بعد استقالته من حكومة كير ستارمر ومطالبته بتغيير قيادة حزب العمال، عاد ويس ستريتنغ إلى الصفوف الأمامية للسلطة البريطانية، وهذه المرة وزيراً للدفاع في حكومة آندي بيرنهام. الواقع أن تعيين بيرنهام يشكّل تحوّلاً لافتاً في مسار سياسي شاب كان، حتى وقت قريب، يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز المرشحين لخلافة ستارمر في 10 داونينغ ستريت؛ إذ سبق لستريتنغ أن أعلن استعداده لخوض سباق الزعامة، قبل أن يتراجع ويدعم بيرنهام، الذي أعاده لاحقاً إلى الحكومة وأسند إليه واحدة من أكثر حقائبها حساسية.
يصل ويس ستريتنغ (43 سنة) إلى مقر وزارة الدفاع بعد مسار بدأ في السكن الاجتماعي بشرق لندن، ومرّ باتحادات الطلاب والمجالس المحلية ومقاعد المعارضة، قبل أن يُصبح وزيراً للصحة في حكومة ستارمر.
وهناك، بنى صورته على إصلاح المؤسسات وخفض الهدر بالتوازي مع زيادة الإنفاق، وهي الوصفة نفسها التي يقول إنه يريد نقلها الآن إلى وزارة الدفاع. ويأتي ذلك فيما تواجه بريطانيا ضغوطاً لرفع إنفاقها العسكري، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التهديدات الروسية، في اختبار جديد لسياسي عُرف بمهاراته التنظيمية والإعلامية وطموحه القيادي.
... من حي ستيبني الشعبي إلى كمبريدج
وُلد ويسلي بول ويليام ستريتنغ عام 1983، ونشأ في سكن اجتماعي في حي ستيبني الشعبي بشرق لندن، لوالدين من الطبقة العاملة كانا في السابعة عشرة والثامنة عشرة من عمرهما عندما رُزقا به.
وحقاً، تختلف خلفية ستريتنغ العائلية عن الصورة التقليدية لمسيرة وزير بريطاني. فوفق قناة «سكاي نيوز» التلفزيونية وصحيفة «الغارديان»، كان جدّه لأمه لصّاً مسلحاً أمضى فترة في السجن، وعرف خلال سجنه الأخوين كراي، اللذين يعدّان من أشهر زعماء الجريمة المنظمة في لندن. كذلك أمضت جدته فترة في سجن هولواي، حيث التقت كريستين كيلر، إحدى أبرز الشخصيات المرتبطة بـ«فضيحة بروفومو» السياسية - الأخلاقية في ستينات القرن الماضي.
أما جدُّه لأبيه، وهو من قُدامى البحرية الملكية ومؤيد تقليدي للمحافظين، فكان من أكثر الشخصيات تأثيراً فيه خلال فترة طفولته.
دراسياً، تلقى ستريتنغ تعليمه المبكّر في مدرسة وستمنستر سيتي، وهي مدرسة حكومية لا علاقة لها بـ«مدرسة وستمنستر» الخاصة الشهيرة الواقع حرمها على مقربة من قصر البرلمان. وفي سن الرابعة عشرة، خاض انتخابات مدرسية تجريبية مرشحاً باسم حزب العمال وخسر، لكنه انضم إلى الحزب فعلياً في سن الخامسة عشرة.
وبعدها صار أول شخص في عائلته يدخل جامعة ويتخرّج فيها، وفق «رويترز» بعدما درس التاريخ في كلية سلوين بجامعة كمبريدج.
ميول قيادية منذ الجامعة
برزت ميول ستريتنغ القيادية منذ سنواته الجامعية. فقد انتُخب رئيساً لاتحاد طلاب جامعة كمبريدج، ثم تولّى عام 2008 رئاسة الاتحاد الوطني للطلاب في بريطانيا.
