حرب الـ50 يوماً... أمور تحتاج إلى مراجعة ووضع النقاط على الحروف

المدنيون ضحايا قدمها «الطرفان»... التحذيرات وصلت مبكراً و«حماس» التقطت الإشارة

فلسطينيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على رفح بجنوب قطاع غزة اليوم (أ.ف.ب)
فلسطينيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على رفح بجنوب قطاع غزة اليوم (أ.ف.ب)
TT

حرب الـ50 يوماً... أمور تحتاج إلى مراجعة ووضع النقاط على الحروف

فلسطينيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على رفح بجنوب قطاع غزة اليوم (أ.ف.ب)
فلسطينيون يفرون بعد غارة إسرائيلية على رفح بجنوب قطاع غزة اليوم (أ.ف.ب)

من يحاول في إسرائيل القول إن «الحرب على غزة بدأت قبل السابع من أكتوبر الماضي، قد يدخل إلى السجن. فالجنون هنا ضارب أطنابه. والويل لمن يخرج عن الرواية الرسمية التي تقول إن «الحرب بدأت بالمذبحة التي نفذتها حركة (حماس) الداعشية ضد المدنيين الإسرائيليين الأبرياء». وما تفعله إسرائيل في غزة هو رد بمقدار الأذى الذي لحق بالمواطنين الإسرائيليين.

الإسرائيليون بغالبيتهم العظمى يرددون الرواية الرسمية، ولا يعرفون ما الذي يرتكب في غزة باسمهم؛ لأن وسائل الإعلام العبرية اتخذت نهجاً ألا تنشر صوراً لأهالي غزة في الحرب. والذين يتجرأون ويشاهدون وسائل الإعلام الأجنبية، ينقسمون إلى قسمين: قسم يستهجن ويسكت. وقسم يبتهج ويتمنى محو غزة وأهلها عن بكرة أبيها. أما المواطنون العرب في إسرائيل الذين يتاح لهم مشاهدة القنوات العربية والفلسطينية ويطلعون على ما يجري، فيجدون أنفسهم في المعتقل إن عبروا عن آلامهم.

حتى المربي اليهودي، د. مئير بروخين (61 عاماً)، الذي هاجم حركة «حماس» على اعتداءات رجالها على المدنيين واعتبره وحشياً وصادماً، لكنه عندما اعترض على الرد الإسرائيلي، وجد نفسه في المعتقل لأربعة أيام، بعد أن وجهت إليه شبهات بـ«إظهار نية راسخة للخيانة»، و«سلوك من شأنه أن يزعزع سلامة الجمهور».

د. مئير بروخين طرد من عمله، ويتعرض لحملة تحريض في الشبكات الاجتماعية، لكنه متمسك بطريقه ويقول بشجاعة: «لست أول من يتعرض للملاحقة، ولن أكون آخر من يعتقل»، ويقول أيضاً: «الجمهور الإسرائيلي لا يعرف ماذا يفعلون باسمه في غزة والضفة الغربية»، و«سنغرق في وحل غزة كما غرقنا في الوحل اللبناني»، كما صرح: «في السابع من أكتوبر تعرضنا لكارثة إنسانية من (حماس)، ولكارثة أخلاقية بما نقوم به الآن في غزة».

إذاً، ما طبيعة هذه الحرب؟ وما حقيقة جدواها؟ وهل صحيح أنها بدأت في 7 أكتوبر 2023؟ وهل يوجد مكان لإنقاذ البلاد وأهلها من أخطار استمرارها؟ وهل هناك من يريد استمرارها شهوراً وأكثر؟ هل صحيح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي عمل على تقوية «حماس»، وأن الحركة ترد له الجميل الآن؟

هناك ضرورة ملحة لأن تتم عملية مراجعة وإعادة حسابات ووضع النقاط على الحروف.

علامة فارقة

ما من شك في أن السابع من أكتوبر «علامة فارقة في تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني»، فقد قامت مجموعة من قوات «النخبة القسامية» في «كتائب القسام»، الذراع العسكرية لحركة «حماس»، بهجوم مباغت على الجنوب الغربي من إسرائيل، فسيطروا لساعات طويلة على 11 ثكنة عسكرية و22 بلدة مدنية، وقتلوا 1200 إسرائيلي، معظمهم من المدنيين، وبينهم 320 جندياً، وأخذوا للأسر 240 شخصاً، غالبيتهم من المدنيين.

