سوريا بعد التدخل الروسي.. رهانات التوغّل البريّ

عمق الأهداف بمناطق المعارضة يصل إلى 60 كيلومترًا.. وبوتين يمهد لمبادرة سياسية بضربات جوية

سوريا بعد التدخل الروسي.. رهانات التوغّل البريّ
TT

سوريا بعد التدخل الروسي.. رهانات التوغّل البريّ

سوريا بعد التدخل الروسي.. رهانات التوغّل البريّ

خلط التدخل العسكري الروسي في سوريا، الأوراق السياسية والميدانية مجددًا، وانسحبت تداعياته على الدور الذي لعبته الولايات المتحدة الأميركية في سوريا منذ بدء الصراع، وسط مؤشرات على إعادة الصراع إلى ما قبل 25 مارس (آذار) 2015، ومخاوف من تمكين قوات نظام الرئيس السوري بشار الأسد من استعادة حضورها في مناطق استراتيجية، كانت قد خسرتها بشكل دراماتيكي إثر انهيارات متتالية في الشمال والشمال الغربي. وحسب مصدر معارض فإن المعارضة السورية «استبقت خطط الهجمات المعاكسة باجتماعات شاركت فيها الفصائل الفاعلة، وتوصلت إلى أن خيارات المواجهة قرار وجودي، على قاعدة أننا واجهنا النظام بكل آلاته وانتصرنا عليه، كما واجهنا تدخلا من قبل حزب الله، ولن يردعنا التدخل الروسي عن المواجهة».
يقرأ راصدو التدخل الروسي في سوريا أنه يرمي إلى إصابة أكثر من عصفور بحجر واحد. فهو من جهة، يمهّد للقوات النظامية السورية وحلفائها، مثل حزب الله اللبناني وميليشيات حليفة لها، «لاستعادة قدرتها على التقاط الأنفاس في الميدان»، كما يقول معارضون في شمال سوريا. ومن جهة أخرى، «يسعى لتثبيت نفوذه في المنطقة، مقابل انحسار الدور الأميركي، وإحجام تركيا عن المبادرة، بفعل الحسابات الداخلية لحزب العدالة والتنمية، عشية الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية». وهذا، فضلاً عن أن موسكو «تستثمر في الميدان قبل إخراج رئيسها فلاديمير بوتين مبادرة جديدة للحل السياسي من جيبه، يكشف عنها بعد فترة وجيزة من الضغط العسكري لصالح النظام».
وسط تلك المؤشرات والحسابات السياسية، يتشارك الطرفان، النظام والمعارضة، الرهان على الحسابات الميدانية، لتغيير الواقع: فالنظام وحلفاؤه - بدعم روسي - يسعون لفرض شروط جديدة على أي طاولة متوقعة للمفاوضات، بينما تراهن المعارضة على إطلاق خصمها معركة برية، لكسره، ما دامت «مقوّمات الرد على القصف الجوي مفقودة، بغياب منظومات دفاع جوي لدينا».
* عنصر المباغتة
لم يغيّر التدخل الروسي، منذ أسبوع، الخريطة الميدانية على الأرض. إذ ما زالت قوات المعارضة تحتفظ بمواقعها في شمال ووسط سوريا، فضلاً عن أن بعض كتائبها، ما زالت قادرة على خوض الاشتباكات في ريفي محافظتي إدلب وحماه. وجلّ ما تحقق «ارتباك في صفوفنا»، كما قال مصدر معارض لـ«الشرق الأوسط»، مضيفًا: «الضربات المفاجئة، دفعتنا للتريث، وإخلاء المواقع بهدف إعادة تموضع، وتنفيذ انتشار جديد، يحول دون ضربنا، وهو ما قلص هجماتنا، نظرًا لعجزنا عن صد الهجمات الجوية».
ولا يعتبر هذا «الارتباك» مفاجئًا. فالخبير العسكري السوري عبد الناصر العايد شرح لـ«الشرق الأوسط» أن تجميد المعارك «هو أمر طبيعي في حالات مشابهة»، موضحًا: «حين تُشنّ الهجمات الأولى، ستؤثر حكمًا على عنصر المباغتة، كما أنه يتطلب وقتًا كي تتكيف القوات على الأرض مع طبيعة الهجمات». وأضاف العايد «المقرات والأسلحة هي هدف الطائرات الروسية اليوم، لذلك نمرّ بمرحلة حرص، وهذه ليست علامة على أن الطائرات الروسية قد حققت أهدافا كبيرة، لأننا ننتظر الميدان، كما أن النظام وحلفاءه، لا يستطيعون تحقيق أي إنجاز من غير توغّل برّي، ذلك أن الضربات لا يمكن أن تحسم شيئا أو تؤثر على تموضع قوات المعارضة».
