غزة: «الحرب الكاشفة» طرحت أسئلة عن دورَي روسيا والصين وطموحات النظام العالمي الجديد

تباين في الأولويات يضعف تأثير «شنغهاي» و«بريكس»

من حرب غزة .. ودمارها (آ ف ب / غيتي)
من حرب غزة .. ودمارها (آ ف ب / غيتي)
TT

غزة: «الحرب الكاشفة» طرحت أسئلة عن دورَي روسيا والصين وطموحات النظام العالمي الجديد

من حرب غزة .. ودمارها (آ ف ب / غيتي)
من حرب غزة .. ودمارها (آ ف ب / غيتي)

يطلق محللون فلسطينيون وعرب على الحرب الدائرة في قطاع غزة منذ أكثر من شهرين، تسمية «الحرب الكاشفة». وهؤلاء يرون أن الحرب غير المسبوقة في ضراوتها وتأثيراتها المحتملة على الصعيدين الإقليمي والدولي، أظهرت كثيراً من مكامن الضعف لدى منظمات وتجمعات إقليمية، فشلت في تبني سياسات تضغط باتجاه وقف الحرب. بين التساؤلات الكثيرة التي طرحتها التطورات المحيطة بغزة، ما يتعلق بمواقف روسيا والصين، وهما البلدان اللذان أعلنا بشكل واضح ومباشر عن معارضة سياسة العقوبات الجماعية، وطالبا بوقف الحرب. إلا أن هذه المواقف لم تترجم بتحركات سياسية نشطة تعكس ثقل وحجم تأثير البلدين العملاقين. وبالتالي، فإن السؤال الأكثر تردداً لدى خبراء في روسيا والصين، دار عن سبب إخفاق البلدين اللذين طالما تكلما عن دفع التحرك نحو ترسيخ ملامح نظام عالمي جديد، وغدا هذا المسار جزءاً أساسياً من عقيدتيهما في مجال السياسة الخارجية في السنوات الأخيرة. وبالفعل، كتب معلق روسي أخيراً: «هل يوجد ظروف دولية أفضل من هذه التي يشهدها العالم حالياً لتكريس فكرة الانتقال إلى نظام دولي جديد عبر تحركات جدية تضع بدائل للهيمنة على القرار الدولي من جانب الغرب»؟ خبراء في موسكو يتوقعون، في أي حال، أن يتضمن الوضع الإقليمي الذي أسست له حرب غزة - مهما كانت نتيجتها الميدانية - من بين أمور عدة، عودة أنشط للولايات المتحدة إلى المنطقة، لا استمراراً لانحسار دور واشنطن وتأثيرها كما اعتقد البعض. وهذا، من دون أن يعني ذلك، تقليص الحضور الروسي أو الصيني المتزايد أيضاً في المنطقة.

من اجتماع مجموعة "بريكس" الأخير (آ ف ب)

منذ الأسبوع الأول للحرب في قطاع غزة بدا أن موسكو استعدت لحصد فوائد عدة من اشتعال الجبهة، أبرزها اتجاه الأنظار نحو الشرق الأوسط، وغياب الحرب الأوكرانية عن العناوين الرئيسية للأخبار العالمية.

تزامن هذا مع اتساع السجالات داخل المجتمعات الغربية حول جدوى مواصلة تسليح أوكرانيا، ولقد لعب تعثر الهجوم الأوكراني المضاد دوراً في زيادة سخونة التساؤلات. ولكن كان الأهم بالنسبة إلى موسكو أن حرب غزة وفرت فرصة مهمة لتأكيد «انحياز روسيا إلى الجزء الجنوبي من العالم الذي يعارض سياسات واشنطن والغرب». وهذا الأمر برز كثيراً في تصريحات المسؤولين الروس.