فعلوا ذلك بهجوم يعد ناجحاً من الناحية العسكرية؛ إذ تبين أنهم استعدوا له جيداً بعملية تمويه استخباراتية مدهشة، ونفذوا عملية خطف جنود، واستولوا على وثائق عسكرية من مقرات القيادات التي وصلوا إليها وعادوا بها إلى قطاع غزة بسرعة، لتحل محلهم قوات أخرى من «كتائب القسام».

هذا الهجوم شكل ضربة قاسية جداً للجيش الإسرائيلي ومخابراته، طعنت كبرياءه ومرغت أنف غطرسته وغروره. وكان يمكن له أن يسجل في قائمة الإنجازات العسكرية الكبيرة في تاريخ الحروب، لكنه ترافق مع مشكلة قيمية خطيرة. فقد أقدم عدد غير قليل من المهاجمين على ممارسات غير إنسانية وغير أخلاقية ضد المدنيين، فقتلوا عائلات بأكملها داخل غرفة ملجأ في بيت، وأحرقوا آخرين وأسروا أطفالاً ونساء ومسنين ومعاقين، وقام أحدهم بقتل جندي وقطع رأسه بآلة حفر (طوريه). حتى عندما اصطدموا بامرأة عربية مسلمة ومحجبة، كانت تعمل في مطبخ وقدمت لهم ملاحظة قالت فيها: «حرام عليكم، الإسلام لا يقبل هذه التصرفات»، قتلوها. كما قتلوا ممرضاً عربياً من منطقة الناصرة؛ لأنه قدم الإسعاف لأحد المصابين.

هذه الممارسات عبأت الجماهير الإسرائيلية ضدهم بشكل جارف، وجعلت الناجين من المحرقة النازية لليهود يتذكرون مشاهد قديمة مرعبة. وعندما انتشرت التفاصيل في العالم، عبأت الرأي العام الغربي ضد «حماس». لذلك، وقفت حكومات الغرب مع حكومة وشعب إسرائيل، وأجازت الرد العسكري على «حماس»، «مع المحافظة على القانون الدولي للحروب».

وعدَّت الحكومة الإسرائيلية هذا الدعم ضوءاً أخضر لتفعل ما تريد. وجاء الرد بإعلانها حرباً، رسمياً، ووضعت لها هدفاً ذا سقف عال هو «إبادة (حماس) وقدراتها على الحكم وعلى القتال». ولكنها حاربت في الواقع أهالي غزة وليس «حماس». وأقدمت على تدمير شمال قطاع غزة وقسم من جنوبه، وأوقعت نحو 14 ألف قتيل و30 ألف جريح، ودمرت أكثر من ثلث البيوت، وقصفت مستشفيات وأخلت مرضى، واعتقلت أو قتلت أطباء وممرضين وممرضات، وهجرت مئات الألوف من الشمال نحو الجنوب، وقصفت عشرات المدارس التي لجأ إليها المدنيون، وقطعت الماء والدواء والغذاء عن العزل.

مدنيو الطرفين دفعوا الثمن

ومع بداية العمليات الحربية الإسرائيلية انضم «حزب الله» اللبناني إلى هذه المعركة، ودخل في تراشق متصاعد للقصف بالقذائف والصواريخ، ولكن الطرفين حرصا على إيصال الرسائل التي تقول إن هناك سقفاً محدداً لهذه الحرب، ولا أحد من الطرفين معني بتوسيعها.

من يمعن النظر في خطط هجوم «حماس» وهجوم إسرائيل المضاد، يدرك أنها «حرب مخطط لها من الطرفين». كلاهما كان قد نشر علنا بيانات تؤكد أنه يعد للهجوم. ومع ذلك، كانت النتيجة «مفاجئة». فقد فاجأت «حماس» بقدراتها العالية وبإغفالها خطورة المساس بالمدنيين، ما أفقدها التعاطف والإعجاب الدوليين. وفاجأت إسرائيل بقوة استعراض عضلاتها وهشاشة رد فعلها وشراسة حربها ضد المدنيين. ولذلك فإن المدنيين من الطرفين دفعوا ثمناً رهيباً، ولا يزالون.

من هنا، فإن الحرب بدأت قبل 7 أكتوبر بكثير، ويمكنها أن تستمر لأبعد من 50 يوماً بكثير.

