تحذير خليجي - تركي من تمدد الحرب في غزة إلى صراع إقليمي

«قمة الدوحة» تؤكد أن أمن دول المجلس «كل لا يتجزأ»... ورفض أي تدخلات خارجية

أمير قطر مستقبلاً ولي العهد السعودي على هامش القمة الخليجية (الديوان الأميري)
أمير قطر مستقبلاً ولي العهد السعودي على هامش القمة الخليجية (الديوان الأميري)
TT

تحذير خليجي - تركي من تمدد الحرب في غزة إلى صراع إقليمي

أمير قطر مستقبلاً ولي العهد السعودي على هامش القمة الخليجية (الديوان الأميري)
أمير قطر مستقبلاً ولي العهد السعودي على هامش القمة الخليجية (الديوان الأميري)

أكد قادة دول مجلس التعاون الخليجي، في ختام قمتهم الـ44 في العاصمة القطرية الدوحة، دعم جهود الوساطة التي تقوم بها قطر ومصر والولايات المتحدة؛ لوقف الحرب في قطاع غزة.

وفي حين أعرب القادة عن الاستياء من استمرار «العدوان الإسرائيلي السافر ضد الشعب الفلسطيني، وإدانة تصاعد أعمال العنف والقصف العشوائي الذي تقوم بها القوات الإسرائيلية في قطاع غزة، والتهجير القسري للسكان المدنيين»، فقد حذروا من «مخاطر توسع المواجهات وامتداد رقعة الصراع إلى مناطق أخرى في الشرق الأوسط، ما لم يتوقف العدوان الإسرائيلي، مما سيفضي إلى عواقب وخيمة على شعوب المنطقة، وعلى الأمن والسلم الدوليَين».

وإلى جانب التحذير الخليجي من انفلات الصراع في الشرق الأوسط إلى صراع إقليمي، حذّر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في كلمته في القمة الخليجية، التي حلّ ضيفاً عليها، من إمكانية أن تتحول الحرب في غزة إلى حرب إقليمية في المنطقة. وقال إردوغان: «يجب ألا نسمح للمجازر في (قطاع) غزة بأن تتحول إلى حرب إقليمية تشمل سوريا».

كما طالب قادة الخليج، المجتمعَ الدولي بالتدخل لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين الفلسطينيين، واتخاذ الإجراءات اللازمة ضمن القانون الدولي للرد على ممارسات إسرائيل، وسياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها ضد سكان غزة العُزّل.

أمير قطر الشيخ تميم بن حمد مودعاً ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى مغادرته الدوحة (الديوان الأميري)

دعم الوساطة

وأعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، أن دولة قطر لا زالت مستمرة في بذل الجهود للتوصل إلى هدن إضافية في الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، مضيفاً أن بلاده تواصل الجهد لإطلاق سراح مزيد من الرهائن والأسرى، معرباً عن أسفه للصعوبات التي أعاقت استكمال عملية التبادل وتمديد الهدنة الإنسانية.

وقال آل ثاني، خلال المؤتمر الصحافي الذي أعقب القمة الخليجية في الدوحة، إن الجهود لا زالت مستمرة مع الشركاء في مصر والولايات المتحدة. وقال: «أكدنا مسبقاً أن هذا العمل (الوساطة) هو عمل مكمل مع الجهود الدبلوماسية كافة، التي تدعو لوقف الحرب، فهدفنا الأساسي ينصبّ على وقف الحرب».

وأضاف: «تمديد الهدنة الإنسانية وتبادل إطلاق الأسرى والرهائن عملان مهمان، ولكن من المهم استدامة وقف الحرب، والوصول إلى حلّ سياسي شامل».

وشدد آل ثاني على أنه من غير المقبول استخدام المساعدات لمحاولة تركيع الشعب الفلسطيني.

وقال الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إن القادة المشاركين في القمة الخليجية ناقشوا «تطورات الحرب على غزة، والجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي، في مخالفة صريحة للقانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني».

