«توم بين» ونضال الأميركيين ضد الاحتلال

ألهب حسَّ المقاومة وتقلَّب من ثورة إلى أخرى

«توم بين» ونضال الأميركيين ضد الاحتلال
TT

«توم بين» ونضال الأميركيين ضد الاحتلال

«توم بين» ونضال الأميركيين ضد الاحتلال

من الصعب تخيل الأميركيين، بجبروت بلادهم وظلها المهيمن على العالم اليوم، رازحين تحت احتلال شرس ناضلوا للتخلص منه. لكن التاريخ الأميركي محتشد بحكايات النضال والمعارك وأشكال المقاومة. في أواسط القرن الثامن عشر كان ما يعرف الآن بالولايات المتحدة الأميركية مجموعة مستوطنات تحت سيطرة التاج البريطاني. كانت منتجات الأرض التي كانوا قد احتلوها بوصفهم مهاجرين من بريطانيا ودول أوروبية أخرى تذهب إلى الخزينة البريطانية، والذين ذهبوا ليحتلوا أراضي السكان الأصليين في القارة الأميركية المكتشفة، ويمارسوا ضدهم كل أنواع الطرد والاستيلاء الوحشيين لم يلبثوا أن صاروا مناضلين ضد البلاد التي هاجروا منها وهم يرون تلك البلاد تستغل بلادهم وتذلّهم. صار المحتلون محتلين. أو هكذا رأوا أنفسهم بعدما تنامت لديهم الرغبة في الاستقلال عن بريطانيا التي لم تجد بداً من قمع تلك الرغبة. وفي عام 1775 بدأت الثورة الأميركية ضد التاج البريطاني، وبعد ذلك بعام واحد أعلن استقلال المستوطنات بقيادة جورج واشنطن، لكن الإعلان لم يعن الانتصار وإنما بدء المقاومة التي تضمنت معارك نصر ومعارك هزيمة. إحدى الهزائم كانت ما لقيه واشنطن وجنوده في نيويورك في أواخر عام 1776، لكن في تلك اللحظة جاء من يبعث الأمل، ويشحن النفوس بالعزيمة لتنقلب المعادلة تدريجياً.

في ديسمبر 1776 بدأ إنجليزي هاجر إلى أميركا للتو اسمه توماس (توم) بين Paine سلسلة من المقالات في مجلة «بنسلفانيا» تحت عنوان «الأزمة الأميركية» بدأ أولها بالعبارة الشهيرة: «هذه هي الأوقات التي تختبر فيها الأرواح» والتي ألهب فيها حس المقاومة، وهاجم المتكاسلين أو القاعدين، من سماهم «جنود الصيف ووطنيي الشمس المشرقة». توم بين هو دون شك أحد أبطال الثورة الأميركية والفاعلين في تحقيق انتصار المستوطنين ضد التاج البريطاني. ذلك وهو مثل كثير من الأميركيين، قادة ومواطنين، مواطن بريطاني أصلاً. هاجر إلى ما عرف عندئذٍ بالعالم الجديد عام 1774، وكان على مشارف الأربعين من عمره. هاجر فقيراً معدماً وخارجاً من سلسلة من المحاولات الفاشلة لتحقيق النجاح في حياته العلمية والعملية، ولكن لم تمض سنتان حتى كان يتألق في أرض المستوطنات التي بناها من سبقه من المهاجرين، المهاجرين المحتلين لأرض غيرهم والذين أرادوا بعد قرن ونيف من بدء هجراتهم أن يستقلوا عن البلاد التي جاء منها أكثرهم.

