الغضب الشعبي والرسمي يكشف مخاوف الأردنيين

«طوفان الأقصى» حرب ليست بعيدة عن هموم عمّان

غزة ... بمواجهة آلة الحرب الإسرائيلية (رويترز)
غزة ... بمواجهة آلة الحرب الإسرائيلية (رويترز)
TT

الغضب الشعبي والرسمي يكشف مخاوف الأردنيين

غزة ... بمواجهة آلة الحرب الإسرائيلية (رويترز)
غزة ... بمواجهة آلة الحرب الإسرائيلية (رويترز)

تنّبه الأردن الرسمي مبكراً لمخاطر الحرب التي شنّتها إسرائيل على غزة بذريعة ما وصفته بـ«حق الدفاع عن النفس» بعد عملية «طوفان الأقصى». وفي حسابات الأردن الرسمي أن الحرب التي راح ضحيتها أكثر من 15 ألف شهيد غزي نصفهم من الأطفال والنساء، هي حرب «ترويع» تهدف إلى تنفيذ مخططات «التهجير القسري» للسكان الأصليين، وإعادة بناء المعادلة الديمغرافية لصالح «يهودية الدولة» على حساب وجود «فلسطين الدولة»، واجتثاث خيار «حل الدولتين» من جذور مبادرات السلام. هذا الطرح لا يدعمه اليمين الإسرائيلي في دفع تهجير الغزيين إلى ناحية سيناء المصرية فقط، بل أيضاً هو خيار مطروح بقوة تجاه الدفع بسكان الضفة الغربية إلى تهجير آخر نحو الأردن، وهو ما اعتبره رئيس الوزراء بشر الخصاونة طرحاً إسرائيلياً «يشكل تهديداً للأمن القومي الأردني، وهو بمثابة إعلان حرب على بلاده، باعتباره مساً مادياً لبنود من معاهدة السلام بين البلدين».

حتمية اشتداد الحرب على غزة، واحتمالات توسع نطاق الصراع الحالي في الأراضي الفلسطينية إلى الضفة الغربية، مخاوف أردنية حقيقية تتكشف مع التطورات اليومية؛ إذ تخشى عمّان من أن تكون أهداف تصفية القضية الفلسطينية، وإنهاء خيار «حل الدولتين»، وقطع الطريق على أي فرص لمفاوضات سياسية جادة تؤدي إلى إعلان قيام «الدولة الفلسطينية على ترابها الوطني وعاصمتها القدس المحتلة»، في صميم ما تسعى تل أبيب لاستثماره في تصفية حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في غزة، وأيضاً تصفية أي حركة مقاومة في الضفة الغربية بعد حملة اعتقالات لنشطاء فلسطينيين تجاوزت ثلاثة آلاف معتقل، وأمام استشهاد أكثر من 300 فلسطيني في مدن عدة من الضفة.

موقف أردني حاسم

إزاء هذا الوضع، عبّرت السلطات الأردنية بقوة، وبتصريحات رسمية حادة، عن مواقفها، وفي رأسها رفض استهداف المدنيين في غزة، ورفض سياسات العقاب الجماعي التي تنفذها إسرائيل، ورفض الحصار الجائر الذي قطع سلاسل الغذاء والدواء والوقود من الوصول إلى القطاع، وضرب المرافق الحيوية والبنى التحتية، ومنع الجرحى والمصابين والمرضى من حق العلاج بعد استهداف المستشفيات وقصفها، وكذلك ضرب المجمعات السكنية، وتوسع العدوان على مناطق في جنوب غزة بعد إفراغ شمالها من السكان. وبنظر الأردن، التأسيس لهُدن يومية لن يفضي بالضرورة إلى وقف دائم لإطلاق النار، وحتى اليوم لا تزال جهود الإغاثة وإيصال المساعدات إلى غزة أقل من المتطلبات اليومية للسكان الخارجين تواً من قصف استمر إلى نحو أكثر من 50 يوماً.