وأشار إلى أن القادة «أكدوا أهمية استمرار جهود الوساطة للوصول إلى وقف كامل ومستدام لإطلاق النار، وفتح المعابر والممرات الآمنة لتأمين مرور المساعدات الإنسانية والإغاثية، والاحتياجات الأساسية بالقدر الكافي لسكان غزة».

ودعت دول الخليج لـ«إطلاق عملية سياسية تُفضي إلى سلام دائم وشامل وعادل للشعب الفلسطيني مع حقوقه المشروعة، وفق قرارات الشرعية الدولية، ومبادرة السلام العربية على أساس مبدأ حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وحصول الشعب الفلسطيني على كامل حقوقه».

اجتماع القمة الخليجية الـ44 في العاصمة القطرية الدوحة (الديوان الأميري)

كلمة أمير قطر

وفي كلمته في افتتاح القمة الخليجية، أشاد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، (الثلاثاء)، بـ«صمود الشعب الفلسطيني وإصراره على نيل حقوقه المشروعة كافة»، مشيراً إلى أن «المجازر التي ارتكبتها سلطات الاحتلال بحق الأشقاء في قطاع غزة تعمّق الشعور بالظلم وبعجز الشرعية الدولية».

وقال أمير قطر: «الوجه الآخر لهذه المأساة هو صمود الشعب الفلسطيني، وإصراره على نيل حقوقه المشروعة كافة».

وأضاف: «كان من الممكن توفير كل هذه المآسي لو أدركت إسرائيل وداعموها أنه لا يمكن تهميش قضية الشعب الفلسطيني، وأن زمن الاستعمار قد ولّى».

ولفت الشيخ تميم إلى أنه «من العار على جبين المجتمع الدولي أن يتيح لهذه الجريمة النكراء أن تستمر لمدة قاربت الشهرين، يتواصل فيها القتل الممنهج والمقصود للمدنيين الأبرياء بمَن في ذلك النساء والأطفال».

وقال إن هذه القمة «تنعقد في ظل استمرار المأساة الخطيرة والكارثة الإنسانية الناجمة عن العدوان الذي يتعرّض له الشعب الفلسطيني الشقيق، خصوصاً أهلنا في قطاع غزة».

ولفت إلى أن «المتغيرات الدولية والإقليمية المتسارعة تحتم تشاوراً مستمراً، وتنسيقاً بيننا للتعامل معها وتجنب تبعاتها، ودعم مكتسبات مجلسنا في شتى المجالات».

ودعا أمير قطر الأمم المتحدة إلى ضرورة إجراء تحقيق دولي بشأن المجازر التي ارتكبتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني.

أمين عام «التعاون»

من جانبه، حذّر الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، جاسم بن محمد البديوي، (الثلاثاء)، من «خطورة استمرار حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة، وتكرارالاستفزازات الممنهجة ضد مقدساته».

وأشاد البديوي، في كلمة خلال الجلسة الافتتاحية للقمة الخليجية، بمواقف دول مجلس التعاون «الراسخة والثابتة لنصرة الشعب الفلسطيني، وتخفيف معاناته، لا سيما أن هذه المواقف الخليجية تأتي استكمالاً للمواقف السابقة لدول مجلس التعاون».

وقال البديوي: «نحن اليوم نجد أنفسنا محاطين بشدائد شاخصة، خاصة ما نشهده من جرائم دموية جسيمة تُقتَرف بحق الشعب الفلسطيني في غزة».

ودعا المجتمع الدولي للاضطلاع بمسؤولياته، والعمل أولاً على ضمان وقف فوري لإطلاق النار، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، وتفعيل عملية سلمية ذات مصداقية تفضي إلى حل الدولتين، بما يحقق الأمن والسلم في المنطقة ويحمي المدنيين.

الرئيس التركي

وفي كلمته في القمة الخليجية، التي حلّ ضيفاً عليها، في هذه الدورة، شدد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على ضرورة وقف «المجازر الإسرائيلية» في قطاع غزة، محذراً من إمكانية أن تتحول إلى حرب إقليمية في المنطقة.

وقال إردوغان: «يجب ألا نسمح للمجازر في (قطاع) غزة بأن تتحول إلى حرب إقليمية تشمل سوريا».

