الأزياء تتحول إلى ميدان لتسجيل الأهداف والانتصارات

«الكاب»... يستعيد فخامته التاريخية بانسيابية

أميرة ويلز في فستان من علامة «صافيا» بتصميم لفت لها الأنظار وحقق لها هدفاً في مرمى غريمتها ميغان ماركل (رويترز)
أميرة ويلز في فستان من علامة «صافيا» بتصميم لفت لها الأنظار وحقق لها هدفاً في مرمى غريمتها ميغان ماركل (رويترز)
TT

الأزياء تتحول إلى ميدان لتسجيل الأهداف والانتصارات

أميرة ويلز في فستان من علامة «صافيا» بتصميم لفت لها الأنظار وحقق لها هدفاً في مرمى غريمتها ميغان ماركل (رويترز)
أميرة ويلز في فستان من علامة «صافيا» بتصميم لفت لها الأنظار وحقق لها هدفاً في مرمى غريمتها ميغان ماركل (رويترز)

كم يبدو اليوم شبيهاً بالأمس. تتغير الألوان والخطوط والأشكال، ويبقى الهدف واحداً يتلخص في رغبة محمومة لرسم صورة تصرخ بالتميُّز والتألّق والانتصار. هذا على الأقل فيما يتعلق بأناقة أفراد العائلة المالكة البريطانية؛ فالموضة بالنسبة لهم كانت ولا تزال لغة بليغة بصمتها. كانت الأميرة الراحلة ديانا أكثر مَن أثار الانتباه إلى قوتها كوسيلة للانتقام، عندما ظهرت في عام 1994 بفستان أسود من دار «فرساتشي» بتصميم أنثوي مثير في اليوم الذي كان يُفترض أن يبث فيه التلفزيون لقاء أجراه زوجها، الأمير تشارلز آنذاك، اعترف فيه بخيانتها. بأناقتها وصورتها المفعمة بالأنوثة والجمال شَفَتْ غليل كلّ محبيها، عندما جعلت المقارنة بينها وبين كاميلا، المرأة التي خانها تشارلز معها، مجحفة في حق هذه الأخيرة.

أميرة ويلز لدى وصولها حفل Royal Variety Performance (أ.ف.ب)

كرَّت السنوات، وها هي كاثرين، زوجة ابنها (الأمير ويليام) تحذو حذوها، وتستعمل الموضة وسيلة لإيصال رسالة تحدٍّ. هذه المرة إلى «سلفتها» ميغان دوقة ساسكس. المنافسة بين السلفتين على سرقة الأضواء، ومحاولة كل واحدة تسجيل هدف على حساب الأخرى ليس جديداً؛ فهي تطفو على السطح كل فينة وأخرى، إلا أنها احتدمت في الأسبوع الماضي، بعد نشر كتاب بعنوان «إند غايم» (Endgame) للصحافي والكاتب أوميد سكوبي، الذي يشك معظم البريطانيين في أنه البوق الذي تستعمله ميغان ماركل لتسريب أسرار العائلة المالكة. في كتابه شنَّ سكوبي حملة شرسة ضد كايت ميدلتون.

ولأن الأسرة المالكة مكبلة بقيود البروتوكول وسياسة «لا تُبرِّر أو تُفسِر»، فإن الرد يأتي عادة من خلال الأزياء والمجوهرات. وهكذا تحول الفستان الذي ظهرت به أميرة ويلز إلى مادة ممتعة لقراءة ردها على التُهم والانتقادات الموجهة لها في الكتاب؛ بدءاً من برودها إلى مزاعم أنها تساءلت عن لون بشرة وشعر طفل ميغان ماركل والأمير هاري، قبل أن يرى النور.

