دمشق تمنح طهران الأولوية في إعادة الإعمار وتلوح بإلغاء استثمار روسي لمعامل سماد

منجم الفوسفات في حمص بسوريا (سانا)
منجم الفوسفات في حمص بسوريا (سانا)
TT

دمشق تمنح طهران الأولوية في إعادة الإعمار وتلوح بإلغاء استثمار روسي لمعامل سماد

منجم الفوسفات في حمص بسوريا (سانا)
منجم الفوسفات في حمص بسوريا (سانا)

أكد رئيس الوزراء السوري حسين عرنوس، السبت الماضي، في طهران، أن «إيران الشريك الرئيسي والدولة الأولى في إعادة إعمار سوريا»، في الوقت الذي تداولت فيه وسائل إعلام سورية غير رسمية، أنباءً عن عزم حكومته إلغاء عقد استثمار الشركة الروسية لمعامل السماد الثلاثة في حمص (أكبر تجمع لإنتاج السماد في سوريا).

مصادر اقتصادية متابعة في دمشق، استبعدت ارتباط الأنباء المتداولة حول نية دمشق إلغاء عقد استثمار معامل الفوسفات في حمص مع الشركة الروسية «ستروي ترانس غاز»، بالتنافس الإيراني الروسي بدمشق، مرجحة أن يكون ذلك «ورقة ضغط على موسكو»، كي تمارس دورها في لجم الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، التي زادت منذ بداية الحرب في قطاع غزة 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وقالت إن دمشق تلوح بورقة إلغاء العقد، إما لتعديله بهدف زيادة حصتها من العائدات، وإما أن يكون ذلك نوعاً من التحايل على العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على الشركة المستثمرة «ترانس غاز» في أبريل (نيسان) الماضي.

إنتاج الفوسفات بشكل تجريبي في منجم جنوب الأبتر بحمص في يناير 2023 (سانا)

وكان الاتحاد الأوروبي قد فرض عقوبات اقتصادية على شركة «ستروي ترانس غاز» الروسية، والشركة العامة للفوسفات والمناجم التابعة لوزارة النفط السورية، وذلك ضمن قائمة من 25 شخصاً و7 كيانات، لصلتهم بإنتاج وتهريب المخدرات.

وحازت الشركة الروسية على عقد إعادة تأهيل مصانع الفوسفات في منطقتي الشرقية وخنيفس، من خلال توظيف مهندسين وعمال سوريين تحت إشراف روسي. وفي عام 2018، مُنحِت الشركة عقداً حصرياً لمدة 50 عاماً لبيع 2.2 مليون طن من الفوسفات سنوياً مع حصة 30 في المائة فقط للمؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية المملوكة للدولة.

وبعد عام من هذا العقد، وقّعت الحكومة السورية عقدين إضافيين مع الشركة الروسية لتولي إدارة مجمع إنتاج الأسمدة السوري في حمص وميناء طرطوس التجاري.

من الاستعراض البحري للأسطول الروسي الأخير في ميناء طرطوس على الساحل السوري (الدفاع الروسية)

ووفق العقد الأول الذي صادق عليه مجلس الشعب السوري في فبراير (شباط) 2019، يجب على الشركة الروسية استثمار 200 مليون دولار خلال عامين، من أجل ترميم المصانع الثلاثة القديمة التابعة للشركة العامة للأسمدة لتتمتع بحصة تبلغ نحو 65 في المائة لمدة 40 عاماً، في حين يتضمن العقد الثاني استثمار 500 مليون دولار لبناء وتوسيع ميناء طرطوس.

ووفق تقرير أعده «المركز المصري للتوثيق والدراسات» قبل أشهر، وأشار إلى أن السعي الروسي ـ الإيراني للعب دور أكبر في الاقتصاد السوري، قد «يمثل ممراً اقتصادياً حيوياً واستراتيجياً نحو السوق العالمية من خلال الموافقة على عقود استثمار لشركاتهما الكبرى وتكتلاتهما وعبر السيطرة على الاستثمارات في المشاريع الاقتصادية المتنوعة لا سيما الطاقة». لكن ذلك يأتي على حساب الدولة السورية التي ستخسر ما يتراوح بين 70 في المائة إلى 75 في المائة من عائدات صادرات الفوسفات وعائدات ميناء طرطوس لشريكها الروسي خلال الأعوام الخمسين المقبلة».

