مع الأنصاري في توفيقيته (صراع الأضداد)! (1-2)

مساجلات مع القصيبي ومعارك أدبية حول الالتزام وكتاب الموجة الجديدة

محمد جابر الأنصاري
محمد جابر الأنصاري
TT

مع الأنصاري في توفيقيته (صراع الأضداد)! (1-2)

محمد جابر الأنصاري
محمد جابر الأنصاري

كان أبي يأخذني إلى الدور الرابع من بيتنا القديم. وهناك تنتصف لحظة لها جناحان! فعلى يساري تتوهج غابة النخل ريشاً أخضر. وعلى اليمين تنبسط زرقة الخليج، لازوردية تتماوج في عيني الطفلة، بتشكيلات مثيرة من أجنحة النوارس البيضاء، وشباك الصيادين، وحوريات البحر.

استكمالاً لبناء الصورة الأسطورية في مخيلتي عن عالم البحر، بلآلئه وأسماكه وجنياته، بسفنه وصياديه وغواصيه، طفقت أرسم السؤال ملحاحاً في صدر أبي... عن البحرين... فيشير بيده الساطعة... إنها هناك. ويضيف وهو يحملني على كتفه: بإمكانك أن تراها، بمجرد أن تتبع خط سير السفن الشراعية، المحملة بالتمر والموز واللوز والليمون، وهي تمخر عباب البحر إلى المنامة.

سألت أبي ذات مرة: ألم تذهب إلى البحرين؟ فأجابني: بلى... لقد زرتها بقصد العلاج في مستشفى الإرسالية الأميركي!! وقد قضى فيها شهراً أو يزيد، كان خلالها ممتلئاً بصور مدهشة غريبة عن سياقه الاجتماعي. فهناك وجد الناس يرتدون أزياء «عولمية» بهيئة لم يألفها، ويتكلمون بألسن مختلفة، حتى أن الاقتراض اللغوي من الهندية والفارسية والإنجليزية كاد يؤثر على فصاحة أبنائها العربية. الطرق هناك نظيفة، والأسواق منظمة، والوجوه تفيض بالحيوية والتحدي، فالناس معظمهم متعلمون، أصحاب هوايات، ورياضات، يقرأون ويلعبون، يمتطون الحمير، و«حصان إبليس»، ويركبون السيارات! يجدون في أوقات الجد، ويهزلون في أوقات الهزل.

علي عبد الله خليفة

يوماً بعد يوم، وسنةً وراء سنة، كان اسم البحرين يكبر في رأسي، ويمتلئ بها وجداني، وأنا أنصت إلى الحكايا عنها، في البيت والسوق والمقهى، حتى استجد بعد ذلك عامل له الأثر الحاسم في بناء الصورة وتفكيك المخيلة.

إنه الصوت الآتي عبر المذياع، وهو يحمل فخامة الأداء في صوت إبراهيم كانو وأشعار إبراهيم العريّض، وآراء حسن جواد الجشي، وأحاديث محمد جابر الأنصاري، وبرنامج علوي الهاشمي وبهية الجشي الأدبي.

إذن... فالبحرين على عتبة الاستقلال الوطني.

وهنا قررت اختراق هذا العالم المتخيل، وكنت أتخطى السابعة عشرة... راكباً السفينة من ميناء الخبر، في منتصف نهار قائض، لأقضي ساعات أربع بين أقفاص الدجاج، وقلات التمر، مع مجموعة من المسافرين، بينهم فلاحون عجزة من القطيف، وشباب من عمال شركة «أرامكو»، وفد هؤلاء وغيرهم على البحرين لقضاء حاجاتهم أو إجازاتهم الصيفية أو الأسبوعية، بين أقاربهم أو معارفهم في هذه الجزيرة السحرية العجيبة. غير أن الرحلة مع بكارتها لم تكن رومانسية! فحين وصلنا ميناء المنامة، لم تأخذنا السفن الشراعية الصغيرة إلى «الفرضة» كما فعل الزمان قبل قرن بأمين الريحاني الشاعر والأديب والرحالة الذي فتن بالشيخ المستنير إبراهيم بن محمد آل خليفة، الذي فصل فيه القول د. الأنصاري... وكذلك المفكر الألمعي د. نادر كاظم في كتابيهما عن هذه الشخصية المتنورة... لكني سنة 1971 لم أجد تلك النجوم الرقراقة المنعكسة على صفحة البحر، التي وصفها في كتابه «ملوك العرب»، ولم أر الحمير والأتن التي كانت تملأ الطرق والأسواق.

لقد وجدتني وكأنني في القطيف! فسوق السمك في المنامة هو سوق السمك في حي الشريعة، وفلاحو جد حفص هم فلاحو القديح، ونخل سترة هو نخل أم الحمام، وعين عذاري هي عين داروش، وعمال المحرق هم عمال الدمام، وشارع الشيخ عبد الله هو سوق الصكة.

