الغضب الشعبي والرسمي يكشف مخاوف الأردنيين

«طوفان الأقصى» حرب ليست بعيدة عن هموم عمّان

غزة ... بمواجهة آلة الحرب الإسرائيلية (رويترز)
غزة ... بمواجهة آلة الحرب الإسرائيلية (رويترز)
TT

الغضب الشعبي والرسمي يكشف مخاوف الأردنيين

غزة ... بمواجهة آلة الحرب الإسرائيلية (رويترز)
غزة ... بمواجهة آلة الحرب الإسرائيلية (رويترز)

تنّبه الأردن الرسمي مبكراً لمخاطر الحرب التي شنّتها إسرائيل على غزة بذريعة ما وصفته بـ«حق الدفاع عن النفس» بعد عملية «طوفان الأقصى». وفي حسابات الأردن الرسمي أن الحرب التي راح ضحيتها أكثر من 15 ألف شهيد غزي نصفهم من الأطفال والنساء، هي حرب «ترويع» تهدف إلى تنفيذ مخططات «التهجير القسري» للسكان الأصليين، وإعادة بناء المعادلة الديمغرافية لصالح «يهودية الدولة» على حساب وجود «فلسطين الدولة»، واجتثاث خيار «حل الدولتين» من جذور مبادرات السلام. هذا الطرح لا يدعمه اليمين الإسرائيلي في دفع تهجير الغزيين إلى ناحية سيناء المصرية فقط، بل أيضاً هو خيار مطروح بقوة تجاه الدفع بسكان الضفة الغربية إلى تهجير آخر نحو الأردن، وهو ما اعتبره رئيس الوزراء بشر الخصاونة طرحاً إسرائيلياً «يشكل تهديداً للأمن القومي الأردني، وهو بمثابة إعلان حرب على بلاده، باعتباره مساً مادياً لبنود من معاهدة السلام بين البلدين».

حتمية اشتداد الحرب على غزة، واحتمالات توسع نطاق الصراع الحالي في الأراضي الفلسطينية إلى الضفة الغربية، مخاوف أردنية حقيقية تتكشف مع التطورات اليومية؛ إذ تخشى عمّان من أن تكون أهداف تصفية القضية الفلسطينية، وإنهاء خيار «حل الدولتين»، وقطع الطريق على أي فرص لمفاوضات سياسية جادة تؤدي إلى إعلان قيام «الدولة الفلسطينية على ترابها الوطني وعاصمتها القدس المحتلة»، في صميم ما تسعى تل أبيب لاستثماره في تصفية حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في غزة، وأيضاً تصفية أي حركة مقاومة في الضفة الغربية بعد حملة اعتقالات لنشطاء فلسطينيين تجاوزت ثلاثة آلاف معتقل، وأمام استشهاد أكثر من 300 فلسطيني في مدن عدة من الضفة.

موقف أردني حاسم

إزاء هذا الوضع، عبّرت السلطات الأردنية بقوة، وبتصريحات رسمية حادة، عن مواقفها، وفي رأسها رفض استهداف المدنيين في غزة، ورفض سياسات العقاب الجماعي التي تنفذها إسرائيل، ورفض الحصار الجائر الذي قطع سلاسل الغذاء والدواء والوقود من الوصول إلى القطاع، وضرب المرافق الحيوية والبنى التحتية، ومنع الجرحى والمصابين والمرضى من حق العلاج بعد استهداف المستشفيات وقصفها، وكذلك ضرب المجمعات السكنية، وتوسع العدوان على مناطق في جنوب غزة بعد إفراغ شمالها من السكان. وبنظر الأردن، التأسيس لهُدن يومية لن يفضي بالضرورة إلى وقف دائم لإطلاق النار، وحتى اليوم لا تزال جهود الإغاثة وإيصال المساعدات إلى غزة أقل من المتطلبات اليومية للسكان الخارجين تواً من قصف استمر إلى نحو أكثر من 50 يوماً.

إيمن الصفدي (آ ف ب)

انقسام النخب حيال المصلحة الأردنية

اليوم، قد يصح الوصف بأن «سباق التعبير عن الغضب بين الجانب الرسمي والساحات الشعبية أردنياً» كان واضحاً حيال تطورات العدوان الإسرائيلي على غزة. فقد عاشت الساحة الأردنية جملة من ردود الفعل بتصريحات رسمية «قاسية»، وبنبرة ملكية حادة، ومحاولات شعبية مستمرة لتنفيذ اعتصامات في محيط السفارة الإسرائيلية في عمّان طمعاً بالوصول والاقتحام، ووسط ترحيب رسمي في توسع نطاق المظاهرات الشعبية في مختلف مناطق ومحافظات المملكة. وهنا تبرز أسئلة عن المخاوف من مستقبل الحرب الآنية ومدى اتساع نطاقها، متى يمكن أن تدخل الضفة الغربية رسمياً على خط تدهور الأوضاع وتطور الأحداث وصولاً لحرب مفتوحة، لا يمكن التقدير لمدى انتشار نيرانها وتوسع حلقاتها.

