داميان برتراند لـ«الشرق الأوسط»: أفضّل أن أجرِب وأفشل على ألا أحاول أبداً

الرئيس التنفيذي لدار «لورو بيانا» عازم على قيادتها بحسه التجاري وحواسه الخمس

واجهة «دبي مول» يزينها سيراميك التراكوتا بتماوج مستوحى من الكشمير (لورو بيانا)
واجهة «دبي مول» يزينها سيراميك التراكوتا بتماوج مستوحى من الكشمير (لورو بيانا)
TT

داميان برتراند لـ«الشرق الأوسط»: أفضّل أن أجرِب وأفشل على ألا أحاول أبداً

واجهة «دبي مول» يزينها سيراميك التراكوتا بتماوج مستوحى من الكشمير (لورو بيانا)
واجهة «دبي مول» يزينها سيراميك التراكوتا بتماوج مستوحى من الكشمير (لورو بيانا)

لن نبالغ إن قلنا إن دايمون برتراند، هو رجل الساعة في عالم الترف والفخامة، ليس لأن اسم «لورو بيانا» يرتبط بالنخبة من العاشقين لصوفها الناعم المعروف بـ«صوف الملوك»، ولا لأنه مرادف للأناقة الرفيعة والعملية على حد سواء، بل لأنه ومنذ التحاقه بالدار الإيطالية رئيساً تنفيذياً وهو لا يكف عن ضخِها بجرعات حيوية وديناميكية تناسب تطورات العصر.

كل هذا من دون أن يمس بأساساتها. بالعكس فتاريخها القائم على الألياف النادرة مثل الكشمير والفيكونا، خط أحمر بالنسبة له. في لقاء خص به «الشرق الأوسط» قال: «أعد نفسي حارساً أميناً على تقاليدها الحرفية؛ فـ«لورو بيانا» بالنسبة لي مصدر إلهام علَمتني أنك يمكن أن تخترق أقصى حدود الابتكار ما دامت جذورك راسخة وعميقة».

داميان برتراند الرئيس التنفيذي (لورو بيانا)

لم يكن الاتفاق على موعد للقائه سهلاً؛ فبحكم أسفاره الكثيرة تغير الموعد مرات عدة. كثرة أسفاره ما بين أقاصي جبال البيرو ومزارع منغوليا ونيوزيلندا وأستراليا جعلت منه عُملة نادرة في أوساط الموضة ووسائل الإعلام، فحتى الآن لم يُجر سوى عدد قليل من اللقاءات الصحافية التي تُعدّ على أصابع اليد الواحدة.

كان من المفترض أن يحدث لقاؤنا في ميلانو بعد زيارة لمعامل الدار الواقعة شمال إيطاليا، لكن تحقق أخيراً في محلها الفخم الواقع بـ«أفينو مونتين» بباريس. بمجرد أن تصافحه وتتبادل معه المجاملات الأولية التي عادة ما تسبق أي حوار لإذابة الجليد، تشعر بأنك أمام رئيس تنفيذي غير عادي. يكشف لي أنه يعشق السفر والترحال والانغماس في ثقافات الآخرين. تلمع عيناه أكثر وهو يضيف أنه متعطش للتعرف على المملكة العربية السعودية من قُرب، «فقد سمعت عنها الكثير ومشروعاتنا فيها مهمة».

واجهة محل «لورو بيانا» في «دبي مول» بعد التجديدات (لورو بيانا)

وُلد داميان برتراند في مرسيليا، لكنه عاش أكثر سنوات حياته خارجها متنقلاً بين أستراليا وكندا ولندن والبرازيل ونيويورك، والآن يوزع وقته بين فرنسا وإيطاليا. ربما هذا ما يجعل شخصيته تفوح بنكهة عالمية، «فكل مكان وكل تجربة أضافا إليَّ أشياء غيَّرتني على المستويين الشخصي والمهني على حد سواء» وفق قوله، مضيفاً: «من أهم عناصر النجاح في صناعة الترف فهْم ثقافات الآخرين واحترامها. إذا لم يتمتع الواحد منا بهذا فإنه في الوظيفة الخطأ».

من تصاميم الدار لربيع وصيف 2024 حيث تظهر بصمات داميان برتراند الحيوية عليها (لورو بيانا)

كان شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2021 هو تاريخ تسلمه مقاليد الدار، أي في أوجّ جائحة «كورونا»، ومع ذلك حوَّل كل تبعاتها وسلبياتها إلى مكاسب. خلال عامين فقط تجلّت بصمته ورؤيته في خطوط محددة وإطلالات متكاملة تتراقص على كلاسيكية معاصرة لا تعترف بزمن.

يشرح: «كانت الدار تحوي مساحة كبيرة للإبداع. كان عليّ فقط التسلح ببعض الشجاعة لأقودها إلى المرحلة التالية». أسأله عما إذا خامره أي شعور بالقلق بحكم أن إرث «لورو بيانا» غني، ومن شأنه أن يثقل كاهل أي قادم جديد، فيرد سريعاً: «أفضّل بطبعي أن أجرِب وأفشل على ألا أحاول أبداً». من حسن حظ الدار أنه جرَب ونجح.

من تصاميم الدار لربيع وصيف 2024 التي جسدت رؤية داميان برتراند للدار (لورو بيانا)

استغل داميان الجائحة لقراءة تحولات السوق. وقد أدرك مثلاً أنه من الصعب على المرأة أن تعود إلى الحذاء ذي الكعب المدبب والعالي بعد أن ذاقت واستحلت طعم الراحة. وفي الوقت نفسه لا تريد التنازل عن مظهر أنيق وراقٍ يحقق المعادلة الصعبة بين الاثنتين. عمل مع استوديو التصميم على طرح أزياء وإكسسوارات تعكس هذه المطالب، وهو ما تجسد في أحذية مبتكرة ومريحة من دون كعب، وقطع أزياء اشتهرت باسم «كوكونينغ» نفدت من الأسواق في غضون أسابيع قليلة لنعومة الكشمير الذي استُعمل فيها.