مخاوف الشارع السوري

تثير عقود الاستثمارات الروسية والإيرانية في سوريا، المخاوف في الشارع السوري، وفق مصادر اقتصادية متابعة في دمشق، مردها أن الحليفين الروسي والإيراني يسعيان من خلال عقود الاستثمار إلى استرداد الديون وما أُنْفِقَ خلال الحرب، وأن هذا الأمر سيحرم السوريين من عائداتها، بل إنهم سيحرمون من ثروات بلادهم لا سيما الطاقة والمحروقات والأسمدة الزراعية التي ارتفعت أسعارها أضعافاً عدة منذ بد تنفيذ عقود الاستثمار الأجنبية.

وتبدو حاجة إيران للحصول على الفوسفات السوري، بهدف الحصول على اليورانيوم، أكثر إلحاحاً من حاجة روسيا التي تريده لموافقته المواصفات الأوروبية من حيث انخفاض نسبة المادة المسرطنة فيه. وقالت المصادر إن إيران أظهرت اهتماماً كبيراً بتفعيل خط الترانزيت عبر العراق خلال زيارة الوفد الوزاري الاقتصادي برئاسة رئيس مجلس الوزراء السوري إلى طهران، قبل أيام، حيث تعززت أهمية خط الترانزيت بعد موافقة الحكومة الإيرانية على طلب منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، شراء 800 ألف طن من الفوسفات السوري، سنوياً، وفق وثيقة سرية مسربة لموقع «إيران إنترناشيونال».

معبر البوكمال الذي أعيد افتتاحه أمام المسافرين بين سوريا والعراق أكتوبر 2019 (أ.ف.ب)

يشار إلى أنه يجري نقل الفوسفات من مناطق شرق حمص إلى العراق ثم إيران عبر (معبر البوكمال ـ القائم) على الحدود السورية العراقية، أو إلى لبنان لينقل بحراً إلى طهران. بينما تقوم روسيا بنقله إلى معامل حمص أو إلى مرفأ طرطوس الذي تسيطر عليه.

وشهدت الفترات الماضية حوادث عرقلة لمسيرة شركة الشحن السورية المتعاقدة مع الجانب الروسي لنقل الفوسفات، من قبل حواجز الفرقة الرابعة، المقربة من «حزب الله» اللبناني وإيران، مقابل تسهيل عبور شاحنات الشركة السورية المتعاقدة مع الجانب الإيراني.

معامل السماد ونقص الكهرباء

في هذا السياق، تأتي أنباء إخلال الجانب الروسي بشروط عقد استثمار روسيا لمعامل السماد في حمص وتسببه بنقص الكهرباء، حيث صرح وزير الكهرباء غسان الزامل منتصف الشهر الماضي للإعلام المحلي، بأنه «عندما يجري تشغيل معمل السماد ينخفض إنتاج الكهرباء، لأن المعمل يحتاج إلى 1.2 مليون متر مكعب من الغاز لتصنيع السماد، وهي كمية تكفي الوزارة لإنتاج 300 ميغاواط من الكهرباء».

منجم الفوسفات في حمص بسوريا (سانا)

وقال إنه بالإضافة إلى أخذ المعمل حصة وزارة الكهرباء من الغاز، يأخذ أيضاً من الوزارة 30 ميغاواط لتشغيله فقط، وذلك وفق اتفاق بين المعمل والوزارة لتشغيله خلال شهري أكتوبر ونوفمبر (تشرين الثاني) من العام الحالي، مبرراً زيادة ساعات تقنين الكهرباء التي وصلت إلى أكثر من 22 ساعة في اليوم.

ويعد تصريح الزامل إقراراً بإجحاف شروط عقود الاستثمار الأجنبية، وتسبب الاستثمار الروسي لمعامل السماد بتعزيز أزمة الطاقة في سوريا.