حقاً، لا يختلف المحللون على حقيقة أن هناك انقساماً حاداً في صفوف النخب الرسمية في تقييمها للموقف. وثمة مخاوف من أن تؤدي تصريحات وزير الخارجية أيمن الصفدي، إلى رفع سقف طموحات الشارع الغاضب، لا سيما بعد وصفه لقانون معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية بأنها «وثيقة على رفٍّ يعلوها الغبار». ولقد جاء كلام الصفدي هذا في سياق إعلانه عن تجميد المفاوضات على اتفاقية تبادل المياه والكهرباء بين عمّان وتل أبيب، وبعد موقف الحكومة من استدعاء السفير الأردني من تل أبيب، والطلب بعدم عودة السفير الإسرائيلي إلى عمّان. وحسب مراقبين، تسبب هذا الأمر في فتح شهية المعارضة الإسلامية ممثلة بجماعة الإخوان المسلمين - غير المرخصة - وذراعها السياسية حزب «جبهة العمل الإسلامي»، وذراعها البرلمانية كتلة «تحالف الإصلاح الوطني»، تجاه تنفيذ ما صدر عن الصفدي من تصريحات.

الانقسام في صفوف النخب توزّع على موقفين:

الموقف الأول، يجد أن الصفدي، الذي لا يغرد خارج السرب الملكي في مواقفه وتصريحاته، ربما استعجل في تنفيذ الخطة الرسمية في اتباع سياسة «التصعيد المتدرج» في المواقف؛ إذ وضع مركز القرار الرسمي جملة «جميع الخيارات مفتوحة» أمام سؤال: كيف سيتعامل الأردن مع العدوان الإسرائيلي على المدنيين في قطاع غزة؟ وكيف سيواجه الأردن خطر حكومة نتنياهو وتهديداتها المستمرة لمستقبل السلام مع عمّان؟ ويتساءل أصحاب هذا الرأي عن ماهية الأوراق المتبقية في يد الأردن الرسمي في حال تطورت الأحداث واتسع نطاق الاعتداءات الإسرائيلية في القدس والضفة الغربية، خاصة أن الصفدي لم يضع جدولاً زمنياً لتنفيذ خطة المواقف الرسمية، بل ترك الجدل المحلي خلف ظهره وهو جالس أمام شاشات شبكات البث التلفزيوني عربياً وأميركياً وأوروبياً، الأمر الذي تسبب في حالة ارتباك دفعت بمجاميع من السفارات الغربية في عمّان لزيارة وزارة الخارجية والاستفسار عن مضامين تصريحات الوزير والموقف الأردني.

الموقف الثاني، أيّد رفع سقف الغضب الأردني الرسمي تجاه إسرائيل، واعتبر أن تقدّم الموقف الرسمي أسهم في تهدئة غضب الشارع، مع أن احتواء أي تطور على المستوى الشعبي قد يخدم شعبية المعارضة الإسلامية، التي لا تزال على ارتباطها بحركة المقاومة الإسلامية «حماس». فقد طالبت قيادات «حمساوية» الأردنيين بالخروج إلى الشوارع تأييداً لموقف المقاومة وتنديداً بالعدوان الإسرائيلي، وهو ما دفع وزير الإعلام الأردني الأسبق سميح المعايطة لاتهام الدعوات بأنها «غير بريئة»، لأنها خصت الشارع الأردني دون غيره في الشارع العربي. وفي هذا الصف من النخب هناك مراكز دراسات وحلقات نقاشية تتردد عليها النخب التقليدية تطالب بتقييم الواقع الجديد باعتبار أن «انتصار (حماس)» في الحرب الأخيرة «كسر لهيبة الاستعراضات الإسرائيلية بالقوة وتحالفها مع الولايات المتحدة». والتقييم من وجهة نظر هؤلاء يتمثل في اعتبار ما سبق مصلحة أردنية عليا. ويضاف إلى ذلك «نجاح سكان غزة، في مقاومة خطة التهجير الثالث الذي تسعى إسرائيل لتنفيذه على مراحل»، في ظل ما تعده عمان تهديداً جاداً بهدف حل أزمة حكومة اليمين الإسرائيلية على حساب دول الجوار، ونجاح مخطط تفريغ الأرض من سكانها الأصليين.

