ميشيل تويني لـ«الشرق الأوسط»: لم أُرد إقفال منزل جدّي

برنامجها «بيت الشاعر» يفي بوصية المعلّم

ميشيل تويني تُبقي منزل جدّها مشرعاً لأهل الثقافة (حسابها الشخصي)
ميشيل تويني تُبقي منزل جدّها مشرعاً لأهل الثقافة (حسابها الشخصي)
TT

ميشيل تويني لـ«الشرق الأوسط»: لم أُرد إقفال منزل جدّي

ميشيل تويني تُبقي منزل جدّها مشرعاً لأهل الثقافة (حسابها الشخصي)
ميشيل تويني تُبقي منزل جدّها مشرعاً لأهل الثقافة (حسابها الشخصي)

شعرت حفيدة معلّم الصحافة اللبنانية غسان تويني، وابنة نجله جبران المُضرَّجة دماؤه قبل 18 عاماً في مثل هذا الشهر، ميشيل تويني، بالحاجة إلى إبقاء بيت الجدّ مشرعاً على الثقافة. كانت هذه وصيته، بعدما ضجّ المنزل المقيم بين صنوبرات منطقة بيت مري، باللقاءات والأمسيات الشعرية. برنامجها «بيت الشاعر» («الجديد» و«النهار»)، يحافظ على اسم المكان المهيب، حيث أقام رجل الحبر وزوجته الشاعرة نادية تويني المُعذَّبة قصيدتُها.

خلال تقديم إحدى الحلقات (صور ميشيل تويني)

تعترف ميشيل تويني لـ«الشرق الأوسط» بأنّ أهمية المنزل بالنسبة إلى جدّها تساوي حجم حبّه لجريدة «النهار» التي أسَّسها والده، فصدر العدد الأول منها قبل 90 عاماً، واحتضنت بين صفحاتها الأسماء والقامات. تقول: «لم أُرد موت هذه الرسالة. شعرتُ أنني معنيّة، فجدّي لم يُقفل بابه وظلَّ النقاش الثقافي يتمدّد في الأرجاء».

بدأت التصوير، فلمحت في المحتوى إفادة للتلفزيون: «فكرتُ بالعرض عبر منصات (النهار) فقط. لكنّ كل ما في البرنامج يناسب التلفزيون أكثر من (الأونلاين). مدّته أطول مما يقتضيه عصر السرعة. تواصلتُ مع (الجديد)، فالمحطة مُشاهَدة، وأردتُ الوصول إلى الفئة الأخرى. المتلقّي عبر (النهار)، وعلى الطرف المقابل عبر (الجديد)، يُكمل بعضهما البعض».

جانب من المنزل الأيقوني (صور ميشيل تويني)

صعَّبت الأحوال الإبقاء على ضيفين في الحلقة، كما الموسم الأول. فنانون غادروا، وآخرون بين لبنان والخارج، مُنهَكون في الأسفار والوقت. أرادت الذهاب في النقاش أبعد من طرح السؤال وانتظار الجواب. حين تَواجه الممثلان جورج خباز وتقلا شمعون مثلاً، رفعا الحوار إلى مرتبة أعلى. اليوم، يحلّ الضيف الواحد، فتتولّى ميشيل تويني المنحى التفاعلي. لا تكتفي بطرح السؤال، بل تتعمّق. تضع ضيفها أمام إشكاليات الحياة والموت والعلاقات. وبدوره، يردّ السؤال بأسئلة، ويعيد الكرة إلى ملعبها.

يأخذها تعذُّر إيجاد الضيوف، إلى الاكتفاء بضيف. فالحلقة التي جمعت الممثلين كارمن لبّس وبديع أبو شقرا مثلاً، تطلّبت 4 أشهر لاكتمال اللقاء. كلاهما التزم بأشغال بين لبنان والخارج، ولم تُوفَّق في تقريب المسافة إلا بعد عناء المحاولة.

