جرحى الحوثيين يعانون الإهمال والتمييز العرقي والمناطقي

يحصل قادة الجماعة على الامتيازات وغنائم الحرب

مقر مؤسسة الجرحى الحوثية المملوك لأحد قادة الجماعة (إكس)
مقر مؤسسة الجرحى الحوثية المملوك لأحد قادة الجماعة (إكس)
TT

جرحى الحوثيين يعانون الإهمال والتمييز العرقي والمناطقي

مقر مؤسسة الجرحى الحوثية المملوك لأحد قادة الجماعة (إكس)
مقر مؤسسة الجرحى الحوثية المملوك لأحد قادة الجماعة (إكس)

عندما نفد صبر اليمني عبد الله عباس المسداري، وصرخ باكياً وغاضباً في وجه أحد القادة الحوثيين المسؤولين عن علاج الجرحى مطالباً بحقه في الرعاية والاهتمام، رد عليه قائده: «كان الأفضل لك أن تنتقل إلى الجنة لترتاح هناك، بدلاً من أن تشغلنا بعلاجك ومطالبك ونحن في حرب مقدسة».

فقد المسداري ساقيه بداية الحرب في إحدى ضواحي مدينة تعز اليمنية (جنوب غربي)، وبعد ثمانية أعوام فقد الأمل في أن يحصل على بعض التقدير من طرف الجماعة التي أدرك أن الامتيازات وغنائم الحرب تذهب إلى قادتها وجزء بسيط من أتباعها، أما هو وأمثاله فحرموا حتى من رعاية طبية أو اجتماعية تحميهم من العوز.

تستخدم الجماعة الحوثية الجرحى في عروضها العسكرية للحصول على التعاطف والتأييد (إعلام حوثي)

لم يكتفِ القيادي الحوثي المكنى بـ«أبو عدنان» بتلك العبارات، بل زاد عليها المنّ على المسداري بإسعافه إلى المستشفى وعلاج جراحه، فبحسب هذا القيادي، ينبغي على الجريح أن يواصل القتال لينتقل إلى الجنة، وإن لم يفعل فهو كان يؤدي واجبه الذي لا ينبغي عليه المطالبة بأي استحقاقات مقابله.

ومنذ عام 2015، لم يحصل المسداري على شيء سوى مساعدات مالية ضئيلة وغير منتظمة، ولم يجرِ استيعابه ضمن جرحى ومتقاعدي القوة الميليشياوية التابعة للجماعة الحوثية والمعروفة بـ«اللواء 22 في تعز»، والتي يتولى مسؤوليتها القيادي الحوثي حمود دهمش، أو أيٍّ من المؤسسات التي أنشأتها الجماعة لرعاية الجرحى.

وبينما يعتقد المسداري أن هذا الإهمال الذي يتعرض له يأتي بسبب انتمائه إلى محافظة تعز؛ فإن غيره من الجرحى يتعرضون للإهمال بسبب عدم انتمائهم إلى السلالة التي تشكلت منها الجماعة الحوثية رغم انتماء الكثير منهم إلى نفس المناطق التي يتم وصفها بالحاضنة الاجتماعية للجماعة الحوثية.

احتجاج داخل المستشفى

منذ ثلاثة أيام، أغلق عدد من الجرحى الحوثيين مستشفى الثورة العام في العاصمة صنعاء، والخاضع لإدارة الجماعة الحوثية، احتجاجاً على الإهمال الذي يتعرضون له، والذي تسبب في مفاقمة جراح بعضهم وتدهور صحتهم، وبينما اتهم بعضهم إدارة المستشفى بإهمالهم بسبب مجانية علاجهم، رأى آخرون أن الإهمال تتعمده قيادة الجماعة نفسها.

وذكرت مصادر مطلعة في العاصمة صنعاء أن عدداً من الجرحى حاولوا الدخول إلى مكتب رئاسة هيئة مستشفى الثورة للشكوى حول الإهمال الذي يلاقونه، إلا أن موظفي المكتب منعوهم من الدخول وطردوهم إلى فناء المستشفى حيث تجمع الجرحى المطرودون مع آخرين كانوا ينتظرون في الفناء وغيرهم ممن وصلوا في نفس اللحظة وأغلقوا بوابة المستشفى.

