اتهامات لـ«إكس» بـ«نشر الكراهية» في حرب غزة

اتهامات لـ«إكس» بـ«نشر الكراهية» في حرب غزة
TT

اتهامات لـ«إكس» بـ«نشر الكراهية» في حرب غزة

اتهامات لـ«إكس» بـ«نشر الكراهية» في حرب غزة

مرة أخرى تتجدد الاتهامات الموجهة لمنصة «إكس» (تويتر سابقاً)، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، بـ«نشر الخلل المعلوماتي»، و«التحريض على الكراهية» خلال الحرب الإسرائيلية على غزة. وبينما رأى بعض الخبراء أن هذه الاتهامات «طبيعية في ظل تخلي المنصة عن شروط توثيق الحسابات وتدقيق المعلومات»، شدد هؤلاء على أن «حرب غزة عززت الحاجة إلى تطوير تقنيات للتحقق من المعلومات».

الاتهامات الأخيرة، جاءت عبر دراسة نشرها مركز «مكافحة الكراهية الرقمية»، وهو منظمة بريطانية غير ربحية، ادعت أن «منصة إكس أحجمت عن حذف 98 في المائة من المنشورات التحريضية خلال الحرب الإسرائيلية على غزة».

ووفقاً للدراسة، حددت المنظمة عينة من 200 منشور ادعت أنها تنتهك قواعد «إكس» بشأن الترويج لمعاداة السامية والكراهية، أو تلك التي تتضمن هجوماً على الفلسطينيين، نُشرت بعد بدء الحرب على غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وحسب الدراسة فإنه جرى إبلاغ «إكس» بهذه المنشورات في 31 أكتوبر الماضي، وبعد أسبوع لم تحذف «إكس» سوى 4 منشورات فقط منها، بينما عُلّق حساب واحد فقط من بين 101 حساب نشرت تلك المنشورات، وأُغلق حسابان آخران.

في المقابل، ذكرت «إكس» في بيان رداً على الاتهامات السابقة، أنها اتخذت إجراءات ضد أكثر من 320 ألف منشور؛ بسبب «خطاب الكراهية»، وأُزيل أكثر من 3 آلاف حساب، كما أنها تدخلت في أكثر من 25 ألف منشور بسبب محتوى رصد العبث به. وأفادت ليندا ياكارينو، الرئيس التنفيذي لشركة «إكس»، في منشور على «إكس»، بأن الشركة «لطالما كانت واضحة جداً في أن التمييز من قبل الجميع يجب أن يتوقف في المجالات جميعها».

إلا أن هذا الرد لم يمنع من تعرض مالك شركة «إكس»، إيلون ماسك، (الأربعاء) الماضي، لانتقادات من الجماعات المؤيدة لإسرائيل بعد تأييده منشوراً يتهم المجتمعات اليهودية بـ«تحفيز الكراهية ضد البيض». ووفقاً لشبكة «سي إن إن» الأميركية، جاء في المنشور الذي أيده ماسك، أن «المجتمعات اليهودية تدفع بهذا النوع من الكراهية الجدلية ضد البيض، التي يزعمون أنهم يريدون من الناس التوقف عن استخدامها ضدهم». ورداً على ذلك، قال ماسك: «لقد قلت الحقيقة الفعلية». وأضاف ماسك في منشورات لاحقة أنه «لا يعتقد بأن كراهية الأشخاص البيض تمتد إلى المجتمعات اليهودية جميعها».

الاتهامات الموجهة لـ«إكس» ولمالكه ماسك «ليست جديدة»، بحسب مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» في دولة الإمارات العربية المتحدة. إذ قال كيالي لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذه الاتهامات ازدادت وتيرتها خلال الحرب على غزة... ومع الأسف كانت المعلومات الخاطئة متداولة بشكل كبير على منصات التواصل الاجتماعي كلها، ما أدى إلى الزيادة في خطاب الكراهية».