إيمن الصفدي (آ ف ب)

انقسام النخب حيال المصلحة الأردنية

اليوم، قد يصح الوصف بأن «سباق التعبير عن الغضب بين الجانب الرسمي والساحات الشعبية أردنياً» كان واضحاً حيال تطورات العدوان الإسرائيلي على غزة. فقد عاشت الساحة الأردنية جملة من ردود الفعل بتصريحات رسمية «قاسية»، وبنبرة ملكية حادة، ومحاولات شعبية مستمرة لتنفيذ اعتصامات في محيط السفارة الإسرائيلية في عمّان طمعاً بالوصول والاقتحام، ووسط ترحيب رسمي في توسع نطاق المظاهرات الشعبية في مختلف مناطق ومحافظات المملكة. وهنا تبرز أسئلة عن المخاوف من مستقبل الحرب الآنية ومدى اتساع نطاقها، متى يمكن أن تدخل الضفة الغربية رسمياً على خط تدهور الأوضاع وتطور الأحداث وصولاً لحرب مفتوحة، لا يمكن التقدير لمدى انتشار نيرانها وتوسع حلقاتها.

حقاً، لا يختلف المحللون على حقيقة أن هناك انقساماً حاداً في صفوف النخب الرسمية في تقييمها للموقف. وثمة مخاوف من أن تؤدي تصريحات وزير الخارجية أيمن الصفدي، إلى رفع سقف طموحات الشارع الغاضب، لا سيما بعد وصفه لقانون معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية بأنها «وثيقة على رفٍّ يعلوها الغبار». ولقد جاء كلام الصفدي هذا في سياق إعلانه عن تجميد المفاوضات على اتفاقية تبادل المياه والكهرباء بين عمّان وتل أبيب، وبعد موقف الحكومة من استدعاء السفير الأردني من تل أبيب، والطلب بعدم عودة السفير الإسرائيلي إلى عمّان. وحسب مراقبين، تسبب هذا الأمر في فتح شهية المعارضة الإسلامية ممثلة بجماعة الإخوان المسلمين - غير المرخصة - وذراعها السياسية حزب «جبهة العمل الإسلامي»، وذراعها البرلمانية كتلة «تحالف الإصلاح الوطني»، تجاه تنفيذ ما صدر عن الصفدي من تصريحات.

الانقسام في صفوف النخب توزّع على موقفين:

الموقف الأول، يجد أن الصفدي، الذي لا يغرد خارج السرب الملكي في مواقفه وتصريحاته، ربما استعجل في تنفيذ الخطة الرسمية في اتباع سياسة «التصعيد المتدرج» في المواقف؛ إذ وضع مركز القرار الرسمي جملة «جميع الخيارات مفتوحة» أمام سؤال: كيف سيتعامل الأردن مع العدوان الإسرائيلي على المدنيين في قطاع غزة؟ وكيف سيواجه الأردن خطر حكومة نتنياهو وتهديداتها المستمرة لمستقبل السلام مع عمّان؟ ويتساءل أصحاب هذا الرأي عن ماهية الأوراق المتبقية في يد الأردن الرسمي في حال تطورت الأحداث واتسع نطاق الاعتداءات الإسرائيلية في القدس والضفة الغربية، خاصة أن الصفدي لم يضع جدولاً زمنياً لتنفيذ خطة المواقف الرسمية، بل ترك الجدل المحلي خلف ظهره وهو جالس أمام شاشات شبكات البث التلفزيوني عربياً وأميركياً وأوروبياً، الأمر الذي تسبب في حالة ارتباك دفعت بمجاميع من السفارات الغربية في عمّان لزيارة وزارة الخارجية والاستفسار عن مضامين تصريحات الوزير والموقف الأردني.