الصحافية اللبنانية ميشيل تويني (حسابها الشخصي)

ظنّت أنها ستصوّر البرنامج لموسم وبحلقات أقلّ، فدفعها انتشاره والتقبُّل الجماهيري إلى موسم ثانٍ. وبعد متابعة لبعض ما يقدّمه التلفزيون اللبناني، تقول بصراحة: «الإعلام الذي أحبّه، يتلاشى. معظم ما يُبثّ على شاشاتنا لم يعد يشبهني. الجميع تقريباً يطارد نسبة المُشاهدة ويسعى من أجلها. لستُ من هذه المدرسة، ولا أزجّ بنفسي في خصوصيات ضيوفي». تُنبّه إلى عدم التعميم حيال محتوى التلفزيون اللبناني، فرأيها يشمل ما تقع عليه عيناها. وتتساءل باستغراب: «كيف يطرح البعض أسئلة تُحرج المُحاوَر والمُحاوِر؟ أفكر بذلك كلما شاهدتُ ما أجده غريباً عني».

وإنْ استضافت سياسياً أو إعلامياً، يسوقهما الحوار إلى الإنسان وهموم الحياة. لا بدّ من التوقف أمام الأسماء. فمنزل غسان تويني يفترض أن يدخله مَن أنجزوا وتركوا الأثر. هو ليس استوديو يجلس الجميع على مقاعده. المنزل مهيب، يسكنه طيف الرجل، ولوحاته وأيقوناته ومكتبته الضخمة وذكرياته. تجيب بأنّ المسألة تؤرقها: «أحاول إيجاد مَن يتشاركون شيئاً مع المكان. الممثل المسرحي رفعت طربيه أخبرني كثيراً عن (مهرجان البستان) الذي اعتاد جدّي حضور أمسياته. أما زميله رفيق علي أحمد، فكنتُ لا أزال صغيرة حين اصطحبني غسان تويني لمشاهدة مسرحياته. أحاول أيضاً استضافة ممثلين وفنانين شباب، فتصل رسالة البرنامج إلى الجيل الجديد».

حميمية المنزل تُضفي شاعرية على الحوار (صور ميشيل تويني)

أخبرها الإعلامي سامي كليب عن لقائه الأخير بجدّها في باريس. لم تعلم أنهما على معرفة حين استضافته. وأمام هيبة المكان، اختارت الممثلة رلى حمادة قراءة قصائد لسيدة التراجيديا نادية تويني. ولمّا دوَّنت كلمتها الأخيرة في الحلقة، استعانت بومضات من شِعرها. هذا هو برنامج «بيت الشاعر»: عَبَقٌ يبقى.

الإقامة بين الصنوبرات (صور ميشيل تويني)

ترى في الحوار «اكتشافاً للآخر وأفكاره»، وتعدّه من أرقى أشكال الصحافة. تتحدّث عن تجربة التقديم التلفزيوني: «من أهم ما أتاحته لي المهنة. أصوّر لساعات، لكنّ الوقت الذي أمضيه في المونتاج، أنعزل به تماماً عن بشاعة العالم. هنا؛ أمارس أقصى درجات الشغف. أمتلكُ وقت المونتاج، وأشعر بأنه يخصّني وحدي».

بالنسبة إليها، فإنّ ما تقدّمه هو تواصل، لا «مقابلة عادية»: «يجعلني ضيوفي أعود إلى المنزل مُحمَّلة بنظرتهم إلى العالم. فهم يحرّضون على التساؤل، ويتحلّون بأفكار خاصة. حين تحدّثتُ والمهندس المعماري برنارد خوري عن مؤسسة الزواج، أضاء على زوايا لم أكن أراها. البرنامج يُدخِل مُتابعه في مراجعة ذاتية، إن أمعن الإصغاء وتنبّه إلى ما يُحكى».

