صوف الفيكونا.. بخفة الهواء وثقل الذهب

نادر وناعم يصل سعر المعطف منه إلى 50 ألف دولار

خياط يفصل معطفا من الفيكونا في شركة جي إتش كاتلر الأسترالية
خياط يفصل معطفا من الفيكونا في شركة جي إتش كاتلر الأسترالية
TT

صوف الفيكونا.. بخفة الهواء وثقل الذهب

خياط يفصل معطفا من الفيكونا في شركة جي إتش كاتلر الأسترالية
خياط يفصل معطفا من الفيكونا في شركة جي إتش كاتلر الأسترالية

كان واضحا خلال أسبوعي ميلانو وباريس الأخيرين دور الأقمشة في صياغة تصاميم عصرية للرجل. اهتمام مرده أن الأدوات المتاحة أمام المصممين للإبداع في مجال الأزياء الرجالية محدودة، مما يدفعهم إلى البحث عن الجديد والتركيز على التفاصيل. ميلانو، تحديدا، ركزت على الأقمشة المترفة واستغلتها بشكل لافت بحكم توفر ضواحيها والمدن المجاورة لها على معامل متطورة لغزل الصوف والحرير وغيرها، بدءا من كانالي إلى زيغنا وغيرهما من بيوت الأزياء الرجالية. كلهم أجمعوا على التفنن في استعمالها، سواء في كنزات ستثير حسد المرأة، أو في بدلات تميزت بسترات مفصلة على الخصر، جرى تنسيقها بعناية مع بنطلونات إما ضيقة من أسفل أو بطيات. إلى جانب الصوف والكشمير كان هناك أيضا المخمل والحرير الممزوج بالصوف، في محاولة لنيل ود الرجل الأنيق والعارف. واللافت أن هذه العملية لم تقتصر على منصات عروض الأزياء وعلى الأزياء الجاهزة، بل العكس. ففي معاملها ومحلاتها توفر كنوزا لا يعرفها الرجل العادي ولا حتى من يحضر هذه العروض. كنوز تتمثل في أقمشة نادرة تتوجه لرجل مقتدر يقدر أن سعر معطف شتوي يمكن أن يفوق 30 ألف دولار أميركي مثلا، كونه مصنوعا من خامات غالية، على رأسها صوف الفيكونا، المعروف في أوساط الموضة بالصوف الذهبي، نظرا لندرته وسعره العالي. ولا تقتصر شهرة هذا الصوف الناعم على الرجال الملمين بخبايا الموضة فحسب، بل وصلت سمعته إلى السياسيين أيضا لأسباب مختلفة تماما. فهم يعرفونه لتسببه في فضيحة سياسية لا يزالون يذكرونها ويستشهدون بها. كان ذلك في عام 1958، عندما تلقى شيرمان ادامز، كبير الموظفين خلال إدارة الرئيس دوايت إيزنهاور، وواحد من رجال واشنطن الأقوياء والمؤثرين في ذلك الوقت، هدية عبارة عن معطف مصنوع من الفيكونا من ملياردير كان قيد التحقيق الفيدرالي. ما إن تسرب خبر قبوله للهدية حتى انتهى مستقبله السياسي. للوهلة الأولى يبدو العقاب أكبر من الجرم، لأن الهدية مجرد معطف وليست ساعة ذهبية مرصعة بالألماس أو سيارة فارهة، لكن عندما يعرف أن سعره يمكن أن يفوق 40 ألف دولار، فإن النظرة تختلف، مما جعل قبوله بمثابة رشوة قد تؤثر على سير التحقيق. نظرة إلى التاريخ القديم والحديث على حد سواء، تؤكد أن شيرمان ادامز لم يكن الوحيد الذي وقع تحت إغراء هذا الصوف، إذ سبقه إلى ذلك العديد من الملوك والأثرياء والنجوم، نذكر منهم ملك إسبانيا فيليب الثاني الذي استعمله منذ قرون، فضلا عن نجمات هوليوديات مثل غريتا غاربو ومارلين ديتريش في العشرينات من القرن الماضي وهلم جرا. ولحد الآن لا يزال عز الطلب وأجمل ما يمكن الحصول عليه، علما أنه ليس نادرا فحسب بل أيضا مقنن، لا تستطيع إليه سبيلا سوى بيوت معدودة مثل لورو بيانا وبعض الخياطين في سافيل رو، وزيغنا وجي إتش كاتلر الأسترالية.