ما قبل «7 أكتوبر»

هناك بدايات كثيرة يمكن استخدامها لمعرفة جذور المشكلة. ولنبدأ بالوحدة التي أرسلتها «حماس» لقيادة هجومها على إسرائيل: «النخبة». هذه وحدة يجري بناؤها في حماس (وليس في غزة وحدها)، منذ الانتفاضة الثانية، عام 2000. وتميزت بأمرين: تشكيلتها وأهدافها. وقد بنيت على شاكلة وحدة الكوماندوز البحرية الإسرائيلية «شييطت 13»، وهدفها «نقل المعركة إلى أرض العدو والعمل وراء صفوفه».

شكلت الوحدة من مجموعات شبان اختيروا فرداً فرداً بانتقاء صارم، شباب يتسمون بالالتزام الديني العميق والاستعداد للقتال الشرس، ومن ذوي المهارات والقدرات البدنية والنفسية العالية، والحفاظ على السرية والكتمان. وتم تفضيل أولئك الذين يتحدرون من عائلات فلسطينية ثكلى، أيتام أو أبناء عائلات قتل منها أب أو أم أو قريب عزيز آخر، أو هدم بيتها بأيدي القوات الإسرائيلية، شباب متشحون بالكراهية والحقد على إسرائيل، تربوا على أن محاربتها واجب وطني وديني لا يهابون فيه الاستشهاد.

.

شغب أثناء إخلاء المستوطنين الإسرائيليين من مستعمرة كفار داروم في غزة 2005 (ويكيبيديا)

بالإضافة إلى هدف المساس بإسرائيل دون خوف من جبروتها العسكري، وضع لهم هدف تحرير أعداد كبيرة من الأسرى. لذا، فإن كل ممارسة إسرائيلية ضد الفلسطينيين عموماً، وضد القدس والمسجد الأقصى والأسرى في السجون، وكل نشاط عدواني من المستوطنين اليهود على الفلسطينيين في الضفة الغربية، كان يشكل غذاء معنوياً لقوات النخبة ومادة دسمة لشحن كراهيتها وحقدها.

وقد خاضت هذه القوات تدريبات عسكرية وأمنية خاصة؛ بعضها في دول صديقة، وبعضها في قطاع غزة على مرأى من المخابرات الإسرائيلية. وزاد الاهتمام بهذه القوات بعد الانقلاب الذي قادته حركة «حماس» في قطاع غزة عقب انسحاب إسرائيل من هناك عام 2005.

ساهمت طريقة الانسحاب في حينها، كثيراً، في تعزيز ثقة إسرائيل بالقدرة على تحقيق المكاسب والانتصارات. فقد قاد الانسحاب رئيس الحكومة آرئيل شارون، الذي يعد أحد كبار الجنرالات المقاتلين في التاريخ الإسرائيلي. ونفذ الانسحاب بطريقة متغطرسة مذهلة، من جانب واحد، بلا اتفاق ولا اعتبار للقيادة الفلسطينية الشرعية.

أراد شارون أن يتهرب من مستلزمات عملية سلام تقود إلى دولة فلسطينية، وحاول أن يُظهر الانسحاب على أنه «مصلحة إسرائيلية» ينفذها وفقاً لأهداف إسرائيلية استراتيجية وأمنية. ومع أنه أخلى قطاع غزة من المستوطنات (21 مستوطنة) ومن المستوطنين (8 آلاف شخص)، إلا أنه كان انسحاباً مجانياً. وفهمه الفلسطينيون عموماً و«حماس» بشكل خاص، على أنه دليل ضعف.

وجاء من بعده إيهود أولمرت، الذي أبدى رغبة حقيقية للسلام مع الفلسطينيين، وتعامل مع القيادة الفلسطينية كقيادة دولة، إلا أنه وجد نفسه أولاً في ساحة الحرب. فكانت حرب لبنان الثانية ثم حرب أخرى على قطاع غزة. ثم جاء نتنياهو، ومع أنه استهل حكمه سنة 2009 بالإعلان عن الالتزام بحل الدولتين إلا أنه عمل كل ما في وسعه لإجهاض حل الدولتين.

مقاتلون من «حماس» داخل مكتب الرئيس عباس في غزة يونيو 2007 (رويترز)

كانت «حماس» قد نفذت انقلابها في قطاع غزة. وأقدمت على ممارسات لا تترك مكاناً للصلح، عندما قتلت 160 عنصراً من قادة حركة «فتح»، بأن رمت العشرات منهم من أسطح بنايات عالية. فاستغل نتنياهو ذلك وراح يعمق الانقسام، من منطلق إيمانه أن الانقسام هو السبيل لمنع إقامة الدولة الفلسطينية.