كيالي يرجع زيادة الاتهامات الموجهة لـ«إكس»، مقارنة بباقي المنصات، إلى أن «منصة (إكس) هي صاحبة القيود الأقل على المحتوى، إضافة إلى أن ماسك عند استحواذه على (تويتر) سابقاً ألغى عديداً من الوظائف والأقسام في الشركة، وكان على رأس المتضرّرين القسم المختص بتقصي الحقائق وتدقيق المحتوى، ما زاد من المعلومات المضللة على المنصة».

ولاحظ كيالي أيضاً «انتشار العشرات والمئات من المنشورات غير الصحيحة، أو القديمة، خلال الحرب في غزة، حتى إنه أُعيد نشر محتوى من دول أخرى على أنه من غزة، ما عزز من خطاب الكراهية، لا سيما مع إعادة نشر المحتوى من دون تدقيق». ولفت إلى أن «هناك تقصيراً من جانب منصات التواصل في هذا الإطار، ما يضع عبئاً على المستخدمين في التقصي والتأكد، وتصفية الكم الكبير من المعلومات». ولكن وفق كيالي «هذا لا يرفع المسؤولية عن منصات التواصل الاجتماعي بأن تلعب دورها في ضبط المحتوى، والعمل على مراجعته بشكل أوسع وأسرع لكشف المعلومات الخاطئة».

يذكر أن ماسك أشار في منشوراته إلى أن «رابطة مكافحة التشهير» وهي «منظمة غير ربحية، مؤيدة بقوة لإسرائيل في الولايات المتحدة» «تهاجم بشكل مجحف غالبية الغرب، على الرغم من دعم الدول الغربية القوي للشعب اليهودي وإسرائيل، وذلك لأنهم لا يستطيعون بمبادئهم الخاصة انتقاد الأقليات التي تشكّل التهديد الرئيسي لهم». وهدد ماسك في سبتمبر (أيلول) الماضي بمقاضاة «رابطة مكافحة التشهير» لتوجيهها اتهامات «لا أساس لها، جعلت المعلنين ينفرون من شبكة التواصل الاجتماعي، ما حرمها من إيرادات كبيرة».

وحقاً، في سياق الاصطفاف ضد «إكس»، ودعماً لإسرائيل، علّقت شركة «آي بي إم» الأميركية للكومبيوتر، بنهاية الأسبوع الماضي، إعلاناتها على منصة «إكس» بحجة أنها «وُضعت بجوار محتوى معادٍ للسامية»، بحسب بيان للشركة، التي قالت إنها «لا تتسامح مطلقاً مع خطاب الكراهية والتمييز، وإنها علّقت على الفور جميع الإعلانات على (إكس)، بينما تحقق في هذا الوضع المرفوض تماماً».

قرار شركة «آي بي إم» هذا جاء بعد ادعاء «ميديا ماترز فور أميركا»، وهي مجموعة لمراقبة وسائل الإعلام، أنها «وجدت إعلانات لشركات (آي بي إم) و(أبل) و(برافو) و(أوراكل) إلى جانب منشورات تروّج لهتلر على منصة (إكس)».

من جهته، يرى أسامة المدني، أستاذ الإعلام البديل في جامعة أم القرى السعودية ومستشار الإعلام الرقمي وتطوير الأعمال، أن «غياب الضوابط التي تحكم المنصات الرقمية بشكل عام، جعل من الصعب على الجمهور المتلقي التفريق بين الأخبار الزائفة والمفبركة والمضللة، خصوصاً مع بزوغ تقنية التزييف العميق وقدرتها على إنشاء محتوى من العدم». وقال المدني لـ«الشرق الأوسط»، إن «منصة (إكس)، على وجه الخصوص، أتاحت أخيراً لمشتركيها إمكانية الوصول والاطلاع على الأخبار التي تحقّق انتشاراً واسعاً بغض النظر عن كونها صحيحة، أو موثوقة، وذلك بموجب التعديلات الأخيرة التي أجراها ماسك، والتي أعطت الحق لمشتركيها لمشاهدة مقاطع فيديو وصور بالغة العنف، وحتى دون التأكد من صحتها أو مصداقيتها».