كانت الغرفة التي أجري فيها اللقاء في محل «لورو بيانا» بـ«أفينو مونتين» الباريسي، خاصة بالشخصيات المهمة. تناثرت على جوانبها دمى في إطلالات متناسقة من الرأس إلى أخمص القدمين، بما في ذلك الأحذية وحقائب اليد. كان هذا التنسيق مقصوداً؛ فهو يوضح الصورة التي سيكون عليها مستقبل الدار الإيطالية من وجهة نظره. كانت صورة مفعمة بالحيوية تتحدى سنوات عمرها التي ستُكمل المائة في 2024. يقول بتواضع إنه لم يحتج إلا لتغييرات بسيطة ارتقت بها إلى مستواها الديناميكي الحالي، سواء تعلق الأمر بالأزياء الرجالية أم النسائية. كلما أسهب في شرح رؤيته وتفاصيلها، تستنتج أن الرسالة التي يُريد إيصالها هي أنه لم يقم بعملية تجميل جذرية، ولا قدَّم لها قُبلة حياة، فـ«لورو بيانا» كانت دائماً متحركة تُطوِر من تقنياتها، لكن بأسلوب كلاسيكي إن لم نقل «ذكوري» من ناحية أن الأزياء النسائية لم تكن تحظى بنفس الأهمية، وهو ما عمل على تغييره.

من يعرفون داميان برتراند توقعوا منه هذه النقلة؛ فهو ليس غريباً على عالم الجمال والأناقة. مسيرته بدأت في شركة «لوريال» التي قضى فيها نحو 18 عاماً قبل أن ينضم إلى «ديور كوتور» في عام 2016 مديراً عاماً لجميع الأقسام. وربما هنا تكمن قوته رئيساً تنفيذياً؛ فهو هنا يعتمد على كل حواسه وليس على حسه التجاري والإداري فحسب.

هناك حركة دائماً لاكتساب مهارات جديدة تُثمر عن تقنيات متطورة في معامل الدار (لورو بيانا)

يتذكر أنه عندما رُشِّح رئيساً تنفيذياً لـ«لورو بيانا» الإيطالية لم يتردد، رغم اختلاف ثقافتها تماماً مع ما تَعَوَّدَ عليه في «ديور» الفرنسية. توقَع كل شيء إلا أن يقع في حبِها من أول زيارة إلى معاملها الواقعة في شمال إيطاليا. يقول: «أصابني الذهول. كانت عبارة عن خلية نحل يعمل فيها أكثر من 1000 حرفي بأعمار متفاوتة. بعضهم بدأ حياته في المعمل منذ 50 عاماً أو أكثر، ولا يزال يتمتع بحماس الشباب والاندفاع لاكتشاف تقنيات جديدة تزيد من رقة الألياف ونعومتها مع الحفاظ على عنصري الدفء والانتعاش».

كلما زادت ألياف الصوف نعومة ورقّة كان الأمر سبقاً لكن من دون التأثير على عنصريْ الدفء والانتعاش (لورو بيانا)

يتذكر أيضاً كيف أنهم، وبقدر ما كانوا مُتلقين متلهفين على اكتساب الخبرات، كانوا سعداء وهم يشرحون له كل صغيرة وكبيرة تتعلق بتخصص كل واحد منهم. «بين ليلة وضحاها شكَلنا فريقاً متناغماً بأهداف واحدة». من بين الابتكارات التي يفخر بها داميان وتمخَّض عن هذه النقاشات نوع من الدنيم تعاونت فيه «لورو بيانا» مع شركة يابانية متخصصة في هذا القماش، مُزِج بـ40 في المائة من الكشمير، الأمر الذي أكسبه مرونة ودفئاً لا يتوفران في الدنيم العادي. أطلق عليه اسم «كاش دينم (Cash Denim)»، ولم يُنْتَج سوى نحو 70 قطعة منه، لما يتطلبه من جُهد ودقة؛ فإنتاج 50 متراً منه فقط يستغرق يوماً كاملاً لإنتاجه. مجموعات كثيرة أخرى مثل «Cashmere Storm System®» حُرِصَ فيها على أن تتوافر على كل عناصر الترف والعملية، من مقاومة الماء ومنح الدفء إلى إضافة جيوب داخلية بوظائف متعددة، وغُلِّف بعضها بطبقة خاصة تقي من إشعاعات الهاتف. أما القاسم المشترك بينها حالياً، فهي التصاميم المُلتفة على الجسم بنعومة معاصرة.

نجح داميان في رسم صورة أنيقة لامرأة «لورو بيانا» من دون حاجة إلى «لوغو» (لورو بيانا)

لا يُخفي داميان أنه من بين الأشياء التي جعلته يتحمس لقيادة الدار الإيطالية، إلى جانب تاريخها الراسخ في أفخم أنواع الصوف بأنواعه، أنها كانت بمثابة صفحة بيضاء في مجال التصميم، ما يُتيح له أن يرسم عليها رؤيته بحرّية مطلقة بعيداً عن إملاءات الموضة الموسمية. الصورة التي رسمها يمكن أن يتعرف عليها الناظر بسرعة من خلال خطوطها وملمسها وألوانها الهادئة. يقول بنبرة يقين: «مستحيل مثلاً أن نضع أي (لوغو) على قطعة تخرج من معاملنا. وحتى في الحالات التي نضع فيها توقيعنا، فنحن نضعه بالداخل، وتحديداً في جهة القلب، بحيث لا يراه أو يشعر به سوى صاحب القطعة».