اللافت أن الموقف الروسي بُني في البداية على قناعة بأن هذه ستكون حرباً خاطفة مثل سابقاتها. وهذا، في الواقع، ما بدا من تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عندما قال إن روسيا «تأمل أن يأخذ الجميع على محمل الجد الالتزام بإنشاء دولة فلسطين، بعد انتهاء المرحلة الساخنة من الصراع الحالي في الشرق الأوسط». وشدد على «ضرورة التزام طرفي النزاع الفلسطيني الإسرائيلي باحترام القانون الإنساني، وتجنب الاستخدام العشوائي للقوة، وأن يتحلى الجميع بالمسؤولية الجدية لتنفيذ قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن إنشاء دولة فلسطينية على أساس المبادئ التي وافقت عليها الأمم المتحدة».

لقد بدا أن موسكو تعاملت في الأسابيع الأولى للحرب، مع الملف ليس بصفته حدثاً كبيراً يمكن أن يغيّر المنطقة والعالم، بل باعتباره «ورقة من أوراق المواجهة مع الغرب»، أي أن موسكو لم تكن مقتنعة بأن التحرك الإسرائيلي المستند إلى دعم غربي واضح وكامل يقوم على وضع مقدّمات لـ«حل نهائي» للمسألة الفلسطينية، بل باعتبار المواجهة الحالية «واحدة من حلقات الصراع المتكررة». وبهذا المعنى، عكس الموقف الرسمي بشدة انعكاسات المواجهة المتفاقمة مع الغرب.

روسيا: عرض وساطة

في وقت لاحق، أكّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده مستعدة لتقديم جهود «وساطة» بين الطرفين، من دون أن يوضح المدخل الذي ستنطلق منه إذا وافق الطرفان على تلك الجهود. وهذا أمر له دلالاته؛ لأن روسيا كانت تقليدياً تعلن استعدادها لاستقبال مفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ثم تتكلم لاحقاً عن أن هذا يتطلب «موافقة الطرفين»، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه عملياً.

أيضاً، قال الرئيس الروسي: «يتعيّن علينا البحث عن حل سلمي لتفاقم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ نظراً لأنه في الوضع الراهن لم تعد هناك بدائل أخرى». وهذه العبارة كانت لافتة أيضاً، ففي حين يراقب العالم حرباً شاملة واستعداداً لعملية تهجير شاملة جديدة للفلسطينيين من غزة، ركّزت تصريحات الكرملين على تكرار خطاب سياسي صحيح من وجهة النظر القانونية، لكنه منفصل عن الواقع المتسارع في تدهوره وعن ألسنة اللهب المتصاعدة حول غزة.

كانت «الشرق الأوسط» سألت دبلوماسياً سابقاً عن تفسيره لهذه المواقف، فقال إن «اللحظة العالمية» كانت مواتية لموسكو وبكين لترسيخ فكرة هدم آليات هيمنة الغرب على اتخاذ القرار العالمي، لكن الطرفين فضّلا تكرار خطاب سابق على إطلاق أفكار جديدة أو إعلان تحرك ملموس لوقف التحركات العسكرية الإسرائيلية، ولمواجهة عمليات «حشد القوات الغربية في البحر المتوسط والمنطقة». ورأى أن هذا الحشد رغم أن مهمته الرئيسية «تخويف أطراف إقليمية»، كان اللافت أن روسيا لم تقم بأي خطوة عملية لإعلان اعتراضها على ذلك.

وصحيح أن المواقف الروسية تطورت لاحقاً إلى اشتباك قوي في مجلس الأمن، ومطالبات واضحة بوقف القتال، غير أنها لم تتحول إلى البحث عن آليات ضاغطة في هذا الشأن. ويرجع خبراء روس ذلك إلى أنه رغم الفتور الذي اعترى العلاقات الروسية - الإسرائيلية على خلفية مواقف تل أبيب من الحرب الأوكرانية، فلا تزال روسيا ترى أن قطع الطريق أمام علاقاتها مع إسرائيل ستكون له تأثيرات سلبية نحو تقويض الرهان على لعب دوائر الضغط الإسرائيلية في الغرب دوراً ما في تقليص العقوبات المفروضة على روسيا، وإعادة فتح بعض قنوات الاتصال.