وأشرفت إيران على عملية الاستخراج والانتفاع من الفوسفات في منجمين سوريين، «الصوانة» شرق حمص، باحتياطي حجمه 1.5 مليار طن من صخور الفوسفات، و«خنيفس» باحتياطي يبلغ 300 مليار طن. ونشرت ميليشياتها، عام 2017 في مناجم الفوسفات وفق مذكرات تفاهم وقّعتها طهران مع دمشق في حقل الشرقية بالقرب من تدمر للحصول على الفوسفات. ولكن بعد 6 أشهر، منحت الحكومة السورية شركة «ستروي ترانس غاز» عقداً حصرياً لاستخراج وبيع الفوسفات من نفس المنجم، حيث سُحِبت الميليشيات الإيرانية من هناك لتسيطر القوات الروسية مع تعزيزات بعشرات العناصر من «لواء القدس» والفيلق الخامس.

ومن اللافت الصمت الرسمي تجاه ما نقله موقع «هاشتاغ سوريا» قبل أيام عن مصادر خاصة، إفادتها بصدور قرار من رئيس مجلس الوزراء السوري بوقف تزويد معامل السماد الثلاثة بحمص بالغاز. ووفق المصادر، وجّه رئيس مجلس الوزراء حسين عرنوس، كتاباً إلى وزير الصناعة، أمر فيه بـ«إيقاف تزويد معامل الأسمدة في حمص بالغاز»، بدءاً من 15 من الشهر الحالي. كما طالب وزارة الصناعة بإعادة النظر في العقد المبرم مع الشركة الروسية، والتحقيق بمقترح سابق للجنة مختصة، خلص إلى «عدم تحقيق الجدوى الاقتصادية من العقد المبرم» معها.

رئيس الوزراء السوري حسين عرنوس متحدثاً أمام مجلس الشعب (أرشيفية - سانا)

ووفق المصادر، طالب عرنوس بـ«البحث عن الخيارات البديلة»؛ حيث تضمن الكتاب جملة تشير إلى أن المستثمر الروسي «لم يلتزم بتنفيذ التزاماته التعاقدية»، كما أن استثماره لم يحقق «غايات وأهداف العقد».

وانتقد الموقع زيادة ساعات تقنين الكهرباء في حين لا تعاني الاستثمارات الأجنبية في البلاد من أي نقص، ومن بينها «معامل الأسمدة التي صارت روسية، إذ كان يخصص لها نحو 20 ميغاواط من الكهرباء، ونحو مليون ونصف المليون متر مكعب من الغاز، يومياً، وهي أرقام كبيرة جداً، خصوصاً إذا ما قورنت بحاجة البلاد إلى الطاقة، والنتائج التي حققتها سوريا من ذلك الاستثمار».

إنتاج الفوسفات بشكل تجريبي في منجم جنوب الأبتر بحمص في يناير 2023 (سانا)

5 مصانع للفوسفات

ويوجد في سوريا 5 مصانع للفوسفات؛ 4 مصانع في مناجم الشرقية، ومصنع واحد في مناجم خنيفس، ويستخدم جزء محدود من الفوسفات داخلياً في صناعة الأسمدة الفوسفاتية. بينما يصدر ثلثا الإنتاج عبر ميناء طرطوس. حيث كانت تحتل سوريا المرتبة الخامسة عالمياً بتصدير الفوسفات، ثم تراجعت بعد الحرب من قيمة تتجاوز 270 مليون دولار عام 2010 إلى 27 مليون دولار عام 2018.

الخبير الاقتصادي عامر شهدا علق عبر حسابه في «فيسبوك» على نبأ وقف تزويد معامل الفوسفات بالغاز، قائلاً: «بعد 5 سنوات من معاناة المواطن بالكهرباء والغاز من قبل الشركة الروسية المستثمرة لمعمل السماد بحمص. الحكومة تكتشف أن العقد غير مجدٍ ولا يحقق شيئاً لسوريا». وتساءل عن كمية الموارد المتحققة من تخصيص 20 ميغاواط من الكهرباء للشركة ونحو مليون ونصف المليون متر مكعب غاز يومياً على مدار 5 سنوات، ومن المسؤول، وهل تقييم عقد استثمار حكومي يجري بعد 5 سنوات أم كل عام.