مستشفى الثورة العمومي في صنعاء الذي أغلقه جرحى الجماعة الحوثية منذ ثلاثة أيام احتجاجاً على إهمالهم (إكس)

ولجأ مسلحو الجماعة المكلفون بحراسة المستشفى إلى الاعتداء على المحتجين وفض تجمعهم بالقوة وإطلاق النار في الهواء، ما تسبب بإصابات مختلفة بينهم، قبل أن يضطروا إلى الهروب خارج فناء المستشفى.

ووفقاً للمصادر، فإن إدارة المستشفى طلبت من الجرحى عدم إزعاجها، والتفاهم مع مؤسسة الجرحى التي تتولى الإنفاق على علاجهم، وأبلغتهم أن المؤسسة توقفت عن دفع المبالغ المتراكمة عليها مقابل علاجهم منذ أكثر من عام.

وأنشأ عدد من الجرحى صفحة على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) لنشر شكاوى الجرحى ومطالبهم، ورغم أن الصفحة حظيت باهتمام واسع من الجرحى الذين كتبوا عشرات المنشورات حول معاناتهم، فإن الصفحة أُغلقت خلال ساعات.

واتهم عدد من الجرحى في منشوراتهم قيادات الجماعة الحوثية بالإثراء على حسابهم، من خلال جمع الأموال بالتبرعات الطوعية والجبايات الإجبارية من مختلف الجهات والمؤسسات الرسمية لعلاجهم ورعايتهم وعائلاتهم، وفي مقابل ذلك لا يحصلون إلا على الفتات بحسب وصف عدد منهم، في حين تظهر معالم الثراء على القادة الحوثيين بوضوح.

فساد وتمييز

أشار أحد الجرحى في منشور إلى الفضيحة التي جرى تداول وثائق عنها منذ عامين ونصف العام، حول شراء رئيس مؤسسة الجرحى خالد المداني «فيلّا» بمبلغ 540 مليون ريال يمني (الدولار يساوي 530 ريالاً في مناطق سيطرة الجماعة)، ثم تأجيرها لتكون مقراً للمؤسسة بمبلغ مليون و200 ألف ريال شهرياً.

تحصل الجماعة الحوثية على أموال طائلة من خلال الجبايات بزعم علاج ورعاية الجرحى (إعلام حوثي)

ولفت آخر إلى أن الجرحى يشعرون بالغبن وتتضاعف آلامهم عند زيارة مقر المؤسسة أو اللقاء بقادتها أو بأي قادة حوثيين آخرين بسبب مظاهر الثراء التي تبدو عليهم. وتحسر في منشوره من أن السيارات التي يستقلها هؤلاء القادة والقصور التي يسكنونها جاءت بسبب تضحيات الجرحى والقتلى الذين يلاقون هم وعائلاتهم الإهمال والتجاهل.

واشتكى ثالث من أن المستشفيات ومندوبي مؤسسة الجرحى يمارسون التلاعب بهم، ويتم تأخير مواعيد الجلسات العلاجية والعمليات الجراحية وصرف الأدوية بسبب مماطلة المندوبين ومسؤولي المستشفيات وإهمال القادة، حتى تتعفن الجراح أو تتفاقم الإصابات وتزيد صعوبة معالجتها.

ورد عليه أحد زملائه بالتأكيد على أن أي شكوى أو تذمر يبديه أي جريح من هذا الإهمال والمماطلة يتسبب بمعاقبته والمزيد من التسويف في التعامل معه، بل وتعمد إهانته وإعطائه مواعيد بعيدة أو صعبة للزيارة والمراجعة.

وورد في المنشورات والتعليقات إشارات إلى التمييز في التعامل مع الجرحى بحسب الانتماء الجغرافي والعائلي، وأن المقاتلين المقربين من قيادات الجماعة يحظون بتعامل ورعاية كبيرين لا يفوقهما إلا التعامل مع المنتمين إليها سلالياً وكبار القادة الذين يتم علاجهم في أفضل المستشفيات وتحت رعاية أمهر الأطباء أو نقلهم إلى الخارج.

تدعي الجماعة الحوثية تكريم جرحاها عبر وسائل الإعلام في حين يشتكي الجرحى من الإهمال والمماطلة (إعلام حوثي)

ورد عدد من زوار الصفحة على المنشورات والتعليقات باتهام أصحابها بالعمالة والارتزاق، ونفوا أن يكون هؤلاء جرحى في الحرب، مدّعين أن الجريح لا يهاجم قيادة الجماعة التي وصفوها بـ«قيادة الثورة»، مهما بلغت آلامه وجراحه، مطالبين إياهم بالكتابة بأسمائهم الحقيقية بدلاً من الأسماء المستعارة.