المندوب الصيني لدى الأمم المتحدة جانغ جون يتكلم في مجلس في مجلس الأمن ((آ ف ب)

الموقف الصيني

الموقف الصيني جاء مماثلاً لمواقف موسكو في رفض الحرب الشاملة والتحذير من اتساع نطاقها جغرافياً. وأيضاً طرحت بكين بدورها فكرة بذل جهود للوساطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لكن كانت هناك حدود لما يمكن أن تنجزه الصين في هذا الملفّ.

في الشهر الأول للحرب، تحرّكت بكين دبلوماسياً، وزار وزير الخارجية الصيني وانغ يي واشنطن، وناقش مع مسؤولين أميركيين أبعاد الصراع بين إسرائيل و«حماس». وأيضاً، تكلم الوزير الصيني إلى نظيرَيه في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، بعدما وصل مبعوث الصين الخاص للشرق الأوسط تشاي جيون إلى المنطقة للقاء قادة عرب. وكانت الصين من أقوى الداعمين في اجتماعات الأمم المتحدة الأخيرة لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس».

ومثلما هو الحال بالنسبة إلى روسيا، فإن رهاناً قد ظهر لدى الغرب على أن الصين ربما تكون قادرة على الضغط على إيران، على خلفية العلاقات الجيدة بين الطرفين، ووفقاً لصحيفة «فايننشال تايمز»، ضغط مسؤولون أميركيون على الوزير الصيني من أجل «حثّ الإيرانيين على التهدئة».

الفارق بين روسيا والصين أن الأخيرة لديها مصالح متشابكة جداً وكبيرة مع كل الأطراف الإقليمية المتناقضة أحياناً في مصالحها؛ إذ تعدّ الصين أكبر شريك تجاريّ لإيران. وفي وقت سابق من العام الجاري نجحت بكين في التوصل إلى اختراق سياسي كبير بين طهران والرياض.

أيضاً لدى الصين علاقات شراكة مهمة مع كل البلدان العربية تقريباً، ومع إسرائيل أيضاً. وهي ترتبط بعلاقات متوازنة نسبياً مع كل أطراف الصراع الراهن، ومن ثمّ كان يمكن النظر إلى بكين باعتبارها وسيطاً مقبولاً.

هنا، يقول خبراء إن بكين ربما لم ترغب في استثمار هذه العلاقات حتى الآن، وبذل جهد جدي يعكس مكانتها وحجمها الاقتصادي الهائل. غير أن هناك مراقبين آخرين يرون أن الصين لا تزال لاعباً ثانوياً على ساحة سياسات الشرق الأوسط. ومن هؤلاء جوناثان فولتون، الباحث المتخصص في علاقات الصين والشرق الأوسط.

يقول فولتون: «الصين ليست فاعلاً جديّاً في هذه القضية. وبالتحدث إلى الناس في أنحاء المنطقة، لا أحد يتوقع أن تُسهم الصين بالحل». رغم ذلك، يرى الخبير أن لدى بكين فرصاً أكبر للعب دور وساطة يمكّنها من المحافظة على المصالح الاقتصادية للصين في الشرق الأوسط، والتي ستتأثر حال اتساع دائرة الصراع. وللعلم، بلغ حجم التبادل التجاري لبكين مع إسرائيل 22 مليار دولار العام الماضي، وهذا فقط جزء صغير من مصالح الصين بالنظر إلى حجم الاستثمارات المباشرة في مشاريع البنى التحتية التي تحظى بأهمية كبرى.