الأيقونات التاريخية في منزل غسان تويني (صور ميشيل تويني)

الجانب البديع، هو وقوف الضيوف أمام جدار يعجّ بالأيقونات التاريخية التي اعتاد غسان تويني جمعها من روسيا واليونان ودول تراها فناً يُعرض في المتاحف والكنائس. يُضاف إلى هذا الجمال الخالص، عددٌ هائل من اللوحات، وأكثر من 10 آلاف كتاب تحتويها المكتبة بالطابق الأسفل. تأمّلت ورد الخال اللوحات، وجرَّها الحديث إلى والدتها مها بيرقدار ووالدها الشاعر يوسف الخال. ضيوفٌ سُئلوا أمام كتب حرص جدّها على جمعها، ومنها النادر، عما يقرأون. لقاء ثقافي، يمنحه المنزل شاعرية.

تحلّ الذكرى الـ18 على اغتيال جبران تويني، فتهديه حلقة تُعرض الأحد. من منزله «بيت الشاعر»، وأمام هيبة الطبيعة وأصوات «الزيز» والعصافير، وبجانب مدفن نادية تويني والمسرح في الهواء الطلق، تُحاوِر في وجع الغياب، باستضافة أحبة واستعادة ذكريات. غادر المنزلَ أفرادُه، واشتدّت قسوة الحياة. لكنه، يبقى، مثل أشجار زرعها غسان تويني بنفسه، الشاهد على عظمة التضحية.


مقالات ذات صلة

سيل من الرثاء لـ«عملاق المسرح والشاشة» باتريك ستيوارت نجم «ستار تريك» و«إكس-من»

يوميات الشرق باتريك ستيوارت أثناء حضوره العرض الأول لفيلم «ستار تريك-بيكارد» في لندن عام 2020 (رويترز)

سيل من الرثاء لـ«عملاق المسرح والشاشة» باتريك ستيوارت نجم «ستار تريك» و«إكس-من»

توالت عبارات الرثاء والتعازي على مواقع التواصل الاجتماعي بعد إعلان وفاة الممثل البريطاني المخضرم باتريك ستيوارت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق يخوض جو صادر أولى تجاربه الكوميدية في «بهو الست لميا» (إنستغرام)

جو صادر: اخترتُ طريقاً يُشبهني ورفضتُ تقليد الآخرين

بعد «بهو الست لميا»، يُنتظر أن يظهر جو صادر في مسلسل جديد بعنوان «سكرة الحب»، صُوّر منذ مدّة طويلة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق «ويني الدبدوب» يطفئ شمعته الـ100... كم بلغ عمر شخصيات الكرتون الأكثر جماهيريّةً؟

«ويني الدبدوب» يطفئ شمعته الـ100... كم بلغ عمر شخصيات الكرتون الأكثر جماهيريّةً؟

قبل أيام احتفل «ويني الدبدوب» بعيدِه الـ100 وهو لا يزال في أوج شعبيّته. مثلُه رسوم متحركة أخرى، بلغت خريف العمر وهي لا تزال شابة، ومحبوبة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق مي كساب (حسابها على فيسبوك)

«تي شيرت» مثير للجدل يعيد مي كساب للأضواء

عادت الفنانة المصرية مي كساب لدائرة الاهتمام على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما استوقف متابعين الرسومات المطبوعة على «تي شيرت» ارتدته خلال برنامج عبر الإنترنت

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

إجماع من الجمهور والنقّاد على مسلسل East of Eden لِما فيه من عناصر تُعيد إلى الذاكرة كبرى الإنتاجات الهوليوودية، والممثلة فلورنس بيو بشخصية «كاثي» تسرق الأضواء.

