«خطة عمل» بين أوروبا وأنقرة لإعادة إسكان اللاجئين وتعزيز خفر السواحل

الاتحاد الأوروبي يستأنف العمليات العسكرية ضد مهربي المتوسط اليوم

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ورئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشال، خلال مؤتمر صحافي في بروكسل أمس (أ.ف.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ورئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشال، خلال مؤتمر صحافي في بروكسل أمس (أ.ف.ب)
TT

«خطة عمل» بين أوروبا وأنقرة لإعادة إسكان اللاجئين وتعزيز خفر السواحل

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ورئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشال، خلال مؤتمر صحافي في بروكسل أمس (أ.ف.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ورئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشال، خلال مؤتمر صحافي في بروكسل أمس (أ.ف.ب)

تعهدت بروكسل وأنقرة، أمس، بتكثيف تعاونهما حول أزمة اللاجئين، ووعد الاتحاد الأوروبي بالعمل على «مقاربة منظمة» لإعادة إسكان اللاجئين في تركيا وتعزيز وسائل خفر السواحل الأتراك.
وتعهدت تركيا في المقابل بفتح ستة مراكز استقبال لطالبي اللجوء بمساعدة مالية أوروبية. ويأتي الإعلان بعد اتفاق مبدئي بين قادة المؤسسات الأوروبية والرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، الاثنين خلال زيارة لبروكسل.
وتكشف «خطة العمل» التي نشرت المفوضية الأوروبية نسخة مؤقتة عنها، أمس، «سلسلة أعمال وعمليات تعاون يجب تطبيقها على وجه السرعة من قبل الاتحاد الأوروبي وتركيا، بهدف مساعدة أنقرة على التعامل مع التدفق الكبير للاجئين، ومنع تدفق مهاجرين بشكل عشوائي من تركيا إلى الاتحاد الأوروبي». وقالت المفوضية الأوروبية في بيان إنه يجب الموافقة على كل مقترح من مقترحات الجانبين.
وكانت بعض التدابير التي تم التطرق إليها معروفة، كوعد من الاتحاد الأوروبي بـ«صرف حتى مليار يورو» في 2015 و2016، لمساعدة تركيا على تولي أمر 2.2 مليون لاجئ سوري وعراقي موجودين على أراضيها. ويتعهد المسؤولون الأوروبيون أيضا بـ«دعم البرامج القائمة في الدول الأعضاء والاتحاد الأوروبي، بما يسمح للاجئين في تركيا بالانتقال إلى الاتحاد الأوروبي بشكل منظم»، دون تعريض حياتهم للخطر على متن زوارق متهالكة في بحر إيجه.
وهذا الصيف، تعهدت الدول الـ28 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والنرويج وسويسرا وآيسلندا وليشنشتاين تطبيق برنامج لتوزيع 22 ألف و500 لاجئ يعيشون في مخيمات للأمم المتحدة في دول مجاورة لسوريا. وبحسب خطة العمل، «سيتكثف العمل للتوصل إلى مقاربة منظمة لتوزيع لاجئين في كل دول الاتحاد الأوروبي». ويبدو أن هذا النقاش سيكون صعبًا في وقت دار خلاف بين دول الاتحاد الأوروبي في الأسابيع الماضية حول توزيع 160 ألف لاجئ وصلوا إلى الاتحاد.
من جهتها، تعهدت تركيا بـ«إعطاء أولوية لفتح ستة مراكز لاستقبال لاجئين تم بناؤها بتمويل جزئي من الاتحاد الأوروبي». وتم التشديد على ضرورة «مكافحة مهربي المهاجرين» بفضل تعزيز وسائل خفر السواحل الأتراك. ووافقت تركيا في هذا الصدد على تكثيف دورياتها وعملياتها للإنقاذ البحري و«زيادة تعاونها مع خفر السواحل اليونانيين».
ويأتي الإعلان عن إطلاق «خطة العمل» بين الجانبين، ليؤكد أن نتائج المحادثات الأوروبية - التركية جاءت دون المستوى المأمول، حيث كانت التوقعات تشير إلى إمكانية إعلان اتفاق حول أزمة المهاجرين. وتهدف الخطة إلى تعزيز التعاون من أجل إنهاء تدفق اللاجئين إلى أوروبا عبر تركيا، «فالهدف هو التوصل إلى عقد ثقة بيننا»، وفقًا لتصريح المتحدث باسم المفوضية الأوروبية. وأشار كذلك إلى أن المفوضية سترسل وفدًا من كبار موظفيها إلى أنقرة لبدء العمل على تطبيق الخطة، ورأى أن «حسن تطبيقه قد يؤدي إلى تحقيق تقدم في ملفات أخرى، مثل إعفاء تركيا من تأشيرات الدخول أو التقدم على طريق مفاوضات الانضمام». وشدد المتحدث على رغبة المفوضية الأوروبية في تسريع تقدم كثير من الملفات العالقة مع الجانب التركي وتوسيع الحوار في كل الاتجاهات.
من جانبه، قال رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي دونالد تاسك، إن تركيا يمكن أن تلعب دورا كبيرا في مساعي أوروبا نحو حل حقيقي لأزمة اللاجئين، وذلك من خلال منع هروب مئات الآلاف من الأشخاص عبر تركيا إلى دول الاتحاد الأوروبي. وأعرب تاسك عقب محادثات مع الرئيس التركي عن انفتاحه على دراسة مسألة إقامة منطقة آمنة في سوريا، فيما أظهرت التصريحات وجود نقاط توافق، منها انتقاد الضربات الجوية الروسية في سوريا، والعمل على تفعيل محادثات انطلقت قبل عشر سنوات لحصول أنقره على عضوية الاتحاد.
في سياق متصل، بدأت المرحلة الثانية من العملية العسكرية الأوروبية الرامية إلى تضييق الخناق ضد المهربين في المتوسط، اليوم، لكن بطريقة لا تزال محدودة خارج المياه الإقليمية الليبية.