توم بين هو الذي عُرف فيما بعد بمؤلف كتابين شهيرين هما «المنطق السليم (Common Sense)» (يناير 1776) و«حقوق الإنسان» (1791-1792)، ليتلو هذين كتابٌ ثالث ربما يكون أقل شهرة وإن كان قد تسبب في انحدار سمعته وتردي حياته وسيرته، كان ذلك كتاب «عصر العقل» ((1794 - 1796). كان السبب في ذلك المآل المظلم هو هجوم توم بين على الأديان بوصفها لا عقلانية، وسبباً في الشرور والمآسي التي ابتلي بها الإنسان. كان توم بين قد اعتنق المذهب الربوبي «دايزم (Deism)» الذي ينكر الوحي الإلهي، ويؤكد أهمية العقل البشري بوصفه الهادي إلى وجود الله بدلاً من الوحي. ذلك المذهب الذي تطور في عصر النهضة تحول إلى إلحاد ينكر وجود الإله، وصار علامة كبرى على التنوير الأوروبي خصوصاً في فرنسا.

أدى إعلان توم بين عن رؤيته الربوبية إلى رفض عام له ولأفكاره في البلاد التي شارك في النضال من أجل استقلالها، لكنه قبل نشر الكتاب كان قد واصل ذلك النضال بالرحيل إلى فرنسا بحثاً عن الدعم المالي للثوار الأميركيين. وصل فرنسا في أثناء تصاعد الهياج الاجتماعي والسياسي الذي وصل ذروته في الثورة الفرنسية عام 1789، فانتقل الإنجليزي «بين» من ثورة إلى أخرى، ومن نزعة استقلال إلى أخرى، وهو بين هذه وتلك مرحَّب به ومتوَّج بالإجلال. وكان من مظاهر إجلال الفرنسيين له أن عينوه عضواً في المجلس الوطني الفرنسي. ولكن بين لم يلبث أن «خربط» الدنيا باحتجاجه على إعدام الثوار الفرنسيين الملك لويس السادس عشر وأسرته، فخرج من فرنسا إلى بلاده بريطانيا ليُتهم هناك بإثارة الفتنة، ويعود مرة أخرى إلى أميركا.

قصة توم بين هي قصة الثورة الأميركية، قصة الاستقلال ضد محتل، وهي متداخلة وعجيبة كما هو واضح: إنجليزي يذهب إلى بلاد غير بلاده ليشارك في الثورة ضد بلاده، ثم يذهب ليشارك بلاداً أخرى ثورتها ضد نظامها ليطرد من هناك ومن بلاده، ثم يعود من حيث أتى ليواجه رفضاً لأفكاره وينكسر في أواخر حياته، ويموت معدماً كما بدأ، ويُدفن دون حتى أن يُعرف قبره.

لكن ما يسترعي الانتباه بذات القوة هي القدرة التي استطاع بها ذلك الإنجليزي الهارب من بلاده أن يلهب بها حماسة الثوار الأميركيين ويشاركهم النضال. لقد وجد أناساً مهزومين ومستضعفين فألهب حماسهم ضد حكومته نفسها، وحين شكره الأميركيون بتخصيص مرتب سنوي مجزٍ له واصل كتابة سلسلة مقالاته تحت عنوان «الأزمة الأميركية» ليواصل الدعم المعنوي، وإلهاب الحماسة.

غير أن الأمور أتت فيما بعد بما لم يتوقعه توم بين حين انتصر الأميركيون، وأداروا ظهورهم لأفكاره التي لم تعد تلقى قبولاً، أفكاره المتعارضة مع الثقافة الأميركية العامة ذات الجذور الدينية العميقة؛ فالمستوطنات التي نشأت على ساحل المتوسط في ماساتشوستس وما حولها من ولايات إنما نشأت على أسس دينية متشددة لا نزال نرى أثرها إلى اليوم في الشعبية الجارفة للوعاظ الذين يلقون خطبهم في ملاعب كرة القدم الضخمة والممتلئة بالحضور، كما في من يُعرفون بالصهاينة المسيحيين. الأميركيون الأوائل، المستوطنون والثوار، كانوا أبعد من أن يتخيلوا ما آلت إليه بلادهم من قوة وجبروت، ومن تطور في مختلف المجالات، فقد كانوا من المستضعفين في الأرض وبحاجة لمن يشد أزرهم معنوياً ومادياً. وقف ذلك الإنجليزي المستضعف هو نفسه معهم ليكتشف من خلالهم مواهبه، وتتحسن أحواله قبل أن تسوء مرة أخرى، ليدعمهم الفرنسيون بقيادة بالجنرال دي لافاييت الذي كان قد استقبل توم بين في باريس في فترة الثورة الفرنسية. جاء دو لافاييت بقوات شدت من أزر المقاومين الأميركيين ضد البريطانيين أعداء فرنسا التقليديين فانقلبت الموازين، وانتصر المقاومون الضعفاء. ومن اللافت أن توم بين في بثه الحماسة بين المقاومين الأميركيين يذكّر بأن الإنجليز سبق أن هُزموا على يد الفرنسيين بقيادة امرأة هي جان دارك في القرن الخامس عشر.