شبح تجدد الحرب بين واشنطن وطهران يخيم على العراق

صورة لمبنى السفارة الأميركية في بغداد (وكالة الأنباء العراقية)
صورة لمبنى السفارة الأميركية في بغداد (وكالة الأنباء العراقية)
TT

شبح تجدد الحرب بين واشنطن وطهران يخيم على العراق

صورة لمبنى السفارة الأميركية في بغداد (وكالة الأنباء العراقية)
صورة لمبنى السفارة الأميركية في بغداد (وكالة الأنباء العراقية)

حتى مع اتخاذ الحكومة العراقية موقف الحياد خلال الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى نهاية فبراير (شباط) الماضي، فإن تداعيات الحرب السلبية، الأمنية والاقتصادية، انعكست بشكل خطير على البلاد، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز وانحسار الصادرات النفطية، بجانب انخراط الفصائل المسلحة الموالية لإيران في الحرب وقيامها بشن مئات الهجمات على مواقع داخل البلاد وخارجها.

ومع احتمالات اندلاع الحرب من جديد، فإن المخاوف والتداعيات ذاتها ما زالت حاضرة بقوة في سياق المناقشات والتعليقات الشعبية والسياسية العراقية.

وحذّر خالد اليعقوبي، المتحدث باسم رئاسة الجمهورية، الاثنين، في تصريحات صحافية من أن «أي مواجهة جديدة بين الولايات المتحدة وإيران ستضع العراق في قلب الأحداث، في ظل صعوبة تحييد البلاد عن الحرب».

ومع أزمة الدولار المتفاقمة جراء ارتفاع سعر الصرف الموازي للدولار والارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية، فإن أي اضطرابات أمنية جديدة في المنطقة وتجدد الصراع الأميركي الإيراني سيفاقمان الأمور ويعرضان البلاد إلى مستوى عالٍ من المخاطر، بحسب مصادر مطلعة.

وتحدثت المصادر لـ«الشرق الأوسط» عن «مخاوف حقيقة تحيط بالقوى السياسية، وخاصة قوى الإطار التنسيقي هذه الأيام جراء اضطراب الأسواق، فكيف إذا ما اندلعت الحرب من جديد».

وتؤكد أن «هناك خشية من تفجر الأوضاع داخلياً، خاصة مع الدعوات الشعبية لخروج مظاهرات احتجاجية بعد أزمة الدولار وارتفاع الأسعار، وقد تتمكن قوى سياسية والحكومة من التعامل مع هذا الأمر اليوم، لكن يصبح من المستحيل التعامل معه لاحقاً، خاصة إذا ما اندلعت الحرب».

كان الأمين العام لـ«كتائب سيد الشهداء» والقيادي في الإطار التنسيقي، أبو آلاء الولائي، كشف، الأسبوع الماضي، عن وجود مخاوف حقيقية داخل قوى الإطار من إمكانية تجدد واحتدام المظاهرات الاحتجاجية في العراق.

وتشير المصادر إلى أن «ظروف البلاد الحالية غير مهيأة لوضع خطط بديلة، لكن هناك جهوداً لإقناع الفصائل بالتزام الهدوء حتى مع اندلاع الحرب ضد إيران، وهناك أيضاً مساعٍ لزيادة صادرات النفط بعيداً عن مضيق هرمز».

وقام رئيس الوزراء فالح الزيدي، الأحد، بزيارة إلى مقر وزارة النفط في بغداد، وشدد على «ضرورة مواصلة العمل بهمة وبمسؤولية عالية، لتحقيق الأهداف التي تم التخطيط لها فيما يتعلق بزيادة الطاقة الإنتاجية للنفط»، بحسب بيان رئاسة الوزراء.

كما شدد على «ضرورة زيادة الإيرادات النفطية، وأن الحكومة ستتخذ جملة من الإجراءات والخطوات المهمة في هذا المجال، لا سيما أن العراق يعد من البلدان التي تضررت بسبب الأحداث التي تشهدها المنطقة».

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)

أزمة المال والموازنة

وتعد مشكلة الموازنة المالية الاتحادية المقدرة بـ217 تريليون دينار عراقي (ما يعادل تقريباً 165.6 مليار دولار أميركي)، من بين أخطر المجالات المهددة بالتصدع في حال تفجر الأوضاع في المنطقة.

