«اتفاق أوسلو».. الخنجر الذي بلعه الفلسطينيون

جرّ وراءه عشرات الاتفاقات من دون أن تقوم الدولة.. ولم تلتزم إسرائيل منه سوى «بالتنسيق الأمني»

«اتفاق أوسلو».. الخنجر الذي بلعه الفلسطينيون
TT

«اتفاق أوسلو».. الخنجر الذي بلعه الفلسطينيون

«اتفاق أوسلو».. الخنجر الذي بلعه الفلسطينيون

رُفع العلم الفلسطيني أخيرًا أمام منظمة الأمم المتحدة في الذكرى السنوية السبعين لتأسيسها، بحضور الرئيس محمود عباس (أبو مازن). وكانت لهذه الخطوة رمزيتها الكبيرة، لا سيما أنه أتيح لعباس أيضًا أن يتطرّق في كلمته أمام الجمعية العامة للمنظمة الدولية إلى المصاعب التي تعترض سبيل قيام الدولة الفلسطينية السيدة المستقلة، في ظل مواصلة اليمين الإسرائيلي الحاكم بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلغاء مفاعيل «اتفاق أوسلو»، ونسف أي إمكانية لتحقيق ما هدف إليه. ومعلوم أن نتنياهو، الذي تعتمد حكومته الائتلافية على دعم غلاة المستوطنين والجماعات التوراتية والتوسعية المتطرفة، لم يؤمن يومًا بمبدأ «الأرض مقابل السلام»، وهو يغض الطرف حاليًا عن انتهاكات المتطرفين للمسجد الأقصى، وتهديداتهم المعلنة بهدمه.