وأعلنت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، في روما الشهر الماضي، أن «المرحلة الثانية من عملية (يونافور ميد) الأوروبية ضد مهربي المهاجرين ستبدأ في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)»، وذلك في ختام زيارة للمقر العام لهذه العملية. وأكد الكابتن فابيو يانيلو، المتحدث باسم هذه العملية التي دخلت المرحلة الأولى منها حيز التنفيذ في نهاية يونيو (حزيران)، أمس إطلاق المرحلة الثانية. وستنشر ست سفن حربية أوروبية على الأقل في المياه الدولية قبالة ليبيا، وفق تصريحات يانيلو لوكالة الصحافة الفرنسية. ويضم الأسطول حاملة الطائرات الإيطالية «كافور» والفرقاطة الفرنسية «كوربيه» وسفينتين ألمانيتين وسفينة بريطانية وأخرى إسبانية.
ويتوقع أن تنضم إلى الأسطول ثلاث سفن حربية وضعتها في التصرف بحرية سلوفينيا وبريطانيا وبلجيكا، قبل نهاية الشهر الحالي، لإكمال هذه القطع الحربية التي تضم أيضًا أربع طائرات و1318 جنديًا. وعلى متن سفينة «فيرا» الألمانية، قام الطاقم المؤلف من مائة عنصر بعدة تدريبات، منها محاكاة هجوم يشنه مهربون «ردوا عليه» بإطلاق النار.
ولهذه المهمة، يضم الطاقم أيضا عدة جنود من مشاة البحرية الألمانية تدربوا على الصعود على متن الزوارق في عرض البحر، كما صرح قائد «الفيرا» ستيفان كلات.
وكان الاتحاد الأوروبي وافق في منتصف سبتمبر (أيلول) على اللجوء إلى القوة ضد المهربين الناشطين انطلاقًا من ليبيا في إطار تعزيز عمليته البحرية في المتوسط. وقال القائد: «سنتعقب المهربين، ونريد توقيفهم وحجز زوارقهم. هذا هدفنا. لكن المرحلة الثانية ستطبق (فقط) في المياه الدولية». وبالتالي، على المهربين أن يخرجوا من المياه الإقليمية الليبية، لكن الأوروبيين لا يزالون متفائلين حول هذه النقطة.
من جانبها، قالت موغيريني إن «يونافور ميد» رصدت في الأسابيع الماضية 20 زورقا، 17 ليبيا وثلاثة زوارق مصرية، كان يمكن للعسكريين التدخل ضدها إذا كانت المرحلة الثانية من العمليات قد دخلت حيز التنفيذ.
وعلى الورق، تقضي العملية بالقيام بدوريات في أكثر من 10 مناطق محددة بدقة قبالة السواحل الليبية. وأطلق على كل منطقة اسم، وتحيط جميعها بسواحل ليبيا. وتشمل أربع مناطق على طول خط الـ12 ميلا التي ترسم نهاية المياه الإقليمية الليبية. كما يراقب الساحل الشمالي الغربي لليبيا من حدود تونس حتى مدينة سرت، باستثناء منطقة قبالة مدينة طرابلس تركت مفتوحة تفاديا لأي حصار بحري.
ويعدّ هذا «المنفذ» النقطة الرئيسية لرحيل آلاف المهاجرين الذين يبحرون أسبوعيا باتجاه أوروبا، وستتمكن السفن الأوروبية من خلاله من التحرك، شرط أن تكون في المياه الدولية. ولتنفيذ عمليات في المياه الليبية، يجب الحصول على الضوء الأخضر من مجلس الأمن الدولي وموافقة السلطات الليبية، وهو أمر غير أكيد.
وهذا لن يمنع سفينة «فيرا» والسفن الأخرى من الاقتراب كثيرا من السواحل الليبية، بما في ذلك ليلا، للقيام بمسح طبوغرافي وعمليات تنصت وأخرى لجمع معلومات استخباراتية.
وقال ضابط استخباراتي، طلب عدم كشف اسمه، إن عملية «(يونافور ميد) تفتقر كثيرا إلى عناصر قريبة من الشبكات»، حتى وإن كان في إمكانها الاعتماد على بعض العناصر على الأرض.
من جهة أخرى، أعلنت مديرية شرطة «با - دي - كاليه» الفرنسية، أمس، انتشال سبعة لاجئين سوريين أحياء في مرفأ كاليه بين مساء الاثنين وصباح الثلاثاء، فيما كانوا يحاولون الوصول سباحة إلى سفينة في «المانش».
وقال متحدث باسم مديرية الشرطة: «حاول أربعة مهاجرين غير شرعيين، ثلاثة منهم سوريون راشدون الوصول سباحة إلى سفينة في مرفأ كاليه». وأوضح هذا المصدر أنه «تم التكفل بهم ونقلوا إلى مركز استقبال في كاليه»، مؤكدا أن «بعض الأشخاص يعانون من تدني حرارة جسمهم». وأضاف أنه تم أيضا إنقاذ ثلاثة لاجئين سوريين آخرين «صباح الثلاثاء»، لكنهم لم ينقلوا إلى المستشفى «لأن حالتهم الصحية لم تستدع ذلك».
وفي منتصف سبتمبر، انتشل موظفون بالمرفأ من غرفة التجارة مهاجرا مغربيا يناهز الثلاثين من العمر. وكان برفقة مهاجر آخر ما زال مفقودا، فيما تم وقف عمليات البحث عنه لأنها لم تأت بأي نتيجة.
وبحسب تعداد لمديرية الشرطة، يوجد في منطقة مرفأ كاليه ما بين 3000 و3500 مهاجر غير شرعي، معظمهم من أفريقيا الشرقية وأفغانستان وسوريا، على أمل الوصول إلى بريطانيا. ومع احتساب المهاجرين السريين الموجودين في مخيم في «غراند سينت» على بعد نحو أربعين كيلومترا من كاليه، يصل العدد إلى نحو أربعة آلاف مهاجر موجودين في المنطقة.
وعلى السواحل الليبية، أعلنت قوة خفر السواحل الإيطالي إنقاذ أكثر من 1800 مهاجر، أول من أمس، من ستة قوارب منجرفة، رصدت قبالة سواحل ليبيا في البحر المتوسط. ونقل 1830 شخصا بالإجمال إلى اليابسة في ست عمليات مختلفة لإنقاذ ركاب أربعة مراكب متهالكة وزورقين مطاطيين، بحسب خفر السواحل.
وشاركت في أعمال الإغاثة ثلاثة زوارق إيطالية، وسفينتان بريطانية وآيرلندية، من ضمن أسطول مهمة الاتحاد الأوروبي للإنقاذ في المتوسط.
في المقابل، قالت المنظمة الدولية للهجرة، أمس، إن هناك أنباء بوفاة ما يقرب من 100 مهاجر منذ يوم الأحد الماضي. وأضافت المنظمة في بيان، نقلا عن تقارير من الهلال الأحمر الليبي لم يتسن التأكد منها، أن الأرقام تستند إلى مشاهدتين لجثث قرب سواحل ليبيا. إحداهما شوهدت فيها 85 جثة، فيما شوهدت 10 جثث في منطقة أخرى.
ووصل أكثر من نصف مليون مهاجر ولاجئ إلى سواحل أوروبا منذ مطلع العام، بحسب المفوضية العليا للاجئين في الأمم المتحدة. وقتل أو فقد 2980 شخصا في أثناء عبور البحر. وأغلبية المهاجرين المنطلقين من ليبيا أفارقة، فيما تشكل تركيا المعبر الرئيسي للفارين من الحروب والبؤس في الشرق الأوسط وآسيا.