وذكر أن الحكومة الإسرائيلية، برئاسة بنيامين نتنياهو، تعرّض أمن ومستقبل المنطقة بأسرها للخطر من أجل إطالة حياتها السياسية.

ونقلت وكالة «الأناضول» التركية عن إردوغان قوله أمام القمة، أن «أولويتنا إعلان وقف دائم وفوري لإطلاق النار، وضمان تدفق متواصل للمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة».

وتابع: «فقدان أرواح 17 ألف فلسطيني بريء، معظمهم من الأطفال والنساء، يعد جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب. لا ينبغي أن تمرّ جرائم إسرائيل دون مساءلة».

وأكد إردوغان أنه مع الأحداث الأخيرة، ظهر مرة أخرى مدى أهمية إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وقال: «ولهذا الغرض، أعلنّا استعدادنا لتحمل المسؤولية مع دول المنطقة، بما في ذلك (دورها) الضامن».

الأمن الإقليمي الخليجي

وأكدت دول الخليج في ختام القمة الـ44 التي استضافتها الدوحة، حرص هذه الدول على الحفاظ على الاستقرار والأمن في المنطقة، مشددة على دور مجلس التعاون بوصفه «ركيزة أساسية للحفاظ على الأمن والسلم الإقليميَين والعالميَين».

وأكد البيان الختامي للقمة الخليجية على احترام مبادئ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، استناداً للمواثيق والأعراف والقوانين الدولية، ورفضه أي تهديد تتعرّض له أي دولة من الدول الأعضاء، مشدداً على أن «أمن دول المجلس كل لا يتجزأ، وفقاً لمبدأ الدفاع المشترك، ومفهوم الأمن الجماعي، والنظام الأساسي لمجلس التعاون، واتفاقية الدفاع المشترك».

كما أكد مواقف مجلس التعاون الرافضة للتدخلات الأجنبية في الدول العربية من أي جهة كانت.

ووجّه القادة بمضاعفة الجهود لاستكمال متطلبات الاتحاد الجمركي والانتهاء من تحقيق السوق الخليجية المشتركة، والإسراع في تحقيق الوحدة الاقتصادية بين دول المجلس.

وشدد القادة، في البيان الختامي للقمة، على وقوف دول المجلس صفاً واحداً في مواجهة أي تهديد تتعرّض له أي من دول المجلس.

وبشأن قضية «حقل الدرة» بين الكويت والعراق، أكد المجلس أن «حقل الدرة» يقع بأكمله في المناطق البحرية لدولة الكويت، وأن الثروات الطبيعية في المنطقة المغمورة المحاذية للمنطقة المقسومة السعودية - الكويتية، بما فيها «حقل الدرة» بكامله ملكيةٌ مشتركةٌ بين المملكة العربية السعودية ودولة الكويت فقط، ولهما وحدهما كامل الحقوق لاستغلال الثروات الطبيعية في تلك المنطقة.

وطالب المجلسُ العراق، باحترام سيادة الكويت ووحدة أراضيها، والالتزام بالتعهدات والاتفاقيات الثنائية والدولية، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة كافة.

قادة دول مجلس التعاون الخليجي والرئيس التركي في افتتاح القمة الخليجية في الدوحة (العمانية)

كما رحّب البيان الختامي للقمة الخليجية بالاتفاق الذي تمّ التوصل إليه بين السعودية وإيران في بكين في 10 مارس (آذار) 2023، بمبادرة من الرئيس الصيني شي جينبينغ، ويتضمن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وإعادة فتح بعثاتهما، وتفعيل اتفاقية التعاون الأمني واتفاقية التعاون الاقتصادي بين البلدين.

وأعرب المجلس عن أمله في أن يشكّل هذا الاتفاق خطوة إيجابية لحل الخلافات، وإنهاء النزاعات الإقليمية كافة بالحوار والطرق الدبلوماسية، وإقامة العلاقات بين الدول على أسس التفاهم، والاحترام المتبادل، وحسن الجوار، واحترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام بميثاقَي الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، والقوانين والأعراف الدولية.