كريستين حبيب (بيروت)

سيل من الرثاء لـ«عملاق المسرح والشاشة» باتريك ستيوارت نجم «ستار تريك» و«إكس-من»

باتريك ستيوارت أثناء حضوره العرض الأول لفيلم «ستار تريك-بيكارد» في لندن عام 2020 (رويترز)
باتريك ستيوارت أثناء حضوره العرض الأول لفيلم «ستار تريك-بيكارد» في لندن عام 2020 (رويترز)
TT

سيل من الرثاء لـ«عملاق المسرح والشاشة» باتريك ستيوارت نجم «ستار تريك» و«إكس-من»

باتريك ستيوارت أثناء حضوره العرض الأول لفيلم «ستار تريك-بيكارد» في لندن عام 2020 (رويترز)
باتريك ستيوارت أثناء حضوره العرض الأول لفيلم «ستار تريك-بيكارد» في لندن عام 2020 (رويترز)

توالت عبارات الرثاء والتعازي على مواقع التواصل الاجتماعي بعد إعلان وفاة الممثل البريطاني المخضرم باتريك ستيوارت وخصصت نشرات الأخبار على محطات التلفزيون فقرات خاصة لاستعراض مراحل حياته وعمله.

وتدفقت مشاعر زملاء المهنة الذين حرصوا على رثائه ووصف تأثيره عليهم، فقالت الممثلة هارييت والتر، التي عرفت ستيوارت لأكثر من أربعين عاماً ومثّلت أمامه على خشبة المسرح في مسرحية «أنطونيو وكليوباترا» في مسرح شكسبير الملكي عام 2006، لقناة «بي بي سي»، إن العالم «سيكون فقيراً جداً» من دونه. وأضافت: «لا أستطيع حقاً تخيّل عالم من دونه. الأمر أشبه بسقوط شجرة عملاقة في الغابة. لم أسمع كلمة سيئة واحدة عنه قط».

الممثل الراحل باتريك ستيوارت أثناء مشاركته في مؤتمر «دراغون كون» للقصص العلمية والخيالية في عام 2014 (إ.ب.أ)

وقال الممثل ويليام شاتنر، زميله في سلسلة «ستار تريك»، على مواقع التواصل: «من خشبة المسرح إلى جسر سفينة «إنتربرايز»، أضفى ذكاءً ورقياً وحساً إنسانياً عميقاً على كل ما قدمه. لقد كان الكابتن بيكارد رمزاً لأفضل ما فينا، وكذلك كان الممثل الذي جسّد شخصيته».

ونشر الممثل هيو جاكمان، زميله في فيلم «إكس-من»، على «إنستغرام»: «لقد فقدنا اليوم أحد عمالقة المسرح والشاشة. وفي نظري، كان صديقاً وإنساناً عظيماً. لقد تعلمت منه الكثير. سأفتقدك يا ​​باتريك ستيوارت طيلة حياتي».

أما صديقه القديم وزميله الممثل السير إيان ماكيلين، فوصفه بأنه «الممثل الأكثر احتراماً ومحبة في جيله على جانبي المحيط الأطلسي».

وقالت فرقة شكسبير الملكية، التي قضى فيها أيامه الأولى على خشبة المسرح، إنه كان «عملاقاً في المسرح والشاشة».

رحلة عمر

توفي باتريك ‌ستيوارت عن عمر ناهز 86 عاماً، بعد مسيرة بدأت من الفقر في إنجلترا وقادته إلى أن يصبح ممثلاً مسرحياً كبيراً في أعمال شكسبير، قبل أن يحقق شهرة ​عالمية بدور القبطان جان-لوك بيكارد في مسلسل «ستار تريك: الجيل التالي» (ستار تريك: نيكست جينيريشن) وبشخصية بروفسور تشارلز زافيير في سلسلة أفلام «رجال إكس» (إكس-من).

وذكر بيان نشر على حساب ستيوارت على منصة «إكس» أن الممثل، الذي منحته الملكة إليزابيث الثانية لقب فارس عام 2010 تقديراً لإسهاماته في مجال الدراما، توفي في منزله بمدينة لوس أنجليس.