ويعتقد المدني بأن «مثل تلك الأحداث جعلت منصة (إكس) محل اتهام بتعزيز خطاب الكراهية إبان الحرب في غزة، على عكس منصات أخرى تحارب للحد من الأخبار الزائفة وخطاب الكراهية، وإن كان بشكل جزئي يخدم إسرائيل أو يصب في مصلحتها». وتابع أن «التقنيات الناشئة تسعى لمحاربة الخلل المعلوماتي. ولئن كان من الصعب جداً تحقيق نتائج مبهرة في الوقت الراهن، فإن حرب غزة أثبتت أن هذا التفاؤل الحذر لفاعلية أو جدوى هذه التقنيات يكاد يكون مفقوداً، خصوصاً أن شارة التوثيق على منصة (إكس) أكسبت بعض الحسابات مصداقية لدى عديد من المشتركين... رغم أن هذه الحسابات تنشر أخباراً مضللة تفتقر إلى المصداقية تماماً». واختتم بالتشديد على أنه «بات شبه مستحيل حالياً التحقق من مصادر الأخبار وصحتها».

أخيراً، كانت منصة «إكس» قد تلقت خلال الأسابيع الأخيرة طلباً رسمياً من المفوضية الأوروبية للامتثال لـ«قانون الخدمات الرقمية الأوروبي» الجديد، الذي يلزم منصات التواصل باتخاذ إجراءات صارمة «ضد المحتوى المضلل». وذكرت المفوضية أن التحقيق الذي أُطلق قبل فترة قريبة يستهدف في الأساس منصة «إكس» لاتهامها بـ«نشر معلومات مضللة منذ بدء الحرب على غزة».


مقالات ذات صلة

ماسك يدعم لوبان بوصفها «الأمل الأخير لفرنسا»

أوروبا زعيمة اليمين المتطرّف في فرنسا مارين لوبان (رويترز)

ماسك يدعم لوبان بوصفها «الأمل الأخير لفرنسا»

أعرب إيلون ماسك، أغنى أغنياء العالم، الأربعاء، عن تأييده زعيمة اليمين المتطرّف في فرنسا مارين لوبان، بعدما قرّرت خوض سباق الرئاسة رغم إدانتها في قضية اختلاس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مائدة الغداء خلال فعالية في حديقة الورود بالبيت الأبيض - 6 يوليو 2026 (أ.ب) p-circle

اتهام 8 رجال بتخطيط هجوم على البيت الأبيض «لاغتيال ترمب وفانس ونتنياهو»

أصدرت هيئة محلفين أميركية اتحادية كبرى لائحة اتهام بحق ثمانية رجال بتهمة التخطيط لشن هجوم على فعالية للفنون القتالية المختلطة بالبيت الأبيض في يونيو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الكثير من الأميركيين يواجهون ضغوطاً متزايدة لتأمين احتياجاتهم المعيشية الأساسية (رويترز) p-circle

أميركا تُنتج 1200 مليونير جديد يومياً... وثروات قياسية تعمّق فجوة الدخل

تواصل الولايات المتحدة ترسيخ مكانتها بوصفها أكبر مولّد للثروات في العالم، إذ يشهد اقتصادها انضمام آلاف الأشخاص إلى قائمة الأثرياء سنوياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شاشة عرض في «تايمز سكوير» تظهر إعلاناً لشركة «سبيس إكس» بعد إطلاق الطرح العام الأولي للشركة في نيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تُبدي تفاؤلاً تجاه «سبيس إكس» قبيل إدراجها في مؤشر «ناسداك 100»

من المتوقع أن يؤدي إدراج شركة «سبيس إكس» في مؤشر «ناسداك 100»، يوم الثلاثاء، إلى إطلاق موجة من عمليات الشراء التلقائي بمليارات الدولارات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شعار شركة «سبايس إكس» ورسم بياني لارتفاع سعر السهم (رويترز)

خسائر «سبايس إكس» تتواصل بعد تبخر 600 مليار دولار

واصلت أسهم شركة «سبايس إكس» المملوكة لإيلون ماسك تراجعها الثلاثاء، بعد موجة بيع استمرت 3 أيام، محَت أكثر من 600 مليار دولار من قيمتها السوقية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«نتفليكس» أمام اختبار «المتابعة»