وهو على الرغم من انضمامه المُبكر إلى حزب العمال، لم يتردّد في معارضة بعض سياساته. بل إنه غادر الحزب لفترة قصيرة إبان سنوات الجامعة، وفق قناة «سكاي نيوز»، اعتراضاً على حرب العراق التي شاركت فيها حكومة توني بلير إلى جانب الولايات المتحدة.
ومن ثم، بعد تخرّجه، عمل ستريتنغ في القطاع التطوّعي، كما شغل مناصب قيادية في مؤسسات تُعنى بالتعليم ومواجهة عدم المساواة، قبل أن يتّجه إلى العمل السياسي المنتخب.
من المجلس المحلي... إلى وستمنستر
بدأ ويس ستريتنغ مسيرته الانتخابية عضواً في مجلس بلدية ريدبريدج (في منطقة لندن الكبرى) عام 2010، ثم أصبح نائباً لرئيس المجلس عندما سيطر حزب العمال عليه عام 2014.
وفي الانتخابات العامة عام 2015، انتُخب نائباً عن دائرة إيلفورد نورث في شرق لندن (وهي تقع ضمن ريدبريدج)، منتزعاً المقعد من حزب المحافظين. وظلّ يُمثّل هذه الدائرة منذ ذلك الحين.
وطوال سنوات حملة الـ«بريكست»، كان من أبرز المدافعين داخل الحزب عن بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وأيّد إجراء تصويت شعبي ثانٍ على الاتفاق النهائي للخروج. لكنه لم يدخل فوراً الصفوف القيادية للحزب.
إذ إنه إبان عهد جيريمي كوربن، بقي بعيداً عن قيادة الحزب، وكان من معارضي توجّهات زعيمه اليساري. غير أنه بدأ صعوده السريع في المواقع الحزبية والسياسية بعد انتخاب كير ستارمر زعيماً للحزب عام 2020. في أعقاب ضرب تيار كوربن اليساري.
الصعود مع ستارمر
خلال أقل من سنتين، شغل ستريتنغ سلسلة من المناصب في المعارضة. ووفق السجلّ الرسمي للبرلمان، عيّنه ستارمر وزيراً في «حكومة الظل» لشؤون الخزانة في أبريل (نيسان) 2020، ثم ناطقاً باسم الحزب لشؤون المدارس في أكتوبر (تشرين الأول)، وبعدها لشؤون فقر الأطفال خلال مايو (أيار) 2021، قبل أن يعيّنه وزيراً للصحة في «حكومة الظل» في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه.
والحقيقة أن قدراته الخطابية والحوارية ساعدته على التواصل الإعلامي وخوض المواجهات السياسية، ومن ثم تعزيز حضوره البرلماني والشعبي. وهنا، تصفه «سكاي نيوز» - التي لا تعد قريبة من حزب العمال - بأنه أحد أفضل المتكلمين في صفوف الحزب وأكثرهم حضوراً، بينما تقول «رويترز» إن مؤيديه يعدُّونه من أكثر سياسيي «العمال» قدرةً على إضفاء الحيوية على رسالته السياسية.
مع هذا، ووسط صعوده السياسي، تعرّض مسيرته لتوقف مفاجئ في مايو 2021، عندما أعلن إصابته بسرطان الكلية وهو في سن الثامنة والثلاثين. وبالفعل، خضع على الأثر لجراحة لاستئصال الكلية، قبل أن يعود إلى البرلمان بعد نحو شهرين. وعام 2023، نشر مذكراته التي تناول فيها طفولته وعائلته ومسيرته الاجتماعية والسياسية.
فاز 825 صوتاً
وصل ويس ستريتنغ إلى الحكومة بعد الفوز الكاسح لـ«العمال» في انتخابات يوليو (تموز) 2024، لكنه كاد يخسر مقعده في تلك الانتخابات.