وفي ذات السياق، ادعى معلقون آخرون أن ممارسات الفساد التي أدت إلى إهمال الجرحى جاءت من عناصر وقيادات مندسة في صفوف الجماعة للإساءة لقيادتها أمام الرأي العام.

وبينما لم يُعرف السبب وراء إغلاق الصفحة، يرجح مراقبون أن تؤدي استحقاقات الحرب الحوثية إلى حدوث انقسامات وصراعات بينية داخل الجماعة، من بينها ملفات استحقاقات القتلى والجرحى وتقاسم غنائم الحرب من نفوذ وأموال ومناصب، وخصوصاً أن الجماعة باتت تجد صعوبة في تجنيد المقاتلين وحشدهم إلى الجبهات بسبب هذه الملفات.


مقالات ذات صلة

النيابة اليمنية تشكل لجنة للتحقيق في الوقائع المنسوبة للزُّبيدي

العالم العربي الزبيدي هرب من عدن بحراً إلى الصومال ومنها إلى أبوظبي جواً (أ.ف.ب)

النيابة اليمنية تشكل لجنة للتحقيق في الوقائع المنسوبة للزُّبيدي

النائب العام اليمني يشكل لجنة تحقيق عليا ضد عيدروس الزبيدي بتُهم الخيانة العظمى والانتهاكات ضد المدنيين، لتثبيت سيادة الدولة واحترام القانون

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي غروندبرغ يقدم عبر الفيديو إحاطته أمام مجلس الأمن حول اليمن (الأمم المتحدة)

غروندبرغ: مستقبل جنوب اليمن لا يمكن أن يحدده طرف واحد بالقوة... والحوار فرصة

حذّر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ من هشاشة الهدوء في اليمن، مؤكداً أن مستقبل الجنوب لا يمكن فرضه بالقوة، داعياً إلى مسار شامل يعالج التحديات الأمنية والاقتصادية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي حملات أمنية لمنع حمل السلاح في الأماكن العامة بحضرموت والمهرة (إعلام حكومي)

اليمن يعيد تفعيل القضاء ويطلق حملة لمنع حمل السلاح

استأنفت محاكم شبوة ولحج والضالع أعمالها بالتوازي مع حملات أمنية لجمع السلاح في حضرموت والمهرة، ضمن جهود تطبيع الأوضاع وتعزيز الأمن والاستقرار باليمن.

محمد ناصر (عدن)
الخليج جانب من لقاء وزير الدفاع السعودي برئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني

السعودية تدشن حزمة مشاريع تنموية في اليمن

دشّنت السعودية، أمس (الأربعاء)، حزمة مشاريع تنموية في مختلف المحافظات اليمنية تضم 28 مشروعاً ومبادرة بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي تشمل جميع القطاعات الأساسية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج صورة نشرها وزير الدفاع السعودي من لقائه برئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني

‏السعودية تدشن مشاريع تنموية في اليمن بـ1.9 مليار ريال

دشَّنت السعودية، الأربعاء، حزمة مشاريع تنموية في مختلف المحافظات اليمنية تضم 28 مشروعاً ومبادرة تنموية بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي في جميع القطاعات الأساسية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

النيابة اليمنية تشكل لجنة للتحقيق في الوقائع المنسوبة للزُّبيدي

تصعيد عيدروس الزبيدي العسكري في حضرموت والمهرة شكل تهديداً للسلم الاجتماعي في اليمن (رويترز)
تصعيد عيدروس الزبيدي العسكري في حضرموت والمهرة شكل تهديداً للسلم الاجتماعي في اليمن (رويترز)
TT

النيابة اليمنية تشكل لجنة للتحقيق في الوقائع المنسوبة للزُّبيدي

تصعيد عيدروس الزبيدي العسكري في حضرموت والمهرة شكل تهديداً للسلم الاجتماعي في اليمن (رويترز)
تصعيد عيدروس الزبيدي العسكري في حضرموت والمهرة شكل تهديداً للسلم الاجتماعي في اليمن (رويترز)

أصدرت النيابة العامة اليمنية، الخميس، قراراً بتشكيل لجنة عليا للتحقيق في الوقائع المنسوبة لعيدروس قاسم الزُّبيدي، المتهم بـ«الخيانة العظمى»؛ على خلفية تصعيده العسكري في حضرموت والمهرة، وتهديده أرواح المدنيين وتمرُّده على وحدة القرار السيادي، قبل فراره إلى أبوظبي.