أيضاً، تتعامل بكين مع الملف انطلاقاً من أولوياتها السياسية، وبالأخص، خططها الاستراتيجية في إطار مبادرة «الحزام والطريق». وتتزايد أهمية بلدان الشرق الأوسط بوصفها أطرافاً مؤثرة في هذه المبادرة التي تشكّل حجر الزاوية في سياسة الصين الخارجية والاقتصادية. رغم ذلك كله، فضّلت الصين الاكتفاء بإطلاق دعوات للتهدئة، وفي أحسن الحالات فهي تحدثت عن احتمال الدعوة إلى مؤتمر دولي لتسوية الوضع في الشرق الأوسط، في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب.

المثير أن الدعوة الصينية لم تلق تجاوباً من الحليف الأقرب... روسيا؛ إذ لم تعلق موسكو نهائياً على الفكرة، التي كانت دائماً تتردد في السابق على ألسنة المسؤولين الروس. والأكثر من ذلك، أن موسكو وجهت لاحقاً نداءً إلى الأمين العام للأمم المتحدة من أجل تبني فكرة المؤتمر الدولي، ولم تشر في هذا الإطار إلى دور الصين إلا من خلال التأكيد على ضرورة «حضور كل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن» المؤتمر المنشود.

تكتلات إقليمية عملاقة غابت عن الحدث

دلّ هذا على غياب التنسيق بين موسكو وبكين في حدث إقليمي له تداعيات عالمية، واكتفاء الطرفين بإعلان مواقف متشابهة، لكنها لم ترق إلى مجالات تحرك مشترك.

كذلك لم تر موسكو وبكين حاجة إلى الدعوة إلى قمة طارئة لـ«منظمة شنغهاي للتعاون»، التي يرى الطرفان أنها تشكل الحجر الأساس في التحركات المشتركة لمواجهة التحديات المشتركة في العالم. وبينما يفاخر خبراء روس كثيراً بأن هذه المنظمة تضم «نصف البشرية» مع قدرات إنسانية واقتصادية هائلة، لكن في المقابل لا يخفى أن كل اجتماعات المنظمة عكست تبايناً في أولويات البلدان المنضوية فيها، وهو ما عكسته - مثلاً - السجالات الصينية - الهندية المتكررة.

في المقابل، عقدت مجموعة «بريكس» اجتماعاً، الشهر الماضي، خصص لمناقشة الحرب على غزة خلص إلى إصدار بيان دعا إلى «هدنة إنسانية فورية» تفضي إلى وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، وتوفير المساعدات الإنسانية في قطاع غزة. وخلال القمة الافتراضية الطارئة التي استضافتها مدينة جوهانسبرغ، بجنوب أفريقيا، للدول الخمس الأعضاء في «بريكس» (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا)، دعا القادة «أطراف النزاع إلى التهدئة ووقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين».

لكن حتى في «بريكس»، وهي تكتل بالغ الأهمية لديه آفاق واسعة للتطور مع انضمام بلدان عديدة بينها عدد من البلدان العربية، برز أيضاً خلال النقاشات تباين واسع وهوة كبيرة في مواقف الأطراف بين بلدان المجموعة اكتفت بعبارات الدعوة إلى تهدئة، وبعضها رفعت سقف المطالب بشكل قوي لدرجة الدعوة إلى عرض الملف على محكمة الجنايات الدولية، كما ظهر في مواقف جنوب أفريقيا. وهذه الدعوة لم تظهر في البيان الختامي المشترك، مثل مواقف عديدة أخرى ظلت تعبر فقط عن أصحابها. أيضاً، رغم كل ما سبق، أكد القادة بشكل جماعي أن دول المجموعة قادرة على «أداء دور أساسي» على هذا الصعيد، ودعا بعضهم إلى «عقد مؤتمر دولي للسلام» يتيح «العمل على إيجاد حل شامل وعادل ودائم للقضية الفلسطينية».

واللافت، أخيراً، أن موسكو وبكين طرحتا مواقف متشابهة حول الحاجة لحل مستدام وطويل الأمد للصراع في غزة، وضرورة حماية المدنيين في فلسطين، وتوفير ممرات إنسانية. من دون وضع أساس مشترك للتحرك على هذا الصعيد.