الموقف الثاني، أيّد رفع سقف الغضب الأردني الرسمي تجاه إسرائيل، واعتبر أن تقدّم الموقف الرسمي أسهم في تهدئة غضب الشارع، مع أن احتواء أي تطور على المستوى الشعبي قد يخدم شعبية المعارضة الإسلامية، التي لا تزال على ارتباطها بحركة المقاومة الإسلامية «حماس». فقد طالبت قيادات «حمساوية» الأردنيين بالخروج إلى الشوارع تأييداً لموقف المقاومة وتنديداً بالعدوان الإسرائيلي، وهو ما دفع وزير الإعلام الأردني الأسبق سميح المعايطة لاتهام الدعوات بأنها «غير بريئة»، لأنها خصت الشارع الأردني دون غيره في الشارع العربي. وفي هذا الصف من النخب هناك مراكز دراسات وحلقات نقاشية تتردد عليها النخب التقليدية تطالب بتقييم الواقع الجديد باعتبار أن «انتصار (حماس)» في الحرب الأخيرة «كسر لهيبة الاستعراضات الإسرائيلية بالقوة وتحالفها مع الولايات المتحدة». والتقييم من وجهة نظر هؤلاء يتمثل في اعتبار ما سبق مصلحة أردنية عليا. ويضاف إلى ذلك «نجاح سكان غزة، في مقاومة خطة التهجير الثالث الذي تسعى إسرائيل لتنفيذه على مراحل»، في ظل ما تعده عمان تهديداً جاداً بهدف حل أزمة حكومة اليمين الإسرائيلية على حساب دول الجوار، ونجاح مخطط تفريغ الأرض من سكانها الأصليين.

ومن هؤلاء أيضاً من يرسم ملامح علاقة مختلفة جذرياً بين عمّان وتل أبيب بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) بدء معركة «طوفان الأقصى»، وقبل ذلك اليوم؛ إذ ضرب العدوان على غزة العلاقة بين الأردن وإسرائيل بشرخ لن يعالجه سوى مبادرة بحجم استئناف العملية السياسية، وضمانات توفر ظروفاً جادة للوصول لحل يُفضي لقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967، وفق تصريحات متلاحقة لوزير الخارجية الأسبق وأول سفير أردني في تل أبيب بعد توقيع معاهدة السلام مروان المعشّر.

بشر الخصاونة (آ ف ب / غيتي)

قراءات الخصاونة

التباين في تقييم النخب الرسمية للموقف الأردني سعى لحسمه رئيس الوزراء بشر الخصاونة في ظهورين إعلاميين. ولعله نجح في تقديم جملة من التعريفات والاستخلاصات المحددة للموقف الرسمي ومستويات التنفيذ وارتباطها بحجم التصعيد الإسرائيلي، في محاولة «عقلنة» تفسير السقف الرسمي والغضب على مستوى مراكز القرار. ومن جملة التعريفات التي وضعها الخصاونة كان مفهوم «إعلان الحرب»، فأوضح أن أي «خطة تهجير للفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأردن، هي بمثابة «إعلان الحرب» من الجانب الإسرائيلي على الأردن، بعد التعدي على قانون المعاهدة الذي يمنع أي مساعٍ إسرائيلية لتهجير قسري للسكان، بمعنى المس المادي بواحد من أهم بنود اتفاقية السلام المبرمة بين البلدين عام 1994.

وحول الاتفاقيات الاقتصادية بين البلدين، ومع تأكيده تعليق المفاوضات على اتفاقية الماء والكهرباء، أشار رئيس الوزراء إلى أن اتفاقية الغاز لا تزال نافذة؛ لكونها اتفاقاً بين شركتين خاصتين، وأن تدفق الغاز مستمر، غير أنه شدد على تحوط المملكة ببدائل عن الغاز الإسرائيلي بعد السؤال عن جاهزية دولتين عربيتين لبيع الغاز للأردن، لافتاً إلى أن ذلك سيرتب كلفاً عالية على الموازنة، وسيزيد من نسب عجزها التي لا يمكن تغطيتها إلا برفع أسعار الطاقة وقتها.