«لقد قلت لإسحق (رابين)، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إنه في حال كان متمسكا فعلا بالسلام فعليه أن يصافح (ياسر) عرفات (الرئيس الفلسطيني الراحل) لإثبات ذلك (...) تنهّد رابين وقال بصوته المتعب: (إننا لا نبرم اتفاقيات السلام مع أصدقائنا)، فسألته: (ستصافحه إذن؟)، فرد بلهجة جافة: (حسنًا، حسنًا، ولكن من دون عناق)».. هذا ما قاله الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في مذكّراته حول المصافحة التاريخية بين الرجلين في عام 1993. وأضاف كلينتون: «تحوّلت باتجاه إسحق رابين الواقف على يميني وصافحته بشدة ثم أمسكت بيد عرفات الواقف مبتسما إلى يساري، فانحنى قليلا في تلك اللحظة وتابع حركته مادًا يده بتردّد واضح باتجاه رابين. وبعد لحظات قصيرة من التردد أمسك رابين بيد عرفات الممدودة لمصافحته».
اليوم بعد مرور 23 سنة على المصافحة الباردة يتضح أن هذا التردد من «ثعلبي» السياسة «الفلسطينية» و«الإسرائيلية» كان له ما يبرره، إذ ظل الاتفاق الذي تصافحا معلنين ولادته للعالم، أي «اتفاق أوسلو»، مثل خنجر بلعه الطرفان، لم يجلب الأمن للإسرائيليين ولم يجلب الدولة للفلسطينيين.
كان يفترض أن يكون «اتفاق أوسلو» مؤقتا ينتهي بإقامة دولة فلسطينية بعد 5 سنوات من توقيعه، أي في عام 1998. لكن الاتفاق الأم بقي حيًا يقاوم الموت، وجرّ خلفه اتفاقات عديدة يراها غالبية الفلسطينيين مشؤومة وتكبل أيديهم، من دون أن تقربهم قيد أنملة من دولتهم المنشودة.
فما هو «اتفاق أوسلو»؟
إنه «اتفاق إعلان المبادئ - حول ترتيبات الحكومة الذاتية الفلسطينية»، وتم توقيعه في 1993/9/13. ولقد نص الاتفاق على انسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل من الضفة الغربية وقطاع غزة وإنشاء «سلطة حكم ذاتي فلسطينية مؤقتة» لمرحلة انتقالية تستغرق خمس سنوات، على أن تُتوج بتسوية دائمة بناء على القرار رقم 242 والقرار رقم 338.
كذلك تحدث الاتفاق عن وضع «حد لعقود من المواجهة والنزاع»، وعن اعتراف كل جانب «بالحقوق الشرعية والسياسية المتبادلة» للجانب الآخر.
وجاء في النصّ: «من أجل أن يتمكن الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة من حكم نفسه وفقا لمبادئ ديمقراطية، ستجرى انتخابات سياسية عامة ومباشرة وحرة للمجلس تحت إشراف متفق عليه ومراقبة دولية متفق عليها، بينما تقوم الشرطة الفلسطينية بتأمين النظام العام. وسيتم عقد اتفاق حول الصيغة المحددة للانتخابات وشروطها وفقا للبروتوكول المرفق كملحق؛ بهدف إجراء الانتخابات في مدة لا تتجاوز تسعة أشهر من دخول إعلان المبادئ هذا حيز التنفيذ، على أن تشكل هذه الانتخابات خطوة تمهيدية انتقالية مهمة نحو تحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ومتطلباته العادلة».
أما عن الفترة الانتقالية ومفاوضات الوضع الدائم، فتم الاتفاق على:
أ - تبدأ فترة السنوات الخمس الانتقالية عند الانسحاب من قطاع غزة ومنطقة أريحا.
ب - سوف تبدأ مفاوضات الوضع الدائم بين حكومة إسرائيل وممثلي الشعب الفلسطيني في أقرب وقت ممكن، ولكن بما لا يتعدى بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية.
ت - من المفهوم أن هذه المفاوضات سوف تغطي القضايا المتبقية، بما فيها القدس، واللاجئون، والمستوطنات، والترتيبات الأمنية، والحدود، والعلاقات والتعاون مع جيران آخرين، ومسائل أخرى ذات اهتمام مشترك. وفي بنود لاحقة جاء أنه سيراجع الطرفان بشكل مشترك القوانين والأوامر العسكرية السارية المفعول في المجالات المتبقية.
وتمخض الاتفاق، كذلك، عن تشكيل لجنة الارتباط المشتركة الإسرائيلية - الفلسطينية من أجل معالجة القضايا التي تتطلب التنسيق وقضايا أخرى ذات اهتمام مشترك، والمُنازعات. وتطرق الاتفاق إلى التعاون الإسرائيلي - الفلسطيني في المجالات الاقتصادية كذلك.
ويتضح من النص أنه كان اتفاقا سياسيا وأمنيا واقتصاديا وينظم العلاقة بين الطرفين. ولكن ما الذي طُبّق منه على الأرض؟
بعد سنوات قليلة فقط توقفت إسرائيل عن استكمال عملية انسحاب قواتها المقررة من المناطق، وبدلا من ذلك زادت من نشاطاتها الاستيطانية في كل مكان، بل واستباحت المناطق المصنفة «أ» وهي الأراضي الواقعة تحت الولاية الأمنية الفلسطينية الكاملة.
وخلال السنوات اللاحقة رفضت إسرائيل مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية التي تتحكّم بقدرة الاقتصاد الفلسطيني على التطوّر والاستقلال، واتخذت إسرائيل إجراءات أدّت إلى تعطيل المرحلة الانتقالية الهادفة إلى تحقيق الاستقلال.
لكن مسألة واحدة لم تخلّ بها إسرائيل أبدا، هي النقطة الأمنية، إذ استمرت في التنسيق الأمني مع السلطة. وهذا الوضع الذي يرفضه كثيرون من الفلسطينيين وضع الاتفاق محلّ جدل كبير. ويرى قسم من الفلسطينيين أن الاتفاق كان شرًا لا بد منه، ويصفه آخرون بـ«الخياني» و«المشؤوم».
إسرائيل تمسّكت بما يحلو لها من الاتفاق، وحاولت السلطة الفلسطينية تطبيقه بالكامل، بينما عملت مجموعات مثل «حماس» و«الجهاد» على إسقاطه بالقوة، لكنه ظل يحاصر الجميع. ولكن اليوم فقط وصل الفلسطينيون إلى قناعة تامة بأنهم تأخروا كثيرًا في لفظه.
لكن لماذا يريد الفلسطينيون الآن التخلص من «أوسلو»؟
صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يمكن استمرار الوضع الراهن أبدا. وأضاف: «إسرائيل تريد السلطة من دون سلطة، وتريد احتلالا من دون تكلفة، وتريد أن تجعل غزة خارج الفضاء الفلسطيني. نحن نقول إن السلطة ولدت لنقل الفلسطينيين من الاحتلال إلى الاستقلال ولن تكون لها وظيفة ثانية. وإذا اعتقد البعض أنه سيحول وظيفة السلطة إلى تنسيق مالي وأمني فهو مخطئ. السلطة مهمتها أن تنقل الشعب الفلسطيني إلى الاستقلال، فإما تكون هكذا وإما لا تكون».
وكان عريقات قد كتب دراسة قبل 3 سنوات وقدّمها للقيادة، وجاء فيها: «إن هذه السلطة ولدت لنقل الشعب الفلسطيني إلى الاستقلال. نتنياهو يحاول تغيير وظيفة السلطة. السلطة لن تستطيع الصمود، ستنهار. لدينا بدائل. اللجنة التنفيذية هي الحكومة المؤقتة لدولة فلسطين، والمطلوب عمله في انتخابات مستقبلية هو انتخاب برلمان دولة فلسطين وقيام دولة فلسطين، وعلينا أن نكرّس الدولة، ولكن هذا يتطلب تطبيق المصالحة قبل أي عمل آخر، وتعزيز عمقنا العربي».
ويمكن القول إنه بعد كل هذه السنين تبنّى عباس الفكرة.
عباس قال في خطابه أمام الأمم المتحدة خلال الأسبوع الماضي بشكل واضح: «ما دامت إسرائيل مصرّة على عدم الالتزام بالاتفاقيات الموقعة معنا، التي تحولنا إلى سلطة شكلية من دون سلطات حقيقية، وما دامت إسرائيل ترفض وقف الاستيطان والإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى وفق الاتفاقات معها، فإنها لا تترك لنا خيارا، سوى التأكيد على أننا لن نبقى الوحيدين الملتزمين في تنفيذ تلك الاتفاقيات، بينما تستمر إسرائيل في خرقها. وعليه فإننا نعلن أنه لا يمكننا الاستمرار في الالتزام بهذه الاتفاقيات، وعلى إسرائيل أن تتحمل مسؤولياتها كافة كسلطة احتلال، لأن الوضع القائم لا يمكن استمراره. وأذكّركم بقرار الجمعية العامة 19/67 لعام 2012، الذي أكد أن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ستكون الحكومة المؤقتة لدولة فلسطين، وأن المجلس الوطني الفلسطيني هو برلمان دولة فلسطين. مرة أخرى، إن الوضع الحالي غير قابل للاستمرار».
كان الخطاب في نيويورك لكن الصدى كان في إسرائيل بطبيعة الحال.
وعلى الرغم من أن إسرائيل لم تطبّق من «اتفاق أوسلو» شيئا، فإن بندا واحدا في الاتفاق وهو (التنسيق الأمني) جعلها تهدّد وتوعد. إذ قال وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون: «لا أظنهم قادرين على وقف التنسيق الأمني، فلولا جيشنا في الضفة الغربية لانهارت السلطة».
ولم يتوقف التنسيق الأمني بين الفلسطينيين والإسرائيليين مطلقا منذ «أوسلو»، لأن كلا الطرفين يعتقد أنه يشكل مصلحة عليا. والتنسيق الأمني يعني عمليًا التعاون بين أجهزة الأمن الفلسطينية والإسرائيلية لإحباط أي أعمال «عنف» في المنطقة. ويوازي هذا التنسيق تنسيق آخر مدني يعنى بشؤون السكان الفلسطينيين من تصاريح عمل وتحويلات طبية ولمّ شمل وتجديد وثائق.
وبسبب الخوف من وقف إسرائيل كل أشكال التعاون، بما في ذلك قطع الأموال وإغلاق الحدود، ووقف توريدات السولار والكهرباء للفلسطينيين، تبدو فكرة إلغاء «أوسلو» أو ما تبقى منه مرعبة لكثيرين.
وحول هذه النقطة قال جوناثان رينولد، من مركز «بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية» الإسرائيلي: «اتخاذ خطوة كإنهاء التعاون الأمني مع إسرائيل قد يؤدي إلى فوضى في الضفة الغربية. وهناك أيضًا خطر أن يدفع ذلك إسرائيل إلى زيادة وجودها في الضفة الغربية، على الرغم من أن البعض يشك في استعدادها لتخصيص الأموال والقوى البشرية الضرورية لذلك».
جدير بالذكر أنه منذ 3 سنوات، على الأقل، تريد القيادة الفلسطينية وقف التنسيق الأمني، لكن من دون أن تتخذ قرارا. وما زال الجدل في محيط عباس قائما حتى بعد إلقائه الخطاب في الأمم المتحدة. إذ قال عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الدكتور نبيل شعث إنه «من الصعب على السلطة إلغاء اتفاق أوسلو بالكامل، لأن هناك الكثير من العلاقات المتشابكة والمترابطة التي تحتاج إلى تفكيك». وأضاف: «نحن الآن مرتبطون بالاقتصاد الإسرائيلي والكهرباء والماء والطاقة، ولنتمكن من تفكيك هذه العلاقة نحن بحاجة لخطة عمل».
وتابع الدكتور شعث، في حديث مع «راديو أجيال» المحلي في رام الله، أن «إسرائيل تنفذ اتفاق أوسلو بشكل انتقائي، وأنه على السلطة العمل بالطريقة ذاتها»، موضحا: «لا يوجد شيء اسمه حل السلطة، وإن السلطة تدريجيا ستغير استراتيجيتها وطريقتها في العمل، وستصبح سلطة مقاومة وليست سلطة منفذة لـ(أوسلو) فقط».
لكن محمود الهبّاش، مستشار الرئيس الفلسطيني محمود عباس وأحد المقربين منه، ذكر أن «الجانب الفلسطيني لا يتحدث عن إلغاء الاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي وفق (أوسلو)، وإنما يطالب بتنفيذ متبادل لها».
أما واصل أبو يوسف، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، فقال إن خطوات مهمة كبيرة ستتخذ في القريب العاجل، موضحا لـ«الشرق الأوسط» أن «أهم الخطوات التي سيعلن عنها الرئيس الفلسطيني محمود عباس كرئيس لدولة فلسطين، تنفيذا لخطابه في الأمم المتحدة، هي إعلان اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية كحكومة مؤقتة للدولة الفلسطينية المحتلة، على أن يصبح المجلس الوطني الفلسطيني هو برلمان الدولة». وأكد أبو يوسف، أن هذا ما يعنيه «إعلان فلسطين دولة تحت الاحتلال».
لكن أبو يوسف أوضح أن هذه القرارات لن تتخذ فورا، لكنها لن تتأخر إذا لم يستجب العالم لخطاب عباس. وأوضح أن «اتخاذ هذه الخطوات يعني بالضرورة انتهاء دور السلطة والإعلان عن الانتقال إلى دولة محتلة تقودها منظمة التحرير، تمهيدا لخطوات لاحقة». ثم شدد على أن الاتصالات بدأت مع الفصائل الفلسطينية بما فيها «حماس» و«الجهاد» لعقد جلسة للمجلس الوطني الفلسطيني قبل نهاية العام للنقاش واتخاذ قرارات حاسمة بهذا الصدد.
وكان عباس أعلن في خطابه في الأمم المتحدة أنه لن يلتزم بالاتفاقات مع إسرائيل إذا لم تلتزم هي. وحول هذا الجانب قالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» شارحةً: «إن التحلل من الاتفاقات سيبدأ واحدا تلو الآخر وصولا إلى مواجهة سياسية شاملة تتوقعها السلطة ستؤدي في النهاية إلى انهيارها». وبحسب المصادر: «لا يوجد قرار بحل السلطة، وإنما إذا انهارت فستعلن السلطة أنها فشلت في نقل للشعب الفلسطيني من الاحتلال إلى الاستقلال، وستعلن دولة تحت الاحتلال تقودها المنظمة».
ولا يمكن للفلسطينيين الاحتفاظ بالسلطة في ظل إعلان الدولة، وذلك لأن السلطة «المؤقتة» إنما وُجدت لإقامة الدولة «الدائمة». وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، عقد الفلسطينيون اتفاقات أخرى مع إسرائيل يمكن وصفها بملاحق «أوسلو» أو «أولاد وبنات الاتفاق الأم».