إن تاريخ الثورة الأميركية ثم الاستقلال الذي أدت إليه هو تاريخ مقاومة لمحتل، تاريخ ينساه الأميركيون فيما يبدو وهم يدعمون محتلاً آخر أقام المستوطنات التي أقاموا مثلها من قبل. لكن هل نسوا فعلاً؟ لا أظن وإنما هي المصالح التي توصف عادة بالعليا، وهي مصالح فئات معينة لا مصالح بقية أفراد المجتمع؛ فالعدالة والحرية والاستقلال شعارات رفعها المقاومون الأميركيون، مثلما رفعها أو رفع ما يشبهها الفرنسيون بعد ذلك بقليل، ثم كتبوا بمقتضاها وثيقة استقلالهم، وأقاموا دولتهم، لكنها كانت لتحقيق مصلحة وطنية وقومية، وبمجرد أن انتهت جاءت شعارات أخرى ومصالح أخرى تحوَّل نتيجتها المقاومون المستضعفون في السابق إلى مهيمنين مستقوين على غيرهم، و«تلك الأيام نداولها بين الناس».



«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.


«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان
TT

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»، وقد افتتحه بالاقتباس التالي: «إذا كانت المفكرة تنادي الكتابة والكتاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة».

وجاء في تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مراثيَ تقليدية، بل ينسجُ خيوطاً مضيئةً من الذاكرة لأسماءٍ سكنت وجدانه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنه ليس مجرد كتابٍ عن الراحلين، بل هو معرضٌ حيٌّ لـ«أقمارٍ» من الثقافة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى إبراهيم أصلان، وأديب غنم، وأروى صالح، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي.

يأخذنا سليمان في رحلةٍ وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحةٍ صارت منارات، وبين لقاءاتٍ عابرةٍ تحوّلت إلى صداقاتٍ أبدية. الكتاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنساني. إنها مفكرةٌ لا تحفظ الأسماء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغةٍ تتقطر شجناً وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة اليومية: ضحكاتٍ، جلساتِ مقاهٍ، لحظاتِ انكسار، وبين قراءات نقدية رصينة لتجارب هؤلاء المبدعين. ما يجعل الكتاب مشوقاً هو صدقُ الألمِ وعمقُ الحب. سليمان لا يستعرضُ سِيراً ذاتيةً باردة، بل يفتحُ أبوابَ قلبهِ ليُرينا كيف يتفاعلُ المثقفُ مع فجيعة الفقدان. هو يتساءل: كيف نعيشُ بعد رحيلهم؟ كيف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوةٌ للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهرُ الموتَ وتجعلُ الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطرٍ وفي كل حكاية.

الكتاب هو تذكرةٌ لكل قارئٍ بأن الكتابة ليست مجرّد حرفٍ على ورق، بل هي محاولةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ لتخليد اللحظاتِ النادرةِ التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعرُ أنك تجلسُ مع كل هؤلاء العظماء، تسمعُ أصواتهم، وتتقاسمُ مع الكاتبِ مرارةَ الغيابِ وحلاوةَ الذكرى.


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».