ومن هؤلاء أيضاً من يرسم ملامح علاقة مختلفة جذرياً بين عمّان وتل أبيب بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) بدء معركة «طوفان الأقصى»، وقبل ذلك اليوم؛ إذ ضرب العدوان على غزة العلاقة بين الأردن وإسرائيل بشرخ لن يعالجه سوى مبادرة بحجم استئناف العملية السياسية، وضمانات توفر ظروفاً جادة للوصول لحل يُفضي لقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967، وفق تصريحات متلاحقة لوزير الخارجية الأسبق وأول سفير أردني في تل أبيب بعد توقيع معاهدة السلام مروان المعشّر.

بشر الخصاونة (آ ف ب / غيتي)

قراءات الخصاونة

التباين في تقييم النخب الرسمية للموقف الأردني سعى لحسمه رئيس الوزراء بشر الخصاونة في ظهورين إعلاميين. ولعله نجح في تقديم جملة من التعريفات والاستخلاصات المحددة للموقف الرسمي ومستويات التنفيذ وارتباطها بحجم التصعيد الإسرائيلي، في محاولة «عقلنة» تفسير السقف الرسمي والغضب على مستوى مراكز القرار. ومن جملة التعريفات التي وضعها الخصاونة كان مفهوم «إعلان الحرب»، فأوضح أن أي «خطة تهجير للفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأردن، هي بمثابة «إعلان الحرب» من الجانب الإسرائيلي على الأردن، بعد التعدي على قانون المعاهدة الذي يمنع أي مساعٍ إسرائيلية لتهجير قسري للسكان، بمعنى المس المادي بواحد من أهم بنود اتفاقية السلام المبرمة بين البلدين عام 1994.

وحول الاتفاقيات الاقتصادية بين البلدين، ومع تأكيده تعليق المفاوضات على اتفاقية الماء والكهرباء، أشار رئيس الوزراء إلى أن اتفاقية الغاز لا تزال نافذة؛ لكونها اتفاقاً بين شركتين خاصتين، وأن تدفق الغاز مستمر، غير أنه شدد على تحوط المملكة ببدائل عن الغاز الإسرائيلي بعد السؤال عن جاهزية دولتين عربيتين لبيع الغاز للأردن، لافتاً إلى أن ذلك سيرتب كلفاً عالية على الموازنة، وسيزيد من نسب عجزها التي لا يمكن تغطيتها إلا برفع أسعار الطاقة وقتها.

أما حول العلاقة مع «حماس»، فتجنب الخصاونة التعليق مباشرة، لكنه أكد أن المملكة ملتزمة بقرار «قمة الرباط» عام 1974، القاضي بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، ومخرجات «اتفاق أوسلو» المبرم عام 1993، ومرجعية تمثيل السلطة الوطنية الفلسطينية للقرار السياسي الفلسطيني. وهو ما يقضي حتماً بعدم التعامل مع أي فصيل سياسي أو عسكري خارج نطاق السلطة الفلسطينية.

المخاوف من أخطار وشيكة

في هذه الأثناء، تتعاظم المخاوف من الحرب وتقدمها في أي لحظة تجاه جنوب غزة أو إلى مناطق الضفة الغربية؛ إذ تدرك عمّان أن إسرائيل تُفرط باستخدام القوة، وتتوسّع في نطاق عدوانها مستهدفة المدنيين بقصد بث الذعر بينهم، ودفعهم باتجاه وحيد هو مغادرة غزة نحو مصر، أو الضفة الغربية باتجاه الأردن، ولا تستبعد دوائر قرار محلية أن تكون حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل هي صاحبة السبق في إشعال جبهة الضفة.

بالنسبة للأردن، هذا يعني حصول ثالث تهجير بحق الفلسطينيين بعد نكبة اللجوء عام 1948، ونكسة النزوح عام 1967. وهو مخطط تهجير جديد يُفرغ الأرض من سكانها الأصليين على حساب دول جوار، وطبعاً سيكون العبء الأكبر على حساب الأردن، الأمر الذي تعده عمّان «خطراً أمنياً كبيراً؛ من جهة ينجح اليمين الإسرائيلي في تحقيق غايته في تفريغ الأرض، ومن جهة أخرى يعود شبح خطة (الوطن البديل) للفلسطينيين، خصوصاً في ظل معادلة ديمغرافية أردنية يمثل الفلسطينيون طرفاً ثابتاً فيها بوصفها حملة أرقام وطنية».