لورو بيانا مثلا لا تحصل سوى على 17.500 رطل منه في أحسن الحالات سنويا، مقارنة بـ22 مليون رطل من الكشمير، كذلك شركة كيتون الإيطالية، التي لا تنتج سوى 100 قطعة مصنوعة من الفيكونا في السنة، فيما لا تطرح دار زيغنا سوى 30 بدلة فقط، كل واحدة منها مرقمة وأرخصها تقدر بـ46.500 دولار أميركي، بينما قد يصل سعر معطف مفصل على المقاس منها إلى أكثر من 40 ألف دولار أميركي، ووشاح من لورو بيانا إلى 4000 دولار أميركي.
بلونه المميز بلون القرفة المائل إلى المستردي، يشبهه البعض بالذهب. أما مصدر هذا الذهب الناعم والخفيف الوزن، فهو حيوان اللاما، الذي يشبه الجمل من حيث الشكل ومن حيث قدرته على العيش في أقسى الظروف الطبيعية لفترات طويلة ومن دون ماء، لكنه أصغر وأقصر منه بكثير، حيث لا يزيد طوله على ثلاث أقدام ووزنه على 90 رطلا. ويعيش هذا الحيوان في جبال الانديز، في منطقة بامبا غاليراز على ارتفاع 15 ألف وأحيانا 19 ألف قدم فوق سطح البحر، ومع ذلك لا يشعر ببرودة الطقس، مما جعل صوفه مطمعا للصيادين الذين كانوا يقتلونه للحصول على صوفه. وعندما تقلص عدده من مليونين في القرن السادس عشر إلى نحو 10 آلاف فقط في الستينات من القرن الماضي، كان لا بد من تدخل حكومي لحمايته من الانقراض، وهو ما قامت به حكومة البيرو، بإصدارها قانونا يمنع صيده أو الاتجار به. سارعت الشركات التي تحلم باستعمال صوفه في منتجات مترفة بمباركة هذه الخطوة، وساهمت في تشجيع السكان على جز صوفه وتركه طليقا عوض قتله. من هذه الشركات نذكر لورو بيانا، وأغنونا وإنكالباكا تي بي إكس. لورو بيانا لم تكتف بهذه الخطوة، ففي عام 2008، بادرت ببناء محمية شاسعة، تستهدف حماية هذا الحيوان ودراسته، كما تعاقدت مع شركة أرجنتينية للحصول على حق جز نحو ستة آلاف فيكونا تعيش في مقاطعة كاتاماركا، ضمن استراتيجية بعيدة المدى تستهدف لورو بيانا من ورائها تشييد محميات أخرى، تمكن الأهالي المحليين من الحفاظ على هذا الحيوان وتربيته للاستفادة منه كمصدر رزق.
هذه المحاولات التي تقوم بها لورو بيانا وغيرها لن تجعل هذا الصوف متوفرا أكثر، أو في متناول الجميع من ناحية السعر على الأقل. بالعكس، فإن التوقعات أنه قد يرتفع عن عمد، لتشجيع سكان الانديز على تقديره كثروة طبيعية ووطنية ومن ثم يتحمسون لتربيته عوض إهماله بحثا عن مصدر عيش آخر. معطف كلاسيكي من لورو بيانا، مثلا، يحتاج إلى أكثر من 35 جزة صوف مما يبرر سعره في النهاية، الذي يمكن أن يفوق 19.995 دولار أميركي بينما يمكن أن يصل سعر بدلة إلى 32.270 دولار أميركي.
شركة جي إتش كاتلر الأسترالية صممت معطفا لزبون من كندا وصل سعره إلى 50 ألف دولار أميركي، تحول إلى مادة كتاب بعنوان «The Coat Route» للمؤلفة ميغ لوكانس صدر في الشهر الماضي. من جهتها، قدمت شركة فالكي الألمانية منذ بضعة مواسم عشرة أزواج جواربِ كل واحد منها بسعر 1.200 دولار أميركي و20 كنزة يقدر سعر الواحدة منها بـ ثلاثة آلاف دولار. هذه الأرقام تعني في لغة الواقع أنه صوف النخبة من العارفين والأثرياء فقط.