وعندما اعترض رفاقه في حزب «الليكود» على إتاحة إدخال الأموال القطرية إلى حكومة «حماس»، أجابهم خلال جلسة برلمانية للكتلة، في 19 مارس (آذار) سنة 2019، بأن من يعارض منح «حماس» الأموال يخدم حل الدولتين، ويساهم في إقامة دولة فلسطينية. ولذلك، عندما شن حملة لإضعاف السلطة الفلسطينية مع رئيسها محمود عباس، وجد «حماس» ليس فقط شريكة بل مستفيدة جداً.

استعراض لكتائب فلسطينية بينها «القسام» في مخيم جنين 25 فبراير الماضي (أ.ف.ب)

ولكن «حماس» كانت تصغي جيداً للخطاب الإسرائيلي، الذي يقول لها صراحة إنها ليست حليفة استراتيجية، بل عندما يتاح له سيقوم بتصفيتها. فراحت تستعد. وعندما شنت إسرائيل ثلاث حملات حربية على قطاع غزة، ضد «الجهاد الإسلامي»، وقفت «حماس» جانباً ولم تتدخل. فحسبت أنها مرتدعة. وراحت تدير سياسة لتخليد الاحتلال في الضفة الغربية من جهة، وضرب غزة من جهة أخرى. وعندما أقام نتنياهو حكومة اليمين الصرف مطلع السنة، لم يترك مجالاً لأي شك في أن الخط السياسي الجديد هو «تصفية القضية الفلسطينية».

خطة لإنهاء القضية

وزير المالية بتسلئيل سموتريتش يتحدث مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في جلسة للكنيست (رويترز)

بحسب «خطة الحسم»، التي نشرها الوزير بتسلئيل سموتريتش، في سنة 2017، فإن الخطة تقضي بإشاعة فوضى حكم في الضفة الغربية، تترافق مع إجراءات تؤدي إلى سقوط السلطة الفلسطينية، ثم تصفية الحركة الوطنية الفلسطينية بكل تنظيماتها، ثم بدء عملية ترحيل للفلسطينيين نحو الأردن.

هذه لم تكن خطة رسمية للحكومة الإسرائيلية، لكن سموتريتش وشريكه وزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير لم يخفيا رغبتهما في استغلال نفوذهما في الحكومة لتنفيذها. ونتنياهو منحهما وزارتين مؤثرتين تصبان في هذا الاتجاه، فعين سموتريتش وزيراً للمالية ووزيراً ثانياً في وزارة الدفاع مسؤولاً عن المستوطنات ومسؤولاً عن الإدارة المدنية للشؤون الفلسطينية، بينما راح بن غفير يدير حملة إذلال وتنكيل في السجون ضد الأسرى الفلسطينيين، ويقيم ميليشيات مسلحة للمستوطنين تعمل ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وحتى ضد الفلسطينيين مواطني إسرائيل (فلسطينيي 48). ومنذ بداية تشكيل الحكومة، فرضا بنداً في برنامج الحكومة يقضي بتصفية حكم «حماس» في قطاع غزة.

حملات ضد قيادة «حماس»

أخذت «حماس» بجدية هذا البند. وكانت الحكومة قد بدأت حملات اعتقال في الضفة الغربية لقادتها الميدانيين، ترافقت مع زيادة اقتحامات مستوطني اليمين المتطرف في إسرائيل للمسجد الأقصى مع اعتداءات مضاعفة للمستوطنين على الفلسطينيين، بلغت حد طرد ألوف من أراضيهم وبيوتهم، هذا إضافة إلى حملة تنكيل غير مسبوقة ضد الأسرى الفلسطينيين في السجون.

فلسطينيون يتفقدون الأضرار بعد أعمال شغب في الضفة أثارها عشرات المستوطنين يونيو الماضي (د.ب.أ)

لكن الأهم من ذلك أن «حماس» قرأت خريطة إسرائيل، وفهمت أن الصراع الشديد الذي انفجر فيها بعد أن طرحت الحكومة خطة للانقلاب على منظومة الحكم، كانت فرصتها لتنفيذ الهجوم.