ماكس بيرغمان: الرسالة أصبحت واضحة لا لبس فيها... أوروبا تحتاج إلى جيش

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)
ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)
TT

ماكس بيرغمان: الرسالة أصبحت واضحة لا لبس فيها... أوروبا تحتاج إلى جيش

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)
ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)

يواجه التحالف عبر الأطلسي أزمة حقيقية. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، دعمت القوة الأميركية توحيد أوروبا وتكاملها، وهو ما يعدّ، بلا شك، أعظم إنجازات واشنطن في السياسة الخارجية. إلا أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أوضحت جلياً أن الولايات المتحدة لم تعد مهتمة بدور الضامن لأمن أوروبا. فقد هددت بالاستيلاء على أراضي دولة عضو في حلف الناتو، وخفّضت دعمها العسكري لأوكرانيا، وفرضت تعريفات جمركية باهظة على حلفائها الأوروبيين، ودعت، في استراتيجيتها للأمن القومي لعام 2025، إلى «مقاومة المسار الحالي لأوروبا».

مصافحة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأمين العام لـ«ناتو» مارك روته في كييف الثلاثاء (أ.ف.ب)

أوروبا وحيدة

الرسالة واضحة لا لبس فيها؛ لم يعد بإمكان القارة الاعتماد على الولايات المتحدة للدفاع عنها. ولأول مرة منذ 8 عقود، تقف أوروبا وحيدة في مواجهة المخاطر.

وفي تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، قال المحلل السياسي ماكس بيرغمان، مدير برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن الدول الأوروبية تجد نفسها الآن عرضة للعدوان الروسي. وينبغي لهذا الخطر أن يحفز القادة الأوروبيين على تبني مسار عمل جديد وجريء لتعزيز دفاعاتهم، لكن لم تشهد الشؤون العسكرية الأوروبية أي ثورة من هذا القبيل.

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته يتحدث خلال مؤتمر صحافي قبل اجتماع وزراء خارجيته بمقره في بروكسل الخميس (أ.ف.ب)

فرغم اتفاق دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، لن يكفي الإنفاق وحده لتحقيق الأمن. فالمشكلة هيكلية، وليست مالية. فالجيوش الأوروبية لا تملك القدرة على الدفاع عن القارة دون الولايات المتحدة.

ويدرك القادة الأوروبيون تماماً اعتمادهم على واشنطن في حماية بلادهم، لكنهم ينكرون ما يجب عليهم فعله للخروج من هذه الحالة. وتكمن العقبة الكبرى في الاعتقاد بأن الدفاع مسؤولية وطنية، وليست أوروبية. فالحكومات الأوروبية ترغب في الحفاظ على سيادتها على جيوشها، وقد ترددت في توحيد جهودها الدفاعية على المستوى الأوروبي. لكن هذا التركيز على السيادة الوطنية يتجاهل حقيقة أعمق، وهي أن الدول الأوروبية ليست، ولم تكن، ذات سيادة في مجال الدفاع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد اعتمدت على الولايات المتحدة، وهي قوة أجنبية، لحمايتها.

الاتحاد الأوروبي بمثابة وزارة الدفاع

والآن، مع تخلي هذه القوة الأجنبية عنها، فإن أفضل وسيلة للدول الأوروبية للدفاع عن نفسها دون دعم واشنطن هي دمج جهودها الدفاعية. وعليها أن تفعل ما تفعله في أي أزمة أخرى، وهو تفعيل الاتحاد الأوروبي. لقد حان الوقت لأن يصبح الاتحاد الأوروبي بمثابة وزارة الدفاع الأوروبية.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وجدت واشنطن نفسها في مأزق، حيث كانت أولويتها القصوى إعادة القوات الأميركية إلى أراضيها، لكن دول أوروبا الغربية كانت لا تزال أضعف من أن تدافع عن نفسها، وكان التهديد السوفياتي شديداً للغاية بحيث لا يمكن للأميركيين الانسحاب دون المخاطرة بسقوط القارة تحت الحكم الشيوعي.