أما حول العلاقة مع «حماس»، فتجنب الخصاونة التعليق مباشرة، لكنه أكد أن المملكة ملتزمة بقرار «قمة الرباط» عام 1974، القاضي بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، ومخرجات «اتفاق أوسلو» المبرم عام 1993، ومرجعية تمثيل السلطة الوطنية الفلسطينية للقرار السياسي الفلسطيني. وهو ما يقضي حتماً بعدم التعامل مع أي فصيل سياسي أو عسكري خارج نطاق السلطة الفلسطينية.

المخاوف من أخطار وشيكة

في هذه الأثناء، تتعاظم المخاوف من الحرب وتقدمها في أي لحظة تجاه جنوب غزة أو إلى مناطق الضفة الغربية؛ إذ تدرك عمّان أن إسرائيل تُفرط باستخدام القوة، وتتوسّع في نطاق عدوانها مستهدفة المدنيين بقصد بث الذعر بينهم، ودفعهم باتجاه وحيد هو مغادرة غزة نحو مصر، أو الضفة الغربية باتجاه الأردن، ولا تستبعد دوائر قرار محلية أن تكون حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل هي صاحبة السبق في إشعال جبهة الضفة.

بالنسبة للأردن، هذا يعني حصول ثالث تهجير بحق الفلسطينيين بعد نكبة اللجوء عام 1948، ونكسة النزوح عام 1967. وهو مخطط تهجير جديد يُفرغ الأرض من سكانها الأصليين على حساب دول جوار، وطبعاً سيكون العبء الأكبر على حساب الأردن، الأمر الذي تعده عمّان «خطراً أمنياً كبيراً؛ من جهة ينجح اليمين الإسرائيلي في تحقيق غايته في تفريغ الأرض، ومن جهة أخرى يعود شبح خطة (الوطن البديل) للفلسطينيين، خصوصاً في ظل معادلة ديمغرافية أردنية يمثل الفلسطينيون طرفاً ثابتاً فيها بوصفها حملة أرقام وطنية».

وهكذا، أمام الأخطار المحدقة جاء إصرار العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في واحد من لقاءاته مع ساسة أردنيين بارزين، على رفض «أي تفكير في إعادة احتلال أجزاء من غزة أو إقامة مناطق عازلة فيها»، مشدداً على أن «أي سيناريو أو تفكير بإعادة احتلال أجزاء من غزة أو إقامة مناطق عازلة فيها سيفاقم الأزمة، هذا أمر مرفوض ويعد اعتداء على الحقوق الفلسطينية»، كما شدد على أن «الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس ستدفع إلى انفجار الأوضاع في المنطقة واتساع رقعة الصراع».

أيضاً، يرفض الأردن الرسمي الفصل بين مصير غزة والضفة الغربية، ويعتبر أن أي «سيناريو» يتناول قضية غزة وحدها، خدمة لأهداف إسرائيلية، في حين ترفض المراجع السياسية في البلاد أي حديث يسوّق لـ«سيناريوهات» ما بعد الحرب في قطاع غزة، وترى أن ما يطرح في هذا السياق «غير واقعي ومرفوض ولا يتعامل معها الأردن».

وبالتالي، يمكن القول إن جوهر المخاوف الأردنية دفع الموقف الرسمي إلى الإعلان عن «خياراته المفتوحة» في مواجهة مخططات إسرائيلية نحو دفع المدنيين الفلسطينيين تجاه تهجير جديد. وفي ظل خصوصية العلاقة الأردنية الفلسطينية، وضع مركز القرار جملة «سيناريوهات» للتعامل مع هذا الخطر. وقال مصدر مطلع «الشرق الأوسط»، إن «ثمة إعداداً جيداً لضمان تقديم الدعم والمساعدة للفلسطينيين على أرضهم، كما أن هناك إعداداً جيداً يرسم تصورات عملية للتعامل مع إدارة المشاعر الوطنية في حال وجود تهديد تهجير حقيقي».