ولم تكن في هذا وحدها، فهذه الخطة جعلت الإسرائيليين يشعرون بأنهم يفقدون دولتهم الديمقراطية، فخرجوا إلى معركة شعبية جارفة جندت وراءها غالبية الإسرائيليين. العالم الغربي كله كان قلقاً على إسرائيل بسبب هذا الصراع، وراح يرسل إليها المبعوثين والناصحين. والرئيس الأميركي رفض استقبال نتنياهو في البيت الأبيض. والدولة العميقة في إسرائيل تجندت بكل قوتها. وحصل شرخ في المجتمع الإسرائيلي تسلل إلى الجيش وبقية الأجهزة الأمنية. وراح الإسرائيليون يحذرون الحكومة وهي لا تكترث. قادة المخابرات حذروا من أن الأمر يغري إيران وميليشياتها إلى شن حرب ولم تكترث.

تحذيرات مبكرة

عندما رأوا أن نتنياهو لا يهتم، راحت المخابرات تسرب إلى الصحف تحذيراتها. وفي أغسطس (آب) نشر تقرير لموقع «يسرائيل ديفينس»، كشف «تدريبات تجريها وحدة (نخبة حماس)، لشن هجوم منظم على إسرائيل».

وبحسب تقرير لصحيفة «هآرتس»، فإن جنديات المراقبة حول غزة رصدن عدة مرات تدريبات كهذه وأبلغن بها القيادة، التي تعاملت معهن باستعلاء. وفي إحدى المرات وبّخ القائد إحدى الجنديات وهددها بمحاكمتها إذا واصلت إزعاجه.

مظاهرة ضد نتنياهو وخطط استهداف القضاء في تل أبيب 2 سبتمبر (رويترز)

تنبع هذه العنجهية من فكرتين: أن الجيش الإسرائيلي قوي وعظيم ويهابه الجميع، خصوصاً «حماس»، وأن العرب مهما بلغت قوتهم لن يجرؤوا على خوض تجربة إسرائيل. هاتان الفرضيتان كسرتا في 7 أكتوبر، والجيش الإسرائيلي لا يصدق أن هذا ما جرى له، فقرر أن يرد كوحش جريح، بقوة لا تعرف الحدود، وبطريقة تحفر في الذاكرة الفلسطينية عميقاً نكبة ثانية.

وبذلك، وضع الجيش سقفاً عالياً جداً للحرب، يمكن أن يستصعب النزول عنه؛ لأنه يطيل الحرب بلا نتيجة حقيقية تسجل لصالحه.

في إسرائيل يخشون اليوم من أن إطالة الحرب تخدم نتنياهو فيسعى إليها. والخمسون يوماً التي مرت تكون بداية قصيرة جداً لها. وقد بدأوا يشككون في جدوى هذه الحرب الطويلة وأهدافها.

وفي ظل النقاش في الموضوع، تدور تساؤلات كثيرة وتنتشر إشاعات كثيرة، خصوصاً مع تأجيل بدء صفقة تبادل الأسرى الخميس. فإذا كانت «حماس» قد استفادت يوماً من سياسة نتنياهو، فها هو نتنياهو اليوم يستفيد.


مقالات ذات صلة

«حماس» تريد رئيساً لـ«إظهار التوافق» واستجابة لـ«نصائح خارجية»

خاص فلسطينيتان تصرخان خلال تشييع جنازة رجل قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب) p-circle

«حماس» تريد رئيساً لـ«إظهار التوافق» واستجابة لـ«نصائح خارجية»

رغم تعثر اتفاق وقف النار في غزة، تتمسك «حماس» بانتخاب رئيس جديد لها بينما كانت الجولة التنافسية الأولى بين خليل الحية وخالد مشعل غير حاسمة... فما السر وراء ذلك؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص الفلسطيني محمود نوفل يمشط شعر حفيدته رنين (3 سنوات) والتي يتولى رعايتها بعد مقتل والديها في غارة إسرائيلية على خان يونس (أ.ب)

خاص مؤشرات «إيجابية» حول اتفاق غزة بعد لقاء ملادينوف مع «حماس» والوسطاء

أفاد مصدر من فريق مبعوث «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، وآخر من حركة «حماس» بوجود مؤشرات «إيجابية» حول المضي في استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الهش في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)

المحكمة العليا الإسرائيلية ترفض الإفراج عن الطبيب حسام أبو صفية

رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية، الثلاثاء، طلباً لإطلاق سراح الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية المحتجز دون تهمة منذ اعتقاله بغزة في أواخر 2024.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لحماس) p-circle