وحددت السلطات العراقية سعر 58 دولاراً للبرميل الواحد ضمن الموازنة، مع تحديد 4 ملايين برميل تصدر يومياً، وهي أرقام انتقدها كثير من الاقتصاديين ووجدوا أنها غير واقعية، خاصة بالنسبة لأرقام التصدير المقترحة في الموازنة.

ومع توقعات تجدد الحرب، فإن هذا المعدل سينخفض بشكل خطير وقد لا يتجاوز سقف مليون برميل في اليوم الواحد، الأمر الذي سيتسبب بأزمة مالية خطيرة قد تجد الحكومة نفسها عاجزة عن دفع مرتبات القطاع العام أو تأخيرها كما حدث خلال الشهر قبل الماضي.

مشكلة الفصائل

ورغم انسحاب قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية من الأراضي العراقية نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، لكن المخاوف من تجدد هجمات الفصائل العراقية داخلياً وخارجياً ما زالت قائمة في حال اندلاع الحرب. ولا تزال الفصائل الموالية لإيران، وضمنها «كتائب حزب الله» و«النجباء» تؤكد انخراطها في الحرب لصالح إيران في حال وقع الهجوم الأميركي عليها.

ومع تعثر مسار نزع سلاح الفصائل واضطرار الحكومة العراقية إلى تأجيلها لأشهر مقبلة، فإن مراقبين يرجحون انخراط الفصائل في الحرب مجدداً في حال نشوبها، الأمر الذي قد يعرض البلاد إلى هجمات وعقوبات أميركية هي في غنى عنها.

ويأتي تحذير السفارة الأميركية في العراق، الاثنين، رعاياها في منطقة الشرق الأوسط من احتمال تصاعد التوترات الأمنية بصورة مفاجئة، ليزيد من حدة المخاوف ويغذي مشاعر القلق الشعبية والرسمية.

ودعت السفارة في بيان، مواطنيها إلى «التحقق من مواعيد رحلاتهم مباشرة مع شركات الطيران، ومتابعة حركة الملاحة في مطارات بغداد وأربيل والبصرة والسليمانية».

كما حذّرت من «احتمال استهداف إيران والجماعات المدعومة منها مصالح أميركية في الخارج، بما في ذلك الشركات والمؤسسات والمواقع المرتبطة بالولايات المتحدة»، وأشارت إلى أن «منشآت دبلوماسية أميركية سبق أن تعرضت للاستهداف، بما فيها منشآت خارج الشرق الأوسط».

وتضمنت الإرشادات الأميركية «دعوة مواطنيها إلى تجنب المظاهرات والتجمعات الكبيرة والمناطق التي تشهد انتشاراً كثيفاً للقوات الأمنية، ومتابعة وسائل الإعلام المحلية والالتزام بتعليمات السلطات، وتوخي الحذر قرب السفارات والشركات والمؤسسات الأميركية». وحثّت واشنطن مواطنيها على التسجيل في برنامج تسجيل المسافرين الذكي (STEP)، لتلقي التنبيهات الأمنية وتسهيل التواصل معهم في حالات الطوارئ.

وحددت السلطات الأميركية أرقاماً وبريدين إلكترونيين للتواصل في الحالات الطارئة، هما رقم الطوارئ المحلي في العراق (911)، وبريدا الشؤون القنصلية في سفارة الولايات المتحدة ببغداد وقنصليتها العامة في أربيل.


حراك عربي ودولي في بيروت... ونصائح بعدم الدخول في أي مغامرة جديدة

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبِلاً وفداً فرنسياً برئاسة وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو (رئاسة الجمهورية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبِلاً وفداً فرنسياً برئاسة وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو (رئاسة الجمهورية)
TT

حراك عربي ودولي في بيروت... ونصائح بعدم الدخول في أي مغامرة جديدة

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبِلاً وفداً فرنسياً برئاسة وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو (رئاسة الجمهورية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبِلاً وفداً فرنسياً برئاسة وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو (رئاسة الجمهورية)