وشدّد المجلس على أهمية الحفاظ على الأمن البحري والممرات المائية في المنطقة، والتصدي للأنشطة التي تهدد أمن واستقرار المنطقة والعالم، بما في ذلك استهداف السفن التجارية وتهديد خطوط الملاحة البحرية والتجارة الدولية، والمنشآت النفطية في دول المجلس.

وفي الشأن اللبناني، أكد المجلس دعمه المستمر لسيادة لبنان وأمنه واستقراره، وللقوات المسلحة اللبنانية التي تحمي حدوده وتقاوم تهديدات المجموعات المتطرفة والإرهابية، مؤكداً أهمية تنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية هيكلية شاملة تضمن تغلب لبنان على أزمته السياسية والاقتصادية، وعدم تحوله إلى نقطة انطلاق للإرهابيين، أو تهريب المخدرات، أو الأنشطة الإجرامية الأخرى التي تهدد أمن واستقرار المنطقة، مشدداً على أهمية بسط سيطرة الحكومة اللبنانية على الأراضي اللبنانية جميعها، بما في ذلك تنفيذ أحكام قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، واتفاق الطائف.



أمير قطر أمام الأمم المتحدة: المنطقة في أخطر مراحلها

الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر خلال كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ف.ب)
الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر خلال كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ف.ب)
TT

أمير قطر أمام الأمم المتحدة: المنطقة في أخطر مراحلها

الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر خلال كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ف.ب)
الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر خلال كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ف.ب)

أكد الشيخ تميم بن حمد، أمير دولة قطر، الثلاثاء، أن المنطقة تمر بواحدة من أخطر مراحلها، مشيراً إلى أن السبيل لحل الخلافات هو الحوار والتفاوض للتوصل إلى حلول عادلة على أسس منبثقة من القانون الدولي.

وقال أمير قطر خلال كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، في نيويورك، إن «إغلاق ممر مائي دولي (مضيق هرمز) يعبره ربع تجارة الطاقة في العالم، وتحويل شرايين الاقتصاد العالمي إلى أوراق ضغط ومساومة يدفع ثمنه الناس في كل قارة».

ولفت إلى أن قطر «ظلَّت وسيطاً موثوقاً تحذر من أن الزمن لا يحل النزاعات المعلقة دون تسوية عادلة بل يضاعف كلفتها»، منوهاً بأنها «لا تكتفي بدور الوساطة وتيسير الحوار بين أطراف النزاعات بل تبذل جهوداً في الاستجابة الإنسانية لمعاناة الناس نتيجة للحروب والكوارث الطبيعية».

الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر يلقي كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

وأضاف الشيخ تميم بن حمد: «لا يستقيم الحديث عن نظام دولي عادل ما دامت فلسطين نقطة عمياء فيه»، عادّاً «ما جرى في غزة إبادة جماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ووصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء».

وأشار إلى أن قطر «لم تتوقف عن بذل جهود الوساطة لوقف نزيف الدم، وتخفيف معاناة المدنيين، وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين حتى تحقق وقف إطلاق النار»، مبيناً أن «العدوان الإسرائيلي امتد ليطاول دول الجوار وأمن المنطقة ومن بينها سوريا».

وجدَّد أمير قطر دعم بلاده مؤسسات الدولة في لبنان وسيادتها على كامل أراضيها، معرباً عن إدانتها الاعتداءات الإسرائيلية عليها، ومؤكداً ضرورة الالتزام بوقف إطلاق النار وقرار مجلس الأمن.

الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر لدى إلقائه كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

وواصل: «في الوقت الذي نبذل فيه كل ما في وسعنا لتدارك الأوضاع بالجهود الدبلوماسية، عززنا صمودنا دفاعاً عن سيادتنا وأرضنا وشعبنا وعن مقومات حياتنا الطبيعية، وصممنا خططاً اقتصادية مرنة».

وتابع الشيخ تميم بن حمد: «خيارنا في كل أزمة هو الجمع بين الثبات والمرونة وإعلاء مصلحة وطننا وشعبنا والمقيمين على أرضنا، وقيمنا ليست شعاراً نرفعه بل واقعاً نعيشه ونهجاً نمارسه».