خبراء روس يتوقعون عواقب إقليمية واسعة للحرب

*على خلفية المواقف المتباينة حيال حرب غزة، وفشل الجهود الدولية والإقليمية لوقف التصعيد وتقليص التداعيات المتوقعة، بدأ خبراء روس بوضع تصورات للوضع في منطقة الشرق الأوسط في اليوم التالي للحرب.

إذ رأى عدد من الباحثين في مراكز روسية بينها «نادي فالداي» للحوار الاستراتيجي أن المنطقة مقبلة على عواقب خطرة. وكتب أندريه كورتونوف أحد أبرز الخبراء في «فالداي» أن الجولة الحالية من المواجهة الإسرائيلية - الفلسطينية «ستخلّف عواقب واسعة النطاق وطويلة الأمد، ليس فقط على طرفي الصراع، بل أيضاً على منطقة الشرق الأوسط كلها». ورأى الخبير أن «بعض اتجاهات التنمية الإقليمية التي بدأت في وقت سابق تتلقى زخماً قوياً إضافياً، في حين أن البعض الآخر، على العكس من ذلك، سوف يضعف بشكل كبير».

وفقاً للباحث القريب من الكرملين؛ في المقام الأول من الأهمية يمكن ملاحظة أن الأزمة ستعمل على «ترسيخ الانقسامات القائمة في العالم العربي»، بما في ذلك على صعيد السجالات التي كانت قائمة سابقاً حول جدوى سياسات التطبيع. وهو مع إقراره بأن البلدان التي كانت قد أرست اتفاقات للتطبيع مع إسرائيل ستواصل العمل على هذا الاتجاه، فإنه رأى أنه بالنسبة لبقية الدول العربية «سيكون التحرك في هذا الاتجاه مستقبلاً صعباً للغاية، خاصة مع استمرار الصراع وتزايد عدد الضحايا المدنيين في غزة». وأيضاً، رجّح أن تزيد الفجوة بين النخب في العديد من الدول العربية المهتمة بتوسيع التعاون مع إسرائيل، و«الشارع العربي» الذي يطالب حكوماته بدعم أكثر حسماً للفلسطينيين. وقال من ثم: «هناك من الأسباب ما يجعلنا نفترض أن الصراع بين إسرائيل وفلسطين سيشكل عاملاً إضافياً من عوامل انعدام الاستقرار الداخلي في مختلف أنحاء العالم العربي».

أيضاً وفقاً لتقرير قدمه كورتونوف أمام «مجلس السياسات الخارجية»، أظهرت الأزمة أيضاً أن اللاعبين السياسيين العسكريين من غير البلدان العربية ما زالوا «أقوياء ونشطين للغاية» في المنطقة. وتوقّع أن تواصل إيران سياساتها الإقليمية، والسعي إلى مواصلة تشكيل تهديد لأمن إسرائيل. وزاد أنه «حتى لو تمكنت قوات الجيش الإسرائيلي من هزيمة (حماس) بشكل كامل... لا شك في أن مجموعات أصولية أخرى لا تقل تطرفاً ستأخذ مكانها». وتابع: «إذا كان الضعف المستمر لدى بعض الأطراف العربية قد أعطى إسرائيل في وقت ما مزايا معينة في مواجهة خصوم فإنه يتحول الآن إلى إحدى مشاكلها الرئيسية»، موضحاً أنه «قد لا تجد القيادة الإسرائيلية في المنطقة، ببساطة، شركاء حوار مسؤولين».