تتكثف الزيارات الدبلوماسية إلى لبنان خلال الأسبوع الأخير مع توافد مسؤولين من قطر وفرنسا وألمانيا والأمم المتحدة، وصولاً إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي. وبينما تقاطعت عناوين هذه الزيارات عند دعم مؤسسات الدولة والجيش اللبناني، ومنع حصول فراغ أمني في الجنوب بعد انتهاء ولاية «اليونيفيل»، والبحث في سبل تثبيت الاستقرار وتوفير الدعم الاقتصادي وإعادة إعمار المناطق المتضررة؛ تُطرح علامة استفهام حول أسباب هذه الزيارات ودلالاتها، لا سيما في ظل التوتر في المنطقة، وهو ما عبّر عنه فهمي صراحة، متحدثاً عن «خطورة الوضع الإقليمي واحتمال الانفجار»، رغم قوله إنه لم ينقل «تحذيرات محددة بشأن حرب إقليمية محتملة».

«هذه المرة لن تسلم الجرة»

في هذا الإطار، قالت مصادر وزارية لـ«الشرق الأوسط» إن «التوتر الإقليمي واحتمالات انفجار الوضع تصدّرا مباحثات الوفود التي زارت لبنان، على اختلاف مهمات كل منها وأهدافها، في ظل تصاعد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة وانعكاساتها على الساحة اللبنانية».

امرأة تتجول في شقتها المتضررة جراء الغارات الإسرائيلية بمدينة صور جنوب لبنان يوم 17 يونيو 2026 (أ.ب)

وأشارت المصادر إلى أن «لبنان تلقّى نصائح من الوفود التي زارته محذرة من الانزلاق إلى مغامرة جديدة»، مؤكدة أن الرسائل التي وصلت إليه تشدد على أن إسرائيل، في حال اندلاع مواجهة جديدة، «لن تلتزم بالضوابط التي جرى التوافق عليها سابقاً». وربطت المصادر هذه التحذيرات بـ«التهديدات الأخيرة التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تجاه لبنان».

وجددت المصادر التعبير عن خشيتها من أن «تتحول الساحة اللبنانية مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية»، في وقت تتزايد فيه المخاوف من احتمال توسع المواجهة إذا تعرّضت إيران لضربة عسكرية، وما قد يستتبعها من محاولة لإسنادها من قبل «حزب الله»، مضيفة: «النصائح واضحة بأن هذه المرة لن تسلم الجرة».

برّي لموقف لبناني موحد

في ردّ على سؤال بشأن الضمانات التي تحول دون جرّ لبنان إلى مواجهة جديدة، والدور الذي يمكن أن يؤديه حليف «حزب الله» رئيس مجلس النواب نبيه برّي في هذا الإطار، أوضحت المصادر أن «برّي أُحيط علماً بالتهديدات الإسرائيلية»، مشددة على «أهمية التوصل إلى موقف لبناني موحد إزاء التطورات الراهنة، بما يحول دون تعريض البلاد لمخاطر إضافية».

رئيس البرلمان اللبناني نبيه برّي يستقبل مساعد وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده في بيروت (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «المسؤولين اللبنانيين ينظرون بقلق إلى احتمال أن تؤدي أي ضربة لإيران إلى إعادة فتح جبهة الإسناد من لبنان من قِبل الحزب، بما يضع البلاد أمام مواجهة جديدة في ظروف إقليمية شديدة التعقيد».

وختمت المصادر بالتشديد على أن «الرسالة التي تلقاها لبنان كانت واضحة وصريحة، ومفادها أن تكرار تجربة الإسناد لن يمر هذه المرة من دون رد إسرائيلي واسع، وأن إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي كما في مراحل سابقة، الأمر الذي يهدد بسقوط الضوابط التي حكمت المواجهة حتى الآن».

وفود عربية وغربية في بيروت

وكان رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني قد زار بيروت في 15 و16 أكتوبر (تشرين الأول)، والتقى المسؤولين اللبنانيين، في حين تناولت المباحثات العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، ودعم الجيش ومؤسسات الدولة، والتعاون في مجالَي الطاقة وإعادة الإعمار، وكان هناك تأكيد على أهمية الحوار وعدم التصعيد، وفق ما قالت المصادر الوزارية.