* حقائق عن الفيكونا:
- تنتج أجود أنواع الصوف بقطر يبلغ 12 ميكرون (الميكرون جزء من ألف من المليمتر) مقارنة بـ15 ميكرون في الكشمير و17 في صوف الميرينو.
- يحتاج معطف واحد إلى وبر نحو 30 فكَونة
- في الماضي كانت بيوت الأزياء تعزف عن صباغته قدر الإمكان حتى لا يفقد لونه، خصوصا أنه لم يكن يتفاعل جيدا مع المواد الكيماوية، لهذا فلونه في الماضي كان يقتصر على لونه الطبيعي البيج المائل إلى المستردي أو لون القرفة. لكن شتان بين اليوم والأمس، فقد تطورت التقنيات وأصبح يأتي بعدة ألوان. زيغنا مثلا تطرحه بالأزرق الداكن بينما لم تعد شركة كيتون الإيطالية تقتصر على التفنن في ألوانه فحسب بل تضيف إليه طبعات أو تقليمات في معاملها الواقعة بمنطقة بييلا. وتجدر الإشارة إلى أن تطور التقنيات ساعدت شركات مثل لورو بيانا على طرحه أيضا في معاطف مضادة للمطر، رغم أن العديد من الخبراء لا ينصحون بارتدائه عند تساقط الأمطار
- يقدس سكان البيرو هذا الحيوان، حسب أسطورة تقول إنه مسكون بأميرة من الإنكا، مما يفسر أنه في فترة الإنكا، ظلت ملكية خاصة بالأسر المالكة، وعداهم فإن أي أحد يصيده أو يلبس وبره يواجه عقوبة الإعدام.
- كانو يحصلون على وبره بجز صوفه ثم تركه يمرح ويرعى. ولم تبدأ عملية صيده وقتله، إلا مع وصول المستعمر الإسباني في عام 1532
- في عام 1976 صنف ضمن الحيوانات المهددة بالانقراض ومن ثم صدر قانون ينص على منع صيده أو المتاجرة به.
- في شهر مارس (آذار) من كل سنة يتوجه المئات من سكان البيرو إلى جبال الأنديز متحدين الصعاب والبرد القارس ليشكلوا سياجا بشريا لحبس الفكونة وجز صوفها. وتجري العملية في إطار احتفالي تتخلله الأهازيج والأغاني لمدة ثلاثة أيام. ورغم بدائية هذه الطريقة، فإنها حافظت على هذا الحيوان وساهمت في تكاثره.
- ارتداؤه بشكل يومي غير منصوح به، لأنه يتلف بسرعة، لهذا ينصح الخبراء بارتدائه لساعات قليلة ثم تخزينه بعيدا عن أشعة الشمس والرطوبة. فنعومته الفائقة نعمة ونقمة في الوقت ذاته من حيث تعرضه للتلف السريع. لذا إذا كانت النية استعماله أكثر، يفضل خلطه بأنواع أخرى من الصوف.



حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
TT

حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

من متاجر الجمعيات الخيرية والأسواق الشعبية، إلى منصات إعادة البيع على الإنترنت، يغيّر جيل زد علاقته بالموضة والاستهلاك. فالقطعة المستعملة لم تعد علامة على التوفير، بل أصبحت أحياناً أكثر جاذبية من الجديدة، والعثور على حقيبة فاخرة أو معطف نادر بسعر زهيد قد يكون إنجازاً يستحق الاحتفال به على وسائل التواصل الاجتماعي.

كان شعار الموضة، لعقود طويلة، واضحاً: كلما ارتفع السعر، ارتفعت القيمة. وكانت أسماء دُور الأزياء العالمية وشعاراتها الكبيرة كافية لمنح صاحبها شعوراً بالتميز والمكانة.