* أبرز الاتفاقات الأخرى
* «اتفاق غزة – أريحا» (1994): أطلق عليه اسم «الاتفاق التنفيذي لأوسلو» الذي وُقع في 4 مايو (أيار) 1994، وتضمن الخطوة الأولى لانسحاب إسرائيل من غزة وأريحا وتشكيل السلطة الفلسطينية وأجهزتها، وأتبع باتفاقين تنفيذيين:
* «اتفاق باريس الاقتصادي» (يوليو/ تموز، 1994): ينظم العمالة الفلسطينية والعلاقات المالية والاقتصادية بين الطرفين.
* «اتفاقية طابا أو أوسلو الثانية» (1995): وعُرفت بـ«اتفاقية المرحلة الثانية من انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية»، إذ تعهدت إسرائيل بالانسحاب من 6 مدن عربية رئيسية و400 قرية في بداية عام 1996، وانتخاب 82 عضوا للمجلس التشريعي، والإفراج عن معتقلين في السجون الإسرائيلية.
وقسّمت «اتفاقية طابا» المناطق الفلسطينية إلى «أ» و«ب» و«ج» لتحديد مناطق حكم السلطة والمناطق الخاضعة لإسرائيل وغير ذلك.
* «اتفاق واي ريفر الأول» (1998): وينص الاتفاق على مبدأ «الأرض مقابل الأمن»، وأن إسرائيل ستنفذ مرحلة جديدة من إعادة الانتشار في 13 في المائة من الضفة الغربية مقابل قيام السلطة الفلسطينية بتكثيف حملتها ضد «العنف».
* «اتفاق واي ريفر الثاني» (1999): وقع في منتجع شرم الشيخ المصري في 4 سبتمبر (أيلول) 1999، وتم فيه تعديل وتوضيح بعض نقاط «اتفاق واي ريفر الأول»، مثل إعادة الانتشار وإطلاق السجناء والممرّ الآمن وميناء غزة والترتيبات الأمنية وغير ذلك.
* ثم جاءت «خريطة الطريق»: وهي عبارة عن خطة سلام أعدتها عام 2002 اللجنة الرباعية التي تضمّ كلا من الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا. وتركّز هذه الخريطة على نقاط من بينها إقامة دولتين إسرائيلية وفلسطينية.. وعلى أن تتم التسوية النهائية بحلول عام 2005.
* «اتفاق أنابوليس» (2007): عقد الرئيس الأميركي جورج بوش الابن في الولاية الثانية من رئاسته مؤتمرا في القاعدة البحرية بمدينة أنابوليس، عاصمة ولاية ميريلاند الأميركية، في محاولة لاستئناف عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وصدر عن المؤتمر بيان مشترك بين القادة الإسرائيليين والفلسطينيين، دعا إلى الانخراط في مفاوضات يكون هدفها التوصل إلى اتفاق سلام كامل بحلول نهاية 2008.
* في 2010: أطلق الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما، في 2 سبتمبر، محادثات مباشرة في البيت الأبيض جمعت بين محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لكن انتهاء العمل في إسرائيل بالتجميد الجزئي للاستيطان في 26 سبتمبر أدى إلى انهيار المفاوضات.
* في 2011: رفض نتنياهو دعوة أوباما إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود 67 تضم الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية.
* في 2012: أجرى المفاوضون الفلسطينيون والإسرائيليون جولات مفاوضات جديدة من دون نتيجة.
* في 2013: أطلق وزير الخارجية الأميركي جون كيري مفاوضات (9 شهور) لإعلان اتفاق سلام، لكنها انهارت بعد اللقاء الخامس. ولم تتجدد المفاوضات.
لم يلتزم الإسرائيليون بأي اتفاق عقدوه، لا سياسي ولا اقتصادي ولا على الأرض. ولم ينسحبوا من الضفة، ولم يسلموا المناطق، ولم يسمحوا بإقامة الدولة، ورفضوا أي تطوير حتى على الاتفاق الاقتصادي، فقط التزموا بالتنسيق الأمني.
ولا يخفي مسؤولون فلسطينيون أنهم يفهمون أن إسرائيل أرادت منذ البداية «شرطيًا» على حدودها، لكنهم يقولون إنهم ليس بينهم «لحد» - في إشارة إلى أنطوان لحد قائد ميليشيا «جيش لبنان الجنوبي» العميلة لإسرائيل في جنوب لبنان - وإن دولة كل الفلسطينيين ستقوم في نهاية الأمر، على الرغم ممّا يعتقده «المارّون بين الكلمات العابرة».



ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
TT

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على ممرات التهريب وتجارة المخدّرات والهجرة غير النظامية، وبين «مبادرة أميركية» تستهدف إنهاء الانقسام في بلد أنهكته الصراعات منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. في الساحل الغربي الليبي، بات مشهداً متكرراً أن تتراجع الحلول السياسية وتخفت أصوات الحوار أمام تمدد الفوضى الأمنية. وهذا المشهد وصفته المبعوثة الأممية هانا تيتيه، بلغة دبلوماسية هادئة، بأنه «هشّ»، في ظل تنافس جماعات مسلحة على النفوذ والموارد، وانخراط بعضها في أنشطة «غير مشروعة»، بما يضاعف تعقيدات المشهد ويبدد فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.

تبدو مدينة الزاوية، بشمال غربي ليبيا، مرآة تعكس جانباً من واقع البلاد؛ إذ باتت الاشتباكات بين التشكيلات النافذة فيها مشهداً مألوفاً اعتاده السكان، حتى «تحوّل ليلهم إلى نهار»، بحسب الناشط المدني عبد الرحمن شعيب، في وصفه لأحدث موجة من الاشتباكات التي اندلعت في الثالث من أغسطس (آب) الحالي داخل مناطق سكنية في الزاوية وصرمان، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.

استهداف مرافق النفط

ولم يتوقف أثر هذا الانفلات عند حدود الأمن، بل امتد إلى ما يُعرف بـ«قوت الليبيين»، في إشارة إلى النفط، مصدر الدخل الرئيس للدولة؛ إذ كان استخدام «طائرات مسيّرة» في استهداف مصفاة الزاوية ومنشآت حيوية فيها، تطوراً نوعياً في المشهد الأمني، أثار مخاوف من أن تتحوّل الهجمات هذه إلى ورقة ضغط تهدد أحد أهم مصادر الإيرادات، وتفتح الباب أمام اضطراب أوسع في إنتاج النفط وتصديره.

وحقاً، لا يبدو أن ما شهدته الزاوية مرشح للبقاء معزولاً عن محيطها؛ حيث يحذّر باحثون من انتقال نمط الفوضى نفسه إلى مدن أخرى في غرب ليبيا، وصولاً إلى العاصمة طرابلس، في ظل استمرار غياب احتكار الدولة لأدوات القوة. وهذه أيضاً رؤية الباحث العسكري محمد الترهوني، الذي حذّر من أن هذا الواقع قد يتكرّر بصورة «أكثر قسوة»، ما دامت أدوات الإكراه والقوة لا تزال موزعة بين فصائل مسلحة خارج السيطرة الكاملة لمؤسسات الدولة.

تحت وطأة هذا المشهد، يستحضر ليبيون لقاءات متكرّرة جمعت رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة ومستشاره للأمن القومي إبراهيم الدبيبة بعدد من قادة التشكيلات المسلحة البارزين. وتحوّلت صور هذه اللقاءات، التي تداولتها صفحات ليبية على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى مادة للنقاش بشأن طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية في طرابلس والتشكيلات المسلحة النافذة.

إرث أمني «ثقيل»!

في معرض الدفاع عن الحكومة، يقول مؤيدو الدبيبة إنها «تسلمت إرثاً أمنياً مثقلاً بواقع ميليشياوي»، ما فرض عليها في بعض المراحل عقد تفاهمات مؤقتة مع القوى المسلحة لتجنب صدامات أوسع. لكن عضو «المجلس الأعلى للدولة» أبو القاسم قزيط يُحمّل «الوحدة الوطنية» جانباً من المسؤولية عن تنامي نفوذ هذه التشكيلات خلال السنوات الماضية، قائلاً إنها «دعمتها بالمال والسلاح، وعقدت معها تفاهمات مؤقتة أسهمت في تعاظم قوتها»، ومعتبراً أن الحكومة لم تمتلك «الإرادة السياسية الكافية» لتفكيك التشكيلات المنفلتة.

مع هذا، يميز قزيط بين التشكيلات المسلحة، فيرى أن «بعضها تحوّل إلى قوى عسكرية وأمنية شبه نظامية تتمتع بقدر من التراتبية والانضباط، ويمكن أن تشكل نواة يمكن البناء عليها في إطار أي ترتيبات أمنية مقبلة، بدلاً من التعامل معها جميعاً باعتبارها كتلة واحدة».

ومن قلب هذا التعقيد، يطرح خالد الترجمان، أمين سر «المجلس الانتقالي الليبي» السابق ورئيس «مجموعة العمل الوطني»، سؤالاً يتجاوز حدود المشهد الأمني الراهن، وهو: هل تمتلك الولايات المتحدة والدول المنخرطة في الملف الليبي جدية حقيقية لنزع سلاح التشكيلات المسلحة في غرب البلاد؟ أم أن أي مبادرة سياسية ستظل رهينة موازين القوة التي تفرضها هذه التشكيلات على الأرض؟

مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها

وضع شرقي ليبيا

وفي شرق البلاد، حيث تفرض قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر حالة من الاستقرار الأمني النسبي منذ سنوات، لم يكن المشهد بمنأى عن المفاجآت الأمنية. فقد أدى انفجار عبوة ناسفة إلى مقتل مدير الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري ببنغازي في 10 أغسطس (آب) الحالي، في حادثة أعادت إلى الواجهة تساؤلات بشأن احتمال وجود «خلايا نائمة» لمسلحين أو متطرّفين في شرق البلاد وجنوبها، قادرة على استغلال أي ثغرات أمنية لضرب شخصيات ومؤسسات عسكرية وأمنية.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ظل تحذيرات سابقة من استمرار مخاطر الخلايا المسلحة والمتطرفة، وهو ما أشار إليه رئيس الأركان العامة بـ«الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، في وقت مبكّر، بما يعكس أن الهدوء الأمني الذي يميّز شرق ليبيا لا يعني بالضرورة انحسار التهديدات.

حلول دولية طال انتظارها

بالتالي، مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين، وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين، تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها، بعدما عجزت المسارات الداخلية عن إنهاء الانقسام، وسط تحرّك الأطراف المتنازعة إقليمياً ودولياً. ومن بين هذه الحلول «مبادرة أميركية» يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، وتستهدف التوصل إلى صيغة لتقاسم السلطة بين طرفي الصراع في البلاد.