لم يكن حلف شمال الأطلسي (ناتو) الذي تم تشكيله هو المفضل لواشنطن حيث اعتبره المسؤولون الأميركيون، وفقاً للمؤرخ ستين رينينج، «إجراء مؤقتاً ريثما تتحسن أوضاع أوروبا».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوسط قادة عالميين خلال قمة «ناتو» في لاهاي (أ.ب)

فقد كان الهدف الأسمى هو بناء أوروبا موحدة لتصبح «قوة ثالثة» قادرة على مواجهة الاتحاد السوفياتي دون الحاجة إلى الاعتماد على الولايات المتحدة. وعندما نشبت الحرب في شبه الجزيرة الكورية في يونيو (حزيران) 1950، وجدت الولايات المتحدة نفسها فجأة منخرطة في تلك الحرب. ومع تشتت القوات الأميركية، أصبح احتمال حدوث غزو سوفياتي لأوروبا واقعاً ملموساً.

اتفاقية 1952 حبر على ورق

لذلك، ولتسريع توحيد أوروبا، اقترح رئيس الوزراء الفرنسي رينيه بليفان إنشاء جيش أوروبي موحد. وكانت الحجة أنه إذا كانت أوروبا الغربية قوية بما يكفي لردع الاتحاد السوفياتي، فسيتيح ذلك للولايات المتحدة إنهاء وجودها العسكري من القارة. وبدعم قوي من إدارة الرئيس الأميركي هاري ترومان، والجنرال الأميركي دوايت أيزنهاور، القائد الأعلى لقوات حلف الناتو آنذاك، وقّعت 6 دول من أوروبا الغربية، وهي بلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ولوكسمبورغ وهولندا، معاهدة في مايو (أيار) 1952 لإنشاء جيش مشترك بميزانية ومجلس حاكم وجمعية استشارية ومحكمة مشتركة. إلا أن هذه الاتفاقية لم تدخل حيز التنفيذ أبداً.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، ومع وجود الناتو، لم تشعر أوروبا بالحاجة إلى توحيد صفوفها عسكرياً، حيث منح الحلف الدول الأوروبية الشعور الكاذب بالسيادة على الدفاع الوطني. فمن الناحية الرسمية، لكل دولة في الناتو رأي متساوٍ في مجلس شمال الأطلسي، وهو الهيئة المسؤولة عن اتخاذ القرارات للحلف، واحتفظت كل منها بجيوشها المستقلة. لكن الولايات المتحدة كانت هي صاحبة القرار النهائي. فإذا ما اندلعت حرب، كان كل قادة أوروبا يدركون أن أميركا هي من ستقود الحرب.

تحدث رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى الصحافة خلال إعلان رسمي أثناء زيارته مصنع قطع غيار سيارات في وودبريدج في شهر فبراير (أ.ب)

وفي العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، عادت أوروبا إلى وضعها في أوائل الخمسينات، حيث تواجه روسيا العدوانية، بينما تسعى الولايات المتحدة جاهدة للانسحاب من القارة الأوروبية. وبات لزاماً على أوروبا الآن افتراض أنها مضطرة للدفاع عن نفسها دون دعم أميركي. وبالطبع يمكن لأوروبا التغلب على هذا التحدي، لكنها تحتاج أكثر من مجرد زيادة ميزانيات الدفاع، التي تضم نحو 30 جيشاً مختلفاً، بمستويات متفاوتة من الجاهزية والقدرة، وتستخدم معداتها الخاصة. إذا حشدت روسيا قواتها على حدود إحدى دول البلطيق، فسيتعين على جميع القوات الأوروبية المتفرقة الانتشار بسرعة والقتال معاً.

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مشاركتهما في المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس (أ.ب)

وفي حين يتولى حلف الناتو تنسيق هذه العمليات من الناحية النظرية، فإنه من دون الولايات المتحدة سيكون مجرد هيكل فارغ. فعندما حشد الحلف قواته الأوروبية في أفغانستان والبلقان وليبيا، على سبيل المثال، غطت البراعة العسكرية الأميركية على أوجه القصور في تلك المهام الأوروبية. كما أن جيوش أوروبا تفتقر إلى المعدات الكافية، مثل طائرات التزود بالوقود جواً، وطائرات النقل الجوي، وتقنيات المراقبة والاستهداف المتقدمة. فقد صممت الجيوش الأوروبية لتكون بمثابة قوات مساعدة في جهد حربي تقوده الولايات المتحدة في إطار حلف الناتو.

إن تراجع الولايات المتحدة يثير قلق الدول الأوروبية المتاخمة لروسيا بشكل خاص، وهذا أمر مفهوم. فقد ناشدت دول المواجهة، مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا، الدول الأوروبية الأخرى زيادة إنفاقها الدفاعي، إلا أن الزيادات الطفيفة في الإنفاق الدفاعي لن تحول جيوشها إلى قوة قتالية متماسكة. ومن غير المرجح أيضاً أن تفي معظم الدول الأوروبية بتعهد زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، لأن مثل هذه السياسات غالباً ما تكون غير شعبية محلياً.

في الوقت نفسه، لا تستطيع أي من القوى الأوروبية التقليدية التصدي بفاعلية لأي عدوان روسي بمفردها. ففرنسا وبريطانيا تعانيان من عجز كبير في الميزانية، ما يحدّ من مواردهما المالية اللازمة لتعزيز جيوشهما المنهكة أصلاً. علاوة على ذلك، أدّت سنوات التقشف إلى إضعاف الجيش البريطاني، إذ يصعب على بريطانيا اليوم نشر 25 ألف جندي في شرق أوروبا.

ألمانيا العمود الفقري العسكري لأوروبا

أطماع ترمب توحّد الغرينلانديين وتنسيهم مؤقتاً نزعة الاستقلال وجروح الاستعمار الدنماركي

في المقابل، بدأ المستشار الألماني فريدريش ميرتس ضخّ تمويلات ضخمة في الدفاع، وتملك برلين القدرة على أن تكون بمثابة العمود الفقري العسكري لأوروبا، لكن تاريخ البلاد ما بعد الحرب من نزعة سلمية ونفور من القوة العسكرية يجعل الاعتماد على نهضة عسكرية ألمانية رهاناً محفوفاً بالمخاطر.