وشدَّد على مواصلة بلاده «الاستثمار في التنمية والتعليم والصحة والأمن والتنويع الاقتصادي بما يتماشى مع رؤية قطر الوطنية 2030»، لافتاً إلى أنها «تبقى فضاءً مفتوحاً للحوار والتفاعل الثقافي بين الشعوب وتبادل الآراء والتجارب».


فيصل بن فرحان يشارك في افتتاح أعمال «جمعية الأمم المتحدة»

الأمير فيصل بن فرحان لدى ترؤسه وفد السعودية المشارك في افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة (واس)
الأمير فيصل بن فرحان لدى ترؤسه وفد السعودية المشارك في افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة (واس)
TT

فيصل بن فرحان يشارك في افتتاح أعمال «جمعية الأمم المتحدة»

الأمير فيصل بن فرحان لدى ترؤسه وفد السعودية المشارك في افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة (واس)
الأمير فيصل بن فرحان لدى ترؤسه وفد السعودية المشارك في افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة (واس)

ترأّس الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، الثلاثاء، وفد بلاده المشارك في افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الـ81، التي تستضيفها مدينة نيويورك الأميركية.

وضم وفد السعودية في افتتاح أعمال الجمعية، الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة لدى الولايات المتحدة، وعادل الجبير وزير الدولة للشؤون الخارجية عضو مجلس الوزراء ومبعوث شؤون المناخ، والدكتور عبد الرحمن الرسي وكيل وزارة الخارجية للشؤون الدولية المتعددة والمشرف العام على وكالة الوزارة لشؤون الدبلوماسية العامة، والأمير مصعب بن محمد الفرحان مستشار وزير الخارجية للشؤون السياسية، والسفير الدكتور عبد العزيز الواصل المندوب الدائم لدى الأمم المتحدة في نيويورك.

وفد السعودية المشارك خلال افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة (واس)

كان الأمير فيصل بن فرحان قد أكد في تصريح، الاثنين الماضي، أن مشاركة السعودية في أعمال الجمعية تأتي امتداداً لنهجها في التفاعل مع المجتمع الدولي، ومواصلة دورها في دعم السلم والأمن الدوليين، وتفعيل الحوار والوساطة، والإسهام في مواجهة التحديات المشتركة.

وأضاف وزير الخارجية السعودي أن بلاده تنظر إلى أعمال الدورة المنعقدة تحت شعار «استعادة الثقة وإدارة التحوُّل... أمم متحدة تلبي تطلعات الجميع»، بوصفها فرصة لتجديد التأكيد على المبادئ التي أُنشِئت من أجلها المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، بما فيها الاضطلاع بدورها في إحلال الأمن والسلام، وترسيخ القوانين والأعراف الدولية، وتعزيز التعاون الدولي في مواجهة الأزمات.

جانب من افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ81 بمدينة نيويورك (واس)

وأضاف الأمير فيصل بن فرحان أن السعودية تؤكد مع التطورات الراهنة في المنطقة، ضرورة التمسُّك بمبادئ القانون الدولي، واحترام سيادة الدول، وحل النزاعات بالوسائل السلمية، وضمان سلامة وحرية الملاحة في الممرات المائية الدولية، بما يحفظ أمن الدول كافة، ويحقق تطلعات شعوبها.

وأشار وزير الخارجية إلى أن السعودية تولي، في مشاركتها هذا العام، اهتماماً بالتنمية المستدامة، وفي مقدمتها تقنيات الذكاء الاصطناعي وسبل الاستفادة منها بصورة مسؤولة في تطوير القطاعات ورفع كفاءتها ودعم الابتكار، بما يحقق عوائد ملموسة للشعوب، بالتزامن مع تسمية المملكة عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي».