أصبح اقتناء قطعة فريدة من محلات الملابس المستعملة أمراً يدعو للتفاخر (غيتي)

فبالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء «جيل زد» والأجيال الأصغر سناً، لم تعد الأناقة مرتبطة بالضرورة بشراء الجديد أو دفع مبالغ كبيرة مقابل قطعة تحمل اسماً شهيراً، بل أصبح البحث عن قطعة مميزة، بسعر معقول، وربما مستعملة، جزءاً من ثقافة جديدة في التسوق تعرف باسم Thrifting أو التسوق من متاجر الملابس المستعملة.

ففي عالم تنتشر فيه الملابس نفسها بآلاف المتاجر، يبحث الشباب عن شيء مختلف؛ قطعة لا يرتديها الجميع، أو سترة قديمة لم تعد تُنتَج، أو حقيبة تحمل طابعاً من زمن آخر.

لهذا أصبحت متاجر الملابس المستعملة والأسواق الشعبية ومتاجر الجمعيات الخيرية وجهاتٍ يقصدها الشباب بحثاً عن «الكنوز المخفية».

هناك من يفضل المتاجر الخيرية التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة (غيتي)

قد يدخل المتسوق متجراً لا يعرف ماذا سيجد فيه، ثم يخرج منه بمعطف مميز أو حذاء من علامة معروفة أو حقيبة عتيقة، وكل ذلك مقابل مبلغ قد لا يتجاوز جزءاً بسيطاً من سعر القطعة الجديدة. وهنا تكمن متعة الـThrifting ليست المتعة في الشراء وحده، بل في الاكتشاف.

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

لو بقي تسوق المستعمل محصوراً في المتاجر والأسواق، لربما لم يكن ليصل إلى المكانة التي يحتلها اليوم.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي قلبت المعادلة.

على منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«يوتيوب»، أصبح الشباب يصورون جولاتهم داخل متاجر الملابس المستعملة، ويعرضون ما عثروا عليه، ويكشفون عن الأسعار، ويشرحون كيفية تنسيق القِطع القديمة مع الملابس الحديثة.

انتشرت مقاطع ما يُعرف بـThrift Hauls، حيث يستعرض المستخدمون مجموعة من مشترياتهم، كما تحولت فكرة العثور على قطعة فاخرة بسعر منخفض إلى نوع من المحتوى الذي يثير الفضول والإعجاب.

وأصبح السؤال ليس: «لماذا تشتري ملابس مستعملة؟»، وإنما: «ماذا استطعت أن تجد؟»،

وهكذا نجحت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل ما كان يُنظَر إليه بوصفه وسيلة لتوفير المال إلى ثقافة وموضة لها جمهورها ولغتها ومؤثروها.

وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في قلب المعادلة ونشر هذه الظاهرة (غيتي)

تختلف تجربة التسوق من شخص إلى آخر، فهناك من يستمتع بالتجول في الأسواق الشعبية وأسواق الشوارع، حيث تختلط الملابس القديمة بالأحذية والحقائب والإكسسوارات.

وهناك من يُفضل المتاجر الخيرية، التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة، بينما تذهب عائدات المبيعات إلى دعم الأعمال الخيرية. وآخرون يبحثون عن متاجر متخصصة في القطع القديمة أو منصات إلكترونية تجمع البائعين والمشترين في سوق واسعة للمنتجات المستعملة. وفي جميع الحالات، أصبحت عملية البحث نفسها جزءاً من التجربة.

اكتسب متجر ليفتيز «Lefties» الذي نشأ لتصريف فائض ملابس «زارا» بأسعار مخفضة جماهيرية لدى الشباب (موقع ليفتيز)

المفارقة أن الاهتمام بالملابس المستعملة، أو من موسم مضى، لم يلغِ اهتمام الشباب بالعلامات الفاخرة، بل على العكس، هناك سوق متنامية للمنتجات الفاخرة المستعملة.

فالحقيبة التي تبدو بعيدة المنال عندما تكون جديدة، يمكن أن تصبح أكثر قابلية للشراء عندما تكون مستعملة. والمعطف الذي يبلغ سعره آلافاً عند طرحه للمرة الأولى، قد يصبح في متناول شاب يبحث عنه بعد سنوات.