باتريك ستيوارت يعرض وسام «الفارس» الذي قلدته إياه الملكة إليزابيث الثانية في عام 2010 (رويترز)

وجاء في البيان: «نعلن ببالغ الحزن وفاة السير باتريك ستيوارت أمس في منزله بلوس أنجليس؛ إذ كان يتلقى الرعاية ‌من زوجته ‌المحبوبة ساني، بعد رحلة قصيرة ومؤثرة مع مرض ​ألزهايمر ‌وخرف ⁠أجسام ​ليوي».

البداية من المسرح

بدأ ستيوارت ⁠التمثيل في سن الثامنة عشرة، ونال إشادة واسعة على خشبة المسرح حين كان عضواً في فرقة شكسبير الملكية منذ ستينيات القرن الماضي. غير أن شهرته الواسعة لم تتحقق إلا بعد اختياره في سن السابعة والأربعين للمشاركة في مسلسل «ستار تريك: الجيل التالي»، الذي عرض بين عامي 1987 و1994 باعتباره امتداداً للمسلسل الأصلي «ستار تريك» الذي انطلق في ستينيات القرن الماضي، فيما واصل التمثيل ⁠حتى بعد بلوغه الثمانينيات من عمره، حسب تقرير لوكالة «رويترز».

باتريك ستيوارت وإيان ماكيلين وصداقة عمر (رويترز)

وتردد ستيوارت في قبول هذا الدور، بعدما ‌نصحه صديقه المقرب وزميله في أعمال شكسبير إيان ماكيلين برفض «ستار تريك» والبقاء في المسرح. لكنه قبل الدور في النهاية، ليصبح من أكثر الشخصيات شعبية لدى المعجبين وعنصراً أساسياً في واحدة من أنجح سلاسل الخيال العلمي. فقد أدى دور بيكارد في ‌176 حلقة على مدى سبعة مواسم، إضافة إلى عدد من أفلام «ستار تريك» ومسلسل البث الرقمي «ستار تريك: بيكارد» ⁠الذي بدأ عرضه عام ⁠2020 عندما كان في التاسعة والسبعين من عمره.

في عام 2022 قال ستيوارت لصحيفة «الغارديان»: «مع مرور مواسم (الجيل التالي) السبعة، أصبح الفارق بين جان-لوك بيكارد وباتريك ستيوارت أقل فأقل، إلى أن بات من المستحيل بالنسبة لي أن أعرف أين تنتهي شخصيته وأين أبدأ أنا. لقد أدخلت الكثير مما أؤمن به وأشعر به في ذلك العمل».

ولد ستيوارت في 13 يوليو (تموز) 1940 في بلدة ميرفيلد بإقليم يوركشير الإنجليزي. ونشأ في أسرة فقيرة، وقال إن والده عاد من الحرب العالمية الثانية مدمناً للكحول ويعاني اضطراب ما بعد الصدمة، وكان يسيء معاملة والدته جسدياً. وتذكّر أنه كان ​يتدخل بجسده بين والده ووالدته في ​محاولة لحمايتها.

تزوج ستيوارت ثلاث مرات ولديه ابن وابنة. وكان زواجه الثالث عام 2013 من الفنانة الموسيقية الأميركية ساني أوزيل.


فيديو: طهاة بلا سكاكين... وهواة يتنافسون على اللقب

فازت باتريشيا ماتون التي اعترفت بأنها نادراً ما تدخل المطبخ (إنستغرام)
فازت باتريشيا ماتون التي اعترفت بأنها نادراً ما تدخل المطبخ (إنستغرام)
TT

فيديو: طهاة بلا سكاكين... وهواة يتنافسون على اللقب

فازت باتريشيا ماتون التي اعترفت بأنها نادراً ما تدخل المطبخ (إنستغرام)
فازت باتريشيا ماتون التي اعترفت بأنها نادراً ما تدخل المطبخ (إنستغرام)

ماذا يحدث عندما يُطلب من طاهٍ محترف أن يبتعد عن أدوات مطبخه، ويرتدي قفازات الملاكمة بدلاً منها؟ الإجابة ظهرت في مسابقة طهي غير تقليدية، جمعت بين فنون الطبخ وروح المنافسة، وأثبتت أن إعداد طبق جيد لا يعتمد دائماً على مهارة الطاهي وحدها، بل على قدرته أيضاً على إيصال تعليماته إلى الآخرين!