وفي حين يمتلك الاتحاد الأوروبي، الذي يضم 450 مليون نسمة واقتصاداً بحجم اقتصاد الصين تقريباً من الثروة والقدرات المادية، ما يكفي للدفاع عن نفسه، فإنه يقصر في استغلال تلك المزايا. ويحتاج الأوروبيون إلى التخلي عن أولوية السيادة الوطنية وتوحيد جهودهم في كيان عسكري موحد يتولى الدفاع عن الأمن الأوروبي كله، في إطار الاتحاد الأوروبي نفسه. فعلى عكس حكومات الدول الفردية، يركز الاتحاد الأوروبي على تعزيز المصالح المشتركة بدلاً من المصالح الوطنية فقط.

جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدية» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز في بولندا 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

في الوقت نفسه، يريد المواطنون الأوروبيون قيام الاتحاد الأوروبي بالدور الدفاعي وعدم الاقتصار على الجانبين الاقتصادي والدبلوماسي، كما هو الحال الآن. فالاتحاد هو المؤسسة الحاكمة الأكثر ثقة في القارة، أكثر من أي دولة عضو أخرى.

ووفقاً لاستطلاع «يورو باروميتر» لعام 2025، يشعر نحو 80 في المائة من الأوروبيين بالقلق بشأن أمن الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الخمس المقبلة، ويؤيدون سياسة دفاعية وأمنية مشتركة. كما أيّد حزب الشعب الأوروبي، المنتمي ليمين الوسط وأكبر الأحزاب في البرلمان الأوروبي، فكرة إنشاء جيش أوروبي موحد خلال حملته الانتخابية الناجحة عام 2024

وقال روب جيتن، رئيس الوزراء الهولندي المنتخب، خلال حملته الانتخابية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إنه يريد منح «الاتحاد الأوروبي القوة والموارد اللازمة للقيام بما يطالب به المواطنون في جميع أنحاء أوروبا؛ الدفاع عن أراضينا ضد عدوان بوتين».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب)

نهاية الناتو!

إن تمكين الاتحاد الأوروبي في مجال الدفاع لن يعني نهاية حلف الناتو أو الجيوش الوطنية. وسينصبّ تركيز الاتحاد الأوروبي على تمويل وتنظيم القوات الأوروبية، أي العمل كمركز قيادة أوروبي. ستدمج بروكسل العديد من وظائف مكاتب المشتريات الوطنية، وتدير عمليات الاستحواذ الكبرى، بالإضافة إلى دمج وتنظيم قطاعات الصناعات الدفاعية في الدول الأعضاء الـ27.

من الناحية المثالية، سيظل حلف الناتو القيادة القتالية لأوروبا، منسقاً ومنفذاً للمهام. ومع ذلك، ينبغي تعزيز الطابع الأوروبي للحلف، خاصة مع تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالحلف، وينبغي على الأوروبيين اقتراح تولي المناصب العليا، بما في ذلك منصب القائد الأعلى للحلف، الذي شغله أغلب الوقت أميركي. ستظل الجيوش الوطنية، وخاصة جيوش دول المواجهة والقوى العسكرية التقليدية، بمثابة حجر الزاوية في الدفاع الأوروبي. لكن هذه القوات ستخضع لعملية تعزيز أوروبية من قبل الاتحاد الأوروبي.

جنود أميركيون من «المارينز» يشاركون في تدريب لحلف «الناتو» بالنرويج (رويترز)

أخيراً، يجدر بالأوروبيين أن يتذكروا سبب انضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي في المقام الأول. فرغم تردد الدول الأوروبية الصغيرة في التخلي عن سيادتها لصالح سلطة اتحادية أوروبية، أدركت أنها لن تستطيع البقاء بمفردها، وأنها أصبحت أقوى عندما تجمعت معها. ولاحظ المؤرخ آلان ميلوارد، أن المجموعة الأوروبية، بدلاً من أن تقضي على كل دولة، كانت «دعامة لها، وجزءاً لا غنى عنه من إعادة بناء الدولة القومية بعد الحرب». ومع تراجع الولايات المتحدة، أصبحت الدول القومية الأوروبية مهددة، لكنها تستطيع تأمين مستقبلها من خلال تفعيل ما أنشئ المشروع الأوروبي من أجله، وهو بناء قوة القارة.


رئيس استخبارات إستونيا: لا يمكن لروسيا مهاجمة «الناتو» هذا العام... لكنها تخطط لتعزيز قواتها

جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)
جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)
TT

رئيس استخبارات إستونيا: لا يمكن لروسيا مهاجمة «الناتو» هذا العام... لكنها تخطط لتعزيز قواتها

جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)
جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)

قال مسؤول استخباراتي أوروبي رفيع المستوى إن روسيا لا تستطيع شن هجوم على حلف شمال الأطلسي (ناتو) هذا العام أو العام المقبل، لكنها تخطط لزيادة قواتها بشكل كبير على طول الجناح الشرقي للتحالف، اعتماداً على نتيجة الحرب في أوكرانيا.

وفي إفادة عبر الإنترنت مع الصحافيين، قال كاوبو روسين، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الإستونية، لوكالة «أسوشييتد برس»، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يرغب في وقف الغزو الذي تشنه بلاده على أوكرانيا منذ نحو أربع سنوات، ويعتقد أنه يستطيع «التفوق بالذكاء» على الولايات المتحدة خلال المحادثات مع واشنطن حول كيفية إنهاء الحرب.

وقال روسين إن خطة روسيا تتضمن إنشاء وحدات عسكرية جديدة ومضاعفة قوة ما قبل الحرب على طول حدودها مع «الناتو» بمرتين إلى ثلاث مرات، ولكن ذلك سيتأثر بشدة بنتيجة المناقشات التي تشمل موسكو وواشنطن وكييف بشأن وقف الأعمال العدائية في أوكرانيا. وذلك لأن روسيا ستحتاج إلى الاحتفاظ بـ«جزء كبير» من جيشها داخل أوكرانيا المحتلة وفي روسيا لمنع أي تحرّك أوكراني مستقبلي، على حد قوله.

رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الإستوني كاوبو روسين خلال مؤتمر صحافي في تالين... إستونيا 10 فبراير 2026 (رويترز)

وقال رئيس الاستخبارات الإستونية إنه حالياً «لا توجد موارد كافية متاحة» لموسكو لشن هجوم على «الناتو»، لكن الكرملين قلق بشأن إعادة تسليح أوروبا وقدرتها على القيام بعمل عسكري ضد روسيا في العامين المقبلين.

وأضاف روسين أن موسكو تماطل في المحادثات مع واشنطن، وأنه «لا يوجد أي نقاش على الإطلاق حول كيفية التعاون الحقيقي مع الولايات المتحدة بشكل فعال».

وتحدث روسين للصحافيين قبيل نشر التقرير الأمني السنوي لإستونيا الثلاثاء. وقال إن المعلومات حول كيفية رؤية الكرملين للمحادثات مع الولايات المتحدة تستند إلى معلومات استخباراتية جمعتها بلاده، العضو في «الناتو»، من «مناقشات داخلية روسية». ولم يوضح روسين كيفية الحصول على هذه المعلومات، لكنه قال إن المناقشات أظهرت أن المسؤولين الروس يعتقدون أن واشنطن لا تزال «العدو الرئيسي» لموسكو.

جنود مظليون روس يسيرون قبل صعودهم إلى طائرات نقل خلال مشاركتهم في مناورات عسكرية مشتركة مع القوات البيلاروسية... في مطار بمنطقة كالينينغراد في روسيا 13 سبتمبر 2021 (رويترز)

وقد أصر المسؤولون الروس علناً على رغبتهم في التوصل إلى اتفاق عبر التفاوض، لكنهم لم يظهروا استعداداً يذكر للتسوية وظلوا متمسكين بوجوب تلبية مطالبهم.

وقد وصف مسؤولون من كلا الجانبين المحادثات التي جرت بوساطة أميركية بين مبعوثين من روسيا وأوكرانيا في الأسابيع الأخيرة بأنها بناءة وإيجابية، ولكن لم تظهر أي علامة على حدوث أي تقدم في القضايا الرئيسية في المناقشات.

وأضاف روسين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، «لا يزال يعتقد في قرارة نفسه أنه قادر على تحقيق نصر عسكري (في أوكرانيا) في وقت ما».

وقال مسؤول في البيت الأبيض، رداً على تصريحات رئيس الاستخبارات الإستونية، إن مفاوضي الرئيس أحرزوا «تقدماً هائلاً» في المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا.

وأشار المسؤول تحديداً إلى الاتفاق الذي تم التوصل إليه مؤخراً في أبوظبي بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وروسيا لإطلاق سراح أكثر من 300 أسير، وذلك رغم أن عمليات تبادل الأسرى جرت بشكل متقطع منذ مايو (أيار) الماضي.

وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتصريح علناً، أن هذا الاتفاق دليل على تقدم الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.

دبابات تابعة للقوات الموالية لروسيا في شرق أوكرانيا تعبر أحد شوارع بلدة بوباسنا بمنطقة لوهانسك الأوكرانية خلال النزاع الأوكراني الروسي... 26 مايو 2022 (رويترز)

وقالت الخبيرة في الشؤون الروسية ومستشارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فترة ولايته الأولى، فيونا هيل، إن ترمب ومسؤوليه يروجون لرواية تصور الرئيس الأميركي على أنه صانع سلام، ولهذا السبب لا يرغبون في تغيير تقييمهم بأن بوتين يريد إنهاء الحرب.

وأضافت هيل، لوكالة «أسوشييتد برس»، أن كلا الرئيسين «بحاجة إلى أن تتحقق روايتهما للأحداث» ويتمسكان بروايتهما الخاصة للحقيقة: بوتين كمنتصر في أوكرانيا، وترمب كصانع صفقات.

وعلى الرغم من أن ترمب لمّح مرارا إلى أن بوتين يريد السلام، فإنه بدا أحياناً محبطاً من نهج الزعيم الروسي الفاتر تجاه المحادثات.

ومن منظور استخباراتي، قال روسين إنه لا يعرف لماذا يعتقد المسؤولون الأميركيون أن بوتين يريد إنهاء الحرب.

وقالت هيل، التي عملت مسؤولة استخبارات وطنية في إدارات أميركية سابقة، إنه من غير الواضح ما هي المعلومات الاستخباراتية التي يحصل عليها ترمب بشأن روسيا - أو ما إذا كان يقرأها.

وهو يعتمد بشكل كبير على كبار مفاوضيه، وعلى رأسهم المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، الذين قالت هيل إنهم قد يجدون صعوبة في تصديق أن الضرر الذي لحق بالاقتصاد الروسي من الحرب هو ثمن بوتين مستعد لدفعه مقابل أوكرانيا.

وفي إشارة إلى تقارير تفيد بأن ويتكوف حضر اجتماعات مع بوتين من دون مترجم من وزارة الخارجية الأميركية، تساءلت عما إذا كان مبعوثو ترمب يفهمون ما يُقال في الاجتماعات، واقترحت أن المسؤولين قد يبحثون «بانتقائية» عما يريدون سماعه.


بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن... الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية

لقطة مأخوذة من فيديو أُصدر يوم 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلَم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)
لقطة مأخوذة من فيديو أُصدر يوم 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلَم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)
TT

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن... الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية

لقطة مأخوذة من فيديو أُصدر يوم 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلَم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)
لقطة مأخوذة من فيديو أُصدر يوم 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلَم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

حين قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إن «الطريق لا تزال طويلة» أمام محادثات إنهاء الحرب، لم يكن يطلق عبارةً إنشائية بقدر ما كان يضع فرامل سياسية على موجة التكهنات بشأن قرب التسوية. الرسالة المضمرة: موسكو لا ترى أن ضغوط الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على أوروبا وكييف كافية لتغيير جوهر المعادلة، وأن التفاوض - حتى لو استؤنف - سيبقى مساراً ممتداً تُراكِم خلاله شروطها وتُحافظ فيه على هامش المناورة العسكرية.

يأتي ذلك بينما تُدار اتصالات ومحادثات «ثلاثية» برعاية أميركية بعد جولتين في أبوظبي من دون اختراقٍ سياسي كبير في القضايا الصلبة: الأرض، والضمانات، وشكل وقف النار وآليات مراقبته.

وإمعاناً في تثبيت سقفٍ منخفض للتوقعات، أعلن الكرملين أنه لم يحدَّد موعد الجولة التالية بعد، رغم الإشارة إلى أن المفاوضات «ستُستأنف قريباً». هذا الغموض مقصود: لا التزام بجدول زمني، ولا اعتراف بأن واشنطن تفرض إيقاعاً على موسكو.

ضمانات أمنية لروسيا

تحت عبارة «الطريق طويلة» تبرز الفكرة الأشد حساسية: موسكو تحاول قلب عنوان الضمانات من رأسه إلى قدميه؛ فبدلاً من أن تكون ضمانات أمنية لأوكرانيا هي محور أي اتفاق، دفع ألكسندر غروشكو، نائب وزير الخارجية الروسي، باتجاه جعل «ضمانات أمنية لروسيا» عنصراً «أساسياً» لا يمكن الاتفاق من دونه، وفق ما نقلته «رويترز» عن مقابلته مع صحيفة «إزفستيا». وتتضمن قائمة المطالب المعروفة: حظر انضمام أوكرانيا إلى «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، ورفض نشر قوات من دول «الحلف» في أوكرانيا ضمن التسوية، ووقف ما تصفه موسكو بـ«استخدام الأراضي الأوكرانية لتهديدها».

الفريق الأميركي: المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر (رويترز)

هذه الصياغة ليست تفصيلاً تفاوضياً؛ إنها محاولة لإعادة تعريف الحرب بوصفها «أزمة أمن روسي» لا اعتداءً على سيادة أوكرانيا. وإذا قُبلت هذه القاعدة، فسيصبح ما يليها أسهل على موسكو: تثبيت مكاسب الأرض تحت عنوان «تحييد التهديد»، وتقييد خيارات كييف الاستراتيجية حتى بعد وقف النار. لذلك فستواجه كييف وأوروبا معضلة مزدوجة: كيف تمنحان روسيا «ضمانات» من دون أن تتحول تلك الضمانات إلى فيتو دائم على سياسة أوكرانيا الخارجية والدفاعية؟

في المقابل، تُصرّ كييف على أن أي اتفاق دون ضمانات أمنية قابلة للتحقق سيكون مجرد هدنة هشة قابلة للكسر، خصوصاً مع خبرة سابقة من خروق وعمليات «رمادية» (هجمات مسيّرات، وتخريب، وضغط اقتصادي) لا تتطلب إعلان حرب جديداً. وبين الروايتين، يصبح التفاوض فعلياً صراعاً على من يكتب تعريف السلام قبل نصوصه التفصيلية.

جنود أوكرانيون على خط الجبهة في زابوريجيا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ب)

الميدان ورقة ضغط تفاوضية

هنا تتقدم الوقائع الميدانية لتشرح لماذا يبدو لافروف واثقاً بشأن إطالة المسار. صحيفة «نيويورك تايمز» عدّت أن التقدم الروسي خلال العام الأخير كان بطيئاً، وأحياناً أقرب إلى «حرب أمتار»، لكن اقترابه من تثبيت موطئ قدمٍ في مراكز حضرية أو عقد لوجيستية يمنح موسكو ما تريده سياسياً: إثبات أن الوقت يعمل لمصلحتها.

في دونيتسك، تُعدّ بوكروفسك وميرنوهراد من أهم نقاط الضغط: مدينتان تشكلان عقدة طرق، وسكة حديد، وإسناداً لخطوط الدفاع، وأيُّ اختراق حولهما لا يعني سقوط الجبهة فوراً، لكنه يغيّر تكلفة الدفاع، ويضغط على قرار «إلى أي مدى يمكن الصمود دون تغيير في ميزان الدعم والسلاح».

أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير 2026 (رويترز)

أما في الجنوب الشرقي، فإن الاقتراب من هوليايبوليه وما حولها يفتح أمام روسيا مساحة عمل أوسع في زابوريجيا، حيث تقل المناطق الحضرية التي تمنح المدافعين ملاجئ طبيعية، وتزداد حساسية طرق الإمداد المكشوفة.

العامل الحاسم الذي يربط الميدان بالدبلوماسية اليوم هو حرب المسيّرات متوسطة المدى: استهداف خطوط الإمداد والطرق الخلفية ومجموعات تشغيل المسيّرات نفسها، بما يجعل الحركة إلى الجبهة ومنها هي اللحظة الأشد خطراً على الجنود الأوكرانيين. يصف تقرير في صحيفة «وول ستريت جورنال» كيف ركزت روسيا على ضرب «العمق القريب» (ما بين 20 و80 كيلومتراً خلف الجبهة) لقطع الإسناد وإرهاق المدافعين نفسياً، بينما لا يزال جزء من المقاربة الأوكرانية قائماً على تعظيم خسائر المشاة الروس عند دخولهم «منطقة القتل». والجدل داخل أوكرانيا اليوم هو بشأن الحاجة إلى تحويل جزء أكبر من الجهد إلى صيد منصات المسيّرات الروسية ومراكز القيادة الخلفية، لا الاكتفاء باستنزاف المهاجمين على الخط الأمامي.

أضرار في شارع جراء مسيَّرة روسية في أوديسا (أوكرانيا) الاثنين (رويترز)

بهذا المعنى، يصبح التقدم الروسي البطيء «ذا قيمة» تفاوضياً؛ ليس لأنه يفتح اختراقاً سريعاً، بل لأنه يُغذّي سردية موسكو: إما تتنازل كييف الآن ضمن اتفاق، وإما تخسر لاحقاً تحت ضغط استنزاف لا يتوقف.

وعلى الصعيد الميداني، ​قالت شركة «دي تي إي كيه» للكهرباء، ‌الثلاثاء، ⁠إن ​هجوماً ‌روسياً ألحق أضراراً بمنشأة للطاقة في ⁠منطقة ‌أوديسا بجنوب أوكرانيا. وأضافت الشركة على «تلغرام»: «الضرر جسيم. ​ستستغرق الإصلاحات وقتاً طويلاً حتى ⁠تعود المعدات إلى العمل». وأعلن سلاح الجو الأوكراني، في بيان عبر تطبيق «تلغرام»، الثلاثاء، أنه أسقط 110 من أصل 125 طائرة مسيرة، أطلقتها روسيا خلال هجوم جوي على شمال وجنوب وشرق أوكرانيا خلال الليل.

واشنطن تنفي «المهلة»

وسط هذا الضغط، ظهر تباين علني في الرسائل. وبعدما تحدث الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، عن رغبة أميركية في إنهاء الحرب قبل الصيف، نفى المندوب الأميركي لدى الـ«ناتو»، ماثيو ويتاكر، أن تكون واشنطن قد أعلنت مهلة محددة، قائلاً إن الحديث عن «يونيو (حزيران)» جاء من زيلينسكي لا من الولايات المتحدة، مع التأكيد على أن إنهاء الحرب سريعاً يصب في مصلحة واشنطن.

هذا النفي لا يعني غياب ضغط الزمن؛ بل يوحي بأن واشنطن تفضّل ضغطاً مرناً غير مُقيّد بتعهد رسمي. فالتزام موعد يجعل الإدارة الأميركية رهينة النتائج، بينما الإبقاء على الهدف عاماً (بأسرع وقت ممكن) يسمح بالتصعيد أو التهدئة وفق تفاعل الأطراف. وفي الخلفية يظهر عامل الانتخابات النصفية الأميركية بوصفه ظلّاً ثقيلاً على جدول الأولويات. وهنا يظهر التحدي الأوكراني: كيف تتعامل كييف مع استعجال أميركي محتمل من دون أن تدفع ثمنه سيادياً أو أمنياً، خصوصاً إذا كانت موسكو تراهن على كسب الوقت ميدانياً لتقوية يدها على طاولة التفاوض؟

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

ماكرون والبحث عن دور أوروبي

على الضفة الأوروبية، يحاول إيمانويل ماكرون توسيع النقاش من «وقف حرب أوكرانيا» إلى سؤال أكبر: ما شكل الأمن الأوروبي بعد الحرب؟ دعوته إلى التفكير في بنية أمنية أوروبية «بمشاركة روسيا»، تتقاطع مع مقاربته الأقدم بشأن ضرورة امتلاك أوروبا قدرة قرار أكبر، لكنها اليوم تصطدم بواقع أشد تعقيداً: دول الجناح الشرقي في الاتحاد الأوروبي ترى أن أي حديث عن إعادة دمج موسكو قبل ضمانات صارمة لأوكرانيا قد يرسل إشارة خاطئة، فيما يذكّر ماكرون بأن العلاقة عبر الأطلسي قابلة للانتكاس، وأن على أوروبا الاستعداد لخلافات جديدة مع واشنطن بشأن التجارة والتنظيم الرقمي وحتى ملفات جيوسياسية مثل «لحظة غرينلاند».

فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

لذلك؛ تبدو مبادرة ماكرون، سياسياً، محاولة لاستعادة موقعٍ أوروبي على الطاولة. إذا كانت واشنطن تدير مسار التفاوض، فأوروبا تريد أن تضمن ألا تتحول إلى ممولٍ لما بعد الحرب فقط، وأن يكون لها رأي في «هندسة الأمن» التي ستعيش داخلها سنوات. لهذا؛ تبدو التسوية أقرب إلى «معادلة تجميد مشروط»، منها إلى اتفاق سلام نهائي: وقف إطلاق نار يختبره الميدان يومياً، ومفاوضات تتنازعها لغة الضمانات، وحدود النفوذ، وحقائق السيطرة.

قال مسؤول كبير في «بروكسل»، الاثنين، إن اجتماعاً لوزراء دفاع «الاتحاد الأوروبي» هذا الأسبوع من المقرر أن يناقش إقامة منشأتين للتدريب لتحديث القوات المسلحة الأوكرانية. وقال المسؤول إن ممثلة السياسة الخارجية في «الاتحاد»، كايا كالاس، ستطلب الدعم السياسي والتمويل لمنشأتين في غرب أوكرانيا خلال الاجتماع المقرر الأربعاء. وأضاف أن الاجتماع سيناقش أيضاً كيف يمكن لـ«الاتحاد الأوروبي» أن يدعم مراقبة وقف إطلاق النار بعد اتفاق سلام محتمل بين أوكرانيا وروسيا. ويشمل مفهومٌ طرحته الولايات المتحدة مراقبةَ «خط الاتصال» الذي يبلغ طوله 1200 كيلومتر، بشكل أساسي، بالوسائل التقنية، بما في ذلك الطائرات المسيرة والأنظمة الأرضية. وهذا سيقلل الحاجة إلى تمركز قوات برية على طول الخط.