بنود التفاوض بشأن هذه المبادرة لا تزال طي الكتمان، الأمر الذي دفع البعض إلى وصفها بـ«الصفقة» لا «المبادرة»، في ظل محدودية ما كُشف عنها حتى الآن، والذي لم يتجاوز مقترحاً بتولي صدام حفتر، نجل قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، بالتزامن مع تشكيل حكومة موحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

وللعلم، دأب بولس على إبراز ما يعدّها «نجاحات» حقّقها حراكه الدبلوماسي منذ صيف العام الماضي، وتوجّت في أبريل (نيسان) هذا العام سواءً في التوصل إلى اتفاق لتوحيد الميزانية للمرة الأولى منذ 13 سنة، أو في جمع قوتين عسكريتين من شرقي البلاد وغربها في مناورة مشتركة بمدينة سرت. غير أن المبادرة لا تزال تواجه رفضاً صارماً من أطراف في الغرب الليبي، ولا سيما في مدينة مصراتة، مسقط رأس الدبيبة، بما تتمتع به مصراتة من ثقل عسكري، إلى جانب مدن وقوى أخرى ترى أن الترتيبات المطروحة لا تحقّق توازناً مقبولاً بين أطراف المشهد السياسي، وتحذّر من مخاطر ما تصفه بـ«عسكرة الدولة».

عضو المجلس الأعلى للدولة قزيط جدد هذا الموقف، قائلاً إن المبادرة «ليست فقط متعثرة، وإنما تحمل في طياتها أسباب تعثرها»، ومشيراً إلى أن الغموض الذي يكتنف مسارها وتفاعلاتها يزيد من «التساؤلات والشكوك» حول فرص نجاحها ومآلاتها.

مبادرة وإشكاليات

تطرح المبادرة، من منظور قزيط، إشكالية أعمق، مفادها أن «الحل نفسه قد يتحول أحياناً إلى عائق أمام الحل»؛ إذ يرى أن المبادرة التي يفترض أن تفتح الطريق أمام التسوية قد تتحول إلى عقبة في طريقها إذا أفضت إلى إعادة إنتاج توازنات القوى ذاتها التي أسهمت في تكريس حالة الانسداد السياسي القائمة.

ومقابل المتحمسين لـ«المبادرة الأميركية» الذين يرون فيها «الحل الواقعي» لوقف صراع دامَ سنوات أنهك الليبيين واستنزف طاقاتهم، يستند معارضوها، ومن بينهم قزيط، إلى أن التفاهمات بين طرفي الصراع الرئيسين «لن تقود بالضرورة إلى تسوية مستقرة»، خصوصاً مع تجاهل مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، وما تبقى من قوى وفعاليات سياسية وقبلية وبلديات ومكوّنات من المجتمع المدني وتشكيلات مسلحة فاعلة.

ومع أن شرق ليبيا قد يكون متّفقاً إلى حد كبير على تمثيل «الجيش الوطني» بقيادة المشير حفتر لها في هذه الترتيبات، فإن قزيط يرى أن «المنطقة الغربية ترفض بشكل واسع» تمثيل حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة لها، لا سيما في ظل المعارضة التي واجهتها حكومته في غرب البلاد خلال السنوات الأخيرة.

أيضاً، لا تقتصر الأصوات الرافضة أو المتحفّظة أو المتشكّكة في المبادرة على الداخل الليبي؛ إذ تمتد المخاوف إلى دوائر غربية لا تخفي قلقها من مآلات تحرك بولس. وهذا ما عكسه «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، الذي وصف المفاوضات بأنها بمثابة «أوكسجين سياسي» للنخب الليبية، التي قد تتعامل معها بوصفها فرصة لتحقيق «مكاسب شخصية وعائلية».

وفي هذه الأثناء، يحتفظ بعض الليبيين بقدر من التفاؤل المشروط بإمكان نجاح المبادرة، بينهم الناشط السياسي المقرّب من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، عمر بوسعيدة، الذي يرى أن «هناك زخماً دولياً وإقليمياً محيطاً بمبادرة المبعوث الأميركي مسعد بولس، وأدوات ضغط ونفوذاً اقتصادياً وسياسياً غير مسبوق».

ومع ذلك، ينتهي بوسعيدة إلى التحذير من أن هذا الزخم لن يكون كافياً لتجاوز العقبات المحلية وتوحيد السلطة التنفيذية ما لم تتبلور الإرادة الدولية بصورة كاملة، وتتمكّن الإدارة الأميركية وحلفاؤها من تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات أمنية ومؤسسية مستدامة على الأرض. وبالتالي، إجراء الأطراف الليبية، الممثلة في «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة» مباحثات بين القاهرة وأنقرة وواشنطن وموسكو؛ سعياً للتوصل إلى تفاهمات تفضي إلى توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي والأمني.

15 سنة من الصراع على الشرعية السياسية في ليبيا

تسعى التحركات الدولية والأممية إلى إخراج ليبيا من دوامة المراحل الانتقالية وإنهاء حالة الانسداد السياسي، ويظل السؤال المحوري: هل تنجح البلاد في كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها منذ عام 2011؟ هذا التساؤل الذي أثاره «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية» قبل نحو أربع سنوات، ظل بلا إجابة حاسمة، متقاطعاً مع المعضلة الحقيقية المتمثلة في تراجع الثقة وغياب الضمانات اللازمة لحل الأزمة في ظل صراع قائم على الشرعية السياسية. يتجلى هذا المشهد في المسارات التي أعقبت إسقاط نظام معمر القذافي، حين تعاقبت صيغ سياسية متعددة؛ حملت كل منها وعداً بالوصول إلى دولة مستقرة ومؤسسات دائمة، غير أن كل تسوية كانت تنتهي قبل تحقيق غايتها، مفسحة المجال أمام صيغة انتقالية أخرى أكثر تعقيداً وأقل قدرة على توحيد البلاد. بدأت الرحلة مع «المجلس الوطني الانتقالي» الذي أدار البلاد عقب سقوط النظام السابق، قبل أن يسلّم السلطة إلى «المؤتمر الوطني العام» المنتخب في أغسطس (آب) 2012. وبدا ذلك الانتقال كأنه تأسيس سياسي جديد، لكنه أخفق في بناء مؤسسات قادرة على احتواء الخلافات. ومع انتخابات مجلس النواب عام 2014، دخلت الأزمة مرحلة جديدة بتدوير التنافس السياسي إلى انقسام مؤسسي بين حكومتين واقتتال أهلي، ليرسم الانقسام خريطة القوة بين شرق البلاد وغربها، ويغدو توحيد المؤسّسات شرطاً متكرّراً في كل تسوية وسبباً رئيساً لتعثرها. بعدها، جاء «اتفاق الصخيرات» بالمغرب في ديسمبر (كانون الأول) 2015 محاولةً لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات عبر حكومة «الوفاق الوطني». لكنه لم يُنهِ الانقسام، بل ظلت ترتيبات الحكم مرهونة بتوازنات القوى المسلحة والسياسية، ليبقى الاتفاق «معالجة انتقالية» لا تأسيساً لنظام مستقر. «حرب طرابلس» عام 2019 عكست حدود تلك التسويات، قبل أن يفتح اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 الطريق أمام مسار أممي جديد أسفر في فبراير (شباط) 2021 عن اختيار «سلطة تنفيذية مؤقتة»، تمثلت مهمتها الأساسية في إيصال البلاد إلى انتخابات وطنية بحلول نهاية ذلك العام. لقد كان مُفترضاً أن تشكّل انتخابات 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021 نقطة الخروج من المراحل الانتقالية، لكنها تعثرت نتيجة الخلافات حول القاعدة الدستورية وشروط الترشح ونزاهة المؤسسات المنظمة. ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد في دوامة مفتوحة بلا أفق محدد. وفي عام 2022، أدى ظهور حكومة منافسة في الشرق إلى إعادة إنتاج الانقسام التنفيذي، فيما واصلت المؤسسات السيادية والعسكرية عملها عبر ترتيبات متوازية، لـتتحول الانتخابات من أداة لإنهاء الانقسام إلى محور صراع حول شرعية إدارة الدولة. اليوم، تسعى المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى تعديل المعادلة عبر مسار يجمع بين إصلاح الإطار الانتخابي، وتوحيد المؤسسات، ومعالجة الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية. وعلى خط موازٍ، تتحرك واشنطن بشكل مباشر عبر مبادرة للحل، معتمدة على توحيد الحكومة والمؤسسات لتهيئة البيئة الملائمة للانتخابات. ويرهن مراقبون نجاح هذه التحركات بقدرة الأطراف الليبية والدولية على معالجة جذور المعضلة وصولاً إلى إنهاء الصراع الفردي على الشرعية السياسية، وإجراء الانتخابات العامة وإعادة السيادة للدولة.


خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
TT

خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً

لم يصل خافيير بيسيرا إلى صدارة السباق على حاكمية ولاية كاليفورنيا الأميركية بوصفه المرشح الأكثر شهرة أو صاحب البرنامج الأكثر صخباً. إذ انتزع المركز الأول في الانتخابات التمهيدية بنسبة 28 في المائة، مستفيداً من تفكّك مجموعة منافسيه وانسحاب أسماء كانت تتقدّمه، ثم وجد نفسه المرشح الديمقراطي في ولاية تميل بقوة إلى حزبه. إلا أن المفارقة أن الرجل الذي خدم نحو 35 سنة في مواقع تمتد من برلمان الولاية إلى الكونغرس ووزارة الصحة، لا يزال، في نظر كثيرين في ساكرامنتو، عاصمة كاليفورنيا، مجهولاً سياسياً: يعرفون سجلّه ولا يعرفون تماماً كيف سيحكم. هذه ليست مسألة أسلوب فقط. فحاكم كاليفورنيا المقبل سيرث رابع أكبر اقتصاد في العالم، لكنه سيرث أيضاً أزمة سكن وتأمين وطاقة وتشرّد، وقلقاً من الضرائب والقيود التنظيمية وهجرة السكان والأعمال. وبالتالي، سيُطلب من بيسيرا أن يحدّد ما إذا كان سيواصل نموذج الحاكم الديمقراطي الحالي غافين نيوسوم، أم يعيد توجيه الحزب الديمقراطي من المعارك الرمزية الكبرى إلى اختبار يومي أبسط وأقسى: هل تستطيع حكومة تقدمية جعل الحياة أقل كلفة من دون إضعاف القدرة التنافسية للولاية؟

وُلد خافيير بيسيرا في مدينة ساكرامنتو، العاصمة السياسية لولاية كاليفورنيا، عام 1958، وهو ثالث أربعة أبناء لعائلة عاملة محدودة الدخل.

كان والده مانويل قد وُلد أيضاً في ساكرامنتو، لكنه نشأ في مدينة تيخوانا المكسيكية الحدودية، في حين تربّت والدته ماريا تيريزا في مدينة غوادالاخارا، ثاني كبرى مدن المكسيك، قبل انتقالها إلى الولايات المتحدة.

ولقد عمل الأب عاملاً زراعياً في الحقول ثم في شق الطرق، وعملت الأم سكرتيرة. وبحسب السيرة الرسمية في مجلس النواب، عاش الأبناء في منزل صغير قرب حي لاند بارك، وكان خافيير أول فرد في العائلة يحصل على شهادة جامعية.

بداية الصعود والحياة الأسرية

تبدو قصة دخول خافيير جامعة ستانفورد الشهيرة أقرب إلى الحكايات الأميركية الكلاسيكية؛ إذ عثر على طلب التحاق فارغ كان صديق له يريد التخلّص منه، فملأه وقُبل.

وفي ستانفورد درس الاقتصاد وتخرّج عام 1980، ثم نال شهادة القانون من كلية الحقوق في الجامعة ذاتها، عام 1984. وهناك تعرّف إلى كارولينا رييس، التي أصبحت طبيبة وزوجته وأم بناتهما الثلاث. وبعد التخرّج انتقل إلى ولاية ماساتشوستس، في الجانب الآخر من أميركا، حيث كانت زوجته تدرس الطب في جامعة هارفارد، وعمل في مجال المساعدة القانونية، قبل أن يعود إلى كاليفورنيا مساعداً للسيناتور المحلي آرت توريس ثم نائباً للمدعي العام في الولاية.

هذه السيرة تمنح خافيير بيسيرا «لغة سياسية» تتجاوز الانتماء الإثني؛ فهو ابن عامل نقابي، وأول جامعي في أسرته، ومحام بدأ بخدمة محدودي الدخل. وكل هذه عناصر تفسر تركيزه الدائم على الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والهجرة، لكنها توفر له أيضاً مَدخلاً إلى ناخبين بيض ومستقلّين لا تتحرك خياراتهم على أساس الهويّة بقدر ما تتأثر بالطبقة والاستقرار الاقتصادي.

صعود بلا ضجيج

بدأ بيسيرا طريقه الانتخابية عام 1990 بمفاجأة تشبه فوزه الأخير؛ إذ دخل سباقاً على مقعد في برلمان كاليفورنيا وهو قليل الشهرة، وخاض حملة طرق أبواب مكّنته من التواصل مع الطبقة الوسطى اللاتينية والأحياء الأفقر في شرق لوس أنجليس، ففاز في الانتخابات التمهيدية بنسبة 35 في المائة. وبعد ولاية واحدة فقط، انتقل عام 1993 إلى مجلس النواب الأميركي ممثلاً إحدى مناطق مدينة لوس أنجليس، وبقي فيه 24 سنة.

في العاصمة واشنطن، بنى بيسيرا نفوذه بالتدرّج: ترأس كتلة النواب من أصول لاتينية، وأصبح أول لاتيني ينضم إلى لجنة الوسائل والموارد النافذة، ثم ترأس الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب بين 2013 و2017. وبعدها اشتغل على الهجرة والضرائب والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وكان قريباً من نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، لكنه حرص على ألا يُختصر في قضايا اللاتينيين، قائلاً مبكراً إن مَن لديه مشكلة ضريبية أو صحية يجب أن يراه ممثلاً له أيضاً.

في الحقيقة، لم تكن الطريق سلسلة انتصارات متصلة. ففي 2001 جرّب العودة إلى السياسة المحلية مرشحاً لرئاسة بلدية لوس أنجليس، لكنه خسر في معركة تمهيدية مزدحمة. وعندما عرض عليه الرئيس باراك أوباما منصب الممثل التجاري الأميركي عام 2008، فضّل البقاء في مجلس النواب. ويكشف القراران عن سمتين لازمتاه: طموح يتجاوز المقعد النيابي، وحذر يجعله يختار توقيت انتقاله وموقع القوة الذي يريد أن ينطلق منه.