جاء القرار الصادر عن النائب العام القاضي قاهر مصطفى، ليكلف اللجنة برئاسة المحامي العام الأول القاضي فوزي علي سيف سعيد، وعضوية كل من مدير مكتب النائب العام القاضي الدكتور عيسى قائد سعيد، ورئيس شعبة حقوق الإنسان القاضي علي مبروك علي السالمي، ورئيس شعبة النيابات الجزائية المتخصصة القاضي جمال شيخ أحمد عمير، وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

ووفقاً للمادة الثانية من القرار، خُوّلت اللجنة بجميع الصلاحيات القانونية للتحقيق، بما في ذلك استدعاء وضبط وإحضار الأشخاص، وتعزيز الأدلة، واتخاذ الإجراءات اللازمة وفق أحكام القانون اليمني.

كما ألزم القرار اللجنة بسرعة إنجاز التحقيق ورفع تقارير دورية عن مُجريات العمل، وعرض نتائج التحقيق فور الانتهاء منها مُرفقة بالرأي القانوني.

الزبيدي هرب من عدن بحراً إلى الصومال ومنها إلى أبوظبي جواً (أ.ف.ب)

وستركز اللجنة على التحقيق في اتهامات تشمل «الخيانة العظمى» بقصد المساس باستقلال الجمهورية، والإضرار بالمركز الحربي والسياسي والاقتصادي للدولة، وتشكيل عصابة مسلّحة، وارتكاب جرائم قتل ضد ضباط وجنود القوات المسلّحة.

كما تشمل التحقيقات استغلال القضية الجنوبية، والانتهاكات ضد المدنيين، وتخريب المنشآت والمواقع العسكرية، والاعتداء على الدستور والسلطات الدستورية، إضافة إلى أي أعمال تُهدد سيادة واستقلال اليمن.

كان مجلس القيادة الرئاسي اليمني قد أصدر قراراً بإسقاط عضوية الزبيدي من المجلس، بعد أن قام الأخير برفض الحضور إلى الرياض للمشاركة في مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، وقام بالتصعيد عسكرياً في عدن قبل أن يلوذ بالفرار عبر البحر إلى الصومال، ومنها إلى أبوظبي، وفق ما كشف عنه «تحالف دعم الشرعية» في اليمن، في الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي.


غروندبرغ: مستقبل جنوب اليمن لا يمكن أن يحدده طرف واحد بالقوة... والحوار فرصة

غروندبرغ يقدم عبر الفيديو إحاطته أمام مجلس الأمن حول اليمن (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يقدم عبر الفيديو إحاطته أمام مجلس الأمن حول اليمن (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ: مستقبل جنوب اليمن لا يمكن أن يحدده طرف واحد بالقوة... والحوار فرصة

غروندبرغ يقدم عبر الفيديو إحاطته أمام مجلس الأمن حول اليمن (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يقدم عبر الفيديو إحاطته أمام مجلس الأمن حول اليمن (الأمم المتحدة)

أكّد المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أن التطورات المتسارعة التي شهدها اليمن خلال الأشهر الماضية أعادت تشكيل المشهدين السياسي والأمني، محذّراً من أن حالة الهدوء النسبي التي تحققت منذ عام 2022 لا تُمثّل حلّاً دائماً، بل نافذة مؤقتة تتطلب توجيهاً سياسياً مستداماً لمنع انزلاق البلاد إلى دوّامة عدم الاستقرار.

وفي إحاطته أمام مجلس الأمن، شدد غروندبرغ على أن غياب نهج شامل يعالج التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية بشكل متكامل سيبقي اليمن عرضة لتكرار أزمات متلاحقة، مشيراً إلى أن التطورات الأخيرة في جنوب البلاد أبرزت سرعة اختلال التوازن الهش، وأهمية إعادة ترسيخ العملية السياسية ضمن مسار موثوق برعاية الأمم المتحدة.