إعلانات لـ«نتفليكس» على جانب طريق في مدينة مُمباي الهندية (رويترز)
إعلانات لـ«نتفليكس» على جانب طريق في مدينة مُمباي الهندية (رويترز)
TT

«نتفليكس» أمام اختبار «المتابعة»

إعلانات لـ«نتفليكس» على جانب طريق في مدينة مُمباي الهندية (رويترز)
إعلانات لـ«نتفليكس» على جانب طريق في مدينة مُمباي الهندية (رويترز)

لم تعد معركة البث الرقمي تدور حول من يملك أكبر مكتبة أو أعلى عدد من المشتركين فحسب، بل حول سؤال أكثر حساسية: كم من الوقت يبقى المشاهد داخل المنصة؟

في هذا السياق، تبدو «نتفليكس»، التي قادت الانقلاب على التلفزيون التقليدي، وكأنها تعيد النظر في بعض المبادئ التي صنعت نجاحها: البساطة، والمشاهدة عند الطلب، والابتعاد عن البث المُبرمج. لقد كشفت «وول ستريت جورنال» عن أن الشركة تبحث إضافة قنوات حية دائمة البث، وحُزَم اشتراك تضم خدمات منافسة مثل «بيكوك»، التابعة لشركة «إن بي سي يونيفيرسال» بعدما تراجعت حصتها من مشاهدة التلفزيون في الولايات المتحدة إلى 7.8 في المائة في أبريل (نيسان)، أدنى مستوى لها منذ مايو (أيار) 2025، وتراجع سهمها بنسبة أكبر من 40 في المائة خلال 12 شهراً.

لكن الصورة ليست صورة أزمة مالية مباشرة؛ ذلك أن «نتفليكس» أعلنت في الربع الأول من 2026 نمواً في الإيرادات بنسبة 16 في المائة، ونمواً في الدخل التشغيلي بنسبة 18 في المائة، مع توقّعات بإيرادات سنوية بين 50.7 و51.7 مليار دولار وهامش تشغيلي تبلغ نسبته 31.5 في المائة. غير أن الشركة نفسها تقرّ، من جهة ثانية، بأن «الترفيه بات ديناميكياً وتنافسياً إلى حد استثنائي»، وأن هدفها هو أن تبقى «الخدمة التي لا غنى عنها»؛ أي المكان الأول الذي يقصده المستخدم والأخير الذي يلغيه.

معركة الوقت

تراجع «الانخراط» لا يعني بالضرورة أن «نتفليكس» تخسر المشتركين الآن، لكنه يعني أن المشاهد بات أكثر استعداداً لتوزيع وقته بين منصّات كثيرة. وبحسب بيانات شركة «نيلسن»، حافظ البث الرقمي في أبريل (نيسان) 2026 على نسبة 47.6 في المائة من إجمالي مشاهدة التلفزيون في الولايات المتحدة، بينما تصدّر «يوتيوب» المشهد بحصة تبلغ 13.4 في المائة من وقت المشاهدة، وحققت منصّة «توبي» التابعة لشركة «فوكس كورب» المدعومة بالإعلانات أعلى حصة لها عند نسبة 2.3 في المائة.

هذه الأرقام تشرح سبب قلق «نتفليكس»؛ فالمنافس لم يعُد فقط «ديزني+» أو «إتش بي أو ماكس»، بل «يوتيوب»، و«تيك توك»، والمنصّات المجانية المدعومة بالإعلانات، والألعاب، و«البودكاست» المرئي. لذلك تقول «نتفليكس» في رسالتها للمساهمين: «ليس كل الساعات متساوية»؛ لأن العنوان الناجح لا يضيف مشاهدة فقط، بل يدفع المستخدم إلى العودة ويقوّي الولاء. وبالفعل، قدّمت الشركة أمثلة على ذلك، بينها وصول الموسم الرابع من مسلسل «بريدجرتون» إلى 94 مليون مشاهدة، وبثّ بطولة العالم للبيسبول (كرة القاعدة) في اليابان الذي جذب 31.4 مليون مشاهد، وأنتج أكبر يوم تسجيلات جديد في السوق اليابانية.