خطوط رشيقة وأنيقة في تشكيلة الدار لربيع وصيف 2024 (لورو بيانا)

يُكرر داميان مرات عدة أن «لورو بيانا» ليست دار أزياء، وبالتالي ليس مفروضاً عليها أن تواكب توجهات الموضة؛ فالأولوية تبقى دائماً للخامات والمواد، تليها التصاميم، وليس العكس: «نريدها أن تبقى في القمة كما عهدناها، تتوجه بصوفها النادر للعارفين وأصحاب الذوق الرفيع؛ فنحن لا ننسى في أي مرحلة من مراحل التصميم والإنتاج أن صوفنا هو (هدية للملوك)».

عندما أشير إلى أن التوقيت كان في صالحه بحكم أن الموضة الحالية ترفع شعار الفخامة الهادئة الخالية من أي «لوغو» أو زخارف، يرد بسرعة: «هذا الأمر لا ينطبق على (لورو بيانا) على الإطلاق، لأنها لم تركب أي موجة طوال تاريخها، وما يطلق عليه حالياً الفخامة الهادئة هو موجة مثلها مثل غيرها، تأتي وتذهب، بينما يبقى أسلوبنا نفسه... راقياً وحيوياً مهما تغيرت المواسم والفصول».

هناك شغف يُحرك كل العاملين في معامل الدار بإيطاليا لإكساب ألياف الصوف مزيداً من الفخامة والنعومة (لورو بيانا)

كان داميان طوال الحديث حريصاً أن يُذكرني بأنه حارس لتقاليد وحرفية الدار وليس ثورياً يرغب في التغيير. 3 خطوات يستند إليها لتحقيق معادلة مبنية على احترام شخصيتها وجيناتها الوراثية وقيادتها نحو المستقبل؛ أولاها التحفيز على مزيد من البحوث والابتكارات، وثانيتها الاهتمام بجانب الإكسسوارات لترسيخ تلك الإطلالة المتكاملة التي رسمها للدار. وأخيراً وليس آخرًا الإشراف شخصياً على ديكورات كل محلات الدار العالمية؛ فـ«لورو بيانا» قبل عامين ليست هي «لورو بيانا» الآن، وفق قوله: «أصبح لها الآن أقسام جديدة كالإكسسوارات، من حقها نيْل مساحة تليق بها».

منطقة الشرق الأوسط على رأس أولوياته. جدَّد محلات قديمة فيها، وينوي افتتاح أخرى. في دبي مثلاً قام بعمل تجديدات شاملة في محلي الدار في «دبي مول» و«مول أوف إمارات» استغرقت أكثر من عام لتأتي بشكل يتماهى مع البيئة المحيطة وثقافة المنطقة. من بعيد تتراءى واجهاتها كأنها مغطاة بأنسجة متماوجة بلون التراكوتا. تقترب أكثر فتكتشف أنه سيراميك صِيغَ بشكل إبداعي في مشغل متخصص في توسكاني وليس من الصوف، أو ما شابه من ألياف يسهل تطويعها بهذا الشكل. يلفت داميان نظري إلى أنه بقدر ما كان الملمس الناعم مهماً، كان عنصر الدفء في الأهمية نفسها حتى يناسب البيئة المحيطة». الاعتبارات نفسها أُخذت في تصميم المتجر الجديد في الكويت الواقع بمجمّع «أفينو مول». وطبعاً القادم في السعودية لن يقل قوة وفق قوله: «فهناك علاقة عابرة للأجيال تربطنا بها منذ زمن. وبتنا نلاحظ في الآونة الأخيرة أن الإقبال بات يشمل الأبناء والأحفاد أيضاً»؛ فالتصاميم الحيوية الآن انضمت إلى الألياف النادرة لتُعزز عنصر الفخامة المستدامة. وربما يكون هذا هو الإرث، أو بالأحرى البصمة التي يريد داميان أن يُخلَّفها في دار عمرها 100 عام.


مقالات ذات صلة

حفل «الغولدن غلوب» هذا العام... حنين لعصر هوليوود الذهبي واحتجاجات صامتة

لمسات الموضة أناقة أيام زمان وجمالها بريشها ومكياجها تجسدت في إطلالة سيلينا غوميز (شانيل)

حفل «الغولدن غلوب» هذا العام... حنين لعصر هوليوود الذهبي واحتجاجات صامتة

الإقبال على أزياء كلاسيكية مستلهمة من عصر هوليوود الذهبي هو حنين للبساطة وأناقة كانت تعكس زمن وفرة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)

من نيويورك إلى لبنان...رمزية إطلالة راما دواجي وتأثيرها الثقافي

في 1 يناير (كانون الثاني) 2026، وفي محطة ظلّت مهجورة منذ عام 1945، شهدت نيويورك انتقال السلطة من أندرو كومو إلى زهران ممداني. اختيار المكان لم يكن مصادفة، بل…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة الشركات العريقة والمتخصصة اتفقت على القوة الناعمة والأشكال الهندسية (آيوير فينتاج - ماوي جيم)

نظارات موسم الشتاء... حماية وجمال

في الشتاء عندما يصبح الضوء أكثر حدةً وتبايناً، تكتسب النظارات أدواراً وظيفية وجمالية في الوقت ذاته. فهنا تصبح الرؤية الواضحة جزءاً من التجربة اليومية، سواء في…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تألقت به نجمات وشخصيات مهمة في مناسبات مهمة مثل الأميرة شارلين (رويترز) ونيكول ريتشي (أ.ف.ب) وإيفا لانغوريا (أ.ب) حتى قبل إعلانه لوناً رسمياً لعام 2026

«الأبيض السحابي» لون عام 2026 الرسمي... الدلالات والاتجاهات

تلعب الألوان دوراً أساسياً في عالم الموضة، فإلى جانب أنها من أسهل الطرق لتجديد الإطلالة، فإنها تظل ثابتة لفترة أطول من اتجاهات التصميم والأقمشة.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
لمسات الموضة تايلور سويفت وغرة تغطي الجبين تماماً وتبرز جمال العيون (أ.ب)