خاص بعد جولة «الأوراق البيضاء»... «حماس» تستأنف انتخاب رئيسها

استأنفت حركة «حماس»، انتخابات رئيس مكتبها السياسي (أعلى مستوى قيادي) في جولة للإعادة، بعدما فشلت جولة أولى، الشهر الماضي، في تحديد هوية الرئيس الجديد للحركة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل بمدينة غزة في صورة التُقطت الاثنين (رويترز)

مساعٍ دبلوماسية لدفع «اتفاق غزة»... وإسرائيل تحتل أراضي جديدة

تتواصل المساعي والجهود الدبلوماسية في القاهرة لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، في حين وسّع الجيش الإسرائيلي الأراضي التي يحتلها في القطاع وسط قصف متواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)

التهدئة في الجنوب اللبناني لا تزال بعيدة... رغم الاتفاق

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (إ.ب.أ)
TT

التهدئة في الجنوب اللبناني لا تزال بعيدة... رغم الاتفاق

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (إ.ب.أ)

لا تزال الحدود اللبنانية بعيدة عن أي تهدئة فعلية رغم التفاهم الأميركي - الإيراني الذي نص على وقف الحرب على كل الجبهات بما فيها لبنان.

وأثارت خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي لمناطق انتشار قواته في الجنوب اللبناني مخاوف من محاولة تكريس واقع ميداني جديد تحت عنوان «المنطقة الأمنية». وأعلن الجيش الإسرائيلي انتشار قواته «بناءً على الحاجة العملياتية داخل منطقة تمتد نحو 10 كيلومترات داخل لبنان»، بهدف إزالة ما وصفه بـ«التهديدات، وتحسين الدفاع عن سكان الشمال».

وأكدت مصادر ميدانية أن الحدود التي تظهرها الخريطة تتجاوز في بعض النقاط «الخط الأصفر»، وتشمل مناطق لم يتمكن الجيش الإسرائيلي من تثبيت وجود دائم فيها خلال الحرب، ما أثار قلق السكان وأبطأ عودة الأهالي إلى عدد من البلدات الجنوبية التي لا تزال تعاني من نقص الخدمات واستمرار التوتر الأمني.

وفي موازاة ذلك، نفذت السلطات اللبنانية استنابة قضائية فرنسية أفضت إلى توقيف مواطن لبناني يُشتبه بارتباطه بملف استيراد معدات وأجهزة كهربائية من فرنسا لصالح «حزب الله».

وبحسب مصادر قضائية، فإن التحقيقات تتصل بشبكة جرى تفكيكها في فرنسا ويُعتقد أنها شاركت في تصدير معدات يمكن استخدامها في تصنيع المسيّرات. وأفادت المعلومات بأن الموقوف أقرّ باستيراد ثلاث شحنات سلّمها لاحقاً إلى شخص يُرجّح ارتباطه بالحزب، نافياً علمه باستخدامها لأغراض عسكرية.


حملة إقالات مفاجئة في العراق

 رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه المبعوث الأميركي توم برَّاك في بغداد 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه المبعوث الأميركي توم برَّاك في بغداد 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)
TT

حملة إقالات مفاجئة في العراق

 رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه المبعوث الأميركي توم برَّاك في بغداد 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه المبعوث الأميركي توم برَّاك في بغداد 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)

أُفيد في بغداد، أمس (الخميس)، بأن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أجرى سلسلة تغييرات مفاجئة في مواقع أمنية ومالية بارزة شملت 3 مسؤولين كبار.

وقالت وكالة الأنباء الرسمية، نقلاً عن مصدر حكومي، إن الزيدي كلّف باسم البدري رئاسة جهاز الأمن الوطني، خلفاً لعبد الكريم البصري، المعروف بـ«أبو علي البصري»، الذي ارتبط اسمه لسنوات بقيادة «خلية الصقور الاستخبارية» التابعة لوزارة الداخلية.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، كان البدري قريباً من تسنم منصب رئيس الحكومة، قبل أن يعلن «الإطار التنسيقي» أن الزيدي مرشحه للمنصب.

كذلك، نقلت وسائل إعلام محلية إعفاء محافظ البنك المركزي علي العلاق من منصبه، وتكليف نزار ناصر، رئيس مكتب مكافحة غسل الأموال، خلفاً له. كما جرى إعفاء مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي من منصبه، وتعيين قاسم العبودي مكانه.