العنصر الثاني الذي يحذر منه الخبير بعد انتهاء المرحلة النشطة من الصراع الحالي، هو عامل اللاجئين والنازحين الذي «سيبقى عنصراً داخلياً مهماً في الحياة السياسية في المنطقة». وهذا، مع التذكير بأن هذه المشكلة لا تتعلق باللاجئين الفلسطينيين وحدهم مع وجود مجموعات من اللاجئين السوريين والعراقيين واليمنيين والأفغان وغيرهم من اللاجئين. هنا ثمة توقع بأنه «لن تستمر كل هذه المجموعات في الضغط على البنية التحتية الاجتماعية في البلدان المضيفة فحسب، بل ستساهم أيضاً في تعزيز نزعات التطرف السياسي في المجتمعات المضيفة». وأيضاً وفقاً للتوقعات المتشائمة، ستؤدي الأزمة الحالية في ظل الظروف الحالية، إلى إعلاء النخب السياسية في الدول العربية ملفات إعطاء القضايا الأمنية أولوية غير مشروطة على جميع القضايا الأخرى المدرجة على الأجندات الوطنية. مع إشارة إلى أنه «من الممكن ليس فقط زيادة ميزانيات الدفاع في العديد من دول الشرق الأوسط، بل أيضاً تعزيز المواقف السياسية للقوات العسكرية وغيرها من قوات الأمن».

وخلص كورتونوف إلى أن «الأزمة الحالية أظهرت بوضوح فشل استراتيجية واشنطن الطويلة المدى، التي كانت تهدف إلى دفع المشكلة الفلسطينية إلى خلفية السياسة الإقليمية، والاستعاضة عنها بمهمة خلق جبهة موحدة بين إسرائيل ودول الخليج العربي الرائدة في المواجهة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية». لكن في المقابل، كان ملاحظاً أن أوساط البحث الروسية لم تضع تصورات للسياسة الروسية تجاه المنطقة بعد الحدث المتفاقم حالياً.


مقالات ذات صلة

ارتفاع حصيلة الغارات الإسرائيلية على غزة إلى سبعة قتلى

المشرق العربي طفل فلسطيني يبكي أحد أقاربه الذي قُتل في غارات إسرائيلية على خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ارتفاع حصيلة الغارات الإسرائيلية على غزة إلى سبعة قتلى

أعلن «الدفاع المدني» بغزة، الجمعة، أن سبعة أشخاص قُتلوا في قصف جوي للقطاع، بينما أكّد الجيش الإسرائيلي أنه نفّذ غارات عليه رداً على «خرق لوقف إطلاق النار».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون تلقي الطعام من مطبخ خيري في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

محكمة إسرائيل العليا تجمد قرار منع منظمات الإغاثة من العمل في غزة

أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية، الجمعة، حكماً يقضي بتجميد الحظر الحكومي المفروض على 37 منظمة أجنبية غير حكومية تعمل في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الخليج جانب من الاجتماع الاستثنائي للجنة التنفيذية على مستوى وزراء الخارجية (منظمة التعاون الإسلامي)

«اجتماع جدة» يدعو المجتمع الدولي لإجبار إسرائيل على السلام

دعا اجتماع استثنائي لمنظمة التعاون الإسلامي، في جدة، المجتمع الدولي إلى إجبار إسرائيل على إنهاء احتلالها الاستعماري وتنفيذ سلام عادل وشامل.

«الشرق الأوسط» (جدة)
العالم العربي وزيرة الخارجية الفلسطينية الدكتورة فارسين شاهين خلال مشاركتها في الاجتماع (منظمة التعاون الإسلامي)

الخارجية الفلسطينية: الصمت على ممارسات إسرائيل لم يعد خياراً

أكدت فارسين شاهين وزيرة الخارجية الفلسطينية أن السلام والأمن في المنطقة لن يتحققا إلا بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني والانسحاب الكامل من الأرض المحتلة.

سعيد الأبيض (جدة)
الخليج جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية غرب جنين في الضفة الغربية (إ.ب.أ)

السعودية و20 دولة ومنظمة تدين قرارات إسرائيل لتسريع «التوسع» في الضفة

أدانت السعودية و20 دولة ومنظمة قرارات إسرائيل الأخيرة التي تُدخل توسّعات واسعة النطاق على سيطرتها غير القانونية على الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.