ففي حين حصد حزب العمال غالبية برلمانية ضخمة، احتفظ ستريتنغ بمقعد إلفورد نورث بفارق بسيط لا يزيد على 528 صوتاً فقط أمام المرشحة المستقلة البريطانية - الفلسطينية ليان محمد، التي بنت حملتها إلى حد كبير على معارضة موقف العمال من «حرب غزة»؛ إذ بلغ مجموع أصوات ستريتنغ يومذاك 15647 صوتاً، مقابل 15119 لمنافسته.
وبالتالي، أظهرت النتيجة هشاشة موقعه الانتخابي المحلي على الرغم من حضوره السياسي على المستوى الوطني، في دائرة شديدة التنوع كان لـ«حرب غزة» تأثير مباشر على خيارات ناخبيها، ولا سيما من المسلمين واليساريين.
قطاع «الصحة»... مختبر ستريتنغ
عُيِّن ستارمر ستريتنغ وزيراً للصحة يوم 5 يوليو (تموز) 2024، مُسنداً إليه واحدة من أصعب حقائب الحكومة. فهذه الحقيبة تشمل مسؤولية إدارة «خدمة الصحة الوطني» NHS التي كانت تواجه قوائم انتظار طويلة، وإضرابات للأطباء، وضغوطاً مالية وبيروقراطية متشعبة.
في البداية، توصَّل الوزير الجديد إلى اتفاق مع الأطباء المُقيمين أنهى موجة من الإضرابات، بيد أنه دخل لاحقاً في صدامات حادّة مع نقابتهم، «الجمعية الطبية البريطانية»، التي اتّهمها في مرحلة لاحقة بالتصرّف كـ«احتكار» (كارتل)، وفق «الغارديان».
أكثر من هذا، أثار ستريتنغ حفيظة الجناح اليساري في الحزب بسبب استعداده للاستعانة بالقطاع الخاص لتقليص قوائم الانتظار. ودافع عن ذلك بالقول إنه لا يجوز أن ينتظر المريض دوره لأسباب آيديولوجية إذا كانت الإمكانية العلاجية متاحة خارج القطاع العام. وفعلاً، أبرمت الحكومة في يناير (كانون الثاني) 2025 اتفاقاً مع مقدّمي الخدمات المستقلين لتوسيع علاج مرضى «خدمة الصحة الوطنية» في مرافق القطاع الخاص.
لكن قرار ستريتنغ الأكثر جرأة كان إلغاء مؤسسة «إن إتش إس إنغلاند» وإعادة وظائفها تدريجياً إلى وزارة الصحة، بهدف تقليص البيروقراطية وإنهاء تداخل الصلاحيات. وبرَّر في حينه القرار بأن النظام بات يضم جهازين يؤديان وظائف متداخلة. وبالنتيجة، سجلت قوائم الانتظار تراجعاً خلال ولايته.
واللافت أن الحكومة ذكرت أن مليوني موعد إضافي أُنجزت قبل الموعد المحدّد بسبعة أشهر، فيما أشار ستريتنغ إلى توفير خمسة ملايين موعد طبي إضافي خلال السنة الأولى، وتحقيق «أكبر انخفاض في أوقات الانتظار منذ 17 سنة». إلا أن تجدّد إضرابات الأطباء لاحقاً هدد - وفق «رويترز» - بتقويض جانب من هذا التقدم.
من حليف لستارمر إلى خصم ومنافس
بالتوازي، ظل ستريتنغ طامحاً إلى زعامة حزب العمال. لكن الخلاف بينه وبين ستارمر لم يخرج إلى العلن إلا في مايو الماضي، بعد سلسلة من النتائج الانتخابية السيئة للحزب، ففي يوم 14 مايو، كان ستريتنغ أول وزير كبير يستقيل مطالباً بتغيير قيادة الحزب. وكتب على «إكس» في رسالة استقالته: «حيث نحتاج إلى رؤية، هناك فراغ. وحيث نحتاج إلى اتجاه، هناك انجراف». وبعد يومين، أعلن أنه سيترشّح في أي سباق لخلافة ستارمر، لكنه رفض الدفع نحو منافسة فورية قبل منح بيرنهام فرصة للعودة إلى مجلس العموم، قائلاً إن سباقاً يستبعده سيفتقر إلى الشرعية.