في عام 2018 ظهرت ميغان ماركل بفستان من علامة «صافيا» بنفس اللون والتصميم الذي ظهرت به أميرة ويلز مؤخراً

المتعارَف عليه أن اختيار أزياء المشاهير والطبقات الملكية يتم قبل أسابيع، إن لم نقل: أشهر، إلا أن هذا لا يمنع من احتدام التأويلات والتفسيرات حول أسباب اختياره بهذا اللون والتصميم تحديداً، لا سيما أنه سبق لدوقة ساسكس أن ظهرت بفستان مماثل في عام 2018 لدى زيارتها لفيجي رفقة زوجها الأمير هاري. كان بنفس اللون تقريباً والتصميم، ومن نفس علامة «صافيا». هذا التشابه بكل ما يثيره من مقارنات لم يُثن أميرة وايلز عن الظهور به، وكأنها تضمن مسبقاً أنه سيلفت لها الأنظار. والأهم من هذا، سينجح بتصميمه ذي الأكتاف العالية والـ«كاب» الطويل، في توضيح مكانتها المهمة في السلم الملكي... كل هذا من دون أن تنطق بكلمة.

وإذا كان هناك فرق بين الأمس واليوم، فإنه في الأسلوب؛ فبينما اعتمدت الراحلة ديانا على فستان ناعم وأنثوي يُبرز مفاتنها بشكل واضح للانتقام من الأمير تشارلز آنذاك، فإن كاثرين، أميرة ويلز الحالية، اختارت فستاناً لا يعتمد على كشف المفاتن بل بتصميم يرتقي بها إلى مستوى أكثر سمواً، وطبعاً يناسب ثقافة العصر، كما يناسب شخصيتها المتحفظة؛ فالمنافسة هنا ليست مع رجل تُذكِّره بأنوثتها الطاغية، بل مع امرأة تُذكّرها بمكانتها.

أما على مستوى الأناقة والموضة وبعيداً عن الرسائل الملغومة، فإنها ليست المرة الأولى التي تظهر فيها كاثرين، أميرة ويلز بفستان مع «كاب»؛ فقد استحلت هذا التصميم منذ ظهورها بفستان سهرة يقطر ذهباً، على شكل «كاب»، لدى حضورها حفل افتتاح فيلم «جيمس بوند: تايم تو داي فور» في سبتمبر (أيلول) من عام 2021، كان بتوقيع المصممة البريطانية جيني باكام، وسجَّلت من خلاله هدفاً رائعاً رسخ مكانتها كملكة مستقبلية وكفرد تعتمد عليه بريطانيا لربط الماضي بالمستقبل.

إطلالة متألقة تراعي البروتوكول ظهرت بها أميرة ويلز لدى استقبالها رئيس كوريا الجنوبية وزوجته (رويترز)

منذ أسبوعين تقريباً، ظهرت بـ«كاب» وقبعة باللون الأحمر عند استقبالها يون سوك، رئيس كوريا الجنوبية، وزوجته كيم كيون هي. هنا أيضاً كان مظهرها ملكياً بكل المقاييس؛ فالمناسبة كانت تستدعي التميز، والكل يعرف أنه ليس هناك مَن يتقن فن البروتوكول أكثر من بريطانيا عند استقبالها للملوك ورؤساء الدول.

ارتدت الـ«كاب» الأحمر فوق فستان باللون ذاته كان مزيجاً بين تقاليد الماضي وأناقة الحاضر، كما كان لفتة دبلوماسية وذكية للضيفين. فاللون الأحمر ليس فقط لون أعياد الميلاد التي على الأبواب، بل هو أيضاً من رموز علم كوريا الجنوبية إلى جانب الأزرق الذي اختارته كاميلا زوجة الملك تشارلز الثالث في المناسبة ذاتها. ربما كان الأمر صدفة، وربما كان عملية منسَّقة بينهما ليُكمِلا بعضهما، إلا أنهما في الحالتين أكدتا أن البروتوكول البريطاني لا يترك أي شيء للصدف. بينما جاء مظهر كاميلا هادئاً ورزيناً يعكس عمرها، جاء مظهر كايت ديناميكياً يضج بالحيوية وبعض الشقاوة أيضاً.

ماكسيما ملكة هولندا في فستان بـ«كاب» من تصميم «إيريس فان هيربين» (أ.ف.ب)

بيد أنه لا بد من التنويه أن الـ«كاب» ليس حكراً على عائلة ويندسور البريطانية؛ فقد ظهر في عدة مناسبات ملكية أوروبية مؤخراً. منذ أسبوع فقط، افتتحت ملكة هولندا، ماكسيما، معرضاً فنياً في متحف الفنون التزيينية بباريس، أقامته دار «إيريس فان هيربن» Iris Van Herpen للأزياء الراقية برفقة بريجيت ماكرون، وهي ترتدي فستاناً مبتكراً يحمل كل بصمات فان هيربن الفنية نسَّقته مع «كاب» من الحرير الشفاف. غني عن القول إنه أبرز أناقتها وأسلوبها الخاص؛ فما لا يعرفه البعض عن ملكة هولندا أنها تتمتع بأسلوب جريء يواكب صرعات الموضة التي تُروضها دائما لتناسب أسلوب ملكة. المتتبع لها في السنوات الأخيرة لا بد أن يلاحظ أنها من أكثر المدمنات على الـ«كاب»، فقد ظهرت به في عدة مناسبات رسمية وغير رسمية على حد سواء. تتغير ألوانه وخاماته وتطريزاته ولا تتغير فخامته. ليتزيا ملكة إسبانيا وماتيلد ملكة بلجيكا وشارلين أميرة موناكو أيضا تألقن به. حتى كاميلا، ملكة بريطانيا، ظهرت به خلال زيارتها الرسمية إلى قصر الإليزيه بباريس رفقة زوجها منذ بضعة أشهر. ولن نبالغ عندما نقول إنه كان من أكثر إطلالاتها توفيقاً وتألقاً لحد الآن. كان رحيماً بعُمرها ومقاييس جسدها، فضلاً عن أنه منحها إطلالة في غاية الفخامة بلونه الأزرق الغامق وتطريزاته الخفيفة التي نُفذت في ورشات دار «ديور».

عندما قدمت دار «فالنتينو» الكاب في تشكيلتها لربيع وصيف 2020 بكت المغنية سيلين ديون تأثراً بجمالها (فالنتينو)

هذا الظهور المكثف للـ«كاب» في الآونة الأخيرة ليس له سوى تفسير واحد، وهو أنه قطعة العام بلا منازع، لا سيما أن المصممين باتوا يتفننون فيه ويطرحونه بتصاميم في غاية الأناقة والحداثة، وليس أدل على هذا من تصاميم دار «بيربري» البريطانية التي تطرحه للأيام العادية بشكل أنيق وعملي، ودار «فالنتينو» التي تطرحه بدرامية انتزعت الدموع من عيون المغنية سيلين ديون وهي تتابعها في يناير (كانون الثاني) من عام 2019، وإيلي صعب الذي صاغه بمهارة مستشرق عاشق للأساطير ومواكب لتطورات العصر. كان النجم في تشكيلته لخريف وشتاء 2023 - 2024، وقال إيلي إنه استوحاه من قصص الأساطير ومشاهد سينمائية أثرت مخيلته. لكنه يعود ليُصحح أن المجموعة قد «تكون مستوحاة من العصور الوسطى لكنها راسخة في الحاضر»؛ فرغم أن كل إطلالة في العرض كانت تستحضر صوراً لشخصيات من التاريخ أو من قصص الأساطير، فإنها لا تفتقد الحداثة والتفاصيل المثيرة، سواء تم تجسيدها في إطلالة مستوحاة من صورة كايت بلانشيت في فيلم «Elizabeth» أو من أنجلينا جولي في «Maleficent» أو من إطلالة صوفي مارسو في «Braveheart» وماريون كوتيار في «ماكبث» وهلم جرّا.

لم يبخل إيلي صعب على الـ«كابات» التي طرحها بالتطريز والتفاصيل الغنية (إيلي صعب)

فـ«الكاب» بنظر إيلي صعب ورقة رابحة تُضفي على أي قطعة مهما كانت بساطتها كثيراً من الفخامة والتميُّز. خضع على يد كل المصممين الذين اقترحوه في تشكيلاتهم الأخيرة لعملية تفكيك صارمة جعلته أكثر انسيابية وخفة مراعاة لمتطلبات العصر وحاجة امرأة اليوم لقطعة مرنة ومطواعة؛ فمما يذكره التاريخ أنها عندما انتبهت أول مرة إلى جماليات الـ«كاب» في بداية القرن العشرين، لم تتوانَ عن سرقته من خزانة الرجل بمساعدة مصممين، نذكر منهم بول بواريه، قدموه لها بحجم كبير ودرامي يليق بحفلات الأوبرا والحفلات التنكرية التي كانت رائجة في أوساط الطبقات الراقية والفنية آنذاك. تغير الزمن ومعه ظروف المرأة، الأمر الذي استدعى التخفيف من حجمه وزخرفاته ليدخل المناسبات النهارية من أوسع الأبواب. دار «بيربري» مثلاً تطرحه بديلاً للمعطف كذلك بيوت أزياء أخرى مثل «كارولينا هيريرا» و«ماكسمارا» وغيرها. أما لمناسبات السهرة والمساء، فحدث ولا حرج.


مقالات ذات صلة

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

لمسات الموضة من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أبرز التحديات التي تواجه المصممين الناشئين صعوبة اختراق الأسواق العالمية، وهذا ما تحاول مبادرة «فاشن تراست أرابيا» تحقيقه بشراكتها مع متجر «هارودز».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

سر حذاء شاكيرا الضخم في افتتاح مونديال 2026

حذاء شاكيرا الرياضي ذو المنصة المرتفعة بمونديال مكسيكو سيتي يقلب موازين أزياء الملاعب، مازجاً بين تمرد «الغرانج» وأناقة العصر بلمسة كولومبية ذكية.

كوثر وكيل (لندن)
لمسات الموضة ياسين بونو وعبد الصمد الزلزولي وأزياء بتوقيع دار «بيغناتيلي» الإيطالية (.أ.ف.ب)

كأس العالم 2026 «تلعب» باحترافية على علاقة الموضة بكرة القدم

في التسعينات كانت القوة الإعلانية للعارضات «السوبر» تبعهم النجوم وفي المرحلة الحالية يبدو أنهم سلموا المشعل لنجوم كرة القدم.

جميلة حلفيشي (لندن)

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

وصل الفائزون بجائزة «فاشن تراست أرابيا» لعام 2025 إلى لندن مؤخراً. جاؤوا من بلدانهم يحملون معهم أحلامهم الكبيرة وطموحات تتجاوز حدودها المحلية. لكن لندن هنا ليست مجرد محطة احتفالية عابرة، بل جزء من خُطَّة استراتيجية تسعى إلى ربط المواهب الناشئة في المنطقة العربية وصناعة الأزياء العالمية عبر مزيج من الإرشاد المهني، وفرص البيع بالتجزئة والانخراط المباشر مع شبكة الفاعلين في القطاع.

انطلقت الفعاليات بحفل استقبال جمع الفائزين بعدد من الأسماء المبدعة والمؤثرة في مجالات الأزياء والتصميم والثقافة، مثل إميليا ويسكتيد وديفيد كوما وغيرهم من المصممين. لقاء لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية، بل مساحة عمل ممتدة، كون هذا الحفل الافتتاحي فقط تمهيداً لثلاثة أيام من الجلسات المهنية ركَزت على بناء العلامة التجارية لكل واحد منهم، من خلال فهم استراتيجيات التجزئة والقيادة والتواصل وريادة الأعمال. فالنجاح حالياً لا يقتصر على التطوير الإبداعي، وبالتالي لا تكتفي «فاشن تراست أرابيا» منذ تأسيسها في عام 2018 بدعم هذا الجانب وحده ولا على تسليط الضوء على المواهب العربية، بل تسعى لتوفير أدوات عملية ولوجستية تساعدهم على تطوير مشاريع قابلة للاستمرار والنمو، ومع الوقت بناء علامات تتحول إلى حضور عالمي يتنافس مع الكبار.

وهذا ما تؤكده تانيا فارس، الشريكة المؤسسة لـ«فاشن تراست أرابيا» قائلةً: «إن دعم المواهب العربية لا يقتصر على الظهور الإعلامي والمظاهر الاحتفالية، بل يقوم على توفير أدوات فعالة تُمكِّنهم من تطوير مشاريع مستدامة»، مشيرةً إلى أهمية الجمع بين الإرشاد وخلق الفرص التجارية ضمن بيئة واحدة.

فمن أبرز التحديات التي تواجه المصممين في بداياتهم القدرة على اختراق منافذ تسويقية تؤمن بموهبتهم وتمنحهم مساحة للعرض. هنا تلعب المبادرات الداعمة دوراً حاسماً، عبر إدخال المواهب الناشئة مبكراً في شبكة من العلاقات المهنية. بالنسبة إلى «فاشن تراست أرابيا» نجحت في ربط شراكة مع متجر «هارودز» بلندن، عمرها قبل أربع سنوات.

بموجب هذه الشراكة، توفِّر «هارودز» منصة عرض ثابتة للفائزين، بشكل حصري سواء داخل المتجر أو عبر المنصة الرقمية الخاصة به، إضافةً إلى الترويج لهم عبر باقي قنواته التسويقية. الآن وأكثر من أي وقت مضى تزيد أهمية هذه الشراكة بالنظر إلى الوضع الاقتصادي العالمي غير المستقر نسبياً، حيث أصبحت فرص الظهور الدولي للمصممين الناشئين مرتبطة بالشراكات الكبيرة وبدور الأزياء العالمية، فيما يعاني المصممون المستقلون والشباب من شُح الفرص.

إلى جانب البُعد الذي توفره الشراكات مع متاجر مثل «هارودز»، فإن تأثير «فاشن تراست أرابيا» لا يقتصر على فتح أبواب العرض أو خلق فرص للبيع فحسب، بل يمتد إلى كشف المهارات التي تتوفر في المنطقة العربية من خلال مصممين يتمتعون بخيال خصب ورغبة في التفوق. وكالعادة، عكس الفائزون في دورة 2025، تبايناً في أساليبهم ومدارسهم الإبداعية. القاسم المشترك بينهم كان التشبث بالهوية. في أعمال المصرية فرح رضوان، مؤسِّسة علامة «RYR» ظهر جلياً تعاملها مع المجوهرات كمساحة للذاكرة أكثر من كونها امتداداً للتراث. ورغم استلهامها من تقاليد الصاغة في مصر القديمة، فإنها لا تُقدِّمها بترجمة حرفية أو بنزعة حنين إلى الماضي بل كإعادة صياغة داخل سياق معاصر يجمع روح باريس والقاهرة. هذا التداخل الجغرافي في عملية الإنتاج، والجمع في القطعة الواحدة بين الحرفة اليدوية والمواد الحديثة مثل الفضة الإسترليني والذهب عيار 18 قيراطاً والجلود والأحجار المختارة، هو ما يمنح أعمالها طبقة من التميز.

المغربية ليلي روكني، في المقابل، وهي مؤسسة «TALEL»، تتحرك في اتجاه مختلف. فهي تميل إلى خضِّ الهدوء البصري ولا تؤمن بإعادة تفسيره. عملية التصميم بالنسبة إليها تقوم على إدخال عناصر غير متوقعة في البنية الشكلية، سواء عبر النسب أو المواد أو العلاقة بين الأجزاء، بحيث تُصبح الحقيبة كتلة معمارية صغيرة مستلهَمة أحياناً من الفن المغربي وأحياناً من المدرسة الفرنسية. مشاركتها في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» كانت لهدف واضح: «أتوق إلى تنمية علامتي عالمياً وتعزيز الجانب التجاري، وفي الوقت ذاته أتوق إلى اختبار أفكار جديدة ومبتكرة».

في جانب الأزياء الجاهزة، لا يختلف المغربي يوسف إدريسي، مؤسِّس علامة «لات فور وورك Late for Work»، كثيراً عن ليلى في رغبته في خض المتعارف عليه وخلق مقاربة تستند إلى تفكيك التصاميم التقليدية وإعادة تركيبها من الداخل. فالعلامة، وفق تصريحه، تنطلق من حس نقدي تتحول فيه التناقضات، بل حتى ما يعدّه البعض «عيوباً»، إلى جزء من اللغة التصميمية. يُوظِّف القصَّات غير المكتملة، والخطوط غير المتوازنة كعناصر تفاعلية مع الجسد. حسب قوله: «إنها نوع من العبثية المقصودة والبنية المدروسة».

في المقابل، ينتمي السعودي زياد بوعينين، الفائز بجائزة أفضل مصمم لأزياء المساء والسهرة، إلى مدرسة مختلفة تميل إلى التصاميم الكلاسيكية بلغة معاصرة بدل تفكيكها. يستمد خبرته وأفكاره من تنقلاته بين الخُبر وطوكيو ونيويورك وميلانو ولندن، وهو ما يمنح تصاميمه نكهة عالمية. يقول إنه عندما أطلق علامته بشكل رسمي عام 2021، انطلق من فكرة دمج الفن والثقافة بمرونة وانسيابية، مع مراعاة مفهوم الاستدامة كجزء أساسي من عملية التصميم المعاصر. ويؤكد بوعينين أن الاستدامة لا تتعارض مع الفخامة، بل هي جزء لا يتجزأ من خط الـ«هوت كوتور» بحكم أنه قائم على الحرفية العالية كما على عنصر توارث الأجيال للقطعة. رغم ما حققه من نجاح يتمثل في لائحة مهمة من الزبونات المهمات، فإن فوزه بجائزة أفضل مصمم في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» هذا العام، فتح له أبواباً جديدة «من العلاقات مع صناع موضة ومؤثرين لهم وزن». فكلما توسَعت دائرة المعارف زادت المعرفة، وفق رأيه.


هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
TT

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي. صناعة الموضة لم تسلم من تبعات هذه المرحلة لكنها لم تستسلم لها، وتعمل على إيجاد حلول مستدامة. تاريخها يشهد لها بقدرتها على الصمود ومواجهة التحديات. كانت دائما الحلقة الأضعف بين العواصم العالمية: نيويورك، ميلانو، باريس، إلا أنها كانت تتفوق عليهم بخصوبتها في إنجاب مُبدعين شباب. جعلت من دمائهم الفائرة وجموحهم المجنون للابتكار ورقتها الرابحة دائماً، بحيث كانت تُصدِرهم لهذه العواصم لإنعاش ما يمكن إنعاشه من بيوت أزياء عريقة، وليس أدل على هذا من جون غاليانو في «ديور» سابقاً وألكسندر ماكوين في «جيفنشي» وفيبي فيلو في «سيلين» وستيلا ماكارتني في «كلوي» و«لويز تروتر» حالياً في دار «بوتيغا فينيتا»، وهلم جراً، من الأسماء التي تركت بصماتها في باريس وميلانو.

من عرض علامة «لابروم» (موقع لابروم)

فهذه الدماء الشابة جعلت من أسبوع لندن في فترة من الفترات أقوى من ميلانو ونيويورك من ناحية الابتكار. لكن شتان بين الأمس واليوم. فالأوضاع الاقتصادية في بريطانيا عموماً ووضع صناعة الموضة في لندن خصوصاً، ليسا في أفضل حالاتهما هذه الأيام. صحيح أن لندن لم تفقد روحها الإبداعية، إلا أن محاولات ترويض هذا الإبداع لإرضاء الجانب التجاري باتت ملموسة. ثم جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ثم الحروب المتتالية، لتزيد الوضع تعقيداً. لهذا كان لا بد من البحث عن منفذ يفتح أماما مصمميها أبواب الأسواق العالمية بشكل مستدام. وهنا أعلن المجلس البريطاني للأزياء التزامه بتعزيز منصة «London Show Rooms» التي تقام خلال أسبوع الموضة الرجالي في باريس بين 25 و30 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك لأربع سنوات قادمة، في محاولة لتوفير مساحة أكثر تركيزاً خلال واحدة من أكثر الفترات أهمية في روزنامة الموضة العالمية: أسبوع الموضة الرجالية.

من تصاميم «بالمر هاردينغ» (موقع مجلس الأزياء)

شرحت لورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس الفكرة قائلة إن البرنامج «يهدف إلى تعميق حضورنا في الأسواق العالمية الرئيسية عبر توفير فرص مستدامة لنمو أعمال المصممين البريطانيين وتعزيز مرونتهم التجارية، وباريس تُمثّل محوراً أساسياً في هذه الرؤية. فهي بوابة مهمة للتوسع الدولي وتمكين المصممين من الوصول إلى جماهير جديدة وشراكات وفرص عالمية».

اختار المجلس للمشاركة في هذا المعرض عدداً من الأسماء الواعدة مثل كليو بيبيات، يودون تشوي، لابروم لندن، نيكولاس دايلي، بالمر أند هاردينغ، توندولو، وآخرين.

أغلب المشاركين في المعرض من خريجي برامج داعمة للشباب الواعدين (موقع مجلس الأزياء)

أغلبهم استفادوا من برامج دعم المواهب التابع للمجلس البريطاني للأزياء «نيو جين» و«فاشن إيست» ويأتي هذا التوسع ضمن برنامج «بي.إف.سي إنترناشيونال» أحد المحاور الرئيسية لاستراتيجية المجلس «BFC 2030: Access, Creativity, Growth» التي تركز على تعزيز فرص الوصول إلى الأسواق الدولية ودعم الإبداع وتحقيق نمو مستدام للمصممين البريطانيين الشباب. وبحسب المجلس، فإن الخطوة تُمثّل مرحلة جديدة لتطوير معرضها الباريسي كمنصة تستقبل حضوراً عالمياً أوسع، مع خطط مستقبلية لإطلاق صيغ عرض جديدة وشراكات وأنشطة تسويقية تهدف إلى ربط المصممين البريطانيين بأسواق وفرصة دولية إضافية.


حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر
TT

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، حيث تتمازج حرارة المدرجات بشغف الساحرة المستديرة، لم تكتفِ النجمة الكولومبية شاكيرا بإشعال الحماس عبر أغنية المونديال الرسمية «داي داي»، بل خطفت الأضواء بـ«ضربة معلم» في عالم الموضة الرياضية.

تحول حذاء النجمة على العشب الأخضر من مجرد تفصيل متمم للإطلالة إلى بيان فني صاخب يعيد تعريف أزياء الملاعب، ويمزج بكبرياء بين التمرد الأنثوي ومتطلبات الأداء الحركي الفائق في افتتاح كأس العالم 2026.

شاكيرا تألقت في تقديم الحفل الموسيقي (رويترز)

هندسة الجاذبية على المستطيل الأخضر

في وقت كان العالم يترقب فيه دوران الكرة، اختارت شاكيرا أن تؤسس لمنطقها الخاص في الحركة، حيث اعتلت المسرح بحذاء رياضي ضخم ذي منصة مرتفعة (Platform) من العلامة النيويوركية المتمردة R13.

الحذاء، الذي ينتمي إلى طراز «Riot High-Top» والمصنوع من الجلد الأبيض الناصع، جاء بكعب شاهق يصل إلى 4.45 سنتيمتر مدعوماً بقاعدة سميكة بارتفاع 3.8 سنتيمتر.

هذا الخيار الاستثنائي شكّل تحدياً صارخاً للقواعد التقليدية لملابس الملاعب، مانحاً النجمة قامة ممشوقة وثباتاً راسخاً تناغم بدقة مع لوحات فرقتها الراقصة.

من ثورة «الحفاء» إلى صخب الـ «غرانج» (Grunge) النيويوركي

شاكيرا تقدمت الفنانين في حفل افتتاح كأس العالم 2026 (رويترز)

تاريخياً، ارتبطت هوية شاكيرا المونديالية بالتحرر، ففي نسخة جنوب أفريقيا 2010 وأغنيتها الشهيرة «واكا واكا»، آثرت الغناء حافية القدمين لتكريس اتصالها العضوي بالأرض.

أما في مكسيكو سيتي، فقد عكس الحذاء الرياضي المستوحى من كلاسيكيات كرة السلة تحولاً جذرياً نحو جماليات الـ«Grunge» المعاصرة.

لقد كان هذا التصميم بمثابة درع ذكي، أمن لركبتيها وكاحليها الحماية القصوى أثناء أداء رقصاتها المعقدة والسريعة، لتثبت للعالم أن الأناقة الرفيعة لا تقصي الكفاءة البدنية.

فلسفة اللون وتناغم الإيقاع البصري

لم يكن اختيار الحذاء الأبيض معزولاً عن سياقه الفني، بل جاء بتنسيق مبتكر صممته دار Off-White بالتعاون مع منسق أزيائها نيكولاس برو. وتمثلت اللمسة الذكية في استبدال الأربطة التقليدية بأخرى ذات لون أصفر فوسفوري مشع تحاكي روح العلم الكولومبي وتتناغم مع بدلتها الرياضية، بينما أضفت نظارات بالنسياغا Balenciaga المستقبلية هالة من الغموض الثوري. هذا المزيج المدروس يعكس كيف تحول الرموز الفنية «المستطيل الأخضر» إلى منصة عرض أزياء عالمية تحاكي جيل الحداثة.