، نفّذ ضربة واحدة ضد منظومة دفاع جوي إسرائيلية، بينما نفذ، خلال الأيام الأربعة الأخيرة، 6 استهدافات لمنصات قبة حديدة في مواقع عسكرية إسرائيلية حدودية، حسب إعلانات «حزب الله»، الذي قال إنه استهدفها بـ«محلّقات انقضاضية».

وقال الحزب في 3 بيانات منفصلة، السبت، إنه استهدف 4 منظومات للدفاع الجوي (قبة حديدية) في ثكنة برانيت الحدودية مع لبنان، وثكنة راميم أيضاً، تُضاف إلى منظومة أخرى في ثكنة برانيت الجمعة، علماً بأن ثكنة برانيت هي المركز القيادي الرئيسي لـ«الفرقة 91» (فرقة الجليل) المسؤولة عن تأمين القطاع الشرقي للحدود الشمالية، وتقع قبالة بلدة عيتا الشعب الحدودية مع لبنان، وتتمتع بأهمية استراتيجية؛ كونها من أكبر الثكنات العسكرية الواقعة في موقع متقدّم على الحدود، وتدير جزءاً من العمليات العسكرية على الحدود مع لبنان. كما أعلن الحزب، الاثنين الماضي، أنه استهدف القبة الحديدية في معسكر غابات الجليل بمحلّقة انقضاضية.

أسباب سياسية وعسكرية واستراتيجية

ويعيد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد سعيد القزح، تكثيف تلك الاستهدافات إلى أسباب سياسية وعسكرية واستراتيجية، ويقول إن «حزب الله» يواصل عملياته العسكرية؛ كونه «لا يعترف بأي مندرجات تترتب على المفاوضات المباشرة التي تجريها الدولة اللبنانية مع إسرائيل، ومن ضمنها تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار؛ كون الحزب يريد أن تكون ورقة المفاوضات بيد إيران، وليس بيد الدولة اللبنانية، بعدما خسر ورقة التفاوض التي اعتاد أن تكون بيده، كما في السابق، أي في مفاوضات 2006، أو ترسيم الحدود البحرية، أو اتفاق وقف الأعمال العدائية 2024».

صورة مأخوذة من مقطع فيديو وزّعه «حزب الله» لما قال إنه استهداف لمنصة «قبة حديدية» في مركز عسكرية قرب الحدود مع لبنان (متداول)

أما الأسباب غير السياسية، فيشرح القزح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الحزب «يحاول استهداف ما يستطيع استهدافه، سواء من قبة حديدة أو دبابات أو مدرعات أو أفراد»، مضيفاً: «وكون أداة الاستهداف الرئيسية التي تتمثل في الوقت الحالي بالمسيرات الموجهة بألياف ضوئية ممكن أن تعطل المدرجات بشكل مؤقت ولا تدمرها بشكل كامل، فإن الأضرار التي تترتب على استهداف القبة الحديدية، ستكون أكبر»، شارحاً أن «إصابة صواريخ القبة ستؤدي إلى انفجارها. أما إصابة الرادار فتؤدي إلى تدميره»، وبالتالي فإن الحزب «يرفع تكلفة الأضرار التي يتسبب بها في صفوف الجيش الإسرائيلي، ويعمل على إيقاع خسائر مهمة في صفوفه، لا سيما أن تعطيل الدفاع الجوي له مكاسب عسكرية ومادية واستراتيجية على حد سواء».

ويشير القزح إلى أسباب أخرى تقف وراء تكثيف استهدافات القبة الحديدية، أبرزها «محاولة تعطيلها، في ظل احتمالات تجدد الحرب في إيران، أو توسع الحرب في لبنان التي تُعدّ احتمالات تجددها عالية». ويوضح: «إذا تجددت الحرب على الجبهتين، فإن استئناف إطلاق الصواريخ سيكون متوقعاً؛ لذلك يحاول تحييد منظومات الدفاع الجوي مما يتيح لصواريخه أو للصواريخ الإيرانية العبور إلى الداخل الإسرائيلي». ويعرب عن اعتقاده بأن تجدد الحرب في إيران «يعني انخراط الحزب في المعركة أيضاً؛ كون إيران ستستعمل كل أوراقها، سواء (حزب الله) أو جماعة الحوثي أو الميليشيات العراقية لتكثيف الهجمات على إسرائيل والدول العربية والمصالح الأجنبية في المنطقة، لعلمها بأن الضربات الثالثة ستكون قاسية ومدمرة، ولن تقتصر على الأهداف العسكرية الإيرانية، بل قد تشمل المنشآت الاقتصادية والبنى التحتية».

عناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في بلدة العباسية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيرات الألياف الضوئية

ويكثف «حزب الله» من استخدامه للمسيرات الموجهة بألياف ضوئية التي يصعب رصدها ويستحيل التشويش عليها أو التصدي لها، مثل المسيرات الأخرى اللاسلكية، مما يتيح لها الوصول إلى أهدافها أفضل من المسيرات الأخرى. ويقول القزح إن تلك المسيرات «قادرة على حمل أوزان تتراوح بين 3 و5 كيلوغرامات من المتفجرات، مما يتسبب بخسائر بشرية في حال استهداف التجمعات، كما تؤذي المدرعات والدبابات إذا استهدفت المنظار أو أجهزة الرصد عليها»، لافتاً إلى أن هذا النوع من المسيرات «لا يوجد دواء ناجع له، لا في روسيا وأوكرانيا، ولا على الجبهة اللبنانية بعد».

وفي المقابل، وسعت إسرائيل إنذارات الإخلاء إلى قضاء جزين القريب من صيدا على بُعد نحو 45 كيلومتراً عن الحدود، في أوسع مروحة للإخلاءات شملت 15 بلدة وقرية لبنانية في محافظتي الجنوب والنبطية بجنوب لبنان، وذلك غداة تعرّض مستشفى في مدينة صور بجنوب لبنان لأضرار جراء غارات شنّتها إسرائيل ليلاً.

وتواصلت الغارات المكثفة، السبت. وأفادت الوكالة الوطنية عن «غارة عنيفة على منطقة جل البحر بمحيط صور»، إضافة إلى سلسلة من الضربات في أكثر من موقع في جنوب لبنان، طالت إحداها «أحد بساتين الحمضيات في بلدة البازورية؛ ما أدى إلى إصابة عدد من العمال السوريين أثناء عملهم هناك».

إنذارات صور

وكان الجيش الإسرائيلي أصدر، نحو منتصف ليل الجمعة - السبت، بالتوقيت المحلي، إنذاراً بإخلاء مبنيين ومحطيهما في منطقة صور، قبل القيام بقصفهما بذريعة استهداف «حزب الله». وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بأن أحد المبنيين المهددين يقع قرب مستشفى حيرام في صور، وأن أضراراً بالغة لحقت به بعدما نفذت الدولة العبرية تهديدها بقصف المبنى.

سكان محليون يتفقدون الأضرار الناتجة عن استهداف إسرائيلي لمبانٍ في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

وأوضحت: «أدَّت الغارة إلى أضرار جسيمة بمستشفى حيرام وفي غرف العمليات والممرضين والمرضى والعيادات، وشبكات الكهرباء وزجاج مبنى المستشفى». وقال رئيس مجلس إدارة المستشفى سلمان عيديبي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نقلنا المرضى إلى أماكن أخرى أكثر أمانا». وأكد أن أياً من المرضى لم يُصب بأذى، لكن نحو 30 شخصاً من طاقم المستشفى تعرضوا لجروح طفيفة. وأشار إلى أن تقييم الأضرار لا يزال جارياً، وأن المستشفى يواصل العمل في هذه الظروف، رغم توقف قسم الطوارئ لفترة وجيزة.

وأشار إلى أن هذه المرة الثانية التي تستهدف فيها غارة إسرائيلية محيط المستشفى، منذ اندلاع الحرب بين الدولة العبرية و«حزب الله»، في الثاني من مارس (آذار) الماضي. ويقع المبنيان اللذان تمّ تدميرهما في أحياء سكنية في المدينة التي تتعرض لضربات إسرائيلية شبه يومية. وبعيد التحذير الإسرائيلي، قام عناصر من الدفاع المدني والشرطة البلدية بدعوة الناس عبر مكبرات الصوت إلى المغادرة. وشهدت الشوارع زحمة سير، مع مسارعة سكان إلى ترك منازلهم إثر الإنذار.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان، السبت، إنه استهدف ليلاً «بنى تحتية تابعة لـ(حزب الله) الإرهابي في منطقة صور». كما طالت الغارات وفقاً له «موقعاً تحت أرضي تابعاً لـ(حزب الله) الإرهابي استخدمه لإنتاج وسائل قتالية»، في منطقة البقاع بشرق لبنان.