مطالبات بكشف مصير 4743 سورياً نقلتهم «قسد» إلى العراق منذ 2019

رجال يشتبه في أنهم من داعش اعتقلتهم قوات «قسد» في الباغوز مارس 2019 (أ.ف.ب)
رجال يشتبه في أنهم من داعش اعتقلتهم قوات «قسد» في الباغوز مارس 2019 (أ.ف.ب)
TT

مطالبات بكشف مصير 4743 سورياً نقلتهم «قسد» إلى العراق منذ 2019

رجال يشتبه في أنهم من داعش اعتقلتهم قوات «قسد» في الباغوز مارس 2019 (أ.ف.ب)
رجال يشتبه في أنهم من داعش اعتقلتهم قوات «قسد» في الباغوز مارس 2019 (أ.ف.ب)

كشفت «الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان» عن عمليات نقل وتسليم واسعة النطاق لمحتجزين كانوا لدى «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) والجهات التابعة للإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا، إلى الحكومة العراقية منذ عام 2019 وحتى آخر فترة كانت فيها مراكز الاحتجاز المعنية خاضعة لسيطرة «قسد».

ودعا التقرير إلى كشف مصير آلاف المحتجزين السوريين في العراق، مطالباً بضمان حقوقهم القانونية والإنسانية، ومعتبراً أن الملف يجب أن يكون ضمن أولويات «العدالة الانتقالية» في سوريا.

وقالت الشبكة، في تقرير موجز صدر من مقرها الجديد في دمشق، إنها وثقت عمليات نقل وتسليم واسعة النطاق شملت محتجزين كانوا لدى «قسد» والجهات التابعة للإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا، وجرى تسليمهم إلى الحكومة العراقية منذ عام 2019 وحتى آخر فترة كانت فيها مراكز الاحتجاز المعنية خاضعة لسيطرتها.

إنفوغراف الشبكة السورية عن عدد السوريين المنقولين إلى العراق منذ عام 2019

وأكدت الشبكة أن عمليات النقل شملت ما لا يقل عن 6547 محتجزاً، توزعوا على 4743 مواطناً سورياً من بينهم عشرات الأطفال واليافعين، إضافة إلى 1804 محتجزين أجانب ينتمون إلى نحو 61 جنسية عربية وأجنبية، موضحة أن هؤلاء كانوا محتجزين على خلفية الاشتباه بالانتماء إلى تنظيم «داعش» أو الارتباط به.

وأشارت إلى أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى للحالات التي تمكنت الشبكة من توثيقها والتحقق منها وفق منهجيتها المعتمدة، لافتة إلى أن عمليات النقل جرت على مراحل متعاقبة ودفعات متفرقة، ضمن ترتيبات أمنية وتنسيقات ثنائية، ومن دون إعلان رسمي شامل يتضمن القوائم الاسمية للمنقولين، أو تواريخ النقل، أو الجهات المتسلمة، أو الأساس القانوني والإجرائي لكل عملية.

وتحدث التقرير عن غياب المعلومات الكافية حول ما إذا كانت قرارات النقل صدرت بصورة فردية، أو بناء على مراجعة قضائية مستقلة، أو بعد تمكين المحتجزين من الاعتراض أو الحصول على مساعدة قانونية، معتبرة أن نقل هذا العدد من المحتجزين عبر الحدود في ظل غياب هذه الضمانات يثير مخاوف جدية تتعلق بمبدأ «عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في المادة الثالثة من اتفاقية مناهضة التعذيب»، وبضمانات المحاكمة العادلة المكفولة «في المادة الرابعة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية».

نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز تحت سلطة «قسد» عام 2019 (أ.ف.ب)

ملف الشبكة يشمل عشرات الأطفال واليافعين الذين نُقلوا ضمن بعض الدفعات، مؤكدة أن ذلك يستوجب مراعاة اتفاقية حقوق الطفل ومبدأ المصلحة الفضلى للطفل، وعدم التعامل مع الأطفال على أساس الاشتباه الجماعي أو الانتماء العائلي أو الوجود في مناطق كانت تحت سيطرة تنظيم «داعش».

وأكدت أن أي معالجة قانونية أو إدارية لهذه الحالات يجب أن تراعي احتمال تعرض الأطفال للتجنيد أو الاستغلال أو الإكراه أو ظروف قسرية، وأن تضمن لهم الحماية والمساعدة القانونية والنفسية والاجتماعية المناسبة.