إبراهيم العريض

إذن ما الذي استلفت نظري. في ذلك الصيف المبهر؟ إنه سينما أوال، ونادي العروبة، والمكتبات، وأسرة الأدباء والكتاب، وتلك الكوكبة المشرقة بالحيوية والإبداع. علوي الهاشمي، وعلي عبد الله خليفة، وقاسم حداد، ومحمد عبد الملك، ومحمد الماجد.

كان هؤلاء شعراء وقصاصو الموجة الجديدة يحتلون موقعاً جيلياً واقعياً حداثياً، أشب من جيل حسن جواد الجشي، ومحمد جابر الأنصاري وعبد الله الشيخ جعفر القديحي وغازي القصيبي وعبدالرحمن رفيع... بينما كان إبراهيم العريّض يحتل موقعه الرومانسي والانطباعي مجدداً وحده في مجال الشعر والدراما والنقد.

هكذا وجدته وأنا أتردد عليه ضحى كل يوم في متجر أحد أصدقائه في شارع الشيخ عبد الله، محاطاً بهالة أسطورية.

لم لا؟!

وقد تخطت سمعته ناقداً أدبياً ومترجماً لرباعيات الخيام حدود البحرين إلى آفاق العالم العربي... لكن من افتقدته هو محمد جابر الأنصاري، وكان محاطاً بهالة رئاسته لدائرة الإعلام (أي وزيرها) قبل استقلال البحرين، وكذلك المعارك الأدبية التي خاضها في الصحافة، بعد عودته من الدراسة الجامعية في بيروت، بعد ابتعاثه لدراسة اللغة العربية والأدب في جامعتها الأميركية، حيث جرت معركة أدبية بين محمد جابر الأنصاري والصحافي محمود المردي، الذي زرته في مكتب جريدته «الأضواء»، وقد انتصر الأنصاري للشعراء والقاصين الجدد من الشباب، الذين وصفهم المردي بـ«المتأدبين»! راداً عليه الأنصاري، مؤكداً أنهم أدباء وشعراء لهم تجاربهم المميزة، داعياً المردي إلى أن يركز على الشؤون الصحافية الخاصة بارتفاع أسعار البصل والطماطم ومشكلات البلدية، ويترك الشؤون الأدبية للمختصين!

غازي القصيبي

وقد أوضح علي الشروقي أنّ سعة الصدر التي تمتع بها الأستاذ محمود المردي كانت مميزة، فقد خصص ما يقارب ربع عدد صفحات الجريدة لهؤلاء الأدباء الشباب، وأصبح أكبر داعم لهم. بل إنه ملك من الشجاعة الأدبية بأنه كان ينشر المقالات التي كان فيها نقد شديد له شخصياً، من ضمنها المقال شديد اللهجة الذي كتبه الأنصاري، ينشرها كاملة بسعة صدر، دون أن يقتطع كلمة واحدة منها.

أما المعركة الأخرى فكانت بين الشاعر غازي القصيبي وأسرة الأدباء والكتاب. الذي ألغى عضويته فيها... وكان مثار هذه المعركة يتركز حول مفهوم الالتزام الذي روّجت له الأسرة. واحتج القصيبي في رده على القاص محمد الماجد على المعيارية السياسية التي تزن بها الأسرة الأدب، إذ إنها تهتم بأن يكون الأدب محملاً بالقضايا الوطنية والعربية والإنسانية، وإلا يصبح الأدب ترفاً. وكان غازي يكتب المقالات الساخرة الناقدة للشعارات الآيدولوجية، مذيّلة باسم «ابن عبد ربه». ثمّ أخذ يكتب مقالات أقل سخرية وحِدّة باسمه، ولم تعجب مثل هذه المقالات الساخرة مؤسسي الأسرة، على رأسهم الدكتور محمد جابر الأنصاري، فشنّوا هجوماً صحافياً نارياً على غازي القصيبي، عادين أنّ شعره مفتقد للحرارة - ربما بسبب وضعه الطبقي - تضامنوا للرد على كتابته الساخرة... هذا ما لمسته من حواري مع الشاعر علي عبد الله خليفة، الذي التقيته في تلك الزيارة، بدائرة الموانئ مرتدياً بذلته البحرية البيضاء... وحين سألته عن قاسم حداد، أخبرني ممتعضاً بأنه دخل في الغيبة الصغرى!

العجيب أنه بعد سنوات طويلة من هذه المساجلة بين د. محمد جابر الأنصاري وصديقه د. غازي القصيبي، أجرت مجلة «العربي» الكويتية سجالاً بين الصديقين، اللذين تعمقت علاقتهما الشخصية والفكرية كلما تقادم الزمن بهما، أن استمر الحوار بينهما حول «الالتزام»!