العايد قال إنه «إذا كانت هناك أي مقارنة مع وضع عين العرب (كوباني) إثر الضربات الأميركية ضد (داعش)، فإن المقارنة هنا غير صحيحة، لأن عين العرب حدث صغير. المقارنة مع شمال سوريا، تصح مع الموصل أو الرمادي أو تكريت، لأن عدد الأهداف كبير جدًا، وكل مقاتل وعربة، هي هدف كبير». وإذ أكد أنه لا يمكن الحديث عن أربعين أو خمسين طائرة بوصفها تدخلاً حاسما، يلفت إلى أنها «عملية دعم وإسناد ستفقد أهميتها لحظة التلاحم الميداني حيث يفقد الطيران دوره».
لا تتخطى أهداف الطائرات الروسية المقرات العسكرية ومواقع مفترضة لقوات المعارضة، أخلتها منذ الضربة الأولى، حسب مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» رامي عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط». فالمستهدفون في شمال سوريا، «هم المدنيون في المقام الأول الذين تجاوز عددهم الخمسين، إضافة إلى عدد قليل من مقاتلي المعارضة»، وذلك «إثر صواريخ استراتيجية تقذفها الطائرات الروسية من خلال معدل يفوق العشر طلعات جوية يوميًا». وأوضح عبد الرحمن أن كل طلعة جوية «تشارك فيها 6 مقاتلات حربية وقاذفات استراتيجية، وترمي كل منها أربع صواريخ على الأقل». وذكر أن الصواريخ «تشبه حاويات القنابل العنقودية، لكن كل قنبلة ضمن الصاروخ، لها مفعول قوي يعيق الحركة ويدمر مساحات شاسعة».
* المنطقة المستهدفة بالغارات
تمتد الغارات في وسط وشمال سوريا، على شعاع يزيد على مائة كيلومتر، يبدأ من آخر نقاط سيطرة النظام في سهل الغاب ومرتفعات الساحل، وعمق يصل إلى ستين كيلومترًا في شمال حمص، وهي مناطق خاضعة بمجملها لسيطرة قوات المعارضة. وتُضاف إليها أهداف قريبة من مطارات استراتيجية في محافظة حماه وريفي محافظتي إدلب وحلب. ويجمع الخبراء على أن تلك الأهداف الروسية، تسعى إلى تحقيق غرضين: الأول يتمثل في إبعاد نيران قوات المعارضة عن مواقع النفوذ الروسي في الساحل، على ضوء امتلاك قوات المعارضة صواريخ «غراد» معدّلة يبلغ مداها أربعين كيلومترًا.. إلى جانب «خطط مرسومة لدى الروس، لإبعاد قوات المعارضة عن مطارات استراتيجية في العمق السوري»، كما يقول عبد الرحمن، مضيفًا أن موسكو «تنوي تطويرها واستخدامها كقواعد متقدّمة لخطوط الإمداد، مع تطوير عملياتها، وذلك لتوفير الوقت على طائرات لشن هجمات مواكبة لهجمات برّية متوقعة يشنها النظام وحلفاؤه في ريفي حماه وإدلب، وقرب مدينة حلب». وتابع عبد الرحمن أن تلك المطارات هي مطارا كويرس والنيرب في حلب، ومطار حماه، إضافة إلى مطارات ريف محافظة حمص الشرقي.
ويبدو أن خطة المطارات ستتوسّع إلى ريف دمشق، بحسب عبد الرحمن، مستشهدًا بحملة القصف الجوي المكثفة منذ أسبوع على مدينة داريا، بريف دمشق المُحاذية لمطار المزّة العسكري، بالبراميل المتفجرة. هذا، وأفاد إسماعيل الداراني، عضو مجلس قيادة الثورة في دمشق، لـ«الشرق الأوسط» عن أن الطيران المروحي النظامي أسقط خلال 45 يومًا 1150 برميلا متفجرًا على داريا، وذلك منذ سيطرة قوات المعارضة على كتل بنائية محاذية لمطار المزّة العسكري.