شعار «نتفليكس» (أ.ف.ب)

التلفزيون يعود

غير أن المفارقة اليوم هي أن «نتفليكس» تواجه تراجع المتابعة بالاقتراب من التلفزيون الذي حاربته؛ فالقنوات الحية المقترحة، التي تبث نوعاً معيناً من البرامج أو عناوين مختارة بشكل مستمر، تستعيد فكرة «افتح الشاشة ودعها تعمل»، وهذه الفكرة التي بنت عليها خدمات مجانية مثل «توبي» و«روكو تشانل» نمواً سريعاً. والهدف هنا ليس فقط تقليل حيرة الاختيار لدى المشاهد، بل أيضاً خلق لحظات مشاهدة عابرة وطويلة تصلح للإعلانات.

هذا يفسّر أيضاً توسّع «نتفليكس» في الرياضة والأحداث الحيّة من دون الدخول، حتى الآن، في شراء مواسم كاملة باهظة الثمن؛ إذ بثّت الشركة أكثر من 70 حدثاً حيّاً في الربع الأول، وهي تستكشف، بحسب تقارير، المنافسة على حقوق كأس العالم 2030 و2034.

أما في فرنسا، فقد وفّرت شراكتها مع «تي إف1» نموذجاً عملياً: قنوات مباشرة ومحتوى عند الطلب داخل تطبيق «نتفليكس». وقال رودولف بلمير، الرئيس التنفيذي لـ«تي إف1»، إن أهداف الجمهور المحددة لـ18 شهراً «تحقّقت خلال أقل من ثلاثة أسابيع»، بعدما سجلت «تي إف1 +» رقماً قياسياً بلغ 8.3 مليون مشاهد يومي في 25 يونيو (حزيران) الماضي.

الإعلانات والحُزَم

التحول الأكبر هو أن «نتفليكس» لم تعد تبيع الاشتراك وحده، بل أيضاً تبيع «المتابعة» للمعلنين. وخطتها المدعومة بالإعلانات بسعر 8.99 دولار باتت تمثل نسبة تربو على 60 في المائة من الاشتراكات الجديدة في الدول التي تتوافر فيها. والشركة تتعامل الآن مع أكثر من 4000 معلن، بزيادة 70 في المائة على أساس سنوي، وتتوقّع مضاعفة إيرادات الإعلانات إلى نحو 3 مليارات دولار في سنة 2026.

ولكن، في المقابل، هذا المسار يحمل أخطاره أيضاً؛ إذ كلما ازداد اعتماد «نتفليكس» على البث الحي والحُزَم والإعلانات، اقتربت من نموذج «الكابل» الذي كانت قد وعدت سابقاً بتجاوزه.

يكون ذلك مفيداً للمشاهد إذا خفّض الكلفة ووسّع الخيارات، لكنه قد يعيد أيضاً مشكلة الفوضى: إعلانات أكثر، وواجهات أكثر ازدحاماً، وحُزَم تشبه الاشتراك التلفزيوني القديم بأسماء رقمية جديدة.

السوق كلها تسير في هذا الاتجاه

شركة «فوكس» أعلنت اتفاقاً لشراء «روكو» بقيمة تقارب 22 مليار دولار، في رهان صريح على البث المدعوم بالإعلانات. بينما أعلنت شركة «كومكاست» فصل أعمال الإعلام والترفيه عن أعمال الاتصال لتمنح كل قطاع مرونة أكبر في سوق مضطرب. لذا، لا تبدو «نتفليكس» في موقع الدفاع فقط، بل أيضاً في لحظة إعادة تعريف.