وأوضح المبعوث الأممي أن الأيام الأخيرة شهدت خفضاً نسبياً للتصعيد العسكري واستقراراً عاماً، إلا أن الوضع الأمني في أجزاء من جنوب اليمن لا يزال هشّاً.

وأشار إلى أنه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي سعت قوات تابعة لـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» إلى توسيع وجودها في محافظتي حضرموت والمهرة، قبل أن تتحرك في مطلع يناير (كانون الثاني) قوات موالية للحكومة، بما فيها قوات «درع الوطن»، وبدعم من السعودية، لإعادة بسط السيطرة على المحافظتين.

وأضاف أن هذه القوات انتشرت لاحقاً في عدن ومناطق حكومية أخرى لتأمين البنية التحتية الإدارية والاقتصادية والعسكرية، بالتوازي مع تعديلات في التعيينات السياسية وقرارات قيادية على المستويين الوطني والمحلي، في تطورات تعكس حساسية المرحلة وتعقيد التوازنات القائمة.

جهود إقليمية وحوار جنوبي

وفي سياق متابعته لهذه التطورات، قال غروندبرغ إنه أجرى سلسلة مشاورات معمّقة في القاهرة ومسقط والرياض مع أطراف يمنية وشركاء إقليميين ودوليين، بهدف خفض التوترات ودعم مسار سياسي يمضي بالبلاد إلى الأمام.

ورحّب المبعوث بالجهود الإقليمية والوطنية الرامية إلى معالجة المستجدات عبر الحوار، مؤكداً أن الوصول إلى حلول مستدامة يتطلب دعماً إقليمياً موحّداً ومنسقاً، إلى جانب إرادة سياسية فاعلة من الأطراف اليمنية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (د.ب.أ)

وشدّد غروندبرغ على أن مستقبل جنوب اليمن لا يمكن أن يحدده طرف واحد أو يُفرض بالقوة، مؤكداً أن معالجة هذه القضية المعقدة والمتجذرة يجب أن تكون بيد اليمنيين أنفسهم، وبما يعكس كامل تنوع الرؤى الجنوبية.

وفي هذا الإطار، رحّب المبعوث بمبادرة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي لعقد حوار جنوبي تستضيفه السعودية، ورأى أنها فرصة لبدء معالجة قضية الجنوب من خلال المشاركة السياسية، والتحضير لعملية سياسية شاملة على مستوى البلاد برعاية الأمم المتحدة.

الاقتصاد والخدمات

وأكد المبعوث الأممي أن تقييم أي جهد سياسي أو دبلوماسي يجب أن ينطلق من مدى استجابته لواقع اليمنيين اليومي، مشيراً إلى أن مشاورات مكتبه مع يمنيين من مختلف المناطق أظهرت تطابقاً واضحاً في الأولويات، وفي مقدمها: خدمات عامة فعالة، وصرف منتظم للرواتب، وحرية تنقل، ومؤسسات تعمل لصالح الشعب لا لصالح فئات بعينها.

وأوضح أن عدم الاستقرار بالنسبة لكثير من اليمنيين يتجلّى أولاً في الاقتصاد، من خلال ارتفاع الأسعار، وتأخر الرواتب، وتدهور الخدمات الأساسية. وحذّر من أن أي اضطراب سياسي أو أمني، حتى لو كان محدوداً، قد يفرض ضغوطاً إضافية على العملة، ويعمّق العجز المالي ويقوّض جهود الإصلاح.

يمنيون في إحدى أسواق مدينة عدن (إ.ب.أ)

ورحّب المبعوث الأممي إلى اليمن بتصريحات الحكومة التي أقرت بالحاجة إلى تحييد المؤسسات الاقتصادية، بما فيها البنك المركزي، عن الخلافات السياسية والأمنية، داعياً إلى الحفاظ على زخم الإصلاحات لاستعادة الثقة والاستقرار.

وفي هذا السياق، شدد غروندبرغ على أن التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية مترابطة، ولا يمكن فصلها، وأن أي تقدم في أحدها لن يصمد دون تقدم مماثل في الأخرى. وأكد أن اليمن بحاجة في نهاية المطاف إلى عملية سياسية شاملة وجامعة على مستوى البلاد، تتيح لليمنيين مناقشة قضايا الدولة والترتيبات الأمنية والحوكمة الاقتصادية بشكل متكامل، بوصفها الطريق الوحيد لإنهاء الصراع بصورة مستدامة.