حسب عبد الناصر العايد وأوساط معارضة فإن الخطة المتوقعة للتوغّل في سوريا لم تتضح حتى الآن، وسط غارات تنفذ منذ 7 أيام. وشرح العايد «لا يستطيع الطيران الحربي الروسي أن يعطي النظام قدرة على الحسم، لأن التدخل الجوي غير مؤثر في الحروب. إذا كان يريد أن يحقق فارقًا عسكريًا في الميدان، فليس أمامه إلا توغّل المشاة، ولكن يبدو أن الروسي لن يقوم بها، وهو لن يقاتل في الأرض إلا بقوات حليفة وفق خطة عسكرية واضحة، وستكون هذه القوات من حزب الله وإيران، بينما يحاول هو تدمير خطوط الإمداد والبنية المادية للمعارضة، قبل اقتحامها».
وشدد العايد على أن القصف الجوي في سوريا «لا يستطيع قلب الموازين بين ليلة وضحاها»، لافتًا إلى أنه «كلما طال أمد المعركة، ستتلاشى الخيارات، وتزداد المراوحة». وأردف «إذا تمكنّا - أي المعارضة - من استيعاب الهجمة خلال شهر، وأعدنا الصراع إلى شكله القديم، أي المواجهات والالتحام، فإن محاولاته ستجهض في الميدان».
* رهان المعارضة
وحقًا تراهن قوات المعارضة السورية على تدخل برّي روسي، لبدء عملياتها. غير أن تحقيق الإنجازات، مرتبط بالحصول على تسليح استراتيجي. ووفق العايد «إذا تمرّدت الدول المناهضة لهذا التدخل الروسي، على الحظر الأميركي المفروض على تقديم أسلحة للثوار، فإنها ستقلب موازين المعركة، وهذا أمر محتمل».
والاحتمال نفسه يتردد على ألسنة عدد كبير من المعارضين والمطلعين على الشأن السوري، قائلين إن أمر وصول أسلحة «موعودون بها»، بات وشيكًا. فالقيادي المعارض في الشمال محمد الشامس قال لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه «أبلغنا من منافذ دولية أن الحصول على صواريخ مضادة للطائرات، هو أمر محال، لكن إمكانية رفدنا بصواريخ مضادة للدروع وصواريخ (تاو) محتملة جدًا، وذلك تعزيزًا للقدرات العسكرية الردعية الموجودة لدى الفصائل، التي استخدمتها في معارك واسعة في السابق». وأردف أن «أكثر من مائتي صاروخ مضاد للدروع، كانت موجودة بيد فصائل جيش الفتح خلال معاركها في إدلب وجسر الشغور وسهل الغاب».
بدوره، أشار إسماعيل الداراني إلى أن فصائل المعارضة في الشمال، موعودة بالحصول على دفاعات أرضية وصواريخ مضادة للدروع، إضافة إلى صواريخ أرض - أرض من نوع «غراد» محدث، لافتًا إلى أن تجربة «أحرار الشام» التي أطلقت 55 صاروخ «غراد» باتجاه الساحل الأسبوع الماضي «كانت بمثابة اختبار للقدرة على رمي ألف صاروخ باتجاه الساحل خلال يومين». وأوضح أن التحرك العسكري وتطوير القدرات «لا يقتصر على الشمال، نظرًا إلى أن الجبهة المؤثرة هي جبهة الجنوب، لتماسها مع دمشق، وستطلق عمليات واسعة، بعد الحصول على أسلحة نوعية». وإذ تحدث عن أن 12 قرية تسكنها غالبية علوية في سهل الغاب «لا تزال تحت سيطرة المقاتلين المعارضين»، أقر بأن «الأمور ستتغير، والتغيّر سيكون لصالحنا».