فهي لا تريد أن تكون مجرّد منصّة تعرض أفلاماً ومسلسلات، بل بوابة يومية للترفيه؛ أي: مسلسلات، ورياضة، و«بودكاست»، وفيديو قصير، وقنوات حيّة، وربما خدمات منافسة داخل التطبيق نفسه، على غرار ما دأبت عليه شركات منافسة مثل «أمازون» و«أبل» منذ فترة طويلة. إلّا أن نجاح هذا التحوّل سيتوقّف على معادلة دقيقة تختصر بـ: كيف تزيد الوقت الذي يمضيه المستخدم من دون أن تفقد الوضوح والبساطة اللذين جعلاها أصلاً بديلاً للتلفزيون التقليدي؛ إذ أن التلفزيون لم يمُت؛ بل عاد داخل التطبيق؟

القنوات الحية المقترحة التي تبث نوعاً معيناً من البرامج أو عناوين مختارة بشكل مستمر، تستعيد فكرة «افتح الشاشة ودعها تعمل»


«إدمان المنصات» يُدخل عمالقة التكنولوجيا في مواجهات قانونية

«إدمان المنصات» يُدخل عمالقة التكنولوجيا في مواجهات قانونية
TT

«إدمان المنصات» يُدخل عمالقة التكنولوجيا في مواجهات قانونية

«إدمان المنصات» يُدخل عمالقة التكنولوجيا في مواجهات قانونية

أدخلت اتهامات بالتسبب في «إدمان المنصات» عمالقة التكنولوجيا في مواجهات قانونية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ما عدّه خبراء «اتجاهاً متزايداً قد يدفع نحو تغيير نُظم عمل المنصات». وأكدوا «أهمية التربية الإعلامية باعتبار حماية الأطفال مسؤولية مشتركة».

المفوضية الأوروبية وجّهت، الأسبوع الماضي، ‌اتهامات إلى شركة «ميتا»، مالكة منصات «فيسبوك» و«إنستغرام»، بـ«انتهاك قواعد الاتحاد عبر دفع المستخدمين للبقاء متصلين بالمنصات أطول فترة ممكنة». وطالبت «المفوضية» الشركة بإجراء تعديلات على ميزات مثل «التشغيل التلقائي للمحتوى» و«التمرير اللانهائي»، محذرة من غرامات حال عدم امتثالها للطلبات.

يأتي قرار المفوضية الأوروبية بعد سنتين من التحقيقات بشأن المحتوى الضار على المنصات، وسط تحذيرات من «أضرار نفسية» على الأطفال بسبب ما يسمى «إدمان المنصات».

ووفق بيان للمفوضية الأوروبية، فإن «(ميتا) لم تقيّم مخاطر الإدمان الناجمة عن ميزات مثل التشغيل التلقائي... ومقاطع الفيديو القصيرة قد تسهم في زيادة استخدام منصتَي (فيسبوك) و(إنستغرام)».

وفي سياق متصل، قدمت «ميتا»، وأيضاً شركة «يوتيوب»، استئنافاً، أخيراً، على الحكم الصادر في دعوى قضائية في لوس أنجليس بشأن «إدمان منصات التواصل الاجتماعي»، وطعنت بقرار «هيئة المحلفين» الذي أشار إلى أن المنصات «تعمد إلى إيقاع المستخدمين الشباب في شباك الإدمان دون مراعاة لسلامتهم».

أنس بنضريف، الصحافي المغربي المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه، إن «المنصّات تعتمد على ما يسمى باقتصاد الانتباه... فخدمات المنصات تبدو مجانية، لكن نموذج أعمالها يقوم على جمع بيانات المستخدم وبيع الإعلانات، وكلما بقي وقتاً أطول زادت الأرباح... ولهذا السبب تستخدم التمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي، والإشعارات والخوارزميات الشخصية».

وأضاف بنضريف أن هذا التوجه من جانب المنصات هو السبب في تزايد الدعاوى القانونية التي تواجهها الآن، والتي تتهمها بتصميم منتجات تشجع الاستخدام القهري، خصوصاً لدى الأطفال. وأشار في هذا الصدد إلى الحكم الصادر في الولايات المتحدة ضد «ميتا» و«يوتيوب» بدفع تعويض قدره ستة ملايين دولار، والذي ما زال قيد الاستئناف.