في مهرجان للأطعمة استضافته جبال الألب الفرنسية، خاض عدد من الطهاة المحترفين تجربة مختلفة تماماً عن أجواء المطابخ المعتادة. فبدلاً من الإمساك بالسكاكين والمقالي، ارتدوا قفازات الملاكمة التي قيّدت حركة أيديهم، وأصبح دورهم مقتصراً على توجيه طهاة هواة لمساعدتهم في إعداد طبق سوفليه الأومليت، خلال 20 دقيقة فقط.

كانت المهمة تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها احتاجت إلى دقة وسرعة في التنفيذ، خصوصاً أن هذا الطبق يعتمد على توقيت التحضير وطريقة خفق البيض للحصول على قوامه المنتفخ والخفيف. وبينما كان المحترفون يشرحون خطوات الوصفة ويقدمون النصائح، تولى الهواة التعامل مع المكونات والنار وأدوات المطبخ، وسط سباق مع عقارب الساعة.

ولم تسر الأمور دائماً كما خُطط لها؛ فقد احترقت بعض أواني الطهي، وارتبك مشاركون أمام تعليمات متلاحقة، فيما بدا أن بعض الطهاة المحترفين اكتشفوا أن إصدار الأوامر أسهل بكثير من تنفيذها!

ورغم الفوضى الطريفة التي رافقت المنافسة، أبدت لجنة التحكيم، التي ضمت عدداً من كبار الطهاة، بينهم الشيف الفرنسي إريك فريشون، إعجابها بما قدمه المشاركون.

لكن المفاجأة الحقيقية جاءت مع إعلان النتيجة؛ إذ فازت باتريشيا ماتون، التي اعترفت بأنها نادراً ما تدخل المطبخ، لتتفوق على منافسين أكثر خبرة، بفضل قدرتها على الاستماع إلى التعليمات وتنفيذها.

وبعيداً عن النتيجة، قدمت المسابقة درساً طريفاً في العمل الجماعي والثقة المتبادلة. ففي المطبخ، كما في حلبة الملاكمة، لا يكفي أن تعرف ما ينبغي فعله؛ الأهم أن تعرف متى تتحرك، وكيف تتعامل مع الضغط. وربما اكتشف الطهاة في ذلك اليوم أن أفضل وصفة للنجاح ليست دائماً في كتاب الطبخ، بل أحياناً في حسن اختيار الشخص الذي يمسك بالمقلاة!


إخلاء مبنى «الخارجية المصرية» على ضفاف النيل يثير شجناً

مقر وزارة الخارجية المصرية المطل على النيل (الشرق الأوسط)
مقر وزارة الخارجية المصرية المطل على النيل (الشرق الأوسط)
TT

إخلاء مبنى «الخارجية المصرية» على ضفاف النيل يثير شجناً

مقر وزارة الخارجية المصرية المطل على النيل (الشرق الأوسط)
مقر وزارة الخارجية المصرية المطل على النيل (الشرق الأوسط)

«لا تسألِ الدارَ عمَّن كان يسكنُها... البابُ يُخبِرُ أن القومَ قد رحلوا»... بهذا البيت اختار مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد مرسي توديع المبنى الشهير لوزارة الخارجية المصرية، الكائن على كورنيش النيل، في ظل ما تردد مؤخراً عن إخلائه خلال أيام، مُعبّراً عن تألمه لفراق «قطعة من تاريخ مصر». فعلى مدار أكثر من 3 عقود، تحوّل المقر العريق للوزارة إلى أحد أبرز رموز الدبلوماسية المصرية الحديثة، قبل أن تنتقل الوزارة مطلع عام 2024 إلى الحي الحكومي في العاصمة الإدارية (شرق القاهرة).

انطلق صوت الدبلوماسية المصرية من مبنى الكورنيش منذ عام 1992، وهو المبنى الذي صُمم على هيئة «زهرة اللوتس»، أحد رموز الحضارة المصرية، مجسداً معاني العراقة والفخامة، وجامعاً بين البُعد الجمالي والرمزية الحضارية.

وشغل المبنى العملاق مساحة 4800 متر مربع، بارتفاع 143 متراً، ويتكون من بدروم بكامل مسطح المبنى، وقاعدة مكونة من 6 طوابق تضم المدخل و3 قاعات اجتماعات ومكاتب، وبرج يضم 30 طابقاً، تشغلها خدمات الوزارة والمكاتب الإدارية، في حين خُصص الطابق الأخير مهبطاً لطائرات الهليكوبتر، وفقاً لبيانات شركة «المقاولون العرب»، منفّذة المشروع.

ومع إخلاء المبنى التاريخي تمهيداً لتسليمه إلى إحدى الجهات الرسمية المعنية بالتطوير، وفق ما ذكرته وسائل إعلام محلية، تفجرت حالة من الحنين والشجن بين عدد من رموز السلك الدبلوماسي المصري، الذين استعادوا، عبر منصات التواصل الاجتماعي، ذكريات سنوات طويلة قضوها بين جدرانه، ما أثار تفاعلاً واسعاً بين رواد تلك المنصات، الذين أبدوا بدورهم حزنهم لانتقال المبنى، الذي شكّل جزءاً من صورة القاهرة الحديثة.

تميز مبنى وزارة الخارجية المصرية بتصميمه على هيئة زهرة اللوتس (الشرق الأوسط)

وفي أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، استعاد دبلوماسيون ذكرياتهم مع المبنى؛ إذ عكست كلماتهم شعوراً إنسانياً عميقاً بفقدانه، بعدما ظل لسنوات عنواناً لهم وللدبلوماسية المصرية.

وأشار وزير الخارجية المصري الأسبق محمد العرابي إلى أن حالة من الشجن تسيطر عليه؛ لكون علاقته بالمبنى بدأت منذ عودته من واشنطن عام 1993، واستمرت حتى تقاعده عام 2011، ثم اختياره وزيراً في العام نفسه.

وقال العرابي إن أكثر الفترات المحفورة في ذاكرته داخل المبنى كانت خلال توليه إدارة مكتب وزير الخارجية الأسبق عمرو موسى لمدة 3 سنوات؛ إذ كان مكتب الوزير يقع في الطابق الثاني من المبنى، مضيفاً أن كثافة العمل اليومي جعلت هذا الطابق جزءاً أصيلاً من ذاكرته المهنية والشخصية.

وأوضح أن الشكل المستوحى من «زهرة اللوتس» جاء في إطار رؤية تبناها الوزير عمرو موسى عند إنشاء المقر، عادّاً أن هذا التصميم يجسد معاني العراقة والفخامة، ويرمز إلى الارتباط العميق بالحضارة المصرية القديمة، بما يحمله من رسالة تعكس هوية الدولة المصرية أمام ضيوفها من مختلف دول العالم.

وتوقف العرابي عند إحدى أكثر اللحظات التي لا ينساها داخل المبنى، والتي ارتبطت بأحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وروى أنه كان يشارك في مأدبة غداء أقامها له وزير الخارجية الأسبق أحمد ماهر في الطابق الأخير، بمناسبة انتقاله للعمل سفيراً لمصر في برلين، قبل أن تصل أنباء عن اصطدام طائرة بأحد برجَي مركز التجارة العالمي في نيويورك. وأضاف أنه مع ورود أنباء عن اصطدام الطائرة الثانية، أدرك الجميع أن الأمر يتجاوز الحادث العارض، لتنتهي المناسبة دون أن تكتمل.

مبنى وزارة الخارجية المصرية يبلغ ارتفاعه 143 متراً (شركة المقاولون العرب)

ويقول مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن، إن الإطلالة المباشرة على نهر النيل كانت أبرز عناصر تميز المبنى، موضحاً أن العديد من السفراء والدبلوماسيين الأجانب كانوا يعبرون عن إعجابهم بالموقع الفريد للمقر، حتى إن بعضهم كان يقرّ صراحة بأنه «يحسد» الدبلوماسية المصرية على هذا المبنى، الذي يجمع بين الموقع المتميز والتصميم المتكامل.

وعن أكثر الأماكن ارتباطاً بذاكرته، قال إن المكاتب التي شغلها في الطابقين السابع عشر والتاسع والعشرين تظل الأقرب إلى قلبه؛ لما كانت توفره من مشاهد بانورامية للنيل والقاهرة. وأضاف أن هذه الإطلالات لم تكن مجرد منظر جمالي، بل كانت تمنح العاملين شعوراً دائماً بالارتباط بالعاصمة المصرية وتاريخها وحيويتها.

وتوقف عند أبرز الأحداث التي شهد خلالها المبنى حالة استنفار كاملة، مشيراً إلى أن غزو العراق كان من أكثر المحطات التي تحولت خلالها وزارة الخارجية إلى «خلية نحل»؛ إذ شُكّلت لجان للمتابعة وإدارة الأزمات على مدار الساعة للتعامل مع أوضاع المصريين هناك.

أما مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي، فتتوقف ذكرياته عند البهو الرئيسي الداخلي للمبنى، قائلاً إنه يعكس، في نظره، هيبة المبنى وشموخ الدبلوماسية المصرية، بما يحمله من رمزية تتجاوز الجدران والمكاتب إلى صورة الدولة نفسها.

وبمشاعر تفيض بالحنين والأسى، يروي أنه خلال جولة نيلية قبل أيام، وجد نفسه يتأمل، من الضفة المقابلة للنيل، مبنيَي وزارة الخارجية والإذاعة والتلفزيون، اللذين يتجاوران في شموخ. وبين الحين والآخر، كان يختلس نظرات متكررة نحوهما، مستعيداً عشرات السنين من الذكريات المهنية والوطنية، موضحاً أن المبنيين يمثلان بالنسبة إليه «الوجدان والضمير الوطني والقومي لمصر».

المقر الجديد لـ«الخارجية المصرية» (وزارة الخارجية)

ومع اعتزازه بتاريخ المبنى ودوره بوصفه أحد الشواهد الحية على محطات مفصلية في تاريخ الدبلوماسية المصرية، أبدى هريدي تحفظاً على فكرة انتقال وزارة الخارجية من مقرها التاريخي، معتبراً أن مقار وزارات الخارجية في الدول الكبرى ترتبط عادة بتاريخها ومكانتها، ولا يجري التخلي عنها بسهولة، مؤكداً أن مشاعر الأسف لا تخصه وحده؛ فهناك حالة حزن واسعة بين المصريين على مغادرة وزارة الخارجية مقرها التاريخي.

ودعا خبراء ورجال أعمال، أبرزهم نجيب ساويرس، إلى طرح مبنى وزارة الخارجية أمام المستثمرين، مؤكداً أنه سيجذب عروضاً خلال دقائق، لا سيما أن الموقع مميز وقابل للتحويل إلى فندق، بشرط ترسية الطرح على المستثمر الذي يقدم أعلى سعر.

وكان وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي قد عقد مؤتمراً صحافياً بحضور أنطونيو غوتيريش، أمين عام الأمم المتحدة، بمقر الوزارة بالعاصمة الجديدة مساء الاثنين.