* المواجهة «قرار وجودي»
هذا، وتستبق قوات المعارضة التوغل البري المحتمل للنظام وحلفائه، بخطط عسكرية. إذ أبلغ محمد الشامي، القيادي المعارض المقرب من «حركة أحرار الشام الإسلامية» في الشمال «الشرق الأوسط» خلال اتصال معه أن قوات المعارضة في الشمال، «استبقت خطط الهجمات المعاكسة باجتماعات شاركت فيها الفصائل الفاعلة، بينها (جبهة النصرة) و(أحرار الشام) و(جيش الفتح) و(جيش الإسلام)، وتوصلت إلى أن خيارات المواجهة قرار وجودي، على قاعدة أننا واجهنا النظام بكل آلاته وانتصرنا عليه، كما واجهنا تدخلا من قبل حزب الله، ولن يردعنا التدخل الروسي عن المواجهة».
واستطرد الشامي «هناك خبراء لدينا وضعوا الخطط، وأعطينا تعليمات للفصائل بضرورة تنفيذ إعادة تموضع وتغيير سياسة الانتشار في المرحلة الحالية، بهدف النفاذ من القصف الروسي، وذلك بعد استهداف مقرين لفصيلين في حمص». وتابع قائلا إن مستودعات الذخيرة «جرى نقلها كحل مبدئي، لكننا ما زلنا موجودين على الأرض، ونواصل عملنا». كما أشار إلى أنه «خلال 48 ساعة، هناك مفاجأة ضخمة جارٍ تحضيرها عبر حركة أحرار الشام وجيش الفتح».
* «الكمون الاستراتيجي»
والواقع أن خيار المواجهة، أوصى به خبراء وقياديون عسكريون معارضون، بينهم الأكاديمي السوري الدكتور بشير زين العابدين، في دراسة أعدّها الاثنين لصالح «مركز عمران للدراسات». وللتعامل مع مخاطر الحشد الروسي وعملياته المرتقبة، أوصى زين العابدين بأن تبادر المعارضة إلى «تبني سياسة (الكمون الاستراتيجي) الذي يتمثل في امتصاص الضربات المبدئية، واستيعاب عنصر المفاجأة من خلال رصد التحركات واستقراء نمط العمليات المعادية، وتجنب استدراجها في مواجهات غير متكافئة في هذه الفترة الحاسمة». يضاف إلى ذلك «تنفيذ استراتيجية إعادة التموضع لتشتيت إحداثيات غرفة العمليات المشتركة ببغداد»، وإنشاء «غرفة عمليات سورية مشتركة»، حيث تمثل عملية إغلاق غرفة العمليات المشتركة في الأردن (الموك) فرصة سانحة لإنشاء غرفة عمليات سورية تعزز مفاهيم الأمن الوطني، وتمنح فصائل المعارضة ما تحتاجه من شخصية اعتبارية في المعادلة الإقليمية، وذلك من خلال تبني استراتيجيات «إدارة الأزمة»، واتباع وسائل احترافية لتبادل المعلومات، ورسم الخطط، وتقدير الموارد المطلوبة، وتوظيف مصادر القوة الكامنة بمختلف أبعادها، ووضع ذلك في إطار قالب تطبيقي يستوعب التحولات الإقليمية والدولية وآليات توظيفها في إفشال خطة التدخل الخارجي.
كذلك أوصى زين العابدين «بإعداد خطة للمحافظة على (المكتسبات الاستراتيجية) عبر تحديد الأولويات، وتنفيذ عمليات الإخلاء، وتنسيق خطط الكرّ والفرّ، وإعادة التشكل في إطار المحافظة على البؤر الاستراتيجية التي اكتسبتها المعارضة، ومن ثَم التوسّع في مناطق (الخاصرة الرخوة) التي لا تصل إليها ميليشيات المرتزقة ولا تطالها عمليات القصف الجوي». وذلك فضلاً عن «التركيز على العمليات النوعية والضربات الموضعية في المناطق الآمنة للنظام من خلال شن عمليات نوعية تطال النظام في مقراته الآمنة وتستثمر مشاعر السخط في صفوف خزانه البشري وخاصة في قلب العاصمة ومحيطها، فضلا عن محافظتي اللاذقية وطرطوس».
* البعد السياسي للتدخل
الواقع أن التدخل الروسي، لا يحمل مؤشرات عسكرية حصرًا. فثمة بعد سياسيّ، سوري ودولي، للانخراط الروسي المباشر في الحرب السورية.