وأحياناً تكون القطعة القديمة أكثر جاذبية من الجديدة، خصوصاً إذا كانت نادرة أو من مجموعة لم تعد متوفرة.

ولم يتوقف الأمر عند الاستهلاك، فقد تحولت الملابس المستعملة لدى بعض الشباب إلى مشروع تجاري صغير.

فهُم يبحثون عن القطع المميزة في المتاجر الخيرية والأسواق الشعبية، ويعرفون العلامات التي تحظى بطلب مرتفع، ثم يشترونها بأسعار منخفضة ويعيدون بيعها عبر الإنترنت. قد تكون حقيبة فاخرة، أو سترة من علامة معروفة، أو حذاءً نادراً. وبعد العثور على القطعة، تبدأ مرحلة أخرى: تنظيفها، وتصويرها، وكتابة وصف جيد لها، ثم عرضها للبيع على إحدى منصات إعادة البيع.

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

وبذلك يمكن أن تتحول هواية البحث عن الملابس المستعملة إلى مصدر دخل إضافي.

بل إن بعض الشباب طوّروا معرفة واسعة بالعلامات التجارية والأسعار واتجاهات السوق، فأصبحوا يتعاملون مع القطع المستعملة ليس بوصفها ملابس فحسب، وإنما بوصفها سلعاً قابلة لإعادة البيع والاستثمار.

القديم مستدام

هناك سبب آخر وراء شعبية هذه الظاهرة؛ وهو الاهتمام المتزايد بالاستدامة.

فبدلاً من شراء الملابس الجديدة باستمرار، والتخلص منها بعد فترة قصيرة، يمنح شراء الملابس المستعملة القطعة عمراً أطول، ويقلل الحاجة لإنتاج قطعة جديدة، لكن اختزال ظاهرة الـThrifting في الاستدامة وحدها سيكون تبسيطاً لها.

فالشاب قد يشتري مستعملاً لأنه أرخص، أو لأنه يريد قطعة لا يملكها أحد من أصدقائه، أو لأنه يبحث عن تصميم قديم، أو لأنه يريد إعادة بيعها وتحقيق ربح منها، والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل انتهى عصر الماركات؟

الجواب: لا ليس بالضرورة، فجيل زد لا يدير ظهره تماماً للعلامات التجارية الفاخرة، لكنه يبدو أكثر استعداداً لإعادة تعريف العلاقة بها وتغيير تسميتها.

قد يرتدي شاب سترة اشتراها من متجر خيري ببضعة جنيهات، إلى جانب حذاء مستعمل من علامة فاخرة وساعة قديمة وحقيبة عثر عليها في سوق شعبية. بالنسبة إليه، لا تكمن قيمة الإطلالة في أن تكون جميع القطع جديدة أو باهظة الثمن، بل في الطريقة التي جرى بها جمعها وتنسيقها.


الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
TT

الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

«من بين أكثر ما لفت الانتباه في أسابيع الموضة الأخيرة، عودة الإكسسوارات إلى الواجهة. ليس كمجرد تفصيل يضاف إلى الإطلالة في الأخير، بل كعنصر أساسي في الإطلالة». هذا ما قاله جاستن دوغترز، المدير العام لدى «بيرغانزا»، المتخصصة في المجوهرات العتيقة «الأنتيكات» والقِطع النادرة، لـ«الشرق الأوسط».

تعليقه تؤكده صور العارضات في عروض كثيرة؛ من بينها «بالنسياغا» و«شانيل» و«غوتشي» و«فالنتينو» وآخرون، وهُن يتخايلن على المنصات بأقراط متدلية تمتد حتى الكتفين وما بعدهما، وقلادات تغطي كل العنق أحياناً، بعضها مُستوحى من الفنون الباروكية، وبعضها من لوحات كلاسيكية تحتاج إلى ثقة لارتدائها. ما يُحسب لها أنها يمكن أن تُغير شخصية أي زي، مهما كان بسيطاً، وتعد خياراً آخر لموضة رص الإكسسوارات فوق بعضها البعض، التي تنتشر منذ سنوات.