إلا أنه بعد فوز بيرنهام في انتخابات ميكرفيلد الفرعية وعودته إلى مجلس العموم، أعلن ستريتنغ يوم 22 يونيو (حزيران) انسحابه من السباق ودعمه بيرنهام، قائلاً إن الحزب يحتاج إلى الوحدة بدلاً من «تضخيم الاختلافات الصغيرة». وبعد أقل من شهر، أعاده بيرنهام إلى الحكومة وزيراً للدفاع.
توجُّه «بليري»؟
يُصنَّف ستريتنغ عادة ضمن «يمين» حزب العمال، وهو لا يخفي إعجابه بتوني بلير. ووفق مصادر مطلعة، فإنه لو خاض سباق الزعامة، كان سيطرح برنامجاً أكثر قرباً من قطاع الأعمال من منافسيه المحتملين، كما سبق أن أعرب عن ضيقه من ارتفاع مستويات الضرائب في بريطانيا.
مع هذا، لا تتطابق مواقفه دائماً مع مواقف الجناح «البليري» في الحزب؛ إذ عارض «حرب العراق» وهو طالب، كما أنه من أبرز المؤيدين للتقارب مع الاتحاد الأوروبي. وذهب في مايو إلى حد الدعوة إلى عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي مستقبلاً، بعدما كان قد دعا إلى دراسة الانضمام مجدداً إلى اتحاد جمركي معه.
وإزاء الهجرة، تصفه «سكاي نيوز» بأنه أكثر ليبرالية من بعض زملائه، وأبدى تحفّظات عن جوانب من تشديد قواعد التأشيرات واللجوء، وعلى ترحيل العائلات التي تدخل بريطانيا بصورة غير نظامية.
أما حيال الإنفاق العام، فأظهر استعداداً لمواقف أكثر صرامة. وكان، وفق «رويترز»، أول وزير في حكومة ستارمر يدعو علناً إلى خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية لتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي.
من المستشفيات... إلى الصواريخ
هذه المواقف سبقت انتقاله إلى الدفاع، ولعلها أسهمت في اختيار بيرنهام له؛ فالوزارة التي تسلَّمها تواجه تحدّياً أساسياً: التوفيق بين الطموحات العسكرية المتزايدة لبريطانيا والموارد المتاحة لتمويلها. وكانت حكومة ستارمر قد أقرت في أيامها الأخيرة زيادة قدرها 15 مليار جنيه إسترليني في الإنفاق العسكري على مدى أربع سنوات. كذلك التزمت بريطانيا، في إطار «الناتو»، برفع الإنفاق الأساسي على الدفاع إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035.
وفي أول خطاب كبير لستريتنغ خلال معرض فارنبورو للطيران، قال إن الدفاع «يحتاج إلى الاستثمار والتحديث معاً»، مؤكداً أنه سيطبق في الوزارة الجديدة النهج نفسه الذي اتبعه في وزارة الصحة لخفض الهدر وتحسين الكفاءة.
وأعلن أن الحكومة أبرمت عقوداً دفاعية تتجاوز قيمتها 11.8 مليار جنيه خلال عشرة أيام فقط، وتعهد بأن تكون بريطانيا «حليفاً قوياً يمكن الاعتماد عليه» في الخارج، وأن تدعم الصناعات الدفاعية النمو والوظائف في الداخل.هذا، وجاءت بداية ستريتنغ في الوزارة أيضاً وسط اختبار سريع للتهديدات الأمنية التي ستتعامل معها. ففي أول أيامه، وصف مناورة روسية بالذخيرة الحية قبالة الساحل الإنجليزي بأنها «استعراضية وغير مسؤولة»، وقال إن الحادث ليس سوى «قمة جبل الجليد» من التهديدات التي تواجهها بريطانيا وحلفاؤها يومياً.