على الصعيد السوري، يتوقع المعارضون أن هناك «خطة حل» أو مقترحات لحل سياسي لدى فلاديمير بوتين، يكشف عنها بعد العمل العسكري. وحسب رأي العايد «يبدو أن هناك في جيب بوتين مبادرة وخطة حل، سيقوي موقف حليفه قبل عرضها للتفاوض»، معتبرًا أنه «غالبًا لا يتمتع بدور الرعاية والإقدام لتنفيذها حتى الآن، وليس واضحًا حتى الآن حدود تدخله، وبعدها يعرض الخطة»، ولفت العايد إلى أن القيادة الروسية «بانتظار أن تنتهي من المرحلة العسكرية الأولى، ويعرض فكرته وتصوره، وهو الهدف الذي يأتي لأجله».
أما على الصعيد الدولي، فإن خطوة روسيا تأتي في لحظة «تراخٍ أميركي»، كما يقول معارضون، إذ كثف الروس وجودهم العسكري في سوريا، «بعد سحب حلف الأطلسي بطارية صواريخ باتريوت موجودة في أضنة التركية»، كما ورد في دراسة «التدخل الروسي في سوريا: المخاطر والفرص الكامنة». وأشارت إلى أن الدفاعات الجوية المتطورة التي نصبها الروس في قاعدة «حميميم»، مثل صواريخ أرض - جو SA15 وSA22. لا يمكن أن تكون موجهة ضد تنظيم داعش المتطرف الذي لا يملك أي مقاتلات أو منظومات دفاع صاروخي، بل إن الهدف الفعلي من نصب هذه هو إنشاء «منطقة عزل جوي» في المنطقة بالتزامن مع سحب حلف شمال الأطلسي (ناتو) دفاعاته الصاروخية، ومبادرة واشنطن إلى سحب بطاريات صواريخ «باتريوت» من منطقة أضنة، بجنوب تركيا، تحت ذريعة تحديث هذه البطاريات، ومن ثم سحب حاملة الطائرات الوحيدة «ثيودور روزفلت» تاركة المجال الجوي لمنطقة شرقي المتوسط بأسره للطيران الروسي.
* «زهد» واشنطن
المدير التنفيذي لمركز «عمران للدراسات» الدكتور عمار القحف قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه «من الواضح أن الدور الأميركي زاهد في الشرق الأوسط، والروس حاولوا استغلاله». وشدد على أن ما تسعى له موسكو «هو إعادة لنفوذها إلى المنطقة بشكل نوعي وجديد»، على قاعدة أنه «لا يصارع الوجود الأميركي، بل يثبّت دوره في بلد هو ضمن الحلف الروسي تاريخيًا».
وتابع القحف أن السياسية الأميركية اليوم «زاهدة، مقابل الموقف المتقدم لدول أخرى في الأزمة السورية، مثل دول الخليج العربي ودول غربية أخرى، كون واشنطن، لا تدعم ولا تعارض، بل تراقب، من غير أن تدخل إلى دائرة التأثير المباشر».
وهنا يرفض القحف القول إن الروس اليوم «ينافسون الوجود الإيراني ويحاولون تقويضه»، مؤكدًا أن الروس «لا يحاربون النفوذ الإيراني، بقدر ما هم يسيطرون على الجوّ، ويواكبون التحرك الإيراني على الأرض». كذلك رأى أن الروس اليوم «يضربون فعليًا كل من يحارب (داعش)، وليس معارضي الأسد، كون الفصائل التي يضربونها تحارب (داعش)، وهي مدعومة من الجهات الإقليمية والغرب، وعمليًا، يضعون أنفسهم في مواجهة غير مباشرة مع هذه الدول».
في المقابل لمس القحف «إشارات إيجابية في الوسط السياسي والعسكري السوري المعارض» على ضوء اتخاذ الفصائل، ما عدا المتطرفين، لأول مرة، موقفًا سياسيا يتطابق مع موقف الائتلاف الوطني، قائلا إنه «يتضمن نقلة نوعية بالعمل الجماعي، ويمثل بلوَرة لمستقبل إداري، كون أن جزءًا من الموقعين يمثلون فصائل الداخل ويمارسون دور الدولة البديلة». وأشار إلى «بوادر اتحاد نظرًا إلى أن هناك مفاصل تديرها المعارضة تساهم في توحيد الفصائل وتبني لتحالف سياسي قادم بدعم دول المنطقة، وتغيير موازين القوى على الأرض».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.