تعيينه محامياً عاماً

عام 2017، عيّنه الحاكم جيري براون مدعياً عاماً خلفاً لكامالا هاريس، ثم فاز بالمنصب انتخابياً. وهناك، تحوّل من مشرّع هادئ إلى أحد أبرز خصوم إدارة دونالد ترمب الأولى، فرفع أكثر من مائة دعوى في ملفات الهجرة والبيئة والرعاية الصحية والحقوق الإنجابية.

وفي عام 2021، اختاره الرئيس جو بايدن وزيراً للصحة والخدمات الإنسانية. وأشرف حينذاك على مرحلة الجائحة (كوفيد - 19) وتنفيذ توسيع التغطية الصحية، وعلى أول مفاوضات لخفض أسعار أدوية ضمن «ميديكير» بموجب قانون خفض التضخم.

لكن تجربته مع السلطة الفيدرالية تركت ظلالاً أيضاً؛ إذ اتهمه مسؤولون سابقون بالبطء وقلة الحضور خلال أزمات، ولاحقته انتقادات بشأن سرعة تسليم القاصرين المهاجرين غير المصحوبين إلى كفلاء لم يخضع بعضهم لتدقيق كافٍ. وهذه الانتقادات يرفضها بيسيرا ويعدُّها هو وحلفاؤه مُجحفة، غير أنها تضع أمامه سؤالاً مشروعاً: هل أسلوبه التشاوري الدقيق ميزة في إدارة مؤسسة ضخمة، أم هو تردّد لا تحتمله الأزمات؟

فوز بين الشقوق

تقول «بوليتيكو» إن بيسيرا لم يكن الخيار الأول لمعظم مراكز القوى في الحزب الديمقراطي؛ إذ أحجم كل من كامالا هاريس وأليكس باديّا عن خوض السباق، وانسحب إريك سوالويل بعد انهيار حملته، في حين أنفق الملياردير توم ستاير مبالغ طائلة ليحتلّ المساحة التقدمية بوعود تشمل الرعاية الصحية ذات الدافع الواحد وفرض ضرائب على المليارديرات وتفكيك احتكارات المرافق. أما بيسيرا فظهر بمظهر «اليد الثابتة» الموثوقة والبديل الأقل مخاطرة.

وفق النتائج الرسمية، نال بيسيرا 28 في المائة مقابل 24.6 في المائة للجمهوري ستيف هيلتون. وهذه نتيجة تمنحه بطاقة العبور، لا تفويضاً كاسحاً. لكنه خرج منها بميزة نادرة: لم يصل محمولاً على قائمة طويلة من التعهّدات أو مُرتهناً بالكامل للنقابات ومجموعات المصالح التي تأخرت في تأييده. وهذا يفسّر جانباً من حذَر ساكرامنتو؛ فالجهات النافذة لا تعرف بعد مَن سيختار لفريقه... ولا أي الملفات سيقدّم.

في المقابل، تبدو الانتخابات العامة أقل غموضاً؛ إذ أظهر استطلاع معهد بيركلي للدراسات الحكومية يوم 13 أغسطس (آب) تقدّمه على هيلتون بـ55 في المائة مقابل 37 في المائة. غير أن ضمان الفوز تقريباً قد يتحوّل إلى مشكلة حكم. ذلك أنه سيكون عليه أن يصنع تفويضه بعد الانتخابات، لا أن يزعم أن المعركة التمهيدية منحته إياه.

برنامج ينتظر التفاصيل

يردّ بيسيرا على من يسأله عما سيفعل بعبارة «انظروا إلى سجلّي!». وفي رد له على «بوليتيكو»، قال إنه يستطيع إطلاق وعود كبيرة، لكنه لا يريد الفوز بتعهّدات مضخّمة قد لا يستطيع تنفيذها.

في نظر مؤيديه، هذا انضباط اكتسبه بيسيرا من إدارة ملفات حياة أو موت إبان جائحة «كوفيد - 19»، أما في نظر منتقديه، فإنها طريقة لطيفة لتأجيل الخيارات الصعبة.

مع هذا، أجندة بيسيرا ليست فارغة. فهو يقترح تجميد زيادات أقساط التأمين على المنازل، وتحديد مشاريع إسكان جاهزة للبناء، ووضع خطة شاملة تجعل قدرة الأسرة المتوسطة على شراء المنزل المتوسط هدفاً قابلاً للقياس.

ثم إنه يتعهّد بالحفاظ على التغطية الصحية لملايين قد يتضرّرون من التخفيضات الفيدرالية، واستعادة تغطية مهاجرين غير موثقين قلّصها الحاكم الحالي نيوسوم، والتحرّك من ثم تدريجياً نحو نظام صحي شامل.

أيضاً طرح منح الأسر المنخفضة الدخل ساعتين مجانيتين من الكهرباء في منتصف النهار للاستفادة من فائض الطاقة الشمسية، مع تقدير وفر قد يصل إلى ألف دولار سنوياً للأسرة المستفيدة. وسيواصل وقف تنفيذ أحكام الإعدام، لكنه يلمّح إلى اختلافات مع نيوسوم. فهو، مثلاً يعارض السماح للشاحنات الذاتية القيادة بالعمل بلا سائق، بعدما قاوم الحاكم الحالي قيود النقابات عليها، وأبدى تردّداً أولياً قبل أن يؤيد إمكان تحقيق هدف وقف بيع السيارات الجديدة العاملة بالبنزين في 2035.

ويؤيد بيسيرا أيضاً رسماً على الشركات التي تدفع أجوراً منخفضة تجعل موظفيها مؤهلين للمساعدات العامة، وقد يستخدم عائداته لتمويل التغطية الصحية. لكن هذا يحتاج إلى أكثرية الثلثين في المجلس التشريعي، وقد يصطدم بغرفة تجارة كاليفورنيا التي أيدته.

هذه التناقضات هي جوهر امتحان بيسيرا الاقتصادي. فوفق معهد السياسات العامة في كاليفورنيا، بلغ اقتصاد الولاية 4.3 تريليون دولار عام 2025، لكنه نما منذ 2020 بوتيرة أبطأ من نمو اقتصاد كل من ولايتي تكساس وفلوريدا. وتفيد وزارة المال في الولاية بأن صافي الهجرة الداخلية سجّل خسارة قدرها 216 ألف شخص للسنة 2024 - 2025.

ويرى مراقبون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها، لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً. ولا يكفي لمواجهتها أن يعِد بيسيرا بجمع الأطراف حول الطاولة؛ عليه تحديد ما سيبسّطه، وما سيموّله، ومن سيدفع الثمن.

من الهوية إلى اختبار الحكم

في أي حال، إذا فاز بيسيرا فسيصبح أول لاتيني يُنتخب حاكماً لكاليفورنيا، وأول من يتولّى المنصب منذ روموالدو باتشيكو الذي شغله لعشرة أشهر عام 1875 بعد شغوره.