وهكذا، أمام الأخطار المحدقة جاء إصرار العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في واحد من لقاءاته مع ساسة أردنيين بارزين، على رفض «أي تفكير في إعادة احتلال أجزاء من غزة أو إقامة مناطق عازلة فيها»، مشدداً على أن «أي سيناريو أو تفكير بإعادة احتلال أجزاء من غزة أو إقامة مناطق عازلة فيها سيفاقم الأزمة، هذا أمر مرفوض ويعد اعتداء على الحقوق الفلسطينية»، كما شدد على أن «الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس ستدفع إلى انفجار الأوضاع في المنطقة واتساع رقعة الصراع».

أيضاً، يرفض الأردن الرسمي الفصل بين مصير غزة والضفة الغربية، ويعتبر أن أي «سيناريو» يتناول قضية غزة وحدها، خدمة لأهداف إسرائيلية، في حين ترفض المراجع السياسية في البلاد أي حديث يسوّق لـ«سيناريوهات» ما بعد الحرب في قطاع غزة، وترى أن ما يطرح في هذا السياق «غير واقعي ومرفوض ولا يتعامل معها الأردن».

وبالتالي، يمكن القول إن جوهر المخاوف الأردنية دفع الموقف الرسمي إلى الإعلان عن «خياراته المفتوحة» في مواجهة مخططات إسرائيلية نحو دفع المدنيين الفلسطينيين تجاه تهجير جديد. وفي ظل خصوصية العلاقة الأردنية الفلسطينية، وضع مركز القرار جملة «سيناريوهات» للتعامل مع هذا الخطر. وقال مصدر مطلع «الشرق الأوسط»، إن «ثمة إعداداً جيداً لضمان تقديم الدعم والمساعدة للفلسطينيين على أرضهم، كما أن هناك إعداداً جيداً يرسم تصورات عملية للتعامل مع إدارة المشاعر الوطنية في حال وجود تهديد تهجير حقيقي».

المعنى هنا هو: «إمساك العصا من المنتصف»، ضمن حتمية الحفاظ على المصالح الوطنية الأردنية، وإفشال أي مخطط إسرائيلي لتنفيذ تهجير فلسطيني ثالث، وتثبيت مبدأ منع تفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها الأصليين، وهذا مع رفض استقبال موجات جديدة من الفلسطينيين في المملكة. فهذا ليس أمراً يضر بمصالح الأردنيين فقط، بل يخدم الرواية الإسرائيلية في إحياء خططها لضم المزيد من الأرض، وإنجاح مخطط «الوطن البديل» للفلسطينيين خارج أرضهم التاريخية. وعطفاً على حديث المصدر، توجد مخاوف أردنية حقيقية من تفاقم أزمة السلطة الوطنية الفلسطينية وتزايد إحباط قادتها أمام «العجز الحاصل» في وقف العدوان على غزة وغياب آفاق التهدئة. ثم إن تقييم الهُدن بنظام «المياومة» سيبقيها تحت تأثير الهشاشة وعودة أصوات القصف والمدافع، في ظل الدعم الأميركي لإسرائيل، وتبني الرواية الإسرائيلية مهما كان حجم تجاهلها لمصالح السلطة.

تصريحات تعيد تعبئة الشارع

في أي حال، بدا لافتاً كلام العين خالد الكلالدة عندما نقل لـ«الشرق الأوسط»، أنه يدعم اليوم ويطالب من موقعه التشريعي بعودة تدريس «منهاج القضية الفلسطينية في المدارس الأردنية»، وعودة «التدريب العسكري لطلاب الجامعات الأردنية بوصفه جزءاً من النشاطات الطلابية المنهجية». وبرأيه أن مثل هذه السياسات من شأنها أن تبعث برسائل قلق لدولة الاحتلال، «فلا يجوز أن يُعاقب الأردن على اعتداله وسط جنون المنطقة وتفجر أزماتها».

في المقابل، دعت نخب تقليدية إلى «الإدراك المبكر لخطر وشيك». وحظيت تصريحات النائبين والوزيرين الأسبقين ممدوح العبادي وسمير الحباشنة والأكاديمي صبري ربيحات، بقبول شعبي واسع عندما طالبوا في مناسبات مختلفة بـ«تسليح الشعب الأردني»، وتهيئة الرأي العام «لمواجهة عسكرية محتملة مع إسرائيل التي لا تلتزم بقيم معاهدة السلام مع الأردن، بل إنها تحاول العبث بالمصالح العليا للدولة الأردنية، مستمرة في فرض حلول لأزمتها على حساب الاستقرار الوطني».