الغرة في عام 2026 من تفصيلة جمالية إلى تعبير شخصي

إذا كان الأبيض السحابي هو اللون الرسمي لعام 2026، فإن الغرة هي تسريحة الشعر التي لم تتزحزح عن مكانتها منذ سنوات، بعد أن أكدت مرونتها في تغيير إطلالة صاحبتها…

«الشرق الأوسط» (لندن)

حفل «الغولدن غلوب» هذا العام... حنين لعصر هوليوود الذهبي واحتجاجات صامتة

أناقة أيام زمان وجمالها بريشها ومكياجها تجسدت في إطلالة سيلينا غوميز (شانيل)
أناقة أيام زمان وجمالها بريشها ومكياجها تجسدت في إطلالة سيلينا غوميز (شانيل)
TT

حفل «الغولدن غلوب» هذا العام... حنين لعصر هوليوود الذهبي واحتجاجات صامتة

أناقة أيام زمان وجمالها بريشها ومكياجها تجسدت في إطلالة سيلينا غوميز (شانيل)
أناقة أيام زمان وجمالها بريشها ومكياجها تجسدت في إطلالة سيلينا غوميز (شانيل)

إذا كان هناك شيء واحد تخرج به من متابعة الدورة الـ83 من حفل جوائز الغولدن غلوب في نهاية الأسبوع الماضي، فهو أن هناك حنيناً واضحاً إلى أناقة هوليوود في عصرها الذهبي.

كانت الصورة التي طالعتنا بها معظم النجمات مألوفة جداً. لم تفتقد الأناقة والجمال، لكن لا جديد فيها بمعنى الحداثي الثوري الذي كان يُشعل حوارات فكرية جدلية، ويسرق من نقاد السينما تغطيات مهمة في المجلات وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. المصمم اللبناني العالمي طوني ورد، الذي ظهرت أربع نجمات بتصاميمه في هذه المناسبة قال إن هذه الأزياء «لا تنتمي إلى مزاج واحد، بل إلى اللحظة». وأضاف أن حفل الغولدن غلوب ليس «مجرد مناسبة خاصة بالسينما نتابعها لمعرفة من سيفوز، بل هي أيضاً عمن يحضرها وهو يحمل قصة».

بريق وأناقة العصر الذهبي جسدتهما كايت هادسون وإميلي بلانت وإيل فانينغ (أ.ف.ب)

الكلاسيكية أولاً

اللافت أن معظم النجمات هذه المرة اخترن إطلالات كلاسيكية، وكأنهن يعدن تمثيل مشاهد قديمة مُخزنة في الذاكرة لأودري هيبورن أو لمارلين مونرو أو غريس كيلي أو ريتا هايورات. سيرينا غوميز مثلاً اختارت فستاناً أسود مزداناً بريش أبيض نسقته بماكياج وتسريحة شعر تستحضر خمسينات القرن الماضي، وكيت هادسون، تألقت في فستان فضي بقصة «هالتر» وبريانكا شوبرا في فستان أزرق داكن يقتصر على تفاصيل محسوبة عند الخصر والتنورة وغيرهن من الأسماء، في حين كانت الألوان هادئة بدرجات الوردي والبنفسجي والأسود مع ومضات قليلة بألوان متوهجة، مثل الأخضر.

بحسب مجلة «فوغ» فإن هذا الاتجاه ليس جديداً على حفل الغولدن غلوب. في مقال نشرته المجلة في مطلع عام 2025 بعنوان «سحر هوليوود القديمة حاضر بقوة في الغولدن غلوب»، أشارت إلى أن هذا الاتجاه يشير إلى أنه قد يُصبح سمة تلازمه طويلاً. كانت قراءتهم جيدة، بحسب ما لمسناه هذا العام.

أونا تشابلين وجين سمارت بتصاميم من طوني ورد (أ.ف.ب)

بيوت أزياء عديدة ساهمت في رسم هذه الصورة الكلاسيكية المفعمة بالفخامة والرومانسية، بدءاً من «جيورجيو أرماني» و«لوي فويتون» إلى «شانيل» و«ديور» وغيرهم. المصمم اللبناني العالمي طوني ورد يُعلق على هذه الظاهرة لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن «سحر هوليوود آنذاك لم يولد على السجادة الحمراء، بل تمت صياغته في المشاغل على يد حرفيين وفنيين كانت لهم رؤية واضحة بعيدة عن التكلف، كما لم يكن الإبهار فيها غاية في حد ذاته. وهذا ما يجعل أناقة أيام زمان ببساطتها، عابرة للزمن وتبدو أكثر حداثة اليوم». اختارت الممثلة جيني ماي فستاناً أسود من مجموعته الجاهزة لخريف وشتاء 2025 - 2026، بأكتاف عارية ومطرز يدوياً بسلاسل ذهبية ناعمة، بينما اختارت الممثلة سكايلا ديغينز - سميت فستاناً من مجموعته الجاهزة لربيع وصيف 2026 بلون أزرق من قماش التافتا مطرزاً بالترتر يجمع بين الأسلوب الهندسي والخطوط الانسيابية.

أما الممثلة أونا تشابلن فاختارت فستاناً من خط الـ«هوت كوتور» لربيع وصيف 2025، مصنوعاً من الحرير الأسود والذهبي، بصديري غني بالتباينات والتطريزات اليدوية، في حين اكتفت الممثلة جين سمارت، الحائزة جائزة الغولدن غلوب على أفضل أداء لممثلة في مسلسل تلفزيوني بفستان أبيض أميري، جمع الحضور الكلاسيكي والسلاسة المعاصرة ببساطة.

تغيرت الوجوه والألوان وحتى الأقمشة، إلا أن التيمة التي اعتمدها المصمم وأقبلت عليها هؤلاء النجمات كانت الكلاسيكية المفعمة بالأنوثة.