التأثير الباروكي في عرض «فالنتينو» (فالنتينو)

ويرى جاستن أن هذا التحول على منصات العرض يظهر أولاً في الثقة التي تتعامل بها دُور الأزياء حالياً مع الإكسسوارات عموماً، والحنين إلى التصميمات التاريخية خصوصاً، الأمر الذي يفسر جرأة ألوانها ووضوح أحجامها. في «فالنتينو» مثلاً، جاءت العقود الذهبية بطابع باروكي إلى جانب أقراط لؤلؤية لا تخفى عن العين. الأمر نفسه ينطبق على بيوت أزياء أخرى، مثل «زيمرمان» و«غوتشي» وغيرهما، في حين أخذ كل من «ديور» و«دريس فان نوتن» اتجاهاً مختلفاً اعتمدتا فيه على أقراط ضخمة وغير متطابقة، وأحياناً منفردة.

في عرض «ديور» كانت الإكسسوارات لافتة بنعومتها وعدم تناسقها (ديور)

أما ما يجمع كل هذه الاقتراحات على اختلافها، فهو صبغتها الاحتفالية، وفي الوقت نفسه نكهتها الحداثية التي تستمدّها من الأزياء والطريقة التي نُسّقت بها. فالكورسيهات والدانتيل والألوان القوية تجعلها تعكس اللحظة الراهنة.

هذا «التباين المتناغم»، برأي دوغترز، هو درس يتجاوز منصة العرض؛ نظراً لقدرته على تحقيق تغيير كامل «فقطعة واحدة مصوغة بشكل لافت يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه».

ويشير دوغترز إلى أن هذا الكم الهائل من الإكسسوارات ليس جديداً، فهذه التصميمات كانت دائماً حاضرة كإضافات مهمة للزينة، لكن الجديد هنا أن المصممين باتوا يتعاملون معها كجزء من تكوين الأزياء نفسها.

من عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

فالعقد بأشكاله الحالية، بغضّ النظر عن خامته، قد يُغيّر شكل الياقة أو طريقة تنسيقها مع باقي القطع، كما يمكن أن يُغير الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية، أو العكس، والقرط الواحد يمكن أن يُبدل تناظر الوجه، كل هذا يسهم في إضفاء صورة بصرية لا تستمدّ بريقها من الأحجار الكريمة، وإنما من الحجم والشكل واللون والمادة، وهو ما يؤكده دوغترز مستشهداً بعرض «فالنتينو» قائلاً إنه «يُذكّرنا بأن مجوهرات المنصة لا تحتاج إلى الألماس كي تُعبر عن الفخامة، فالتصميم له دور مهم». ويضيف: «العقود ذات الطابع الباروكي التي ظهرت في العرض مثلاً تحمل إحساساً بالوزن والثراء، بغضّ النظر عن قيمتها المادية».

الأقراط غير المتناظرة كما ظهرت في عرض ديور (ديور)

ما ينطبق على العقود ينطبق على الأقراط، فهي، برأيه، واحدة من أكثر عناصر المجوهرات ارتباطاً بفكرة التناظر: قرط على اليمين، وآخر على اليسار، ما يخلق التوازن، لكن عندما يُكسر هذا التوازن بأقراط غير متطابقة، يتغير حضور الإطلالة فوراً، «ربما لأن العين تضطر لبذل جهد أكبر لفهم ما تراه»، وهو ما حدث في عرض «ديور»، الذي قُدمت فيه أقراط متدلية بشكل مُبالغ فيه على شكل أزهار وأشرطة، وأحياناً كأقراط منفردة. «كلوي» أيضاً اعتمدت أقراطاً منفردة في عرضها.

لكن عدم التطابق وحده لا يكفي لجذب الانتباه والإعجاب، وفق جاستن، «فثمة فرق بين قرطين لا يتطابقان وقرطين يتحاور أحدهما مع الآخر، فلا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، سواء من خلال الحجم أم الخامة أم اللون أم الحركة».