المحتجزون وموظفو الأمم المتحدة

وأكد المبعوث الأممي أن تحقيق أي تقدم يستلزم التزام جميع الأطراف اليمنية، بما فيها جماعة الحوثي، بتجنب التصعيد والانخراط في خطوات جادة لبناء الثقة. وأشار إلى الاجتماع الذي عُقد في مسقط الشهر الماضي برعاية الأمم المتحدة؛ حيث اتفقت الحكومة والتحالف والحوثيون على الإفراج عن دفعة جديدة من المحتجزين على خلفية النزاع، ضمن الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، عادّاً ذلك خطوة أعادت الأمل لعائلات المحتجزين.

طائرة تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر تحلق فوق مدينة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

وفي المقابل، أعرب عن قلقه البالغ إزاء استمرار احتجاز موظفي الأمم المتحدة والعاملين الإنسانيين في صنعاء، وإحالة بعضهم إلى المحكمة الجنائية الخاصة التابعة للحوثيين، داعياً إلى الإفراج الفوري عنهم، ومطالباً الأطراف الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لضمان ذلك.

وأكد غروندبرغ أن هذه المرحلة تتطلب من القادة اليمنيين الاستثمار في السياسة والمؤسسات والمصلحة الوطنية، محذراً من أن آخر ما يحتاج إليه اليمن هو الدخول في «صراع داخل صراع»، ومشدداً على أن وحدة موقف مجلس الأمن تظل عاملاً حاسماً لدفع البلاد نحو مسار السلام والاستقرار.


اليمن يعيد تفعيل القضاء ويطلق حملة لمنع حمل السلاح

حملات أمنية لمنع حمل السلاح في الأماكن العامة بحضرموت والمهرة (إعلام حكومي)
حملات أمنية لمنع حمل السلاح في الأماكن العامة بحضرموت والمهرة (إعلام حكومي)
TT

اليمن يعيد تفعيل القضاء ويطلق حملة لمنع حمل السلاح

حملات أمنية لمنع حمل السلاح في الأماكن العامة بحضرموت والمهرة (إعلام حكومي)
حملات أمنية لمنع حمل السلاح في الأماكن العامة بحضرموت والمهرة (إعلام حكومي)

استكملت السلطات المحلية في المحافظات الشرقية والجنوبية لليمن خطوات تطبيع الحياة العامة، عقب الأحداث التي رافقت عملية إخراج قوات «المجلس الانتقالي» المنحل من عدد من المناطق، في مسارٍ متوازٍ شمل إعادة تفعيل المؤسسات القضائية، وتعزيز الانتشار الأمني، وفرض إجراءات للحد من انتشار السلاح في الأماكن العامة.

وفيما تواصل قوات «درع الوطن» انتشارها في عدد من المحافظات، بالتزامن مع استمرار عمليات الدمج وإعادة هيكلة الوحدات الأمنية والعسكرية ضمن وزارتي «الداخلية» و«الدفاع»، أكدت السلطات القضائية انتظام العمل في محاكم محافظات شبوة، ولحج، والضالع، في مؤشر على عودة المؤسسات العدلية لممارسة دورها الطبيعي.

وفي هذا السياق، وجّه محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، بمنع حمل السلاح في الأماكن العامة، مشيداً بنجاح الحملة الأمنية التي نفّذتها قوات «درع الوطن» في يومها الأول، ضمن جهود ترسيخ الأمن والاستقرار وحماية السكينة العامة في المحافظة.

قوات «درع الوطن» تواصل انتشارها في حضرموت لضبط الأوضاع الأمنية (إعلام حكومي)

وأشاد المحافظ بما حققته الحملة من نتائج أولية، داعياً المواطنين وكل الجهات ذات العلاقة إلى التعاطي الجاد والمسؤول مع الإجراءات الأمنية، والتعاون مع الأجهزة المختصة، بما يُسهم في تعزيز الأمن، ومكافحة الجريمة المنظمة، والحفاظ على الطابع المدني لمحافظة حضرموت.

وأكد الخنبشي أن هذه الإجراءات تأتي في إطار حرص السلطة المحلية على حماية الأرواح والممتلكات، وتهيئة بيئة آمنة ومستقرة تُسهم في دفع عجلة التنمية، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، مشدداً على أن نجاح الحملة يعتمد على وعي المجتمع والتزامه بالقانون.