وتابع أن «هذه القضايا قد تؤدي إلى تعويضات وغرامات، لكن الأهم هو إجبار الشركات على تغيير تصميم منصاتها، وحماية بيانات الأطفال، والتحقق من العمر وتقييد الخوارزميات والإشعارات». وهذا قبل أن يوضح أن «بعض الدول بدأت بالفعل اتخاذ إجراءات؛ إذ منعت أستراليا استخدام المنصات لمن هم دون 16 سنة، في حين تتجه فرنسا إلى منعه لمن هم دون 15 سنة».

مع هذا، شدد بنضريف على أن «المواجهة تحتاج أيضاً إلى تربية إعلامية، وحدود زمنية، وإغلاق الإشعارات، ومنع الهاتف أثناء النوم والدراسة؛ لأن المسؤولية مشتركة بين الشركات والدولة والأسرة، وليست مسؤولية الطفل وحده». وللعلم، كانت شركة «ميتا» قد انتقدت قرار المفوضية الأوروبية، وقالت إن «نتائج التحقيقات لا تأخذ في الاعتبار الخطوات التي سبق اتخاذها لحماية المراهقين، ومن بينها تحديد وقت الاستخدام ومنح الآباء قدراً من التحكم في حسابات أبنائهم». وأعلنت بحسب إفادة رسمية «اعتزامها التعاون مع الجهات التنظيمية في الاتحاد الأوروبي».

من جهة ثانية، قال محمد الصاوي، المتخصص المصري في الرصد والتحليل الإعلامي، إنه «لم يعد يُنظر إلى إدمان المنصات الرقمية بوصفه مجرد قضية صحية أو اجتماعية، بل تحول إلى ملف قانوني وتنظيمي متصاعد على مستوى العالم». وأردف في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن «مؤشرات الرصد الإعلامي خلال السنوات الأخيرة تظهر تصاعداً ملحوظاً في حجم التغطيات المرتبطة بالمساءلة القانونية لشركات التكنولوجيا، مع تركيز متزايد على آليات التصميم التي تستهدف إبقاء المستخدم متصلاً لأطول فترة ممكنة عبر خوارزميات التوصية والإشعارات المتكررة وأنظمة التفاعل المستمر».

وعدّ الصاوي ذلك بمنزلة «تحول النقاش من تأثيرات الاستخدام المفرط إلى مسؤولية المنصات نفسها في تشكيل السلوك الرقمي للمستخدمين، لا سيما مع تنامي التساؤلات حول مدى تأثير نماذج الأعمال القائمة على تعظيم التفاعل في ترسيخ أنماط الاستخدام المكثف»، ثم تابع قائلاً إن «الملاحقات الحالية قد تُسهم في إعادة صياغة العلاقة بين المنصات ومستخدميها، من خلال فرض مستويات أعلى من الشفافية حول آليات عمل الخوارزميات، وتعزيز إجراءات حماية الأطفال والمراهقين».

وقد لفت في هذا الصدد إلى أن «العامين الماضيين شهدا اتجاهاً متزايداً من الحكومات نحو تبني سياسات وإجراءات تهدف إلى الحد من التعرض المفرط للمنصات الرقمية لدى القُصّر، عبر تشديد متطلبات التحقق من العمر، وتعزيز أدوات الرقابة الأبوية، وفرض قيود على بعض الخصائص التي تشجع الاستخدام المطول...».

أيضاً شدّد الصاوي على أن «خطورة هذه القضية تكمن في أن تأثير المنصات الرقمية لا يقتصر على استهلاك الوقت أو تشتيت الانتباه، بل يمتد إلى قدرتها المتزايدة على تشكيل اهتمامات المستخدمين، وتوجيه أنماط استهلاكهم للمحتوى، خصوصاً لدى الأطفال والمراهقين الذين لا تزال قدراتهم على التقييم النقدي واتخاذ القرار قيد التطور».