الإكسسوارات الأنيقة عوضت أي مجوهرات ثمينة في عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

ويضيف أنه في سوق المجوهرات العتيقة قد لا تصل الأقراط القديمة إلى الحاضر في أزواج مكتملة أحياناً، حيث قد يُفقد أحد القرطين أو ينفصل عن الآخر. كان الأمر معقداً في الماضي، وربما غير مقبول، لكنه، اليوم، مرحَّب به، الأمر الذي يمنح الأقراط المنفردة وغير المتطابقة حياة جديدة، «إذ يمكن لقرط متدلٍّ من العصر الجيورجي أو الفيكتوري أن يبدو خياراً مقصوداً، لا قطعة غير مكتملة»، وفق قوله.

ويختتم اللقاء معبراً عن تحفظه على اختزال الأمر في عبارة «موضة الإكسسوارات الضخمة عادت»؛ لأن ما حصل في عروض ربيع وصيف 2027 كان تفضيلاً لتصميماتها التي تمتلك وجهة نظر واضحة وشخصية قوية تقوم بدور وظيفي.


«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)

يتجدد موعد جوائز «فاشن تراست أرابيا» من جديد في دورتها لعام 2026، حاملة معها أسماء جديدة وآمالاً كبيرة من مواهب تسعى إلى ترسيخ حضورها على خريطة الموضة والأزياء العالمية. كالعادة، واستباقاً لحفل توزيع الجوائز في آخر الشهر، كشفت المؤسسة عن القائمة النهائية للمرشحين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كلهم يتنافسون على سبع جوائز قيمة، «مادياً ومعنوياً ولوجستياً» يُعلن عنها في الدوحة في 28 من الشهر الحالي.

21 مصمماً يحلمون بالجائزة بكل ما تحمله من دعم مادي ولوجستي (فاشن تراست أرابيا)

ويأتي اختيار المرشحين عموماً، عقب عملية تقييم تتولاها اللجنة الاستشارية التي تضم أسماء عالمية مؤثرة على ساحة الموضة، من رؤساء تنفيذيين في بيوت أزياء كبيرة ومصممين عالميين إلى مشترين وغيرهم. ومن المقرر أن يلتقي المرشحين لجنة التحكيم لتقديم أعمالهم ومشروعاتهم، قبل الإعلان عن أسماء الفائزين السبعة خلال الحفل الختامي الذي سيقام مساء 28 من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بحضور نجوم سيحطّون الرحال في الدوحة من كل أنحاء العالم.

6 فئات تحتفي بتنوع التصميم

تتوزع القائمة النهائية للمرشحين على ست فئات، تعكس تنوع مجالات التصميم واتساع مساحات الإبداع في صناعة الأزياء.

ففي فئة الأزياء الجاهزة، تضم القائمة ريانة هيمسكر، من الجزائر، وسارة ماني بوروتش من الأردن، وأحمد حسن من السعودية.

سارة ماني بوروتش من الأردن المرشحة عن فئة الأزياء الجاهزة (فاشن تراست أرابيا)

أما فئة أزياء السهرة والمساء، فيتنافس عليها كل من سيندي أبي شالا من علامة «CIN»، وحيدر كريم من علامة «أوسكار كراي»، وكلاهما من لبنان، إلى جانب دانا رياض من علامتها «دانا رياض» من فلسطين.

وفي فئة الإكسسوارات، وصلت إلى المرحلة النهائية علياء زكي من لبنان، ومريم المالكي من قطر، وصفاء بودخانة من تونس.

دانا رياض من من فلسطين المرشحة عن فئة أزياء السهرة (فاشن تراست أرابيا)

وتضم فئة المجوهرات فاروج فارتان كازانجيان من علامة «هاري في» من مصر، ليال السلطان من علامة «إلورا» من الكويت، وجويل خراط من لبنان.

أما جائزة فرانكا سوزاني، الخاصة بالمواهب الواعدة، فتتنافس عليها ليلى الطوايا من فلسطين والأردن، ويوسف زغيب من لبنان، وزينة عيسى من سوريا.

وفي فئة تكنولوجيا الأزياء، تشمل القائمة شيماء وفاطمة العلاة من مصر، وسيرين قبيسي من لبنان وآمنة حسين من تونس.