الرئيس اللبناني جوزيف عون مرحّباً برئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني في بيروت (أ.ف.ب - الرئاسة اللبنانية)

وفي 17 و18 أكتوبر، زار وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، برفقة الوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش أليس روفو، بيروت حيث بحثا مع عون وبرّي وسلام، ووزير الدفاع ميشال منسى، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، مستقبل الوجود الدولي في الجنوب. وتركّزت المباحثات على إيجاد إطار دولي للمرحلة التي تلي انتهاء مهمة «اليونيفيل»، بما يمنع الفراغ الأمني ويعزز قدرات الجيش اللبناني.

أما وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا، فبحث خلال زيارته في 14 أكتوبر مستقبل المهمة الدولية والحاجة إلى تحديد ترتيبات المرحلة المقبلة، في ظل تمسّك لبنان باستمرار الحضور الدولي في الجنوب.

كما سُجلت زيارة نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده، الذي التقى مسؤولين لبنانيين في ظل التباينات بشأن سلاح «حزب الله» ودور إيران في لبنان.

ومن ألمانيا، شارك وفد من وزارة الخارجية الألمانية في اجتماع «مجلس الاستقرار» برئاسة وزير الداخلية أحمد الحجار، في إطار التنسيق مع المؤسسات اللبنانية والشركاء الدوليين.

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال لقائه وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا (الرئاسة اللبنانية على «إكس»)

وجاءت زيارة أمين عام جامعة الدول العربية نبيل فهمي لتضيف بُعداً عربياً إلى هذه الاتصالات؛ إذ أكد دعم الجامعة العربية للبنان وسيادته واستقراره، وبحث مع المسؤولين اللبنانيين التطورات الأمنية والإقليمية، متحدثاً صراحة عن «خطورة الوضع الإقليمي واحتمال الانفجار».

ويعكس هذا الحراك اهتماماً دولياً وعربياً بلبنان، لا سيما في ظل الأوضاع المتوترة في المنطقة، والتي قد تنفجر في أي لحظة، بحيث لن يكون لبنان عندها بمعزل عنها، وخاصة إذا اتخذ «حزب الله» قراراً بالمغامرة وفتح حرب إسناد جديدة.


فهمي من بيروت... لترجمة الدعم العربي للبنان إلى خطوات عملية

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً أمين عام جامعة الدول العربية نبيل فهمي (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مستقبلاً أمين عام جامعة الدول العربية نبيل فهمي (الرئاسة اللبنانية)
TT

فهمي من بيروت... لترجمة الدعم العربي للبنان إلى خطوات عملية

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً أمين عام جامعة الدول العربية نبيل فهمي (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مستقبلاً أمين عام جامعة الدول العربية نبيل فهمي (الرئاسة اللبنانية)

أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي أن «لبنان من أولويات الجامعة، ومن أولوياتي كأمين عام لها»، مشدداً على ضرورة ترجمة الدعم العربي إلى خطوات سياسية ومالية عملية تساعد الدولة ومؤسساتها على مواجهة التحديات الراهنة.

وجاء موقف فهمي خلال زيارته إلى بيروت، حيث التقى كلاً من رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، وكان هناك تمسُّك لبنانيٌّ بالحل الدبلوماسي، وأولوية الانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الإعمار.

عون: الدبلوماسية أقل تكلفة من الحرب

أكد عون، خلال استقباله فهمي، أن «إسرائيل لم تلتزم بصيغة الإطار»، مشيراً إلى استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب، وقال إن هذه الممارسات لا تحقق نتائج، بل تزيد تمسك اللبنانيين بأرضهم وحقوقهم، ولا تساعد الدولة على بلوغ أهدافها.

وشدد الرئيس اللبناني على أن «لبنان متمسك بالحل الدبلوماسي، على الرغم من صعوبته؛ لأنه أقل تكلفة كثيراً من الحرب المدمرة»، مضيفاً: «آن الأوان كي يرتاح لبنان». ورحب بأي جهد عربي لمساعدة البلاد على تجاوز المرحلة الراهنة، مؤكداً أهمية الحوار والتفاوض لتجنب الحروب وتداعياتها.