المهرة وشبوة

وفي محافظة المهرة اليمنية (شرق) دعت اللجنة الأمنية كلَّ مَن بحوزته سلاح من المنهوبات إلى المبادرة بالتسليم الطوعي خلال فترة أقصاها 10 أيام، بدءاً من الأربعاء، محذرة من أن المتخلفين عن ذلك سيعرضون أنفسهم للمساءلة القانونية والمحاكمة.

وخلال اجتماع برئاسة محافظ المهرة محمد علي ياسر، وبحضور وكيل المحافظة الأول العميد مختار الجعفري، أُعلن عن تشكيل لجنة مشتركة من الوحدات العسكرية والأمنية وقوات «درع الوطن»، برئاسة أركان محور الغيضة، تتولى مهمة تسلُّم الأسلحة وتنظيم عملية الجمع وفق آلية قانونية محددة.

وفي إطار تطبيع الأوضاع بمحافظة شبوة، اطلع رئيس محكمة استئناف المحافظة، القاضي عارف النسي، على سير العمل الإداري والقضائي في محكمة الاستئناف، ومحكمتي «عتق» و«نصاب» الابتدائيتين، واستمع إلى شرح مفصل حول مستوى الانضباط الوظيفي، والتزام القضاة والموظفين بالدوام الرسمي.

تفعيل أداء المحاكم أحد أسس تطبيع الأوضاع في المحافظات اليمنية المحررة (إعلام حكومي)

كما اطّلع القاضي النسي على حافظات الدوام وسير الأداء في مختلف الأقسام، وزار عدداً من المكاتب القضائية والإدارية، مستمعاً إلى ملاحظات القضاة والموظفين بشأن المعوقات التي تواجه سير العمل، ومؤكداً أهمية مضاعفة الجهود خلال المرحلة المقبلة.

وأكَّد رئيس محكمة الاستئناف أن المحاكم تواصل عقد جلساتها في مواعيدها القانونية، مشدداً على ضرورة الالتزام بالواجبات القضائية والإدارية بكل أمانة ومسؤولية، بما يُسهم في تسريع الفصل في القضايا المتراكمة، وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسة القضائية.

لحج والضالع

وأكد رئيس محكمة استئناف محافظة لحج، القاضي ناجي اليهري، أن العمل القضائي في محاكم المحافظة لم يتوقف خلال الأحداث التي شهدتها بعض المحافظات، وأن المحاكم واصلت أداء مهامها القانونية والدستورية دون انقطاع.

وأوضح اليهري أن جميع المحاكم الابتدائية ومحكمة الاستئناف ظلّت تُمارس أعمالها وفقاً للأنظمة والقوانين النافذة، مع اتخاذ الإجراءات التنظيمية اللازمة لضمان استمرار تقديم الخدمات القضائية للمواطنين.

وأشاد بالكادر القضائي والإداري في المحافظة لالتزامهم بأداء واجباتهم، وحرصهم على عدم تعطيل مصالح المتقاضين، مؤكداً أن هذا الالتزام يعكس وعي رجال القضاء بأهمية المرحلة، ودورهم في ترسيخ سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات.

رئيس محكمة الاستئناف في محافظة الضالع (إعلام حكومي)

وفي محافظة الضالع، أكد رئيس محكمة الاستئناف، القاضي علي الحصيني، أن العمل في جميع محاكم المحافظة ظل مستمراً ومنتظماً، ولم يشهد أي توقف، رغم الظروف الاستثنائية التي رافقت الأحداث الأخيرة في بعض المحافظات المحررة.

وأوضح الحصيني أن القضاة وموظفي المحاكم واصلوا أداء واجبهم بروح عالية من المسؤولية، من خلال نظر القضايا الجنائية والمدنية وقضايا الأحوال الشخصية، والفصل فيها وفقاً للقانون، إضافة إلى مباشرة القضايا المستعجلة، وإصدار الأحكام ومتابعة تنفيذها عبر الجهات المختصة.

وأكد أن استمرار عمل القضاء يُمثل ركيزة أساسية لتطبيع الأوضاع، وترسيخ الأمن والاستقرار، وضمان العدالة الناجزة، بما يعزز ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة.