«المربى» انتقلت إلى الهند من آسيا الوسطى عبر المغول

اسمها عربي وقوامها السكر والتوابل وماء الورد

فاكهة وسكر وتوابل تساوي المربى في الهند (شاترستوك)
فاكهة وسكر وتوابل تساوي المربى في الهند (شاترستوك)
TT

«المربى» انتقلت إلى الهند من آسيا الوسطى عبر المغول

فاكهة وسكر وتوابل تساوي المربى في الهند (شاترستوك)
فاكهة وسكر وتوابل تساوي المربى في الهند (شاترستوك)

في المطبخ الهندي، هناك كنز من الوصفات التقليدية التي تجمع بين النكهات والمكونات بطرق فريدة وممتعة. إحدى جواهر المطبخ الهندي هي المربى، الكلمة المشتقة من اللغة العربية. المربى، هي أحد الأطعمة الفائقة التي تُصنع من خلال حفظ الفواكه أو الخضراوات في الشراب السكري. عندما تقترن بالحلاوة الطبيعية للعسل، فإنها تخلق طعماً رائعاً للغاية يثير براعم التذوق. تأتي المربى بشعبية هائلة في الكثير من مناطق جنوب القوقاز وآسيا الوسطى وجنوب آسيا والشرق الأوسط، والمربى عادة ما تُجهز بالفواكه والسكر والتوابل.

المربى تعتمد على السكر والفاكهة (شاترستوك)

الفواكه والخضراوات الشائعة التي تستخدم في صناعة المربى هي التفاح والمشمش والتوت الهندي والمانغو والجزر والبرقوق والتين والسفرجل والبطيخ الشتوي وحتى الخيزران.

تحتل المربى موضعاً مميزاً في الثقافة الهندية. وغالباً ما تُقدم كبادرة حُسن ضيافة للضيوف، وهي طعام شهير خلال المناسبات الاحتفالية. كما أن إعداد المربى يعد تقليداً عريقاً تتوارثه الأجيال، ويعكس تراث الطهي الغني للبلاد.

فاكهة مجففة مع السكر والتوابل (شاترستوك)

تجد المربى مكانها تقريباً في كل مطبخ هندي، مع إرثٍ غني يفسر رحلتها مباشرة من مطابخ العرب إلى موائد الطعام في الهند.

ما هي المربى؟

إيجازاً للقول، فإن المربى عبارة عن طعام محفوظ حلو المذاق ومصنوع في المقام الأول من الفواكه والخضراوات المنقوعة في التوابل والسكريات.

تقدم المربى في الهند للاحتفاء بالضيوف (شاترستوك)

تُضاف التوابل والمنكهات مثل ماء الورد كلمسة نهائية. والنتيجة النهائية، سواءً قُدمت جافة أو مع شراب، هي طعم لذيذ يقع في مكانٍ ما بين المربى والحلوى. في حين أن اختيار الفواكه يمكن أن يتراوح بين التفاح والأناناس ويمكن أن يمتد إلى الخضراوات مثل الجزر، فإن الأنواع الأكثر شعبية من المربى هي المانغو والتوت الهندي.

يقول ديراج ماثور، رئيس الطهاة في فندق «راديسون بلو»، دلهي: «أهم شيءٍ يجب أخذه في الحسبان عند صنع المربى هو نسبة السكر والخل، ثم إضافة التوابل مثل الكالونجي (بذور البصل)، وصلصة مُوتي (بذور الشمر) والدلتشيني (القرفة). كما ينبغي أيضاً إبقاء المربى مغموسة في شراب السكر أو العسل في حاوية محكمة الغلق، بعد إبقائها في ضوء الشمس لمدة ثلاثة أيام».

فاكهة وسكر وتوابل تساوي المربى في الهند (شاترستوك)

تعقب رحلة المربى

أساس وصفة المربى هو السكر، وبالتالي، لتتبع تاريخ الطبق، من الضروري أن نفهم من أين بدأت معالجة السكر أول الأمر.

تقول القصة إن شبه القارة الهندية المكان الأول؛ حيث أنتج السكر لأول مرة من القصب. اكتُشف الضغط على نبات قصب السكر لاستخراج العصارة ثم البلورة من خلال الغلي نحو عام 350 ميلادية، في حين كانت سلالة غوبتا لا تزال في الحكم.

ومنذ ذلك الحين، وبعد تأمين السكر، كانت التجارة والصادرات هي التي أدت في النهاية إلى أن تصبح المربى سمةً شعبية.

يقول التاريخ إنه عندما غزا الحاكم الفارسي داريوس الهند، أخذ قصب السكر إلى بلاد فارس، حيث شوهدت أولى حالات صنع المربى.

عندما وجد العرب في بلاد فارس هذا الفن، بدأوا في استكشافه وتحديد الطرق الأخرى التي يُمكنهم استخدامها لطهي الأشياء بالسكر، وبالتالي الحفاظ عليها لفترة طويلة. كانوا يسمون الفاكهة المحفوظة «أنبيجات»، وفي نهاية المطاف، أصبحوا يطلقون عليها «مربى».

ومع ذلك، فإن الطبق له ارتباط بالمغول ووصولهم إلى شبه القارة الهندية.

يحتوي كتاب «حوليات مطبخ الخلفاء» من القرن العاشر، الذي كتبه ابن سيار الوراق، على فصل عن إعداد المربيات والجواريشنات، ووصفات للمربى المصنوعة من الزنجبيل والتمر والخيار المضلع والليمون.

يُقال إنه عندما أتى المغول إلى الهند سنة 1526 من أجزاء مختلفة من آسيا الوسطى، إلى جانب جلب ثقافتهم وتراثهم، جلبوا أيضاً طبق المربى الحلو، الذي سرعان ما صار رمزاً للملكية، إذ إن شبه القارة الهندية كان لها فاكهتها وتوابلها الخاصة، وكانت المنتجات المحلية تُستعمل طبيعياً لصنع هذه الأطعمة المحفوظة.

أنوثي فيشال هي كاتبة صحافية وكاتبة عن الغذاء تقول: «من الأمثلة التي تسلط الضوء على ذلك، عندما دعا دولت خان لودهي، حاكم لاهور، بابور، لمقاتلة إبراهيم لودهي، سلطان دلهي، وأرسل دولت خان إلى بابور جرةً من المانغو نصف الناضجة المحفوظة في الشراب، لم يقبل بابور هذه المبادرة فحسب، وإنما امتدح الصحن أيضاً»، وتذكر مقتطفاتٍ من أرشيف التاريخ تقول: «إنها غير ناضجة، فهي تصنع بهارات ممتازة، لكنها محفوظة جيداً في الشراب أيضاً».

تُذكر المربى في مقتطفات من كتابات الطبيب والرحالة الفرنسي فرانسيس بيرنير، الذي أمضى ما يقرب من عقدٍ من الزمان في الهند، وتحديداً البنغال، إذ يقول: «من بين الفواكه الأخرى، يحتفظون بالأترج الكبير، كما هو الحال في أوروبا، بجذور دقيقة معينة يبلغ طولها طول نبات السارساباريلا. والأمبا، والأناناس، ثمرتان شائعتان من ثمار الهند، وكذلك برقوق الميروبالان الصغير الممتاز، والليمون والزنجبيل».

الهند التي لا تبالي بتاريخ منشأ المربى، تُحبها للغاية. أفضل جزءٍ منها أن طعمها ليس الشيء الوحيد الذي يجعلها رائجة في كل بيت. وفقاً لأيورفيدا، حيث إن التوت الهندي غني بالفيتامينات (إيه، وسي، وإي) وهو جرعة صحية في كل ملعقة.

طريقة إعداد المربى هي أن محتوى الألياف من الفواكه أو الخضراوات المستخدمة لا يزال سليماً، ما يجعله مساعداً رائعاً في عملية الهضم. وعند مزجه بالسكر والعسل، يقال إنه يساعد على تخفيف التهاب المعدة.

يقدم الشيف الشهير عالمياً سانجيف كابور وصفةً أشهر وأصح لمربى التوت الهندي، ويقول: «إن التوت الهندي، الذي يعد الآن طعاماً فائقاً، غني بفيتامين (سي) ويحتوي على ألياف لمكافحة أمراض الجهاز الهضمي، ومجموعة من المعادن الشحيحة التي تعد عناصر غذائية لا تُقدر بثمن. في طب الأيورفيدا (الطب الهندي القديم)، تجلب الفواكه الكثير من الفوائد للنساء الحوامل كمصدرٍ للتغذية. من الواضح أن صناعة المربى من التوت الهندي (الأملا) كانت طريقة لجعل الفاكهة أكثر استساغة».

المكونات:

التوت الهندي (الأملا) أو عنب الثعلب - 1 كيلوغرام

السكر / العسل - نصف كيلوغرام

بذور الهيل الخضراء المطحونة - 1 ملعقة صغيرة

الزعفران - 1 ملعقة صغيرة

اللوز مقشراً ومقطعاً - 10 :15 لوزة

الطريقة:

الخطوة 1: ضع التوت الهندي في مقلاة، وأضف كوبين من الماء، وقم بالتغطية والطهي على نارٍ منخفضة لمدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة حتى يصبح التوت طرياً وتنخفض كمية الماء إلى النصف.

الخطوة 2: إزالة البذور ووضعها جانباً.

الخطوة 3: تسخين السكر مع 6 أكواب من الماء في مقلاة سميكة القاع، وإعداد شراب السكر حتى يكون خفيف القوام.

الخطوة 4: أضف التوت المطهي مع سائل الطهي واستمر في التقليب.

الخطوة 5: أضف بذور الهيل الخضراء المطحونة والزعفران، واستمر في الطهي من دون تغطية على حرارة منخفضة حتى يصبح المزيج سميكاً وشفافاً.

الخطوة 6: يجب أن يكون الشراب الآن سميك القوام. أضف اللوز وقلب برفق. اترك الخليط ليبرد ثم خزنه في جِرارٍ محكمة الغلق.

الواقع أن بعض تقاليد المربى التي ما زلنا نجدها في البلاد، مثل حلوى الزنجبيل في أندرا براديش، تُذكرنا إلى حدٍّ كبير بحلوى آسيا الوسطى. ومع ذلك، كان لشبه القارة الهندية الفواكه والتوابل الخاصة بها، وكان من الطبيعي أن تُستخدم المنتجات المحلية في صنع هذه الأطعمة المحفوظة.

ربما تكون مربى التفاح من ولاية هيماشال في جبال الهيمالايا، والمانغو من غوجارات هي المربيات الثلاث الأكثر شعبية في الهند.

مربى الخيزران (الغريبة) لها فوائد صحية هائلة. وهي توفر الحماية من أمراض القلب، إذا كنت تتناولها بانتظام.

كما أكد زاهر علي، وهو طبيب أيورفيدي، أن تناول مربى الخيزران سوف يعالج مشكلات هضم المعدة. وبصرف النظر عن ذلك، فإنها تساعد أيضاً في الحد من السمنة. وتساعد على تنظيف الدم، وتقليل الكوليسترول، والسيطرة على ضغط الدم. كما أنها مفيدة أيضاً لمرضى السكري، والأشخاص الذين يعانون من مشكلات في القلب.

المربى المصنوعة من الخيزران قادرة على قتل ديدان المعدة وتعزيز المناعة. كما يُقلل استهلاك هذه المربى من التعب فضلاً عن الحساسية التي تسببها التمارين الرياضية الشاقة.

لذا، اجعل هذا الطعام الفائق جزءاً مُهماً من نمط حياتك الصحي.


مقالات ذات صلة

المطاعم اللبنانية في لندن بين الإغلاق والافتتاح... والبقاء للأقوى

مذاقات أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)

المطاعم اللبنانية في لندن بين الإغلاق والافتتاح... والبقاء للأقوى

مشهد المطاعم اللبنانية حالياً في لندن متقلب وغير مستقر، حيث سمعنا منذ أيام قليلة عن إقفال عدد كبير من مطاعم «مروش» التي تُعد من أبرز الأسماء التي ساهمت في...

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟

كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟

لا يكاد مطبخ في العالم يخلو من الملح، ذلك المكون البسيط الذي يملك قدرة استثنائية على إبراز النكهات ومنح الأطعمة توازناً محبباً.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات يشارك في المهرجان نخبة من الطهاة والمطاعم (هيئة الفنون الطهوية السعودية)

السعودية في مهرجان «نكهة لندن»

تستضيف لندن مهرجان «تيست أوف لندن» أو «نكهة لندن» أحد أبرز الفعاليات العالمية المتخصصة في فنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات يعتبر المطبخ الهندي من أكثر المطابخ إنتشارا في بريطانيا (الشرق الاوسط)

أين تأكل أفضل طعام هندي في لندن؟

يُعدّ المطبخ الهندي جزءاً راسخاً من المشهد الغذائي في المملكة المتحدة، حيث تجاوز حضوره حدود الجاليات الآسيوية ليصبح أحد أكثر المطابخ انتشاراً وتأثيراً...

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات غي سافوا أول طاهي ينضم لأكاديمية الفنون الجميلة (نيويورك تايمز)

«انتقام جميل» لطاهٍ فرنسي خسر نجمته من دون مبرر

في عالم الطهي الفرنسي لمع اسم غي سافوا، الذي رافق رئيسين فرنسيين إلى البيت الأبيض، ونال وسام جوقة الشرف، أرفع أوسمة الجمهورية الفرنسية عن إسهاماته في فن الطهي

إيلين شيلينو (باريس)

المطاعم اللبنانية في لندن بين الإغلاق والافتتاح... والبقاء للأقوى

أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
TT

المطاعم اللبنانية في لندن بين الإغلاق والافتتاح... والبقاء للأقوى

أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)

مشهد المطاعم اللبنانية حالياً في لندن متقلب وغير مستقر، حيث سمعنا منذ أيام قليلة عن إقفال عدد كبير من مطاعم «مروش» التي تُعد من أبرز الأسماء التي ساهمت في ترسيخ حضور المطبخ اللبناني في العاصمة البريطانية على مدى أكثر من أربعة عقود. وجاء هذا الخبر بعد اختفاء أسماء معروفة أخرى من الساحة اللندنية مثل «عبد الوهاب» و«نورا»، وهي مطاعم لعبت دوراً أساسياً في التعريف بالمطبخ اللبناني واستقطاب أجيال من الزبائن من العرب والبريطانيين على حد سواء.

ديكورات تذكرك ببيوت لبنان العتيقة (الشرق الأوسط)

لكن الصورة ليست سوداوية بالكامل، فبالتوازي مع هذه الإغلاقات، تشهد لندن افتتاح مطاعم لبنانية جديدة تسعى إلى تقديم تجربة مختلفة تجمع بين الأصالة والحداثة، ومن بينها مطعم «كينز» وغيره من المشاريع التي تعكس استمرار جاذبية المطبخ اللبناني وقدرته على التجدد. وبين أفول أسماء صنعت تاريخاً طويلاً وولادة علامات جديدة تحمل رؤى مختلفة، يبرز سؤال جوهري حول التحولات التي يشهدها قطاع المطاعم اللبنانية في لندن ومستقبله في سوق تتغير ملامحه باستمرار، مع إقرار بأن البقاء سيكون للأقوى بينها. وفي ظل هذا المشهد، أصبح افتتاح أي مطعم لبناني جديد يحمل رؤية واضحة حدثاً يستحق التوقف عنده. من هنا يأتي مطعم «كينز» (Kinz) في منطقة نوتينغ هيل، الذي يسعى إلى إعادة تقديم المطبخ اللبناني كما يعرفه أبناؤه: مطبخاً قائماً على المشاركة والكرم والنكهات الأصيلة، ولكن ضمن إطار عصري يواكب الذائقة اللندنية المعاصرة.

الكبة من الأكلات اللذيذة في "كينز" (الشرق الأوسط)

كنا من بين أوائل الزوار الذين قصدوا «كينز» بعد يومين فقط من افتتاحه. والمفارقة أن اللافتة الخارجية للمطعم لم تكن قد رُكبت بعد، إلا أن ذلك لم يمنع عشاق الطعام من العثور على العنوان الجديد. فالمكان كان مكتظاً بالكامل، فيما تنوعت جنسيات الحاضرين في مشهد يعكس الفضول الكبير الذي أثاره المطعم منذ أيامه الأولى.

ويحتل المطعم مبنى تاريخياً كان سابقاً فرعاً لبنك «لويدز» يعود إلى ثلاثينات القرن الماضي، من تصميم المعماري البريطاني الشهير السير إدوارد موف. وقد نجح القائمون على المشروع في الحفاظ على الكثير من الملامح المعمارية الأصلية للمبنى، مع إعادة توظيفها ضمن تصميم داخلي أنيق يجمع بين الحداثة والتراث، واللافت هو أن هناك تفاصيل صغيرة تعيد إلى ذاكرة اللبنانيين حيثيات صغيرة يرونها كل يوم في شوارع بيروت ودكاكينها مثل الخيم المقلمة التي تظلل مدخلها وواجهاتها وأرضية وبلاط بيوتها القديمة الأملس من كثرة المشي عليه، فيُخيَّل للناظر أن الزمن أذابه من كثرة المشي عليه، والزهرة التي رسمت على فناجين القهوة التراثية التي حولها «كينز» إلى شعار على شكل دبوس يضعه الندل على زيهم وأسياخ توضع عليها المشويات.

ديكور بسيط وجميل (الشرق الأوسط)

منذ اللحظة الأولى يلفت الانتباه المدخل الواسع والأسقف المرتفعة التي تمنح المكان إحساساً بالرحابة. كما جرى الحفاظ على عدد من التفاصيل الأصلية في الجدران، ومنها بقايا كلمات إنجليزية تعود إلى متجر كان ملاصقاً للبنك في الماضي، في لمسة تضيف بعداً تاريخياً للمكان.

ويقود سلم طويل إلى الطابق العلوي حيث تتوزع جلسات مريحة تطل على القاعة الرئيسية، بينما يوفر الطابق الأعلى مساحة أكثر خصوصية للراغبين في أجواء هادئة. وعلى امتداد السلم تتزين الجدران بصور فوتوغرافية كبيرة توثق مشاهد من لبنان بعدسات مصورين محليين.

جلسات جميلة ومتوزعة بشكل مريح (الشرق الأوسط)

أما أبرز مفاجآت التصميم فتتمثل في غرفة الطعام الخاصة الموجودة في الطابق العلوي، والتي تتسع لمجموعة محدودة من الضيوف. وتلفت الأنظار فيها وحدات الإضاءة المصممة على شكل أزهار بيضاء، والتي قامت شركة لبنانية بتصميمها وتنفيذها في بيروت خصيصاً لهذا المشروع.

وعند العودة إلى الطابق الأرضي، تبدو العناية بالتفاصيل واضحة في توزيع الطاولات؛ إذ تفصل بينها مساحات مريحة تتيح للزبائن الاستمتاع بوجباتهم من دون الشعور بالازدحام. كما تسود المكان ألوان هادئة مستوحاة من طبيعة البحر المتوسط وحقول الزيتون.

أما لمن يرغب في استكشاف تاريخ المبنى، فيمكنه اختيار الجلوس داخل الغرفة الخلفية التي كانت في السابق خزنة البنك. ولا يزال الباب الحديدي السميك والثقيل قائماً حتى اليوم، شاهداً على الوظيفة الأصلية للمكان قبل تحوله إلى أحد أكثر العناوين الجديدة إثارة للاهتمام في نوتينغ هيل.

أصحاب مطعم "كينز" الجديد (الشرق الأوسط)

ويقف وراء المشروع رشا خوري بروزو، الشريكة المالكة لمطعم «أكوب»، بالتعاون مع الشقيقين جاد وكريم لحود، في رؤية مشتركة ترتكز على الكرم والدفء العائلي وتقاليد الضيافة اللبنانية الأصيلة.وتعتمد قائمة الطعام على مفهوم المشاركة، حيث تنقسم الأطباق بين مجموعة من المقبلات اللبنانية التقليدية وأطباق رئيسية أكبر حجماً مستوحاة من وصفات توارثتها الأجيال.

وفي حديث مع رشا خوري بروزو وجاد لحود، أوضحت رشا أن الفكرة الأساسية للمطعم تقوم على تقديم أطباق لبنانية تشبه «أكل البيت» بأسعار معقولة. وقالت إنها لا تؤمن بالمبالغة في أسعار الطعام إلى درجة تحول دون تمكين الناس من الاستمتاع بمكونات جيدة وأطباق محضرة بعناية.

من جهته، أوضح جاد لحود أن معظم الوصفات المدرجة على قائمة الطعام تعود إلى والدته إيلين لحود، التي لا تزال تشرف بنفسها على إعداد عدد من الأطباق داخل المطبخ، بمساعدة فريق متعدد الجنسيات، حفاظاً على النكهة المنزلية الأصيلة التي يقوم عليها مفهوم المطعم.

ويولي «كينز» اهتماماً خاصاً بالأطباق النباتية المستوحاة من مطبخ القرى اللبنانية. ومن أبرزها فتة الباذنجان الغنية باللبن والرمان والمكسرات والخبز المقرمش، إضافة إلى الملفوف المحشي.

وعند المدخل، سيكون بإمكان الزوار شراء المأكولات الجاهزة مثل الكبة والفطاير وخلطات التوابل والمعلبات المنزلية.

ديكورات جميلة وبسيطة بنفس الوقت (الشرق الأوسط)

وعندما سألنا رشا وجاد عن شعورهما بعد الإقبال الكبير الذي شهده المطعم خلال أيامه الأولى، بدت الدهشة واضحة على وجهيهما. وقالت رشا: «الأمر لا يصدق. لا توجد حتى الآن لافتة تحمل اسم المطعم فوق الباب، ومع ذلك لم نكن نتوقع هذا الكم من الزبائن. بعض الأطباق نفدت اليوم لأننا لا نخزن الطعام ولا نثلجه، وكل شيء يُحضّر طازجاً وفي وقته».

ومن التفاصيل المحببة أيضاً أن المطعم يحيي جانباً من الثقافة الاجتماعية اللبنانية من خلال دمج طاولات الزهر والطاولة في تصميم البار وبعض المساحات المشتركة، في استحضار لذكريات الجلسات الطويلة التي تجمع الأهل والأصدقاء.

غرفة طعام خاصة للمجموعات الباحثة عن الخصوصية (الشرق الأوسط)

ويحمل المطعم اسم «كينز» أو «كِنز» بكسر الكاف، في إشارة إلى الكنز الثقافي والغذائي الذي يمثله المطبخ اللبناني. وهو اسم يعكس فلسفة المشروع القائمة على الحفاظ على الوصفات التقليدية والنكهات الأصيلة، مع تقديمها برؤية معاصرة تناسب جمهور لندن المتنوع.

في وقت أصبحت فيه المطاعم اللبنانية المتميزة أقل عدداً مما كانت عليه في السابق، يبدو «كينز» إضافة مرحَّباً بها إلى المشهد الغذائي في العاصمة البريطانية. فالمطعم لا يراهن على الفخامة أو الاستعراض بقدر ما يراهن على وصفات عائلية صادقة، ومكونات جيدة، وأجواء تذكر بزمن كانت فيه مائدة الطعام اللبنانية مساحة للقاء والمشاركة والكرم. وربما لهذا السبب بالتحديد، امتلأت طاولاته منذ أيامه الأولى.


كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟

كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟
TT

كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟

كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟

لا يكاد مطبخ في العالم يخلو من الملح، ذلك المكون البسيط الذي يملك قدرة استثنائية على إبراز النكهات ومنح الأطعمة توازناً محبباً.

رشَّة صغيرة تُبرز نكهة الطبق ومكوناته، إلا أنه من الناحية الصحية يُخفي الملح جانباً مقلقاً وفق الأطباء وخبراء التغذية؛ إذ يرتبط الإفراط في تناوله بارتفاع ضغط الدم ومضاعفات صحية تؤثر في القلب والأوعية الدموية، لا سيما لدى أصحاب الأمراض المزمنة.

الملح يتسلل إلى النظام الغذائي اليومي عبر أطعمة كثيرة

تقول إخصائية التغذية الدكتورة بسنت أحمد: «رغم التحذيرات الطبية المتزايدة، لا يزال الملح يتسلل إلى النظام الغذائي اليومي عبر أطعمة كثيرة لا تبدو شديدة الملوحة».

وتتابع: «ومن ذلك المخبوزات، والصلصات الجاهزة، واللحوم المصنعة، والشوربات المعلبة، والوجبات السريعة»، وتضيف: «لذلك فإن الحل لا يكمن فقط في إبعاد (المملحة) عن المائدة، بل في إعادة اكتشاف مكونات طبيعية تمنح الأطباق النكهة الكاملة دون الإضرار بالصحة».

الأعشاب الطازجة تضيف شخصية حقيقية للطعام

وتلفت إلى أن «الملح يظل عنصراً ضرورياً للجسم عند تناوله باعتدال؛ لاحتوائه على الصوديوم والكلوريد اللذين يلعبان دوراً مهماً في توازن السوائل ووظائف الأعصاب والعضلات». وتتابع: «لكن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد التوازن، وهو ما يتحقق عبر التدرج في تقليل الملح، والاعتماد على مكونات طبيعية تعزز النكهة بطريقة أكثر تنوعاً وثراءً».

وبينما يظن البعض أن تقليل الملح يعني التخلي عن النكهة، يؤكد خبراء الطهي أن هناك بدائل طبيعية قادرة على منح الطعام مذاقاً غنياً ومتنوعاً دون الاعتماد المفرط على الصوديوم. ويقول الشيف المصري علي عبد الحميد لـ«الشرق الأوسط» إن «الطعام المتوازن لا يعتمد على الملح وحده، بل على تناغم النكهات بين الحموضة، والأعشاب، والتوابل، والمكونات الطازجة، وهذه العناصر قادرة على إبراز مذاق الطبق بصورة أكثر أناقة وعمقاً».الحموضة... السر الأقرب إلى تأثير الملح

من أكثر البدائل التي يعتمدها الطهاة المحترفون لإبراز النكهات، المكونات الحمضية مثل الخل وعصير الليمون؛ فالحموضة تمتلك تأثيراً قريباً من تأثير الملح في إيقاظ المذاق وإضفاء الحيوية على الطبق.

بدائل للملح تفتح المجال لنكهات أكثر تنوعا وأناقة على المائدة من شيف علي عبد الحميد (الشرق الأوسط)

ويعد خل البلسميك وخل التفاح من الخيارات المفضلة في هذا المجال، لما يتمتعان به من مذاق متوازن يجمع بين الحلاوة الخفيفة والحموضة الناعمة، ويمكن استخدامهما في تتبيلات السلطات، وتتبيل اللحوم والأسماك، أو إضافتهما إلى الشوربات واليخنات لمنحها عمقاً إضافياً.

ويشير عبد الحميد إلى أن «غلي خل البلسميك على نار هادئة يمنحه كثافة ونكهة مركزة تصلح لوضعها فوق الخضراوات المشوية أو شرائح الطماطم الطازجة؛ وهو ما يخلق مذاقاً غنياً يقلل الحاجة إلى الملح». ويتابع: «أما الحمضيات، وفي مقدمتها الليمون و(برش الليمون) والبرتقال، من أكثر العناصر قدرة على إنعاش النكهات في أطباق مثل السمك والخضار مثل البروكلي والسبانخ المطهوة لأنه يخفف المذاق المر في بعضها».

الأعشاب الطازجة... نكهات متوسطية منعشة

تلعب الأعشاب العطرية دوراً أساسياً في المطابخ العالمية لروائحها الذكية، ولقدرتها كذلك على بناء طبقات معقدة من النكهات تغني عن الإفراط في استخدام الملح، على حد قوله. ويأتي الريحان في مقدمة هذه الأعشاب، بفضل مذاقه الذي يجمع بين الحلاوة الخفيفة والدفء العطري؛ مما يجعله مثالياً مع صلصات الطماطم والمعكرونة والبيتزا والشوربات، كما أنه ينسجم بشكل مفاجئ مع بعض الفواكه الصيفية مثل الفراولة والبطيخ.

أما الشبت فيتميز بنكهة منعشة تحمل لمسات قريبة من الكرفس والشمر؛ وهو ما يجعله مناسباً لأطباق السمك والبطاطا والسلطات الباردة، كذلك تمنح أعشاب مثل الأوريغانو وإكليل الجبل والبقدونس أبعاداً مختلفة للأطباق، وتضفي عليها طابعاً أقرب إلى مطابخ البحر المتوسط. ويرى عبد الحميد أن «الأعشاب الطازجة تضيف مذاقاً لذيذاً للطعام، وتجعل الطبق أكثر توازناً وتعقيداً دون الحاجة إلى كميات كبيرة من الملح».

البابريكا والتوابل... دفء يُثري المذاق

تشمل بدائل الملح أيضاً مجموعة واسعة من التوابل القادرة على منح الطعام عمقاً ودفئاً ونكهات متعددة الطبقات. وتُعد البابريكا من أبرز هذه الخيارات، سواء بنسختها الحلوة أو الحارة أو المدخنة؛ فهي تضفي لوناً جذاباً ومذاقاً غنياً يناسب اليخنات والمخللات وأطباق البيض والخضراوات المشوية.

يقول عبد الحميد: «تمنح توابل مثل الكمون، والكزبرة، والهيل، والقرفة، وجوزة الطيب دفئاً إضافياً للأطباق وطابعاً أكثر ثراءً للأطعمة؛ إذ تمنح كل منها شخصية مختلفة للطبق وتساعد على تقليل الحاجة إلى الملح».

الثوم والبصل... أساس النكهة العميقة

يُنظر إلى الثوم والبصل بوصفهما من أهم أسرار الطهي في المطابخ الشرقية والعالمية؛ فكلاهما يمنح الطعام مذاقاً غنياً ومركباً، ويقلل الحاجة إلى إضافة كميات كبيرة من الملح وفق عبد الحميد، ويقول: «يتميز الثوم بقدرته على منح الصلصات والشوربات والمقليات نكهة قوية ومحببة، سواء استُخدم طازجاً أو مشوياً».

أما مسحوق البصل أو البصل المجفف، فيوفر نكهة أكثر تركيزاً من البصل الطازج مع لمسة خفيفة من الحلاوة، ويمكن إضافته إلى الحساء، واليخنات، والصلصات، وأطباق القلي السريع لمنحها مذاقاً متكاملاً دون الحاجة إلى الكثير من الملح. ويشير إلى أن «الاعتماد على الثوم والبصل في بناء النكهة يجعل الطعام أكثر دفئاً وغنى، ويمنح المكونات الأخرى فرصة للتألق».

الخميرة الغذائية... مذاق يشبه طعم الجبن

من البدائل الحديثة التي بدأت تجد طريقها إلى المطابخ الصحية، الخميرة الغذائية، وهي رقائق أو مسحوق يتميز بمذاق قريب من الجبن المعتق. وتستخدم عادةً مع المعكرونة، والفشار، والحبوب، والصلصات؛ حيث تضيف نكهة لذيذة وعميقة دون احتوائها على منتجات الألبان أو نسب مرتفعة من الصوديوم. وبات كثير من الطهاة يفضلون استخدامها إرضاءً لمحبي الخيارات النباتية لأنها تمنح الطعام مذاقاً أكثر ثراءً، حسب الشيف المصري.


السعودية في مهرجان «نكهة لندن»

يشارك في المهرجان نخبة من الطهاة والمطاعم (هيئة الفنون الطهوية السعودية)
يشارك في المهرجان نخبة من الطهاة والمطاعم (هيئة الفنون الطهوية السعودية)
TT

السعودية في مهرجان «نكهة لندن»

يشارك في المهرجان نخبة من الطهاة والمطاعم (هيئة الفنون الطهوية السعودية)
يشارك في المهرجان نخبة من الطهاة والمطاعم (هيئة الفنون الطهوية السعودية)

تستضيف لندن مهرجان «تيست أوف لندن» أو «نكهة لندن» أحد أبرز الفعاليات العالمية المتخصصة في فنون الطهي، إذ يجمع نخبة من المطاعم والطهاة والعلامات الغذائية من مختلف أنحاء العالم، ويستقطب آلاف الزوار سنوياً في حديقة «ريجنت بارك»، ما يجعله منصة مهمة للتعريف بالثقافات الغذائية وتبادل الخبرات والتجارب الطهوية.

وتشارك هذا العام هيئة الفنون الطهوية السعودية، إحدى الهيئات الإحدى عشرة المتخصصة التابعة لوزارة الثقافة، بالمهرجان من خلال جناحها الرسمي «مذاق الثقافة السعودية»، وذلك بهدف تعريف زوار المهرجان بالمطبخ السعودي وتقاليده العريقة وقيم الضيافة الأصيلة التي تميزه، خلال الفترة من 17 إلى 21 يونيو (حزيران) 2026.

يشارك في المهرجان نخبة من الطهاة والمطاعم (هيئة الفنون الطهوية السعودية)

ويتيح الجناح للزوار فرصة استكشاف الموروث الطهوي السعودي من خلال مجموعة من الأطباق التقليدية والمشروبات والمنتجات المحلية المتنوعة.

يستقطب المهرجان الذواقة في لندن (الشرق الأوسط)

وتشمل عروض التذوق أطباقاً بارزة مثل الحنيذ والبليلة والمطبق، إلى جانب مشروبات مستوحاة من الهوية السعودية، ونكهات آيس كريم تعتمد على مكونات محلية من بينها الكليجة وعسل السدر.

يعتبر المهرجان من أهم الفعاليات التي تستضيفها لندن سنوياً (الشرق الأوسط)

كما يضم الجناح تشكيلة من العلامات التجارية السعودية في مجالي الأغذية والحرف اليدوية، تشمل الفخار والعطور والشوكولاته والتمور والشاي والقهوة والفواكه المجففة والمكسرات. وتمنح هذه التجربة الزوار فرصة أوسع للتعرف على الثقافة السعودية من خلال منتجات مستوحاة من تراث المملكة وتقاليدها الحرفية الراسخة، بما يعكس قيم الضيافة السعودية الأصيلة.

يقام مهرجان «تيست أوف لندن» في حديقة ريجنت بارك (الشرق الأوسط)

وتجسد هذه المشاركة جهود هيئة الفنون الطهوية في إبراز الإرث الطهوي للمملكة على الساحة الدولية، وتعزيز حضور المطبخ السعودي عالمياً، إلى جانب إتاحة فرص للتبادل الثقافي والتواصل مع جمهور دولي واسع.