اعترافات منتزعة

وحذرت الشبكة من الاعتماد على اعترافات منتزعة تحت التعذيب أو الإكراه، أو على معلومات أمنية عامة غير قابلة للفحص القضائي، معتبرة أن ذلك لا يتوافق مع معايير المحاكمة العادلة. كما أوضحت أن نقل المحتجزين عبر الحدود دون نظام واضح لحفظ السجلات والأدلة يهدد بانقطاع سلسلة حفظ الأدلة المتعلقة بالاحتجاز والتحقيق والنقل، بما في ذلك البيانات البيومترية، ومحاضر الاستجواب، وسجلات الإحالة، ومحاضر التسليم، والسجلات الطبية، وأي ادعاءات تعذيب أو سوء معاملة.

ورأت الشبكة أن هذا الخلل قد يؤدي إلى إضعاف مسارات المساءلة المستقبلية والعدالة الانتقالية في سوريا، وإلى حرمان العائلات من حقها في معرفة مصير ذويها، مؤكدة أن مكافحة الإرهاب ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المنسوبة إلى تنظيم «داعش» لا تبرران النقل الجماعي للمحتجزين.

لافتة لأهالي المعتقلين المرحّلين إلى سجون العراق في اعتصام وسط دمشق مايو الماضي (مواقع)

أوصت الشبكة الحكومة السورية بإنشاء سجل وطني مركزي شامل لجميع المواطنين السوريين الذين نُقلوا إلى العراق منذ عام 2019، على أن يتضمن البيانات الأساسية، وأماكن الاحتجاز، والوضع القانوني، ومسار كل حالة، ودعتها إلى فتح قنوات اتصال رسمية مع الحكومة العراقية للحصول على قوائم اسمية كاملة ومحدثة.

كما طالبت بإنشاء وحدة وطنية مختصة بملف المحتجزين السوريين المنقولين إلى الخارج، وإدراج هذا الملف ضمن مسارات العدالة الانتقالية، بما يشمل كشف الحقيقة، وحفظ السجلات، والمساءلة، وضمان عدم ضياع الأدلة أو استخدامها بصورة انتقائية.

ودعت الحكومة العراقية إلى ضمان المعاملة الإنسانية لجميع المحتجزين، واحترام حقهم في الدفاع، وتمكينهم من التواصل مع محامين وعائلاتهم، وإجراء مراجعة قضائية فردية لجميع الملفات، ولا سيما الحالات التي تستند إلى اعترافات أو معلومات استخباراتية عامة أو بلاغات أمنية غير قابلة للفحص القضائي.

وطالبت الشبكة بغداد بعدم استخدام الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب أو الإكراه، وتعليق تنفيذ أي حكم إعدام بحق أي شخص منقول من سوريا إلى حين إجراء مراجعة مستقلة وفعالة لملفه، إلى جانب حفظ جميع السجلات والأدلة المتعلقة بالمحتجزين المنقولين.

صبية يلوّحون لمركبة أميركية ضمن قافلة تنقل معتقلين من تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق في 7 فبراير على مشارف مدينة القحطانية في الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)

دعوات لـ«قسد» والجهات الدولية

طالبت الشبكة «قسد» والجهات التابعة للإدارة الذاتية بالكشف الكامل عن جميع عمليات النقل والتسليم التي جرت منذ عام 2019، وتسليم سجلات الاحتجاز والتحقيق والنقل إلى الجهات السورية الرسمية المختصة ضمن إطار قانوني واضح، مع ضمان حفظ نسخ موثقة تتيح استخدامها في كشف الحقيقة والمساءلة.

وحضت الشبكة أي جهة دولية أو قوة أجنبية شاركت في تنظيم عمليات النقل أو تسهيلها أو تمويلها أو مراقبتها على الكشف عن طبيعة دورها، والضمانات التي اعتمدتها قبل النقل، وبيان ما إذا كانت قد أجرت أو طلبت تقييمات فردية للأخطار، وما إذا كانت قد تابعت أوضاع الأشخاص الذين شملتهم العمليات بعد تسليمهم إلى الحكومة العراقية.

ودعت الشبكة الأمم المتحدة والآليات الدولية المعنية، إلى دعم إنشاء آلية فعالة لكشف مصير المحتجزين المنقولين، ومراقبة أوضاعهم القانونية والإنسانية، ومتابعة إجراءات المحاكمة والاحتجاز، وتقديم الدعم الفني لإنشاء قواعد بيانات موثوقة.