فهمي: دعم عربي عملي

أوضح فهمي أن زيارته تأتي في أعقاب قرار مجلس وزراء الخارجية العرب الذي أكد دعم لبنان وسيادته ومؤسساته ومواطنيه، مشدداً على ضرورة ترجمة هذا الموقف إلى خطوات ملموسة عبر «دعم عملي ومالي يساعد المؤسسات اللبنانية، وينعكس في الساحة اللبنانية على المواطن اللبناني».

وأبدى استعداده لإجراء اتصالات مع الدول العربية والغربية للمساهمة في دعم لبنان، موضحاً أن التحرك لا يقتصر على عقد الاجتماعات، بل يشمل تكثيف الاتصالات الدبلوماسية، والعمل على تلبية احتياجات الدولة.

وفي شأن المخاوف من اندلاع حرب إقليمية، نفى فهمي نقل تحذيرات محددة إلى عون، لكنه أوضح أن اللقاء تناول «خطورة الوضع الإقليمي وتعدد النزاعات واحتمال الانفجار». كما أكد دعم الجامعة الجهود الرامية إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي والحفاظ على استقرار لبنان، مشيراً إلى أن لكل دولة الحق في تحديد مسار مفاوضاتها، رداً على سؤال بشأن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أميركية.

لقاء بري وفهمي

وبحث رئيس البرلمان نبيه بري مع فهمي الأوضاع اللبنانية والإقليمية والتطورات الميدانية في ظل الاعتداءات الإسرائيلية.

وقال فهمي بعد اللقاء إنه استمع إلى تقييم بري للأوضاع، مؤكداً التزامه «بالعمل عربياً وشخصياً في دعم لبنان بكل السبل المتاحة»، ومتابعة الأفكار المطروحة في المحافل العربية والدولية لتوفير الدعم للمؤسسات، وتلبية احتياجات المواطنين.

رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً أمين عام جامعة الدول العربية نبيل فهمي (الوكالة الوطنية للإعلام)

وتناول اللقاء مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «يونيفيل»، مع ازدياد الحديث عن إنهاء مهمتها. وقال فهمي إن «وجود (اليونيفيل) بغطاء رسمي سياسي من الأمم المتحدة هو الخيار الأفضل»، مشدداً على ضرورة أن تستند أي صيغة بديلة إلى موقف لبناني وشرعية دولية تضمن إطاراً قانونياً واضحاً لحماية الحدود.

سلام: الانسحاب وإعادة الإعمار أولوية

خلال لقائه فهمي، شدد سلام على أهمية مواصلة الدعم العربي للبنان لتحقيق «الانسحاب الإسرائيلي الكامل»، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها «بقواها الذاتية وحدها».

وأكد ضرورة مساندة جهود التعافي، وإعادة الإعمار بما يسهم في تثبيت السكان في مناطقهم، وتعزيز مؤسسات الدولة، داعياً إلى تشجيع الاستثمارات العربية، لا سيما في البنى التحتية ومشروعات الربط الإقليمي، بما يدعم الاقتصاد، ويساعد لبنان على تعزيز اندماجه في محيطه العربي.

زيارة إلى الجنوب

وأشار فهمي إلى زيارة سيقوم بها إلى جنوب لبنان، لافتاً إلى أنها تحمل طابعاً سياسياً إلى جانب هدف الاطلاع على الواقع، وأنها ستساعد في بلورة تحرك لاحق مع الدول العربية والشركاء الدوليين، وستكون بداية لتحرك سياسي بشأن المساعدات واحتياجات المؤسسات اللبنانية، بما فيها الجيش، وتأمين الدعم المالي في ظل الظروف الصعبة.

ولفت كذلك إلى أن الجامعة تعمل على مقاومة التوجه لإنهاء مهمة «يونيفيل»، معتبراً أن وجودها يوفر إطاراً دولياً للمساءلة، وأن أي بديل يحتاج إلى توافق لبناني وغطاء قانوني دولي واضح، كما أشار إلى أن جولته ستتيح له العودة إلى القاهرة بصورة أدق عن احتياجات لبنان، تمهيداً لمتابعة تنفيذ القرار العربي وتنسيق المواقف بشأن المساعدات والدعم السياسي والمالي.