المعنى هنا هو: «إمساك العصا من المنتصف»، ضمن حتمية الحفاظ على المصالح الوطنية الأردنية، وإفشال أي مخطط إسرائيلي لتنفيذ تهجير فلسطيني ثالث، وتثبيت مبدأ منع تفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها الأصليين، وهذا مع رفض استقبال موجات جديدة من الفلسطينيين في المملكة. فهذا ليس أمراً يضر بمصالح الأردنيين فقط، بل يخدم الرواية الإسرائيلية في إحياء خططها لضم المزيد من الأرض، وإنجاح مخطط «الوطن البديل» للفلسطينيين خارج أرضهم التاريخية. وعطفاً على حديث المصدر، توجد مخاوف أردنية حقيقية من تفاقم أزمة السلطة الوطنية الفلسطينية وتزايد إحباط قادتها أمام «العجز الحاصل» في وقف العدوان على غزة وغياب آفاق التهدئة. ثم إن تقييم الهُدن بنظام «المياومة» سيبقيها تحت تأثير الهشاشة وعودة أصوات القصف والمدافع، في ظل الدعم الأميركي لإسرائيل، وتبني الرواية الإسرائيلية مهما كان حجم تجاهلها لمصالح السلطة.

تصريحات تعيد تعبئة الشارع

في أي حال، بدا لافتاً كلام العين خالد الكلالدة عندما نقل لـ«الشرق الأوسط»، أنه يدعم اليوم ويطالب من موقعه التشريعي بعودة تدريس «منهاج القضية الفلسطينية في المدارس الأردنية»، وعودة «التدريب العسكري لطلاب الجامعات الأردنية بوصفه جزءاً من النشاطات الطلابية المنهجية». وبرأيه أن مثل هذه السياسات من شأنها أن تبعث برسائل قلق لدولة الاحتلال، «فلا يجوز أن يُعاقب الأردن على اعتداله وسط جنون المنطقة وتفجر أزماتها».

في المقابل، دعت نخب تقليدية إلى «الإدراك المبكر لخطر وشيك». وحظيت تصريحات النائبين والوزيرين الأسبقين ممدوح العبادي وسمير الحباشنة والأكاديمي صبري ربيحات، بقبول شعبي واسع عندما طالبوا في مناسبات مختلفة بـ«تسليح الشعب الأردني»، وتهيئة الرأي العام «لمواجهة عسكرية محتملة مع إسرائيل التي لا تلتزم بقيم معاهدة السلام مع الأردن، بل إنها تحاول العبث بالمصالح العليا للدولة الأردنية، مستمرة في فرض حلول لأزمتها على حساب الاستقرار الوطني».

وهنا تعود الأزمة المحلية إلى السباق في مخاطبة الشارع المُلتهب، فالاعتدال ولغة التحليل الهادئ لأزمة ساخنة، قد لا يحققان - بالنسبة للبعض - الغاية منهما، على الرغم من إدراك مركز القرار بأن اتساع نطاق الحرب سيُجبر المملكة على مواجهات مفتوحة. وتلفت مصادر سياسية أردنية مطلعة تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، إلى أن تهديدات ميليشيات إيران و«حزب الله» على الحدود الشمالية لا تزال قائمة، وكذلك الأنباء عن تحركات «الحشد الشيعي» العراقي بين الحدود الشرقية واتصاله البرّي مع حلفائه الإيرانيين في سوريا، وسط مستقبل مجهول تنتظره عمّان على حدودها الغربية مع دولة الاحتلال. الأردن: التأسيس لهُدن يومية في غزة لن يفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار

بايدن في زيارته التضامنية مع إسرائيل (غيتي)

تفهّم لرفع حدة التصريحات الأردنية

> وصف مصدر سياسي أردني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، تصريحات الرئيس الأميركي جو بايدن، التي أطلقها لحظة وصوله إلى إسرائيل في زيارته «التضامنية» بعد أيام من الحرب على غزة، بأنها «مخيبة للآمال»، وتابع: «كان حرياً بالقادة الأميركيين مراعاة حجم الحرج لحلفائهم بعد تلك التصريحات، التي دعمت الرواية الإسرائيلية المزعومة وقتلها للمدنيين بذريعة (محاربة الإرهاب والدفاع عن النفس)». وأمام ما تصفه المصادر الدبلوماسية الأردنية من «تفهم» أميركي لموقف عمّان الرسمي وظروفه المركبة، لا يخفي الأردن صدمته مما عدّه «تماهياً» أميركياً، و«انجرافاً» غير مبرّر وراء الأهداف الإسرائيلية، ودعماً لقرار تل أبيب، والهرولة وراء سردية «المسار الجديد لمكافحة الإرهاب، حتى تحت يافطة المظلومية الفلسطينية». وهنا لا تبدو عمّان الرسمية تقف في صف «حماس» المقاومة، لكنها لا تستطيع الصمت حيال معاقبة اعتدال السلطة الفلسطينية ومنح أوراق مضاعفة لنقيضها في «المقاومة المتصلة بأجندات وأطراف خارجية ولها مصالح متناقضة مع المصلحة الفلسطينية في الحرب الدائرة»، مما يهدد بترك المدنيين عرضة للاستهداف في حرب لا تبدو أنها ستتوقف قريباً، ويجعل خطر «التهجير» قائماً كـ«خطر وشيك».


مقالات ذات صلة

بيان أردني - أوروبي يدعو لاتخاذ إجراءات لإيصال المساعدات بشكل مستدام إلى غزة

المشرق العربي صورة أصدرها الجيش الأردني لمساعدات إنسانية يتم تجهيزها لإسقاطها جواً من طائرات عسكرية فوق قطاع غزة 2 سبتمبر (أ.ف.ب)

بيان أردني - أوروبي يدعو لاتخاذ إجراءات لإيصال المساعدات بشكل مستدام إلى غزة

أكد الأردن والاتحاد الأوروبي، في بيان مشترك، اليوم (الخميس)، أن السبيل الوحيد لحل عادل ودائم وشامل للصراع في الشرق الأوسط هو حل الدولتين.

المشرق العربي الراحل علي أبو الراغب بعد تشكيل حكومته في 19 يونيو عام 2000

الموت يُغيب رئيس الوزراء الأردني الأسبق علي أبو الراغب

غيّب الموت، الأحد، رئيس الوزراء الأردني الأسبق المهندس علي أبو الراغب، الذي كان لاعباً مهماً في مرحلة انتقال التاج من الملك الحسين إلى الملك عبد الله الثاني.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
رياضة عربية الدولي الأردني موسى التعمري (نادي رين)

الأردني التعمري يُعيد اكتشاف نفسه في يسار رين

لم يكن الدولي الأردني موسى التعمري مقنعاً في بداية الموسم عندما لعب ظهيراً أيمن، لكنه كشف عن نفسه منذ إعادة تمركزه في الجهة اليسرى.

«الشرق الأوسط» (رين (فرنسا))
المشرق العربي مداهمة قوة خاصة مشتركة من القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية أوكار عدد من المهربين وتجار المخدرات قرب المواقع الحدودية الشرقية في يناير الماضي (القوات المسلحة الأردنية)

الأردن... جهود ذاتية في مواجهة ميليشيات المخدرات في الجنوب السوري

لا تملك المصادر الأردنية إجابات محددة عن التقديرات الرسمية للخطر القادم من الجنوب السوري بعد أن انتعشت الفوضى فيه مجدداً لتضارب المصالح لمجموعات وفصائل مسلحة.

محمد خير الرواشدة (عمان)
المشرق العربي عَلَم الأردن في العاصمة عمّان (أ.ف.ب)

الأردن يندد بإقرار الكنيست الإسرائيلي قانوناً يستهدف خدمات «الأونروا» في غزة

ندد الأردن بإقرار الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون يستهدف عمل ووجود وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ويقوض قدرتها.

«الشرق الأوسط» (عمان)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.