الأجندات السياسية

غير أن الهدوء الشكلي أخفى وراءه صراخاً «مبطناً» بقضايا إنسانية. ففي مقابل اختفاء جرأة السنوات الأخيرة التي كانت تستهدف إحداث الصدمة وإثارة الانتباه، تصدّرت هذه القضايا المشهد من خلال نجوم أخذوا على عاتقهم مهمة تسليط الضوء عليها والتنديد بها من دون رفع لافتات أو هتافات. كانت الأزياء والإكسسوارات ولو على شكل دبوس صغير وسيلتهم لإيصال رسائلهم.

الممثلة ساجا كيلاني وفستان بتطريز فلسطيني يدوي بتوقيع ابنة بلدها، المصممة الفلسطينية الأردنية ريما دحبور (أ.ف.ب)

أكبر مثال على هذا عدم تجاهل معاناة الشعب الفلسطيني في هذه المناسبة، فقد مثّلته الفلسطينية الأردنية، ساجا كيلاني باختيارها فستاناً أسود أنيقاً بطابع معماري مرسوم بدقة. كان بتوقيع ابنة بلدها، المصممة ريما دحبور، التي طرّزته عند خط الصدر بتطريز تقليدي، صرحت الممثلة بأنه من أشهر أشكال الأعمال اليدوية الفلسطينية. غني عن القول أنه زاد من جمال الفستان وقيمته وبدا كما لو أنه تميمة تطلب الحماية وتحكي قصة تاريخ ومعاناة.

حتى من لم تحمل قضية سياسية وإنسانية من النجمات، عانقت الماضي وكأنه قضية ذاكرة حرصوا فيها على إعادة ترميم النجومية بمفهومها التقليدي كمضاد لارتباك الأوضاع الحالية.

الأسباب والتأويلات

هناك تفسيرات كثيرة عن الأسباب التي تجعل السجادة الحمراء هذا العام تتعدى كونها مجرد مساحة لاستعراض آخر صيحات الموضة وقراءتها كمؤشر على تحوّلات أعمق بوصفها واجهة احتفالية لصناعة السينما. إلا أن هذا الدور تعرّض هو الآخر للارتباك في ظل حالة التشبّع البصري الذي أفقد الإطلالات تفردها، وهيمنة منطق وسائل التواصل الاجتماعي التي اختزلت القيمة الجمالية في سرعة التداول وعدد المشاهدات.

الممثل مارك روفالو ودبوس عن رينيه غود التي قتلت بالرصاص على يد عميل فيدرالي للهجرة في مدينة مينيابوليس (أ.ف.ب)

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه التحوّلات لا تنفصل عن مناخ عالمي مثقل بقلق سياسي وثقافي انعكس على السينما، التي تعيش منذ سنوات أزمة ذات طابع وجودي، وهو ما يفسِر الجمالي بالسياسي، كما عبّر عنه عدد من الفنانين، من بينهم مارك روفالو، الذي يوظف حضوره في هذه الفعاليات للتعبير عن مواقفه المناهضة لسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

إلى ذلك، يفرض العامل الاقتصادي نفسه بوصفه أحد المحددِّات لهذا التحوّل. فتراجع العروض السينمائية التقليدية أمام تمدّد منصات البث، بما أدى إليه من تقلّص في الميزانيات، يُهدِد النموذج الهوليوودي الكلاسيكي القائم على الترف وبيع الأحلام، مثل الموضة.

المغنية مايلي سايروش وفستان أسود من «سان لوران» كلاسيكي تكمن جرأته في الياقة المفتوحة والنظارات الداكنة (أ.ف.ب*

أمام هذا الواقع، يبدو اعتماد الأزياء الكلاسيكية، نوعاً من التعويض الرمزي عن هذا الترف، بمحاكاة قصات حرص فيها مصممو منتصف القرن الماضي على تتبع تضاريس الجسم بذوق رفيع بعيد عن أي ابتذال واستحضار صور نجمات تلك الحقبة، حين كان هدف المصممين الأول إخفاء العيوب وإبراز الجماليات برسم كل قطعة وكأنها لوحة فنية بأقمشة تنساب وتتمايل مع كل حركة. كانت الأكتاف محددة بنعومة، والخصور ضيقة، وطبعاً الأقمشة المترفة التي تتحدى الزمن.

قواعد أصبحت مع الوقت مرجعاً للمصممين المعاصرين يستلهمون من فخامتها وحرفيتها خيوطاً ينسجونها بلغة تستهدف الجيل الجديد.

بدايات حذرة

اللافت في توقيت هذا الاتجاه أيضاً إلى جانب رسائله السياسية والثقافية، تزامنه مع التغيرات الكبيرة التي يشهدها عالم الموضة سواء على مستويات تنفيذية عالية أو على مستوى المديرين الإبداعيين. فقد تولت حديثاً مجموعة من المصممين الشباب مهمة قيادة بيوت أزياء كبيرة، مثل ماثيو بلايزي في دار «شانيل» وجوناثان أندرسون في «ديور» وأليساندرو ميكيلي في «فالنتينو» وديمنا في «غوتشي» وغيرهم. رغم إمكانياتهم، لم يعمل أي واحد منهم على خض المألوف أو فرد عضلاته الفنية. بل أجمعوا كلهم على ركن النزعة التجريبية أو المفاهيمية وتبني المدرسة الكلاسيكية.

سيلينا غوميز وروز بيرن وآيو إيدبيري بتصاميم في غاية الأناقة الكلاسيكية من «شانيل» (شانيل)

من فستان بريانكا شوبرا من دار «ديور» إلى فستان سيلينا غوميز الأسود المزين بالريش من «شانيل» أو إطلالة الممثلة روز بيرن بفستان أخضر يستحضر صورة ريتا هايوارث ومارلين مونرو وغيرهما من نجمات الخمسينات، والممثلة آيو إدبيري في فستانها الأسود الأنيق المشبوك عند الكتف بدبوس، كانت الصورةَ العامة: فساتين بلا أكتاف في الغالب، قفازات طويلة، ذيول تمسح الأرض وتسريحات شعر ومكياج أيضاً من الزمن نفسه.

بريانكا شوبرا تتوسط رشيدة جونز وميا غوث في فساتين من دار «ديور» (ديور)

هل تحفّظ المصممين هذا وعودتهم للماضي يعنيان افتقادهم الموهبة والقدرة على الابتكار مقارنة بأسلافهم من المؤسسين لهذه البيوت؟ الجواب بكل بساطة أن الأوضاع الاقتصادية هي التي تغيرت وباتت تفرض نفسها على المساحة المتاحة للإبداع. في القرن الماضي كان المصمم أكثر استقلالية، يعمل ضمن منظومة إنسانية أبطأ تركز على الفنية والحرفية. فعدد المجموعات أقل، وفترة الاختبار أطول في غياب ضغط الاستهلاك والرغبة في تحقيق الربح السريع. والنتيجة كانت تصاميم متقنة عابرة للزمن. مصمم اليوم في المقابل، يفتقد أي استقلالية، ويعمل تحت ضغوطات هائلة من قبل المجموعات الضخمة المالكة لبيوتهم. بات عليهم تقديم عدة تشكيلات من خطوط مختلفة لإرضاء جمهور متقلّب، فضلاً عن هيمنة المنصات الرقمية.

ربما يكون المصمم راف سيمونز مصمم دار «برادا» حالياً أكثر من لخّص هذا الوضع حين قال في إحدى تصريحاته في الفترة التي تولى فيها إدارة «ديور» إن المصمم بات يعاني من الكثير من الضغوطات ما يُفقده السيطرة ويؤثر على الابتكار. بييرباولو بكيولي، مصمم دار «فالنتينو» سابقاً ومصمم دار «بالنسياغا» حالياً يوافقه الرأي وعبر عن ذلك أيضاً بشجاعة.

الممثلة ليسلي مان وفستان من دار «بالنسياغا» بياقة مبتكرة وقفازات طويلة (بالنسياغا)

من هذا المنظور فإن العودة إلى الماضي، ما هو سوى مضاد حيوي لبث الطمأنينة يضمن للمصممين مرجعية جمالية تضفي على التصميم وزناً وقيمة، ويضمن للمستهلك قصة رومانسية تلمس قلبه. لكن الأجمل في الصورة التي تابعناها في الدورة الـ83 من حفل الغولدن غلوب، أن هؤلاء المصممين بعودتهم إلى إرث قديم فتحوا حواراً ممتعاً بين زمنين. زمن أسس قواعد الأناقة وزمن يعيد تفسيرها لجيل يبدو أنه يحِن للرومانسية والرصانة.


من نيويورك إلى لبنان...رمزية إطلالة راما دواجي وتأثيرها الثقافي

راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)
راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)
TT

من نيويورك إلى لبنان...رمزية إطلالة راما دواجي وتأثيرها الثقافي

راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)
راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)

في 1 يناير (كانون الثاني) 2026، وفي محطة ظلّت مهجورة منذ عام 1945، شهدت نيويورك انتقال السلطة من أندرو كومو إلى زهران ممداني. اختيار المكان لم يكن مصادفة، بل إشارة واضحة إلى أن السياسة الجديدة تبدأ من حيث يلتقي الناس يومياً: المترو.

من المكان إلى الأزياء والأكسسوارات، كانت كل التفاصيل محسوبة ومدروسة بعناية فائقة تؤذن بعهد ديناميكي. وبالطبع، الحديث عن الأزياء يجرنا تلقائياً إلى حضور راما دواجي، زوجة ممداني، أو سيدة نيويورك الأولى حالياً. وكعادتها رافقته بصمت مطبق، تاركة الكلام كله لإطلالتها.

لم يكن اختيار أزياء وأكسسوارات راما وزوجها زهران ممداني عبثياً إذ تمت دراسة كل التفاصيل بعناية فائقة (أ.ف.ب)

إلى جانب ارتدائها هويتها العربية وحرصها على إلقاء الضوء على مصممين محليين، أضافت في هذه المناسبة التاريخية عنصراً آخر يُسلط الضوء على الموضة بوصفها وسيلة التمكين النسوي، فهي لم تكتفِ بتألقها الشخصي، بل رفعت معها مصممة معطفها، الفلسطينية اللبنانية سينثيا مرهج، وخبيرة الأزياء النيويوركية السمراء غابرييلا كاريفا جونسون. وبهذا أكّدت لنا أن مساحة النجاح تتسع لكل النساء، وأن المرأة الواثقة يمكن أن ترتقي بكل مَن يعملن معها، وتُعطيهن حقهن.

تقول سينثيا مرهج، وهي مصممة شابة أطلقت علامتها «رينسانس رينسانس» في عام 2016، وفازت بجائزة «فاشن ترست آرابيا» لعام 2023 عن فئة ملابس السهرة إضافة إلى جوائز أخرى، إنها تفاجأت بمعرفة راما بعلامتها. وتضيف بإعجاب: «كان بإمكانها اختيار أي اسم عالمي، لكنها اختارتنا، وهو ما يُعيد الاعتبار لبُعدنا الإنساني، ويُظهر حجم الثقافة والإبداع الموجودين في منطقتنا».