وهنا تعود الأزمة المحلية إلى السباق في مخاطبة الشارع المُلتهب، فالاعتدال ولغة التحليل الهادئ لأزمة ساخنة، قد لا يحققان - بالنسبة للبعض - الغاية منهما، على الرغم من إدراك مركز القرار بأن اتساع نطاق الحرب سيُجبر المملكة على مواجهات مفتوحة. وتلفت مصادر سياسية أردنية مطلعة تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، إلى أن تهديدات ميليشيات إيران و«حزب الله» على الحدود الشمالية لا تزال قائمة، وكذلك الأنباء عن تحركات «الحشد الشيعي» العراقي بين الحدود الشرقية واتصاله البرّي مع حلفائه الإيرانيين في سوريا، وسط مستقبل مجهول تنتظره عمّان على حدودها الغربية مع دولة الاحتلال. الأردن: التأسيس لهُدن يومية في غزة لن يفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار

بايدن في زيارته التضامنية مع إسرائيل (غيتي)

تفهّم لرفع حدة التصريحات الأردنية

> وصف مصدر سياسي أردني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، تصريحات الرئيس الأميركي جو بايدن، التي أطلقها لحظة وصوله إلى إسرائيل في زيارته «التضامنية» بعد أيام من الحرب على غزة، بأنها «مخيبة للآمال»، وتابع: «كان حرياً بالقادة الأميركيين مراعاة حجم الحرج لحلفائهم بعد تلك التصريحات، التي دعمت الرواية الإسرائيلية المزعومة وقتلها للمدنيين بذريعة (محاربة الإرهاب والدفاع عن النفس)». وأمام ما تصفه المصادر الدبلوماسية الأردنية من «تفهم» أميركي لموقف عمّان الرسمي وظروفه المركبة، لا يخفي الأردن صدمته مما عدّه «تماهياً» أميركياً، و«انجرافاً» غير مبرّر وراء الأهداف الإسرائيلية، ودعماً لقرار تل أبيب، والهرولة وراء سردية «المسار الجديد لمكافحة الإرهاب، حتى تحت يافطة المظلومية الفلسطينية». وهنا لا تبدو عمّان الرسمية تقف في صف «حماس» المقاومة، لكنها لا تستطيع الصمت حيال معاقبة اعتدال السلطة الفلسطينية ومنح أوراق مضاعفة لنقيضها في «المقاومة المتصلة بأجندات وأطراف خارجية ولها مصالح متناقضة مع المصلحة الفلسطينية في الحرب الدائرة»، مما يهدد بترك المدنيين عرضة للاستهداف في حرب لا تبدو أنها ستتوقف قريباً، ويجعل خطر «التهجير» قائماً كـ«خطر وشيك».


مقالات ذات صلة

رحيل أحمد عبيدات... سياسي أردني أغضب الملك حسين بمواقفه السياسية

المشرق العربي الراحل أحمد عبيدات (وكالة الأنباء الأردنية - بترا)

رحيل أحمد عبيدات... سياسي أردني أغضب الملك حسين بمواقفه السياسية

توفي فجر الثلاثاء رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات الذي أثارت مواقفه السياسية غضب الراحل الملك الحسين في أكثر من مرحلة.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
العالم العربي وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي (أ.ف.ب)

وزير الخارجية الأردني يؤكد لنظيره الإيراني دعم بلاده جهود خفض التصعيد

أكد وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، في اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، الاثنين، ضرورة اعتماد الدبلوماسية والحوار في معالجة ملف طهران النووي.

«الشرق الأوسط» (عمّان)
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل العاهل الأردني عبد الله الثاني في القاهرة الأحد (الرئاسة المصرية)

السيسي يستقبل ملك الأردن... وتركيز على خفض «التوتر الإقليمي»

شددت القاهرة وعمان على «أهمية خفض التوتر الإقليمي»، وذلك خلال مباحثات أجراها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي العاهل الأردني عبد الله الثاني خلال قمة بالقاهرة 27 ديسمبر 2023 حول الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين في غزة (رويترز) p-circle

السيسي والملك عبد الله يؤكدان ضرورة التنفيذ الكامل لاتفاق وقف الحرب في غزة

ذكرت الرئاسة المصرية أن الرئيس عبد الفتاح السيسي بحث مع الملك عبد الله الثاني التطورات في قطاع غزة، حيث أكدا على ضرورة التنفيذ الكامل لاتفاق وقف الحرب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فتيات فلسطينيات يمررن بين أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال الحرب (رويترز) p-circle

ملك الأردن يتلقى دعوة من ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

قالت وزارة الخارجية الأردنية اليوم الأحد إن الملك عبد الله الثاني تلقى ‌دعوة من الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ترمب ​للانضمام ‌لمجلس السلام في غزة.

«الشرق الأوسط» (عمان )

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.