السعودية تكتب فصلاً جديداً في مسيرة الطاقة... إرث نفطي وطموح نووي

صورة أرشيفية لمضخة استخراج النفط في السعودية (واس)
صورة أرشيفية لمضخة استخراج النفط في السعودية (واس)
TT

السعودية تكتب فصلاً جديداً في مسيرة الطاقة... إرث نفطي وطموح نووي

صورة أرشيفية لمضخة استخراج النفط في السعودية (واس)
صورة أرشيفية لمضخة استخراج النفط في السعودية (واس)

حين تدفّق النفط من بئر الدمام رقم 7 عام 1938، كانت السعودية قد مضى على إعلان توحيدها نحو ستة أعوام، وكان البحث عن موارد تعين على بناء الدولة حاضراً في قرارات مؤسسها الملك عبد العزيز. وبعد سنوات من التنقيب والانتظار، حملت البئر، التي عُرفت لاحقاً باسم «بئر الخير»، بداية تحوّل اقتصادي امتد أثره إلى حياة الناس، وإلى المدن التي اتسعت، والطرق التي وصلت أطراف البلاد.

واليوم، فيما تستقبل المملكة يومها الوطني السادس والتسعين، تتسع حكاية الطاقة لتشمل صناعة النفط والغاز، ومشروعات الشمس والرياح، وآفاق الاستخدام السلمي للطاقة النووية. وتستعيد البلاد هذه الرحلة في عام أظهرت فيه اضطرابات الإمداد خلال الحرب مع إيران قيمة ما بنته من منشآت ومنافذ تصدير بديلة، برز معها «ينبع» على ساحل البحر الأحمر بوصفه أحد المواقع التي أسهمت في استمرار وصول النفط السعودي إلى الأسواق.

البئر التي فتحت الطريق

بدأت إحدى المحطات الحاسمة في هذه الرحلة بتوقيع امتياز التنقيب عام 1933 مع شركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا». وفتح القرار مجالاً لاستكشاف ثروات لم تكن حدودها معروفة، في دولة وضعت التوحيد أساساً لبناء مؤسساتها وتوسيع مواردها. غير أن الوصول إلى النفط بكميات تجارية تطلَّب سنوات من العمل، تخلّلتها نتائج محدودة وأعطال فنية وضغوط بسبب تكلفة التنقيب.

وتحفظ الرواية التاريخية المنشورة في «أرامكو وورلد» تفاصيل من تلك الصعوبات؛ من تعثّر أدوات الحفر وتساقط الصخور داخل البئر، إلى القلق المتزايد بشأن جدوى مواصلة الإنفاق. وفي تلك الأجواء، تمسّك الجيولوجي ماكس ستاينكي بقناعته بأن الاستمرار يستحق المحاولة، مستنداً إلى ما جمعه من شواهد خلال عمله الميداني. وجاءت اختبارات مارس (آذار) 1938 لتثبت وجود إنتاج تجاري، وتفتح الطريق أمام التوسع.

وحول مواقع التنقيب، أخذت تنشأ متطلبات حياة وعمل جديدة. احتاجت الآلات إلى صيانة، واحتاج العاملون إلى مساكن وماء وطرق، واتسعت الحاجة إلى التدريب والنقل والخدمات. ومن هذه التفاصيل اليومية يمكن قراءة جانب من التحوّل؛ إذ دخل السعوديون أعمالاً ومهارات ارتبطت بالصناعة الحديثة، وأصبحت الخبرة التي يكتسبها العامل في موقعه جزءاً من الثروة التي تتراكم فوق الأرض.

جانب من العمل في محطة سكاكا لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية (واس)

صناعة تتسع وخبرة تتراكم

ومع تعاقب العقود، تطورت الصناعة، واتسع الحضور السعودي في إدارتها. واكتملت ملكية الحكومة لأرامكو عام 1980، ثم تأسست شركة الزيت العربية السعودية «أرامكو السعودية» عام 1988. وحملت هذه المسيرة انتقالاً في المسؤولية والقدرة على إدارة الموارد، بالتوازي مع نمو أعمال التكرير والتسويق والاستثمار في الخارج.

وأصبح للبرميل امتداد داخل الاقتصاد؛ من تشغيل المصافي إلى الصناعات التي تستخدم مشتقاته، وما يتصل بها من مقاولات وخدمات هندسية. ومع توسّع هذه الأنشطة، ازدادت أهمية الجامعات والتدريب المهني والبحث التطبيقي، بما يجعل المعرفة المحلية قادرة على تشغيل المنشآت وتطويرها. فالقدرة على إدارة حقل أو مصفاة تتراكم عبر سنوات من العمل، ثم تنتقل من جيل إلى آخر داخل المؤسسة.