فهذا هو الأنصاري يستذكر ماضي معركته معه! فيقول لغازي:

في زمن الشباب الشعري والنقدي - عندما اختلفنا أنت وأنا حول مفهوم الالتزام وأهمية الشعر القصوى في حياة الشاعر - كنت تصر على أن الشعر جانب من جوانب حياتك، وأنك لا ترى أن الشاعر يتجرد كلياً للشعر أو يعتبره همه الأول، وأنه يمكن أن يكون أشياء أخرى في الحياة بالإضافة لكونه شاعراً. وخلال مسيرتك في الحياة أثبت هذا الرأي بالفعل، فكنت إدارياً وأكاديمياً ووزيراً وسفيراً بالإضافة إلى كونك شاعراً، ولكن تجربتك أثبتت أن الشاعر الذي جعلته يتعايش فيك مع الإداري والأكاديمي... إلخ، هو الذي كانت له الكلمة الفاصلة عندما برزت مسألة الأولويات في تقرير الهواية والمسيرة الحياتية، وأن الكلمة الشعرية كانت هي الكلمة. وأن الوجود الشعري كان هو الوجود. وأعني بالشعر هنا معناه الكياني كالتزام حياتي وكصفاء وقيمة وليس كفنٍّ محض. كيف تتفاعل مع زعمي هذا؟!

ويجيبه غازي:

لا يبدو أن نقاشنا المزمن حول «الالتزام»، ذلك الذي بدأ قبل ربع قرن سينتهي أبداً، رغم محاولاتك ومحاولاتي الدائمة للتقريب بين الموقفين. مشكلتي مع «الالتزام»، أني أراه صفة خارجة عن الشاعر، مسقطة عليه من طرف آخر (هو غالباً الناقد). عندما نقول إن شاعراً ما شاعر «ملتزم» فنحن نعني أنه «ملتزم» بما نعده نحن قِيماً ومُثُلاً يجب الالتزام بها. لا أتصور أن ناقداً يمينياً سيمجد «ملتزماً» شاعراً (يسارياً)، والأرجح أنه سيعتبره تخليّاً عن الالتزام الحقيق أو أن ناقداً يسارياً سيمجد التزام شاعر «يميني»، والأغلب أن يسمى «الالتزام» رجعية، أو بورجوازية. «الالتزام» منحة من النقاد الملتزمين - أو القراء الملتزمين - لذلك الإنتاج الذي يتواءم مع مواقفهم السياسية والدينية والفكرية.

عام 1976 جاء الأنصاري - ربما لأول مرة - إلى الرياض بدعوة من الرئاسة العامة لرعاية الشباب... وفوجئت بمدير علاقاتها العامة علي آل علي يدعوني إلى عشاء خاص في بيته تكريماً لزائرهم، الذي بدأ ينشر مقالاته الأدبية والثقافية فوق صفحات مجلة «الدوحة» القطرية في بداية انطلاقتها برئاسة الأديب الأكاديمي السوداني محمد إبراهيم الشوش... ومنذ اللحظات الأولى حلت كيمياء قبول متبادل بيني وبين الأنصاري، الذي كان وقتها يعمل على إنهاء أطروحته للدكتوراه في النزعة التوفيقية في الفكر العربي المعاصر... التي قدمها للمناقشة سنة 1979.

بعدها بسنوات أربع، سنة 1983، دعوته للمشاركة في كتابة مقال أسبوعي في إصدار جريدة «الرياض الأسبوعي» تناول فيه عديداً من القضايا الأدبية والفكرية والسياسية... وكان من أوائل الكتاب العرب الذين دعوا إلى إعادة علاقة المملكة مع الاتحاد السوفياتي قبل انهياره.

وأتذكر من مقالاته، نقده الشديد للناقد الأدبي المصري د. لويس عوض، بعد إصدار كتابه المتحامل ضد جمال الدين الأفغاني، وقد نشرها مقالات مسلسلة في مجلة «التضامن» الصادرة في لندن وقتذاك، إذ ذهب د. الأنصاري إلى أن لويس عوض ومن هم على شاكلته لا يريدون بهذه المقالات رأس الأفغاني... بل يريدون الرؤوس الكبيرة في نهضتنا العربية كلها، من الإمام محمد عبده إلى عبد الرحمن الكواكبي إلى مصطفى عبد الرازق إلى ساطع الحصري... بل يريدون رأس الفكرة العربية والإسلامية كلها، وقد صورت مقالات لويس عوض، جمال الدين الأفغاني، بأنه رجل غامض مشوه الهوية والانتماء، مزعزع العقيدة مشتت الفكر ومزدوج السلوك، مشيراً إلى أن فكر النهضة العربية، الذي بدأ بعد غزو نابليون مصر، مؤسس على سلوك خاطئ وفكر مرتبك، مفيدًا - أي د. الأنصاري - من مقالات رجاء النقاش، الذي زامل الأنصاري في الكتابة الشهرية بمجلة «الدوحة»، مفنداً أطروحة لويس عوض، بمقالاته التي جمعها في كتابه «الانعزاليون في مصر» آخذاً على عوض انتصاره ليعقوب صنوع - اليهودي الديانة - الذي تعامل مع الغزو الفرنسي، مُسّهلاً للفرنسيين تنفيذ خططهم الثقافية في مصر والمشرق العربي، وقد تحمس صنوع لظاهرة كمال أتاتورك في تركيا، بعلمنة المجتمع الإسلامي التركي.


مقالات ذات صلة

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

ثقافة وفنون 70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون «ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.