هنا للرمزية وزن واضح في ولاية يشكل فيها اللاتينيون 38 في المائة من البالغين، وقد خاطبهم بيسيرا بالإسبانية وعبر «تيك توك» تحت صورة «العم خافيير». لكنها ليست شيكاً انتخابياً مفتوحاً: اللاتينيون لا يمثلون سوى 29 في المائة من الناخبين المرجّح اقتراعهم، وقد حقّق الجمهوريون تقدماً بينهم في دورات أخيرة.

ولذا يحتاج بيسيرا إلى ائتلاف أوسع. وتظهر بيانات معهد السياسات العامة أن البيض يمثلون نصف الناخبين المرجح اقتراعهم، وأن 51 في المائة من المُستقلين يعدّون أنفسهم «معتدلين». وهنا قد يخدمه أسلوبه غير الاستعراضي وخلفيته العمالية، شرط أن يحوّل الاعتدال في النبرة إلى وضوح في النتائج. فالمستقل لا يطلب منه تقليد الجمهوريين، بل إثبات أن حماية المناخ والمهاجرين والعمال لا تعني تجاهل فاتورة الكهرباء أو عجز الأسرة عن شراء منزل.

بعض القراءات تلتقط، راهناً، تحولاً حقيقياً في مسار الحزب الديمقراطي؛ إذ ترى أن تركيزه على أسعار الدواء والإيجارات والخدمات المحلية ينقله من قوة ذات رؤية «كونية» إلى حزب أكثر انكفاءً على الشأن المحلي. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة نزعة انعزالية؛ فقد أظهر استطلاع أُجري في مايو (أيار) 2026 أن الناخبين باتوا أقل استعداداً لمكافأة الخطاب المجرّد؛ إذ وضع 44 في المائة منهم كلفة المعيشة والاقتصاد في صدارة مشاكل الولاية، تليهما أزمة السكن. ثم إن وظيفة الحاكم تقوم أساساً على إدارة هذه التفاصيل، بينما تتجاوز عادةً، آثار سياسات كاليفورنيا في المناخ والتكنولوجيا والخصوصية والسيارات حدود الولاية.

آيديولوجياً، بيسيرا نفسه ليس تجسيداً صافياً لانتفاضة «تقدّمية» على «المؤسسة»؛ فهو ابن المؤسسة الديمقراطية، وإن كان تقدمياً في الصحة والهجرة والحقوق. ولذا قد لا يكون صعوده انكفاءً عن «الكونية»، بل محاولة لإعادة بنائها من أسفل؛ أي إقناع الناخب أولاً بأن الحكومة قادرة على خفض كلفة الدواء والسكن والطاقة، ثم تقديم نموذج كاليفورنيا إلى البلاد.

نجاحه في ذلك قد يمنح الديمقراطيين جواباً عن أزمة القيادة المقبلة؛ أما فشله فسيحوّل رمزية انتخاب أول حاكم لاتيني منذ قرن ونصف قرن إلى إنجاز تاريخي محدود الأثر.


من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)
TT

من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)

تعاقب على كاليفورنيا منذ عقد الستينات حكّام من الحزبين ترك كل منهم تعريفاً مختلفاً لدور الولاية وحدود السلطة التنفيذية. وتُظهر القائمة التاريخية الرسمية أن الهيمنة الديمقراطية الراهنة حديثة نسبياً، بعدما حكم الجمهوريون معظم الفترة الممتدة من 1983 إلى 1999، ثم عادوا مع أرنولد شوارتزنيغر. وهذا التاريخ يجعل الحاكمية أيضاً مختبراً لإنتاج زعامات وطنية، لا مجرد إدارة محلية لولاية كبيرة.

إدموند «بات» براون (ديمقراطي، 1959-1967): يُعد مهندس كاليفورنيا الحديثة؛ وسّع الجامعات والطرق ومشاريع المياه في مرحلة نمو سكاني هائل. لكن اضطرابات الستينات والقلق من الضرائب والجريمة مهّدت لهزيمته أمام رونالد ريغان.

رونالد ريغان (جمهوري، 1967-1975): وصل بخطاب محافظ ضد الاحتجاجات على خلفية «حرب فيتنام» والإنفاق الحكومي، وحوّل الحاكمية إلى منصة وطنية قادته لاحقاً إلى البيت الأبيض. إلا أن سجله التنفيذي كان أكثر براغماتية من شعاراته؛ وافق على زيادات ضريبية ووقّع قوانين اجتماعية وتنظيمية لا تنسجم كلها مع صورته المحافظة اللاحقة.

شوارتزنيغر (آ ب)

إدموند «جيري» براون (ديمقراطي، 1975-1983 و2011-2019): ابن الحاكم حكم ولايتين تفصل بينهما ثلاثة عقود. في الأولى مثّل جيلاً ديمقراطياً جديداً وواجه ثورة الضرائب التي جسّدها الاقتراح 13. وعندما عاد، قدّم نفسه حارساً مالياً، عالج عجزاً كبيراً وراكم احتياطيات، فيما دفع بقوة بسياسات المناخ والقطار السريع.

جورج ديوكمجيان (جمهوري، 1983-1991): جعل مكافحة الجريمة وتوسيع السجون محور حكمه، وتمسك بمقاومة الضرائب. جسّد مرحلة كان فيها الجمهوريون قادرين على الفوز بأكثرية مستقرة في الولاية.

بيت ويلسون (جمهوري، 1991-1999): واجه ركوداً قاسياً واضطر أولاً إلى زيادات ضريبية، ثم تبنى الاقتراح 187 الذي حرم المهاجرين غير الموثّقين خدمات عامة. عزز ذلك فوزه عام 1994، لكنه أسهم على المدى البعيد في نفور اللاتينيين من الحزب الجمهوري.

نيوسوم (غيتي)

غراي ديفيس (ديمقراطي، 1999-2003): أعاد الديمقراطيين إلى الحاكمية، لكن أزمة الكهرباء والعجز وصورته بوصفه سياسياً شديد الارتباط بالمانحين قادت إلى عزله من منصبه في اقتراع تاريخي.

أرنولد شوارتزنيغر (جمهوري، 2003-2011): فاز في الانتخابات التي أجريت بعد عزل ديفيس بقوة شهرته السينمائية، وبدأ محافظاً إصلاحياً ثم تحرك نحو الوسط. أبرز إرثه قانون خفض الانبعاثات لعام 2006 ومشروعات البنية التحتية، فيما ظلت أزمة الموازنة نقطة ضعفه الكبرى.

غافين نيوسوم (ديمقراطي، 2019-2027): حوّل الولاية إلى رأس حربة ديمقراطية في مواجهة ترمب، ووسّع سياسات المناخ والصحة والحقوق الإنجابية، ونجا من محاولة عزل عام 2021. لكنه يترك لخلفه أزمات السكن والتشرد والتأمين وكلفة المعيشة، ومعضلة الفصل بين قوة «نموذج كاليفورنيا» وطنياً وصعوبة تقديم خدمات مقنعة يومياً.