ينبع في اختبار الحرب

وخلال الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران في 2026، أظهرت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز أهمية تعدّد منافذ التصدير. وأوردت وكالة «رويترز»، في الثاني من أبريل (نيسان)، أن صادرات الخام السعودي عبر ينبع ارتفعت إلى نحو 4.6 مليون برميل يومياً مع تحويل مسارات الشحن. وجاء ذلك في وقت اضطرت فيه دول منتجة، بينها السعودية، إلى خفض الإنتاج بسبب تعطل المرور عبر المضيق.

واستندت هذه الاستجابة إلى خط أنابيب «شرق - غرب» ومرافق التخزين والتصدير التي أُنشئت وطُوّرت على مدى عقود. وأتاحت هذه المنظومة نقل جانب كبير من الإمدادات إلى البحر الأحمر، فظهرت القيمة العملية للاستثمار في منفذ بديل يستطيع استقبال النفط وتخزينه وتحميله عندما يتعثر المسار المعتاد. واستفادت المملكة بذلك من امتدادها بين ساحلين، ومن البنية التي تصل مناطق الإنتاج بمنافذ التسويق.

وفي بيان نتائج النصف الأول من 2026، أوضح رئيس أرامكو وكبير إدارييها التنفيذيين أمين الناصر، أن التخطيط الممتد لعقود، بما يشمله من خطوط أنابيب وتخزين ومرافئ، ساعد الشركة على مواصلة الإنتاج والتصدير رغم اضطرابات هرمز. وأعلنت «أرامكو» صافي دخل معدّلاً بلغ 67.2 مليار دولار للنصف الأول، وهو مؤشر إلى قدرتها المالية خلال تلك الفترة المضطربة.

صورة أرشيفية لمرافق التخزين والأرصفة في ميناء الملك فهد الصناعي بينبع (واس)

وتقدّم تجربة ينبع مثالاً ملموساً على مرونة قطاع الطاقة السعودي؛ فقد مكّنت الاستثمارات السابقة من الحد من تعطل الإمدادات، وأبقت جزءاً مهماً من النشاط التجاري قائماً تحت الضغط. وتظل الحرب مكلفة للإنتاج والنقل والأسواق، فيما تساعد البدائل الجاهزة على احتواء بعض آثارها، وتمنح إدارة الاقتصاد مجالاً أوسع للتعامل مع الصدمات.

خيارات أوسع للطاقة

وتوازي المحافظة على قدرات الصناعة النفطية خطوات لتنويع مصادر الطاقة؛ ففي يوليو (تموز) 2025، أُعلنت اتفاقات شراء طاقة لمشروعات شمسية ورياح بقدرة إجمالية تبلغ 15 غيغاواط، باستثمارات تقارب 8.3 مليار دولار، عبر تحالف تقوده «أكوا باور». وتأتي هذه المشروعات في سياق استهداف توليد نحو نصف الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030، بما يوسّع الاستفادة من موارد الشمس والرياح في المملكة.

ويشمل التوسع قطاع الغاز أيضاً؛ إذ أفادت نتائج «أرامكو» للنصف الأول من 2026 باستمرار إنتاج المرحلة الأولى من الجافورة من غاز البيع والمكثفات، ومواصلة أعمال المرحلة الثانية المتوقع إنجازها في 2027. ويضيف تطوير الغاز مورداً يمكن توظيفه في توليد الكهرباء والصناعة، ويمنح منظومة الطاقة خيارات أوسع لتلبية الطلب المحلي.

وتحمل هذه الاستثمارات أثراً يتجاوز مواقع التوليد نفسها؛ فالمشروعات تحتاج إلى شبكات تنقل الكهرباء، ومورّدين يوفّرون المعدات، وكفاءات تتولى التشغيل والصيانة. وتزداد قيمة التنويع حين يرتبط ببناء هذه القدرات داخل المملكة، وبتوسيع مشاركة المنشآت المحلية في الأعمال، بحيث يرافق نمو الإمدادات نموٌّ في الخبرة والفرص الاقتصادية.

آفاق التقنية النووية

وفي هذا السياق، تبرز الطاقة النووية السلمية ضمن الخيارات التي تعمل السعودية على تطويرها لتلبية احتياجاتها المستقبلية. وتتيح هذه التقنية إنتاج كهرباء منخفضة الانبعاثات الكربونية؛ إذ تُستخدم الحرارة الناتجة من الانشطار النووي في تشغيل منظومة توليد الكهرباء. وبحسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن تشغيل المحطات النووية لا يُنتج عملياً انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي تصاحب حرق الوقود الأحفوري.

ويحتاج بناء برنامج نووي إلى إعداد طويل، يشمل الكوادر والتراخيص والرقابة، وترتيبات الوقود وإدارة النفايات المشعّة. وتوفّر الوكالة الدولية إرشادات ومراجعات للدول التي تطوّر برامجها، بما يساعدها على بناء المؤسسات والخبرات اللازمة. ومن هنا، يرتبط الطموح السعودي في هذا المجال بامتلاك القدرة على إدارة التقنية واستيعاب متطلباتها على امتداد عمر المشروع.

شراكة سعودية - أميركية

وضمن الشراكات التي تخدم هذا المسار، حملت الزيارتان المتبادلتان للرئيس الأميركي دونالد ترمب وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان محطات للتعاون. ففي زيارة ترمب إلى الرياض في مايو (أيار) 2025، شملت المباحثات ملفات الطاقة والتقنية والمعادن والبنية التحتية. ثم شهدت زيارة ولي العهد إلى واشنطن في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه إعلان استكمال مفاوضات التعاون في الطاقة النووية المدنية، إلى جانب اتفاقات في مجالات أخرى.

وفي 22 يوليو (تموز) 2026، أعلنت وزارة الطاقة الأميركية توقيع اتفاق للتعاون النووي السلمي، المعروف باتفاق «المادة الـ123»، بين وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية الأمير عبد العزيز بن سلمان، ووزير الطاقة الأميركي كريس رايت. وأفاد البيان بأن الاتفاق يضع أساساً قانونياً لشراكة طويلة الأمد، وذكر أنه سيُحال إلى الكونغرس للمراجعة. وتندرج هذه الخطوة ضمن مراحل تأسيس التعاون، تمهيداً لما قد يتبعها من مشروعات وترتيبات تنفيذية.

وتكتسب هذه الشراكات قيمتها بقدر ما تتيحه من وصول إلى التقنيات والخبرات، وما تسهم به في تطوير القدرات السعودية. فالمشروع الذي يبدأ باتفاق يحتاج، عند تنفيذه، إلى مؤسسات وكفاءات تستطيع تحويله إلى إنتاج وخدمات، وربطه باحتياجات الاقتصاد المحلي.

امتداد لحكاية الاستدامة

وفي هذه الرحلة، تبقى الخبرة السعودية عنصراً يصل المراحل ببعضها؛ من العامل الذي تعلّم صيانة معدات الحفر، إلى المهندس الذي يدير شبكة الإمداد، والباحث الذي يستعد لتطبيقات جديدة للطاقة. وكلما اتسعت قدرة المؤسسات على إعداد هؤلاء وتأهيل مَن يأتي بعدهم، اتسعت قدرتها على الاستفادة من الموارد ومواجهة التغيرات.

وتستحضر السعودية في يومها الوطني «بئر الخير» بوصفها بداية فصل اقتصادي مهم في دولة سبق أن وحّدت أرضها. وبعد ثمانية وثمانين عاماً على الاكتشاف، تظهر ثمار تلك الرحلة في صناعة متكاملة، ومنافذ تصدير برهنت على أهميتها وقت الأزمات، ومصادر جديدة يجري تطويرها. وتواصل البلاد، بما راكمته من خبرة، كتابة الفصل التالي من حكاية الطاقة، وتوسيع ما تمنحه هذه الحكاية لأجيالها المقبلة.