جويل خراط من لبنان المرشحة عن فئة المجوهرات (فاشن تراست أرابيا)

وكعادة «فاشن تراست أرابيا» في استضافة مصممين من بلد بعيد وتخصيص جائزة سابعة مستقلة للمصممين المشاركين منها، تشمل الجائزة هذا العام المكسيك، لتكون الدولة الضيفة.

ويخضع المرشحون المكسيكيون لآلية التحكيم نفسها المعتمدة لبقية المتنافسين، في خطة تعكس توجهاً نحو توسيع آفاق التواصل بين المواهب الإبداعية في أسواق مختلفة، وتعزيز فرص التعاون وتبادل الخبرات على المستوى الدولي. ويأتي هذا التعاون بدعم من «فوغ» المكسيك وأميركا اللاتينية، انطلاقاً من أهمية بناء شبكات مهنية عابرة للحدود، وتوفير بيئات داعمة للمصممين الشباب تساعدهم على تطوير أعمالهم وتوسيع حضورهم. وتضمن قائمة المرشحين عن المكسيك، باتريسيو كامبيلو عن علامة «كامبيلو» والثنائي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» وكاميلا بانز عن علامة «بانزو».

الثنائي المكسيكي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» (فاشن تراست أرابيا)

المنح المالية والإرشاد المهني:

ولا تقف أوجه الدعم التي توفرها المؤسسة عند حدود التكريم؛ إذ تشكل المنح المالية وبرامج الإرشاد المهني جانباً أساسياً من منظومة عملها. ويحصل الفائزون على منح تتراوح قيمتها بين 100 ألف و200 ألف دولار، حسب حجم النشاط التجاري لكل مصمم، في حين تبلغ قيمة المنحة المخصصة للفائز بجائزة «فرانكا سوتساني» للمواهب الواعدة 50 ألف دولار.

في فئة تكنولوجيا الأزياء تشارك كل من شيماء وفاطمة العلاوي من مصر (فاشن تراست أرابيا)

وفي امتداد للدعم التجاري، الذي يعدّ من أهم العناصر التي يحتاج إليها أي مصمم شاب، تعرض مجموعات الفائزين في فئات الأزياء الجاهزة وأزياء السهرة والإكسسوارات والمجوهرات لدى الشريكين التجاريين للمؤسسة، «هارودز» و«أوناس» على مدى موسم، بما يتيح للمصممين فرصة الوصول إلى أسواق أوسع وجمهور دولي.

كما تشمل برامج الدعم عاماً كاملاً من الإرشاد المهني المصمم وفق احتياجات كل فائز بالتعاون مع «براند X سوسايتي». ويشارك المصممون الفائزون أيضاً في برنامج إرشادي خاص يمتد يومين في لندن، تنظمه المؤسسة مع «ذي بيستر كوليكشن» والمجلس البريطاني للأزياء و«براند Xسوسايتي».

وتعكس هذه البرامج توجهاً يتجاوز منح الجوائز المالية إلى مواكبة المصممين في مراحل تطورهم المهني، ومساعدتهم على التعامل مع متطلبات الصناعة، من بناء العلامة التجارية إلى التوسع التجاري والانفتاح على الأسواق العالمية.

من الاكتشاف إلى حضورها العالمي

تأسست «فاشن تراست أرابيا» عام 2018 مستلهمة تجربة «فاشن تراست يو كي» أي البريطانية، وهي مؤسسة غير ربحية تقوم رؤيتها على توفير فرص عملية للمصممين الذين بلغوا مرحلة الاستعداد لدخول الأسواق العالمية، لكن يفتقدون إلى الدعم المالي والتوجيه الاستراتيجي وبرامج الإرشاد، وهو ما تقدمه المؤسسة بالتعاون مع خبراء وشخصيات ذات خبرة واسعة في صناعة الأزياء. فغايتها منذ تأسيسها لا تقتصر على الاحتفاء بالأسماء الجديدة، بل تمتد إلى تهيئة الظروف التي تمكّن هذه المواهب من بناء مسارات مهنية مستقرة، وتطوير علامات تجارية قادرة على المنافسة خارج حدود المنطقة