سكان «النيل الأبيض» يخشون امتداد القتال إلى ولايتهم

لا مكان آمناً في السودان خصوصاً جوار الخرطوم

دخان فوق جنوب الخرطوم بسبب المعارك في 7 يونيو 2023 (أ.ف.ب)
دخان فوق جنوب الخرطوم بسبب المعارك في 7 يونيو 2023 (أ.ف.ب)
TT

سكان «النيل الأبيض» يخشون امتداد القتال إلى ولايتهم

دخان فوق جنوب الخرطوم بسبب المعارك في 7 يونيو 2023 (أ.ف.ب)
دخان فوق جنوب الخرطوم بسبب المعارك في 7 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

يعيش سكان ولاية النيل الأبيض، وسط السودان، حالة من الترقب والتوتر والخوف من انتقال المعارك إلى مدن ولايتهم، خصوصاً بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» الشهر الماضي على منطقة جبل أولياء، الواقعة على بُعد 40 كيلومتراً جنوب العاصمة السودانية الخرطوم، وتعد الحدود الجنوبية لها مع ولاية النيل الأبيض.

وقبل جبل أولياء، سيطرت «قوات الدعم السريع» على منطقة ود عشانا، بولاية شمال كردفان على الحدود الغربية مع ولاية النيل الأبيض التي تقع على ضفتَي النهر الذي تحمل اسمه.

الولاية تحدها من الشمال ولاية الخرطوم، ومن الغرب شمال كردفان، ومن الجنوب الغربي ولاية جنوب كردفان، وولايتا الجزيرة وسنار من الشرق، وتنتهي حدودها الجنوبية مع ولاية أعالي النيل بدولة جنوب السودان. وقد ظلت آمنة منذ بدء الصراع في منتصف أبريل (نيسان) الماضي، بل استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين الفارّين من الحرب في الخرطوم وكردفان.

قوة للجيش السوداني في أحد الشوارع بالخرطوم في 6 مايو 2023 (أ. ف. ب)

وتقول سلمى جاد الرب، التي تقيم في مدينة ربك بجنوب ولاية النيل الأبيض، لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «نعيش في قمة التوتر مع ازدياد حالة الاحتقان في الولاية، وجهّزنا حقيبة الطوارئ، لكن لا ندري إلى أين نذهب».

وتتخوف سلمى من أن تتعرض هي وأسرتها لانتهاكات لطالما سمعت عنها من النازحين من مناطق الصراع في الخرطوم، ومن ذلك الطرد من البيوت أو الاعتقال أو الاعتداءات الجنسية.

تقول إن فكرة ترك الديار في حد ذاتها مرعبة، وتضيف: «ننظر للمصير المجهول ونتساءل: كيف سننجو؟ وإلى أين نذهب في حال حدوث اشتباكات؟».

كل الإرهاصات مخيفة

سناء محمد، واحدة ممن نزحوا من الخرطوم إلى النيل الأبيض مسقط رأسها، تشير إلى وجود عدد كبير من الفارين من الخرطوم على أراضي ولاية النيل الأبيض، وتقول: «كل الإرهاصات مخيفة، فنحن هربنا من الخرطوم خوفاً من الاشتباكات، والآن نعيش في خوف وتوتر من حدوثها هنا، فمن الواضح أنْ لا مكان آمناً في السودان خصوصاً الولايات المجاورة للخرطوم».

كانت المنظمة الدولية للهجرة قد ذكرت في سبتمبر (أيلول) الماضي أن عدد النازحين داخلياً في السودان تضاعف تقريباً منذ بدء الصراع في أبريل. وقالت إن نحو 7.1 مليون شخص نزحوا داخل السودان، وأن معظم النازحين موجودون في ولايات شرق دارفور وشمال وجنوب دارفور وسنار والنيل الأبيض.

ومن سكان النيل الأبيض، تصف رشا حسن الوضع في مدينة القطينة التي تسكنها، وتقع في أقصى شمال الولاية على الحدود مع الخرطوم، بأنه «وضع صعب».

سودانيون أمام فرع مصرف محروق جراء المعارك في جنوب الخرطوم في 24 مايو 2023 (أ. ف. ب)

وقالت رشا لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «نعاني انقطاع التيار الكهربائي والماء منذ أكثر من 16 يوماً، وأصبحنا نشتري برميل المياه الواحد بسعر ثلاثة آلاف جنيه سوداني. وبعض الأسر تذهب في الصباح إلى النيل لغسل الملابس وتعود في المساء حاملةً معها براميل مياه صغيرة على عربات تجرها الحمير».

وأغلقت معظم المحال التجارية أبوابها وقيَّدت السلطات الأمنية في الولاية حركة المواطنين ليلاً من العاشرة مساءً.

وذكرت رشا أنها تسمع أصوات إطلاق نار بصورة متقطعة كل يوم، إلى جانب إغلاق المراكز الصحية الخاصة أبوابها، وأصبح بعض أقسام مستشفى القطينة التعليمي خارج الخدمة منذ سقوط منطقة جبل أولياء في يد «الدعم السريع».

وقالت: «أصبحنا في حالة من الخوف والرعب من المصير المجهول، خصوصاً أن معظم الجيران نزحوا إلى مناطق أخرى، وأصبحنا نستيقظ كل يوم وننظر إلى الخارج عبر النافذة للاطمئنان على أننا في أمان، وليست هناك جثة ملقاة على الطرقات، ولا مدافع منصوبة على الأرض».

ويتملك رشا الهلع من هول القصص التي سمعتها من الفارين من ويلات الحرب في الخرطوم، لا سيما بعد أحداث منطقة جبل أولياء الشهر الماضي، وقالت: «أصبحت خائفة من انتقال الصراع إلى القطينة خصوصاً أنها المنطقة الحدودية بين ولايتي النيل الأبيض والخرطوم».

كانت «قوات الدعم السريع» قد سيطرت الشهر الماضي على منطقة جبل أولياء، التي تضم معسكرات للجيش السوداني بما في ذلك قاعدة النجومي الجوية والدفاع الجوي، كما تضم خزان جبل أولياء، الذي يضم أيضاً جسراً صغيراً يربط الخرطوم بأمدرمان، وأجبرت قوات الجيش على التراجع جنوباً إلى مدينة القطينة.

عائلة سودانية هربت من المعارك تنتظر السماح لها بعبور الحدود الى تشاد في 26 يوليو 2023 (رويترز)

وعلى أثر هذه المعارك نزح معظم السكان في جنوب الخرطوم إلى ولايتي النيل الأبيض والجزيرة بوسط البلاد.

صوت العقل وصوت البندقية

والآن تزداد مخاوف سكان النيل الأبيض من تعرض المنطقة لهجوم «قوات الدعم السريع» لا سيما بعد تعثر المفاوضات في مدينة جدة، بالمملكة العربية السعودية، وتصاعد وتيرة المعارك بين الطرفين في الخرطوم، خصوصاً أن «قوات الدعم السريع» تتمركز في شمال وغرب الولاية.

لكن الدكتور إبراهيم مخير، مستشار قائد «قوات الدعم السريع»، قال لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «لسنا دعاة حرب، ونؤمن بأن الأولوية في حالة الحرب هي لصوت العقل والحوار وليس لصوت البندقية... تَمثّل هذا بوضوح في حالة مدينة الفاشر، فرغم قدراتنا العسكرية المتفوقة ما زلنا في حالة حوار كي لا يتعرض المواطنون لمعاناة الصدام المسلح وآثاره».

وأشار مخير إلى أن قرار الزحف على ولاية النيل الأبيض، أو أي ولاية أخرى، متروك للقيادة العسكرية ومبنيٌّ على التهديدات التي يتلقاها «الدعم السريع» والمواطنون من المعسكرات الموجودة بتلك الولاية أو غيرها.

ويقول الصحافي أحمد حمدان، الذي نزح من مدينة أم درمان بعد مرور خمسة أشهر على بداية الحرب: «المخاوف وسط سكان ولاية النيل الأبيض من هجوم وشيك لقوات (الدعم السريع) مستمرة منذ أكثر من شهر».

وأشار حمدان، في حديثه لـ«وكالة أنباء العالم العربي»، إلى أن المخاوف زادت بعد هجوم «الدعم السريع» على جبل أولياء جنوب الخرطوم، وبدء عملية نزوح واسعة لسكان المناطق الجنوبية للولاية خصوصاً مدينة القطينة، التي نزح أغلب سكانها جنوباً خوفاً من هجوم محتمَل عليها من «الدعم السريع».

ويضيف: «في مدينتي تندلتي وكوستي من الجهة الغربية لولاية النيل الأبيض، تسود حالة الترقب والحذر من هجوم (الدعم السريع)»، خصوصاً أن الولاية تطل من جهة الغرب على ولاية شمال كردفان، التي تسيطر «الدعم السريع» على أجزاء واسعة منها ويرتكز في منطقة ود عشانا، التي تبعد نحو 30 كيلومتراً من مدينة تندلتي.

مع ذلك، يستبعد حمدان مهاجمة «الدعم السريع» لولاية النيل الأبيض لأن ذلك سيفتح أمامها جبهة جديدة للقتال. ويقول: «يبدو أن قوات (الدعم السريع) غير مستعدة لذلك، ما لم تحسم وضع السيطرة العسكرية في الجبهات التي تقاتل فيها حالياً، خصوصاً في الخرطوم وكردفان، إذ ما زالت مدينة الأبيض وأجزاء من غرب كردفان تحت سيطرة الجيش».


مقالات ذات صلة

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

شمال افريقيا سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

حذّرت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية محلية من التبعات الخطيرة لاستخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على نطاق واسع سلاح حرب في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
الولايات المتحدة​ أرشيفية لقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) (أ.ب) p-circle

الأمم المتحدة تفرض عقوبات على شقيق قائد قوات الدعم السريعة السودانية

فرضت الأمم ‌المتحدة، عقوبات على الشقيق الأصغر لقائد قوات الدعم السريع وعلى ​ثلاثة مرتزقة كولومبيين متهمين بتجنيد أفراد كولومبيين سابقين للقتال في السودان.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أشخاص يفرُّون من العنف في غرب دارفور يعبرون الحدود إلى أدري بتشاد يوم 4 أغسطس 2023 (رويترز)

الأمم المتحدة: أطفال دارفور بلغوا مرحلة حرجة تحت وطأة الجوع الشديد والعنف

قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، الثلاثاء، إن 5 ملايين طفل في منطقة دارفور السودانية يتعرضون لحرمان شديد.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)

حذّرت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية محلية من التبِعات الخطيرة لاستخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على نطاق واسع سلاح حرب في السودان، ولا سيما بالنسبة لصحة الضحايا النفسية.

ويشهد السودان، منذ أبريل (نيسان) 2023، حرباً ضارية بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، أوقعت عشرات الآلاف من القتلى وتسببت بنزوح نحو 11 مليون شخص، وسط تصاعد حادّ في أعمال العنف الجنسي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكشفت منظمة «أطباء بلا حدود»، في تقرير الشهر الماضي، أنه في الفترة بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، طلب ما لا يقل عن 3396 من الناجين من العنف الجنسي، جميعهم تقريباً من النساء والفتيات، الرعاية الصحية في المرافق التي تُدعمها المنظمة في شمال وجنوب دارفور، مندّدة بهذه الجرائم التي أصبحت «علامة مميّزة» للنزاع في السودان.

وحذّرت منظمة الصحة العالمية من أن الأرقام المتوافرة لا تمثل، بالتأكيد، سوى «قمة جبل الجليد».

وقالت أفني أمين، مسؤولة وحدة العنف القائم على النوع الاجتماعي بمنظمة الصحة العالمية، إن «الوصول إلى خدمات الدعم بعد التعرض للاغتصاب أمر صعب للغاية»، متحدثة، خلال فعالية نُظّمت، الثلاثاء، في مقر الأمم المتحدة بجنيف حول الوضع الإنساني والصحي المُلحّ في السودان.

وأشارت أفني، بشكل خاص، إلى انعدام الأمان وصعوبة الوصول إلى المرافق الصحية العاملة، بالإضافة إلى «الوصمة الشديدة» التي تلاحق الضحايا، ونقص الطواقم الصحية المدرَّبة لرعايتهم.

وقالت: «مقابل كل امرأة تتكلم، هناك، على الأرجح، ثماني أو تسع نساء أخريات تعرضن للاغتصاب وسيعانين في صمت».

السودان سجَّل أكبر عملية نزوح داخلي في العالم (رويترز)

«لا أمان إطلاقاً»

وصفت نعمت أحمدي، من «مجموعة عمل نساء دارفور»، الظروف المروِّعة التي يعيشها الضحايا في بحثهم عن الرعاية بعد تعرضهم لجرائم اغتصاب جماعي عنيفة تتسبب، في غالب الأحيان، بمضاعفات طبية خطيرة.

وأعربت عن أسفها قائلة إنه حتى في أوقات السلم، لم يكن هناك في دارفور سوى عدد ضئيل من الأطباء يمكنهم التعامل مع مثل هذه الحالات، و«اليوم باتوا غير موجودين تماماً».

كما شددت على أن الذين يضطرون للانتقال إلى مراكز الرعاية لا يحظون بـ«أي أمان على الإطلاق»، مؤكدة أن الضحايا يترددون في طلب العلاج بالمستشفيات المتبقية؛ لأنها غالباً ما تكون تحت سيطرة الأطراف المتحاربة.

ووصفت نعمت أحمدي كيف اقتحم مقاتلون من قوات «الدعم السريع» مستشفى في دارفور وأقدموا على اغتصاب وقتل إحدى العاملات بمجال الصحة فيه.

وأشارت إلى أن هذا الوضع تفاقم مع انسحاب المنظمات الإنسانية الدولية في ظل الأوضاع الأمنية والاقتطاعات الحادة في التمويل الإنساني.

وأوضحت أن هذا الأمر يُرغم الهيئات الصغيرة التي تُديرها النساء، مثل منظمتها، على الكفاح من أجل إيجاد موارد، بينما «يموت الناس».

الانتحار خوفاً من الاغتصاب

وأكدت شوكو أراكاكي، مديرة قسم الاستجابة الإنسانية في صندوق الأمم المتحدة للسكان، أنه من «الأساسيّ للغاية» أن يتلقى ضحايا العنف الجنسي الرعاية السريرية في غضون 72 ساعة.

وأضافت: «لكننا لا نملك خدمات ولا أدوية» في السودان، لافتة كذلك إلى ضرورة تقديم الدعم النفسي والاجتماعي في ظل ازدياد أعداد الضحايا الذين يعانون مشاكل حادة في الصحة العقلية.

وأقرّت أراكاكي بأن «معدلات الانتحار مرتفعة». ورغم صعوبة الحصول على أرقام رسمية، قالت أحمدي أيضاً إنها على علم بإقدام عدد كبير من النساء على الانتحار في ولاية الجزيرة جنوب شرقي العاصمة الخرطوم؛ خوفاً من التعرض للاغتصاب.

وقالت أفني أمين إنه «يجب دمج دعم الصحة العقلية»، مشيرة إلى «العواقب الطويلة الأمد»، سواء بالنسبة للضحايا أم للذين يشهدون هذه الفظاعات.

وأضافت: «نحن نعلم من نزاعات أخرى أن التبِعات لا تقتصر على المدى الطويل، بل تنتقل من جيل إلى جيل» منوهة: «علينا أن نستعدّ لذلك».


حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».