المعطف والرمزية

المعطف كما ظهر ضمن مجموعة خريف وشتاء 2023 مصنوع من صوف محلي وفرو اصطناعي (رينسانس رينسانس)

وبعد المفاجأة والغوص في عالم راما، الإنسانة والفنانة، اكتشفت المصممة مدى الانسجام الطبيعي بينها وبين علامتها التي تحتفل بالمرأة العملية والمثقفة فنياً. وكان المعطف، من مجموعة خريف وشتاء 2023، «يعكس شخصية راما بدقة»، وفق قولها، مضيفة أن تفاصيله كافة «صُنعت في لبنان من صوف محلي جرى غزله ونسجه وتنفيذه بأيدي نساء لبنانيات، بينهن والدتي وابنتا خالتي، كريستي وجيس، اللتان نقلتا القطعة إلى نيويورك». وبالنسبة إلى سينثيا، شكّل ذلك «دليلاً على القوة الاستثنائية للمرأة والمجتمع الذي تنتمي إليه».

فن رسم الصورة

في إطار رسم هذه الصورة، لا يمكن عدم الإشارة إلى المايسترو وراءها: غابرييلا كاريفا جونسون، فهي خبيرة ومحررة أزياء نيويوركية سمراء، تمتلك صوتاً مسموعاً توظّفه في تمثيل الأقليات وتسليط الضوء على المواهب الناشئة. ولم يكن اختيار «مكتب زهران ممداني» للتعاون مع راما محض صدفة، بل خطوة مدروسة تعكس توافقاً استراتيجياً بين سياسة ممداني القائمة على التعددية والشمولية، ورؤية راما المعتزة بجذورها العربية.

عبّرت غابرييلا عن سعادتها بهذا التعاون في مقال طويل نشرته مؤخراً، قائلة إنه كان تجربة ثلاثية فريدة بينها وبين راما وسينثيا، حيث «جرى تبادل الأفكار والرسومات لتعديل بعض تفاصيل المعطف بحماس سلس ليأخذ شكله النهائي».

تم تغيير الياقة بحيث جاءت عالية ومقفلة تماماً مقارنة بالتصميم الأصلي لتناسب طقس نيويورك البارد (أ.ف.ب)

شمل التعديل الياقة التي جاءت عالية ومقفلة تماماً لصدّ برودة طقس شهر يناير، مقارنة بالتصميم الأصلي، كما جرى التخفيف من التفاصيل التي كانت تظهر فيه على شكل صفوف من الفرو الاصطناعي، تمتد من منطقة الخصر إلى الأسفل. فبدلاً من 10 صفوف، تم الاكتفاء بـ3 فقط، ما أكسب التصميم بساطة وأناقة كبيرين.

نُسّق المعطف مع أقراط متدلية استعارتها من متجر نيويوركي مشهور بقطع «الفينتاج». والنتيجة كانت إطلالة تمزج بين الخصوصية والاستدامة، تعكس ميل راما إلى القطع المعاد تدويرها أو التي تحمل تاريخاً. بأسلوبها الخاص، تنجح راما في منح هذه القطع روحاً شبابية تتناسب مع سنها وطموحات جيلها من فتيات نيويورك تحديداً.

الموضة بوصفها فناً وتعبيراً شخصياً

في لحظة التنصيب التاريخية، التي كانت أعين العالم كلها مصوبة نحو نيويورك، بدت خيارات راما متسقة مع سياسات زوجها، من حيث إنسانيتها وشموليتها وابتعادها عن أي استعراض. كما ظهرت بعيدة كل البُعد عن الصورة التقليدية للسيدة الأولى، التي كانت حتى الأمس القريب تخضع لتوقعات مسبقة، سواء من خلال اختيار أزياء لمصممين نادرين جداً، أو الالتزام بلقطات تقليدية مكررة. أما راما، فاختارت أن تُعانق اختلافها بشجاعة، وكل تفاصيل حضورها كانت تصرخ بتميزها دون أن تنطق بكلمة.

قبل حفل التنصيب بأسابيع قليلة، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام بصور نُشرت لها في مجلة «ذي كات» (The Cut). لم تظهر فيها مجرد امرأة تستعرض أزياء أنيقة، بل أقرب إلى عمل فني يعتمد على التكوين وتلك العلاقة الحميمة بين الجسد والأزياء. كل هذا من دون أي شعارات أو خطاب مباشر. في كل صورة نجحت في شد الأنفاس وإثارة الإعجاب، لأنها تُذكِّر بأن الموضة في الأساس كانت وسيلة تعبير فني قبل أن تتحول إلى استهلاك.

سينثيا مرهج... المصممة

تصاميم من مجموعة سينثيا مرهج لربيع وصيف 2026 (رينسانس رينسانس)

حصلت على شهادة في عالم التواصل البصري من معهد «سنترال سانت مارتنز» لتصميم الأزياء، ومن لبنان أطلقت علامة «رينسانس رينسانس» عام 2016، رافعة شعار «طرح أزياء تخاطب امرأة معاصرة بنوعية جيدة وتصاميم أنيقة بكميات أقل»، مفضلة طرح أزياء بسيطة تناسب إيقاع المرأة العصرية على تصميم أزياء فخمة غنية بالتطريزات.

لكن تبقى ميزة العلامة ارتباطها العميق بالإرث وحب العائلة، إذ إن سينثيا تُمثل الجيل الثالث من عائلة امتهنت صناعة الأزياء منذ عقود. بدأت من جدتها لوريس سروجي، التي اشتهرت منذ أكثر من نصف قرن في حيفا، بتصميمها أزياء نساء المجتمع الفلسطيني. الجدة نقلت حب هذه المهنة لابنتها لوار ثم إلى حفيدتها سينثيا.

منذ عام 2016 إلى اليوم، حصدت المصممة الكثير من الجوائز، منها جائزة «فاشن ترست أرابيا» لعام 2023، كما أدرجت مؤخراً ضمن نصف نهائي جائزة «LVMH». كما صممت أزياء النجمة كلوي سيفيني، في فيلم مقتبس من الرواية الفرنسية «صباح الخير أيها الحزن» (Bonjour Tristesse) للكاتبة الفرنسية فرانسواز ساغان.


نظارات الخريف والشتاء... الحماية والأناقة وجهان لعملة واحدة

الشركات العريقة والمتخصصة اتفقت على القوة الناعمة والأشكال الهندسية (آيوير فينتاج - ماوي جيم)
الشركات العريقة والمتخصصة اتفقت على القوة الناعمة والأشكال الهندسية (آيوير فينتاج - ماوي جيم)
TT

نظارات الخريف والشتاء... الحماية والأناقة وجهان لعملة واحدة

الشركات العريقة والمتخصصة اتفقت على القوة الناعمة والأشكال الهندسية (آيوير فينتاج - ماوي جيم)
الشركات العريقة والمتخصصة اتفقت على القوة الناعمة والأشكال الهندسية (آيوير فينتاج - ماوي جيم)

في الشتاء عندما يصبح الضوء أكثر حدةً وتبايناً، تكتسب النظارات أدواراً وظيفية وجمالية في الوقت ذاته. فهنا تصبح الرؤية الواضحة جزءاً من التجربة اليومية، سواء في المدن أو الوجهات الجبلية، وبالتالي تتنوع وظائف النظارات بين حماية العين من الأشعة فوق البنفسجية واعتماد عدسات قادرة على التعامل مع التباين العالي في الإضاءة والوجهة وبين توفير الراحة وضمان ثباتها، بمعنى أصح جلوسها على الأنف بشكل مريح. الشركات المتخصصة وبيوت الأزياء باتت تهتم بكل هذه التفاصيل وتراعي توافرها في إصداراتها من دون أن تتجاهل ضرورة توفير إطلالة أنيقة من خلال ابتكار أشكال جديدة توفر على المتسوق عناء البحث الطويل.

طرحت «ماوي جيم» اقتراحات أنيقة وعملية لعشّاق الهواء الطلق والوجهات الشتوية (ماوي جيم)

من الناحية الجمالية، ما جرى طرحه من عدة بيوت وشركات عالمية مؤخراً يشير إلى توجه واضح نحو فنون العمارة والأشكال الهندسية. أي التصاميم ذات الشخصية القوية واللافتة بغض النظر عن أحجامها. وبينما يتسم بعضها بالصرامة يتسم بعضها الآخر بقوة متوازنة، إن لم نقل ناعمة.

أكثر ما يُحسب لهذه الإصدارات أنها لا تلاحق الاتجاهات العابرة بل تركز على الحرفية والتفاصيل التي تصنع الفارق على المدى البعيد، وبالتالي فإن السمة الغالبة فيها فخامة هادئة، تغيب فيها الشعارات لصالح جودة الخامات ودقة التنفيذ. ورغم أن أشكالها المعمارية وأحجامها مثيرة، فإن الدور العريقة تحرص فيها على استحضار إرثها، مما يضفي عليها كلاسيكية مستدامة تتكلم لغة الجيل الجديد. لوحات الألوان أيضاً تعكس مزاج الشتاء، حيث تبرز درجات داكنة مثل الأسود. يتم التخفيف من عمقها بإضافة لمسات معدنية دافئة.

«فينتاج آيوير»

نظارات متنوعة من مجموعة «كازومي» بحرفية وتوازن يجمع القوة بالنعومة (آيوير فينتاج)

شركة «فينتاج آيوير» مثلاً طرحت مؤخراً مجموعتين. الأولى باسم «كازومي» وهو عنوان يدل في اللغة اليابانية على الجمال والانسجام. تتميز بعدسات بيضاوية يحيط بها إطار وأذرع مزخرفة مطلية بالذهب.

أما الثانية فبعنوان «تاكومي»، وتعني في اليابانية «الحرفي» لتدل على خضوعها لتعديلات مهمة على يد حرفيين متمرسين. وتأتي هي الأخرى بعدسات بيضاوية وإطار مطلي بالذهب مزدان بنقوش مضفرة وجسر معدني.

«كيرينغ»

مجموعة «كيرينغ» المالكة لعدة بيوت أزياء أصبح لها باع في تصميم النظارات الشمسية للشتاء والصيف، مثل «سان لوران» و«ألكسندر ماكوين» و«بالنسياغا» و«بوتيغا فينيتا» وغيرها. هذا الموسم ركزت على خطوط نحتية وتشطيبات جريئة.

أشكال معمارية وأخرى تحترم التراث والنِّسَب المعاصرة في نظارات «ألكسندر ماكوين» و«سان لوران» و«غوتشي» (كيرينغ)

في تصاميم «بالنسياغا» و«ألكسندر ماكوين» مثلاً تتجلى الأشكال المعمارية، فيما تعتمد «بوتيغا فينيتا» على فخامة هادئة خالية من الشعارات. «غوتشي» في المقابل، جمعت بين التراث والنسب المعاصرة حتى تحافظ على شريحة الشباب التوَّاق إلى التميز، ودار «كارتييه» ارتقت بتصاميمها عبر إطارات معدنية تعكس تمرسها في صياغة المعادن الثمينة والمجوهرات الفاخرة من خلال الخامات والتفاصيل الدقيقة.

من جهتها، تعكس نظارات «سان لوران» للخريف والشتاء رؤية مصمم الدار أنطوني فاكاريلو، التي تمزج بين الكلاسيكية والتصميم المعاصر. أعاد فيها نماذج تصاميم أيقونية بلغة جديدة مع حضور واضح لإطارات الأسيتات والهياكل المعدنية كعنصر أساسي.

تجمع تصاميم «ماوي جيم» بين خفّة الأداء والحضور الجمالي (ماوي جيم)

«ماوي جيم»

ولعشاق النظارات الخاصة بعشاق التزلج والوجهات الشتوية عموماً، طرحت شركة «ماوي جيم» مجموعة مناسبة تركز فيها على الأداء والراحة. تتوفر على عدسات حماية كاملة من الأشعة فوق البنفسجية بتصميم انسيابي وحافة علوية مخفية مع إطار نايلون خفيف ووسادات أنفية قابلة للتعديل.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended