سكان «النيل الأبيض» يخشون امتداد القتال إلى ولايتهم

لا مكان آمناً في السودان خصوصاً جوار الخرطوم

دخان فوق جنوب الخرطوم بسبب المعارك في 7 يونيو 2023 (أ.ف.ب)
دخان فوق جنوب الخرطوم بسبب المعارك في 7 يونيو 2023 (أ.ف.ب)
TT

سكان «النيل الأبيض» يخشون امتداد القتال إلى ولايتهم

دخان فوق جنوب الخرطوم بسبب المعارك في 7 يونيو 2023 (أ.ف.ب)
دخان فوق جنوب الخرطوم بسبب المعارك في 7 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

يعيش سكان ولاية النيل الأبيض، وسط السودان، حالة من الترقب والتوتر والخوف من انتقال المعارك إلى مدن ولايتهم، خصوصاً بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» الشهر الماضي على منطقة جبل أولياء، الواقعة على بُعد 40 كيلومتراً جنوب العاصمة السودانية الخرطوم، وتعد الحدود الجنوبية لها مع ولاية النيل الأبيض.

وقبل جبل أولياء، سيطرت «قوات الدعم السريع» على منطقة ود عشانا، بولاية شمال كردفان على الحدود الغربية مع ولاية النيل الأبيض التي تقع على ضفتَي النهر الذي تحمل اسمه.

الولاية تحدها من الشمال ولاية الخرطوم، ومن الغرب شمال كردفان، ومن الجنوب الغربي ولاية جنوب كردفان، وولايتا الجزيرة وسنار من الشرق، وتنتهي حدودها الجنوبية مع ولاية أعالي النيل بدولة جنوب السودان. وقد ظلت آمنة منذ بدء الصراع في منتصف أبريل (نيسان) الماضي، بل استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين الفارّين من الحرب في الخرطوم وكردفان.

قوة للجيش السوداني في أحد الشوارع بالخرطوم في 6 مايو 2023 (أ. ف. ب)

وتقول سلمى جاد الرب، التي تقيم في مدينة ربك بجنوب ولاية النيل الأبيض، لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «نعيش في قمة التوتر مع ازدياد حالة الاحتقان في الولاية، وجهّزنا حقيبة الطوارئ، لكن لا ندري إلى أين نذهب».

وتتخوف سلمى من أن تتعرض هي وأسرتها لانتهاكات لطالما سمعت عنها من النازحين من مناطق الصراع في الخرطوم، ومن ذلك الطرد من البيوت أو الاعتقال أو الاعتداءات الجنسية.

تقول إن فكرة ترك الديار في حد ذاتها مرعبة، وتضيف: «ننظر للمصير المجهول ونتساءل: كيف سننجو؟ وإلى أين نذهب في حال حدوث اشتباكات؟».

كل الإرهاصات مخيفة

سناء محمد، واحدة ممن نزحوا من الخرطوم إلى النيل الأبيض مسقط رأسها، تشير إلى وجود عدد كبير من الفارين من الخرطوم على أراضي ولاية النيل الأبيض، وتقول: «كل الإرهاصات مخيفة، فنحن هربنا من الخرطوم خوفاً من الاشتباكات، والآن نعيش في خوف وتوتر من حدوثها هنا، فمن الواضح أنْ لا مكان آمناً في السودان خصوصاً الولايات المجاورة للخرطوم».

كانت المنظمة الدولية للهجرة قد ذكرت في سبتمبر (أيلول) الماضي أن عدد النازحين داخلياً في السودان تضاعف تقريباً منذ بدء الصراع في أبريل. وقالت إن نحو 7.1 مليون شخص نزحوا داخل السودان، وأن معظم النازحين موجودون في ولايات شرق دارفور وشمال وجنوب دارفور وسنار والنيل الأبيض.

ومن سكان النيل الأبيض، تصف رشا حسن الوضع في مدينة القطينة التي تسكنها، وتقع في أقصى شمال الولاية على الحدود مع الخرطوم، بأنه «وضع صعب».

سودانيون أمام فرع مصرف محروق جراء المعارك في جنوب الخرطوم في 24 مايو 2023 (أ. ف. ب)

وقالت رشا لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «نعاني انقطاع التيار الكهربائي والماء منذ أكثر من 16 يوماً، وأصبحنا نشتري برميل المياه الواحد بسعر ثلاثة آلاف جنيه سوداني. وبعض الأسر تذهب في الصباح إلى النيل لغسل الملابس وتعود في المساء حاملةً معها براميل مياه صغيرة على عربات تجرها الحمير».

وأغلقت معظم المحال التجارية أبوابها وقيَّدت السلطات الأمنية في الولاية حركة المواطنين ليلاً من العاشرة مساءً.

وذكرت رشا أنها تسمع أصوات إطلاق نار بصورة متقطعة كل يوم، إلى جانب إغلاق المراكز الصحية الخاصة أبوابها، وأصبح بعض أقسام مستشفى القطينة التعليمي خارج الخدمة منذ سقوط منطقة جبل أولياء في يد «الدعم السريع».

وقالت: «أصبحنا في حالة من الخوف والرعب من المصير المجهول، خصوصاً أن معظم الجيران نزحوا إلى مناطق أخرى، وأصبحنا نستيقظ كل يوم وننظر إلى الخارج عبر النافذة للاطمئنان على أننا في أمان، وليست هناك جثة ملقاة على الطرقات، ولا مدافع منصوبة على الأرض».

ويتملك رشا الهلع من هول القصص التي سمعتها من الفارين من ويلات الحرب في الخرطوم، لا سيما بعد أحداث منطقة جبل أولياء الشهر الماضي، وقالت: «أصبحت خائفة من انتقال الصراع إلى القطينة خصوصاً أنها المنطقة الحدودية بين ولايتي النيل الأبيض والخرطوم».

كانت «قوات الدعم السريع» قد سيطرت الشهر الماضي على منطقة جبل أولياء، التي تضم معسكرات للجيش السوداني بما في ذلك قاعدة النجومي الجوية والدفاع الجوي، كما تضم خزان جبل أولياء، الذي يضم أيضاً جسراً صغيراً يربط الخرطوم بأمدرمان، وأجبرت قوات الجيش على التراجع جنوباً إلى مدينة القطينة.

عائلة سودانية هربت من المعارك تنتظر السماح لها بعبور الحدود الى تشاد في 26 يوليو 2023 (رويترز)

وعلى أثر هذه المعارك نزح معظم السكان في جنوب الخرطوم إلى ولايتي النيل الأبيض والجزيرة بوسط البلاد.

صوت العقل وصوت البندقية

والآن تزداد مخاوف سكان النيل الأبيض من تعرض المنطقة لهجوم «قوات الدعم السريع» لا سيما بعد تعثر المفاوضات في مدينة جدة، بالمملكة العربية السعودية، وتصاعد وتيرة المعارك بين الطرفين في الخرطوم، خصوصاً أن «قوات الدعم السريع» تتمركز في شمال وغرب الولاية.

لكن الدكتور إبراهيم مخير، مستشار قائد «قوات الدعم السريع»، قال لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «لسنا دعاة حرب، ونؤمن بأن الأولوية في حالة الحرب هي لصوت العقل والحوار وليس لصوت البندقية... تَمثّل هذا بوضوح في حالة مدينة الفاشر، فرغم قدراتنا العسكرية المتفوقة ما زلنا في حالة حوار كي لا يتعرض المواطنون لمعاناة الصدام المسلح وآثاره».

وأشار مخير إلى أن قرار الزحف على ولاية النيل الأبيض، أو أي ولاية أخرى، متروك للقيادة العسكرية ومبنيٌّ على التهديدات التي يتلقاها «الدعم السريع» والمواطنون من المعسكرات الموجودة بتلك الولاية أو غيرها.

ويقول الصحافي أحمد حمدان، الذي نزح من مدينة أم درمان بعد مرور خمسة أشهر على بداية الحرب: «المخاوف وسط سكان ولاية النيل الأبيض من هجوم وشيك لقوات (الدعم السريع) مستمرة منذ أكثر من شهر».

وأشار حمدان، في حديثه لـ«وكالة أنباء العالم العربي»، إلى أن المخاوف زادت بعد هجوم «الدعم السريع» على جبل أولياء جنوب الخرطوم، وبدء عملية نزوح واسعة لسكان المناطق الجنوبية للولاية خصوصاً مدينة القطينة، التي نزح أغلب سكانها جنوباً خوفاً من هجوم محتمَل عليها من «الدعم السريع».

ويضيف: «في مدينتي تندلتي وكوستي من الجهة الغربية لولاية النيل الأبيض، تسود حالة الترقب والحذر من هجوم (الدعم السريع)»، خصوصاً أن الولاية تطل من جهة الغرب على ولاية شمال كردفان، التي تسيطر «الدعم السريع» على أجزاء واسعة منها ويرتكز في منطقة ود عشانا، التي تبعد نحو 30 كيلومتراً من مدينة تندلتي.

مع ذلك، يستبعد حمدان مهاجمة «الدعم السريع» لولاية النيل الأبيض لأن ذلك سيفتح أمامها جبهة جديدة للقتال. ويقول: «يبدو أن قوات (الدعم السريع) غير مستعدة لذلك، ما لم تحسم وضع السيطرة العسكرية في الجبهات التي تقاتل فيها حالياً، خصوصاً في الخرطوم وكردفان، إذ ما زالت مدينة الأبيض وأجزاء من غرب كردفان تحت سيطرة الجيش».


مقالات ذات صلة

حجاج سودانيون: مشاعر الوصول طغت على مشاق الرحلة والسفر‏

الخليج طغت دموع الفرح ومشاعر الوصول على مشاق الانتظار والسفر (الشؤون الإسلامية)

حجاج سودانيون: مشاعر الوصول طغت على مشاق الرحلة والسفر‏

في مشهدٍ يفيض بالروحانية والخشوع، رصدت «الشرق الأوسط» اللحظات الأولى لوصول دفعة الحجاج السودانيين إلى مقر إقامتهم في أحد الفنادق الكبرى بوسط مكة المكرمة.

عمر البدوي (مكة المكرمة)
العالم العربي أعمدة الدخان تتصاعد من داخل مطار الخرطوم على أثر اشتباكات سابقة بين الجيش السوداني و«الدعم السريع» (أرشيفية - رويترز)

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيّرة قادمة من إثيوبيا

أعلن الجيش السوداني، اليوم السبت، إسقاط مسيرة معادية بولاية النيل الأزرق قادمة من إثيوبيا. وقال الجيش السوداني، في بيان صحافي اليوم، إن «القوات المسلحة…

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السوداني الأسبق (الشرق الأوسط)

حمدوك: السودان يواجه معركة وجودية «يكون أو لا يكون»

دعا رئيس وزراء السودان السابق، «رئيس تحالف صمود»، عبد الله حمدوك، القوى السياسية والمدنية إلى الالتفاف حول رؤية واضحة لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
تحليل إخباري طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

تحليل إخباري حرب السودان... هل اقتربت لحظة التسوية؟

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، يبدو السودان أمام لحظة مختلفة سياسياً وإنسانياً؛ فالإنهاك العسكري والمجاعة والضغوط الدولية تدفع أطراف الصراع نحو لحظة مفصلية.

عيدروس عبد العزيز (لندن)
شمال افريقيا بنايات على نهر النيل في مصر (رويترز)

مصر تنشد تمويلاً دولياً لدعم أمنها المائي

أكد وزير الموارد المائية والري، هاني سويلم «أهمية تعزيز الشراكات الدولية والإقليمية، والاستفادة من الخبرات والتمويلات والدعم الفني المُقدَّم من شركاء التنمية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«تمرد بونتلاند» يثير مخاوف بشأن تكرار سيناريو «أرض الصومال»

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

«تمرد بونتلاند» يثير مخاوف بشأن تكرار سيناريو «أرض الصومال»

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وجّهت مقديشو انتقادات حادة إلى رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، بعد إعلانه عدم الاعتراف بشرعية الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، في خطوة سبقتها تحركات من مسؤول الإقليم، كان أبرزها دعم المعارضة ضد الحكومة الفيدرالية.

ذلك التمرد، بحسب ما يصف خبير في الشأن الصومالي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، يأتي في ظل أزمة سياسية داخلية، لكنه لن يقود لتكرار سريع ومباشر لسيناريو انفصال ولاية بونتلاند على نفس مسار إقليم «أرض الصومال»، غير أن الأزمة تأتي في إطار تدريجي وخطير حال أُغلقت كل سيناريوهات الحوار بين الحكومة ودني.

انتقادات حادة

ووجّه وزير الداخلية في الحكومة الفيدرالية الصومالية، علي يوسف علي (حوش)، انتقادات شديدة إلى رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، متهماً إياه بأنه عقبة أمام الدولة ووحدة البلاد وتنميتها.

وأوضح «حوش» عبر صفحته في «فيسبوك»، الجمعة، أن «البيان الصادر الخميس عن رئاسة بونتلاند لا يخدم شعب بونتلاند، ولا المجتمع الصومالي عموماً، بل هو جزء من سلسلة من الإنكار والتضليل التي كان دني يمارسها منذ فترة طويلة لعرقلة قيام دولة الصومال».

واتهم وزير الداخلية دني أيضاً بـ«معارضة خطط سابقة، من بينها إلغاء ديون الصومال، وإجراء انتخابات بنظام صوت واحد لكل شخص، واستغلال موارد البلاد، وبناء جيش وطني»، مضيفاً أن «رئيس بونتلاند يدعم مصالح أجنبية، ويستخدم بونتلاند لممارسة ضغوط سياسية على الحكومة الفيدرالية».

والخميس، أعلن رئيس بونتلاند في بيان أنه «لا يعترف بحسن شيخ محمود رئيساً شرعياً للصومال»، متهماً إياه بـ«إساءة استخدام صلاحيات الرئاسة بشكل غير قانوني»، ودعا إلى اجتماع عاجل لجميع الأحزاب السياسية في الصومال للاتفاق على عملية انتخابية شاملة، بحسب إعلام صومالي.

والتوتر قائم بين الحكومة الفيدرالية وولاية بونتلاند، التي أصدرت أكثر من موقف على مدار أكثر من عام مخالف لتوجهات حسن شيخ محمود، ورفضت الحوار معه، وانضم دني إلى مجلس مستقبل الصومال المعارض الذي يطالب برحيل النظام.

رئيس ولاية بونتلاند سعيد عبد الله دني (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن التصعيد الأخير بين الحكومة الفيدرالية ودني يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام الفيدرالي، والخلاف حول الانتخابات، وتوزيع السلطة، مشيراً إلى أن تمرد بونتلاند يثير مخاوف من تكرار سيناريو «أرض الصومال»، واتساع الفجوة بين مقديشو وبونتلاند، لكن حتى اللحظة لا يزال الوضع مختلفاً.

وأوضح أن بونتلاند لم تعلن الانفصال رسمياً بعد، بل تقول إنها تدافع عن النظام الفيدرالي، وترفض ما تعتبره مركزية مفرطة من الحكومة الفيدرالية، في ظل خلافات أهمها بشأن الانتخابات المباشرة، وصلاحيات المركز والولايات، لافتاً إلى أن بونتلاند ما زالت جزءاً من المؤسسات الصومالية نظرياً، رغم تعليقها التعاون مع الحكومة الفيدرالية في عدة ملفات سابقاً. لكن الخطر الحقيقي لا يزال قائماً، ويتمثل في بناء مؤسسات أمنية وإدارية مستقلة أكثر فأكثر، وتوسع الانقسام السياسي بين الولايات والحكومة المركزية، وفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو تحالفات إقليمية متعارضة، مما يدفع نحو تخوفات من تكرار تدريجي لسيناريو «أرض الصومال»، وليس تكراراً مباشراً أو سريعاً، وفق بري.

وأعلن إقليم «أرض الصومال» الاستقلال عن جمهورية الصومال في 18 مايو (أيار) عام 1991، مستغلاً أزمات داخلية كانت تواجهها مقديشو.

مواقف تصعيدية

وتأتي الخلافات الأخيرة مع إعلان «مجلس الإنقاذ المعارض» في الصومال المدعوم من دني بدء احتجاجات أسبوعية في مقديشو اعتباراً من 4 يونيو (حزيران) المقبل، تُعقد كل خميس حتى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن انتخابات البلاد، المقرر دستورياً إجراؤها عبر التصويت المباشر لأول مرة منذ عقود، وهو المسار الذي تتحفظ عليه المعارضة.

وبحسب ما نقلته «وكالة الأنباء الصومالية» في 16 مايو الحالي، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي، وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً.

نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد في مارس الماضي (وكالة الأنباء الصومالية)

ويعتقد بري أن الحكومة الفيدرالية ليس أمامها في ظل هذه المعارضة التي تتسع إلا عدة خيارات كلها معقدة، أولها الحوار والتسوية السياسية، وهو الخيار الأقل تكلفة والأكثر واقعية، خاصة مع الضغوط الدولية الداعية للتوافق بشأن الانتخابات.

ويمكن لمقديشو أيضاً استخدام النفوذ الدولي والتمويل التنموي للحد من تمرد بونتلاند، لكن هذا الخيار قد يزيد التوتر بدلاً من حله، بحسب بري، لافتاً إلى أن الحكومة قد تسعى لبناء تحالفات داخل بونتلاند، بالتقارب مع شخصيات عشائرية ومعارضين لدني، لكن هذا يحمل مخاطر تفجير صراع داخلي داخل بونتلاند نفسها.

وعن الخيار الأمني والعسكري أضاف بري: «يعد هذا السيناريو الأخطر والأقل احتمالاً حالياً؛ لأن بونتلاند تمتلك قوات أمن قوية نسبياً، بخلاف أن البلاد تواجه تهديداً من (حركة الشباب) الإرهابية، وأي صدام مباشر قد يفتح جبهة داخلية جديدة تهدد استقرار الدولة بالكامل».

ويعتقد بري أن إسقاط دني بطريقة مشابهة لسيناريوهات بعض الولايات الأخرى ليس مستحيلاً، لكنه أكثر تعقيداً وصعوبة، ويحتاج إلى توافقات عشائرية وسياسية واسعة، وليس مجرد قرار من مقديشو.


تأكيد سعودي-مصري على ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي

لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
TT

تأكيد سعودي-مصري على ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي

لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)
لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي ونظيره المصري في الرياض (واس)

أكدت المملكة العربية السعودية ومصر «ضرورة خفض حدة التوتر الإقليمي وتجنب مخاطر التصعيد غير المحسوب الذي يهدد أمن واستقرار الإقليم».

وتبادل وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي مع نظيره المصري، بدر عبد العاطي، السبت، الرؤى حول مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية والتطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة والمساعي الرامية للتهدئة وخفض التصعيد، وذلك في إطار التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين الشقيقين حيال مستجدات الأوضاع الإقليمية.

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، السبت، شدد الوزيران على «ضرورة تكثيف العمل الدبلوماسي»، وأكدا أن «تغليب لغة الحوار واللجوء إلى مسار التفاوض يمثل الخيار الوحيد لمعالجة القضايا العالقة، وذلك لضمان حفظ أمن واستقرار دول المنطقة وشعوبها».

وكانت مصر قد أدانت بشدة محاولة استهداف أراضي السعودية باستخدام طائرات مسيّرة. وأكدت في بيان أصدرته وزارة الخارجية، الاثنين الماضي، تضامنها الكامل مع السعودية، وموقفها الثابت والداعم لها في مواجهة أي تهديدات، معربة عن دعمها للإجراءات والتدابير التي تتخذها المملكة لحماية سيادتها وصون أمن مواطنيها والمقيمين على أراضيها.

وشددت القاهرة حينها على التزامها الراسخ بأمن دول الخليج، باعتباره ركيزة أساسية للأمن القومي المصري، ولأمن واستقرار المنطقة، محذرة من أن هذه الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي من شأنها زيادة تعقيد المشهد الإقليمي الراهن وعرقلة جهود التهدئة.

كما جرى اتصال هاتفي آخر بين عبد العاطي ووزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، مساء الجمعة، وذلك في إطار متابعة مستجدات الأوضاع الإقليمية. وأطلع عراقجي نظيره المصري على آخر مستجدات المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بجهود الوسطاء، والجهود المبذولة للتوصل إلى تفاهمات توافقية بين الجانبين.

وذكرت «الخارجية المصرية» في إفادة، السبت، أن الوزير عبد العاطي أكد «أهمية مواصلة المسار الدبلوماسي»، مشدداً على «ضرورة التوصل إلى اختراق يسهم في خفض حدة التوتر والتصعيد في المنطقة، بما يجنب الإقليم مخاطر اتساع رقعة الصراع وانعكاساته على الأمن والاستقرار الإقليمي».

وأيضاً شدد بدر عبد العاطي ورئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، خلال اتصال هاتفي، السبت، على أن «المنعطف الدقيق الذي تمر به المنطقة يفرض على كل الأطراف المعنية التحلي بأقصى درجات المرونة والمسؤولية». وأشارا إلى «ضرورة الأخذ في الاعتبار شواغل جميع الأطراف بوصفها ركيزة أساسية لضمان التهدئة المستدامة، والحيلولة دون انزلاق الإقليم نحو دوامة جديدة من الصراع وعدم الاستقرار».


الاتحاد الأوروبي لتوسيع الشراكة مع «صندوق الإعمار» بشرق ليبيا

مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
TT

الاتحاد الأوروبي لتوسيع الشراكة مع «صندوق الإعمار» بشرق ليبيا

مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)
مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)

في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في مقاربة الاتحاد الأوروبي للملف الليبي، أعلن السفير الأوروبي لدى ليبيا، نيكولا أورلاندو، عن توافق واسع مع سلطات شرق البلاد بشأن إطلاق شراكة تنموية وأمنية جديدة، تشمل التعاون مع صندوق الإعمار، وتعزيز إدارة الحدود، والتصدي للهجرة غير النظامية.

وجاء الإعلان الأوروبي عقب سلسلة اجتماعات فنية ودبلوماسية في مدينة بنغازي، شاركت فيها بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية (EUBAM)، والعملية البحرية الأوروبية «إيريني»، إلى جانب مسؤولين من المديرية العامة للهجرة والشؤون الداخلية، حيث تم التوافق على خطوات عملية، من بينها دراسة إنشاء مركز لتنسيق عمليات الإنقاذ البحري في المدينة.

وأوضح أورلاندو، في تغريدة عبر منصة «إكس»، مساء الجمعة، أن الشراكة المقترحة مع صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يرأسه بلقاسم حفتر، ستشمل مجالات متعددة، أبرزها دعم البنية التحتية، وتطوير التخطيط العمراني، وتعزيز قدرات البلديات، إضافة إلى برامج تدريب ومنح دراسية، وتحديث أداء مؤسسات الجمارك والموانئ.

كما اتفق الجانبان، بحسب البيان الأوروبي، على توسيع التعاون في ملف الهجرة وإدارة الحدود، بما يشمل دعم عمليات البحث والإنقاذ في البحر والصحراء، وتطوير آليات لمكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، إلى جانب برامج العودة الطوعية، وتوفير الحماية الإنسانية للمهاجرين واللاجئين وفق المعايير الدولية.

وأشار السفير الأوروبي إلى أن هذه التحركات تأتي في إطار تنسيق مع وكالات الأمم المتحدة المعنية، بهدف تحسين «حوكمة الهجرة»، والحد من المخاطر الإنسانية المتزايدة على طرق العبور عبر الأراضي الليبية نحو أوروبا.

في سياق متصل، أعرب أورلاندو عن تقديره للدعم والتسهيلات، التي قدمتها القيادة العامة في شرق ليبيا لتيسير عمل البعثات الفنية، مشيداً بالجهود المبذولة لتعزيز الاستقرار الأمني وتحسين إدارة ملف الهجرة، بما يتوافق مع الالتزامات الدولية لليبيا.

عملية إنقاذ مهاجرين غير نظاميين على ساحل مدينة طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر الليبي)

ويرى مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة»، طارق لملوم، أن هذا التطور يعكس تحولاً مهماً في السياسة الأوروبية، حيث لم يعد التعامل مع الملف الليبي محكوماً فقط بمسألة الشرعية السياسية، بل بات مرتبطاً بمدى القدرة الفعلية على ضبط الحدود، والحد من تدفقات الهجرة غير النظامية.

وتعيش ليبيا واقعاً سياسياً منقسماً بين حكومتين، إحداهما في الغرب برئاسة عبد الحميد الدبيبة والمعترف بها دولياً، وأخرى في الشرق يقودها أسامة حماد، وهي مكلفة من البرلمان، وتحظى بدعم من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

وبحسب لملوم فإن «بروكسل باتت تتعامل بشكل مباشر مع الأطراف، التي تملك النفوذ والسيطرة على الأرض، والقادرة عملياً على إدارة هذا الملف، حتى وإن لم تكن دائماً ضمن إطار الحكومة المعترف بها دولياً»، وفق منشور عبر حسابه بموقع «فيسبوك». لافتاً إلى أن تطورات المشهد في شرق ليبيا، وما ارتبط بها من توظيف لملف الهجرة ومسارات التهريب، أسهمت في فرض واقع جديد، دفع الاتحاد الأوروبي إلى توسيع دائرة تواصله وشراكاته، بما في ذلك الحضور المباشر في بنغازي.

ميدانياً، تزامن الحراك الأوروبي النشط مع إعلان السلطات في شرق ليبيا عن إنقاذ 60 مهاجراً غير نظامي قبالة السواحل الليبية، السبت، في عملية نفذتها أجهزة خفر السواحل بالتنسيق مع الهلال الأحمر الليبي، ضمن جهود الاستجابة لحالات الهجرة المتزايدة عبر البحر المتوسط.

وتؤكد منظمات إنسانية أن ليبيا لا تزال واحدة من أبرز نقاط العبور الرئيسية للمهاجرين غير النظاميين نحو أوروبا منذ عام 2011، نتيجة الفوضى الأمنية والانقسام السياسي، منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي، ما أدى إلى تنامي شبكات التهريب عبر البحر والصحراء، وتزايد المخاطر الإنسانية على طول هذه المسارات.