ولفت إلى «تزايد المخاوف من أن تؤدي الخوارزميات القائمة على تعظيم التفاعل إلى دفع بعض الفئات العمرية تدريجياً نحو محتويات أو سلوكيات أكثر خطورة، أو إلى زيادة قابلية التأثر بالمضامين التي تعيد تشكيل القيم والاتجاهات والسلوكيات».

وأضاف: «في مواجهة هذه التحديات، يبرز مفهوم (التصميم المسؤول) كأحد أهم الاتجاهات المستقبلية في صناعة المنصات الرقمية؛ إذ يجري تطوير الخدمات بما يحقق توازناً بين تعزيز التفاعل وحماية المستخدم، من خلال أدوات إدارة وقت الاستخدام، وتقليل الإشعارات غير الضرورية، ومنح المستخدمين مستوى أعلى من التحكم في المحتوى وآليات التوصية».


«ريديت»... صعود ظاهرة راهن الجميع على تجاهلها

شعار "ريديت" (آ ف ب)
شعار "ريديت" (آ ف ب)
TT

«ريديت»... صعود ظاهرة راهن الجميع على تجاهلها

شعار "ريديت" (آ ف ب)
شعار "ريديت" (آ ف ب)

حين كان يذكر الفرنسيون شبكاتهم الاجتماعية، نادراً ما كان اسم «ريديت» يقفز إلى الألسنة. إذ ظلّت المنصة الأميركية، لسنواتٍ طويلة، حبيسة صورة نمطية أسهمت في تهميشها، كملجأ لعشّاق البرمجة والألعاب من الشباب المهووسين بالتقنية فقط.

أما اليوم، فقد انقلبت الصورة رأساً على عقب، وصارت المنصة التي وُلدت على الهامش من أكثر المنصّات الرقمية حيوية. وتحوّلت من فضاء يمثل «ثقافةً فرعية هامشية» يُنظر إليها بعين الريبة، إلى فضاءٍ إعلاميّ محترَم تقصده العلامات التجارية وتراقبه غرف التحرير. وبالفعل، تختصر هذا الانقلاب أرقامٌ متصاعدة، وموجة إقبالٍ فرنسية استثنائية تستحقّ التوقّف عندها.

من الظلّ إلى الواجهة

بدأت القصّة عام 2005، حين أطلق شابّان أميركيان من خرّيجي جامعة فيرجينيا، هما ستيف هفمان وأليكسيس أوهانيان - الذي هو بالمناسبة زوج نجمة كرة المضرب العالمية فانيسا وليامز -، موقعاً متواضعاً لتبادل الروابط والنقاشات التقنية برعاية حاضنة «واي كومبيناتور».

من تلك البذرة نشأت شبكةٌ واسعة من المجتمعات المصغّرة المعروفة بـ«الساب- ريديت»، لكلٍّ منها موضوعه وقواعده الخاصة، ويتولّى إدارتها متطوّعون. أما ترتيب ظهور المشاركات، فهو يجري وفق نظام تصويتٍ يرفع الجيّد ويطمر الرديء. وحتى اليوم ظل نشاط المنصة يعتمد على عمل آلاف المشرفين المتطوّعين؛ وهؤلاء يراجعون التعليقات ويحرصون على مناخ الثقة داخل مجتمعاتهم، في نموذجٍ يستند إلى المشاركة لا إلى رقابةٍ مركزية تُملَى من فوق.

هذه البنية التي لطالما عُدَّت عبئاً يبطئ انتشار الموقع بين عامّة الناس، باتت اليوم سرّ قوّته. وبعد سنواتٍ أرهقت فيها المنصّات الكبرى مستخدميها بخوارزمياتها ومحتواها المصقول حتى فقدَ عفويته، عاد الناس يبحثون عمّا افتقدوه: أي مكان للحوار المتأنّي، ولطلب النصيحة، ومقارنة تجارب حقيقية نابعة من أفراد صادقين بعيداً عن المنصّات الأخرى ومنطقها الربحي. وفي هذا المفترق وجد موقع «ريديت» موضعه الطبيعي، بعدما كانت عزلته النسبية تُحسب عليه لا له.

الأرقام المذهلة لتطور «ريديت»

لأخذ فكرة عن هذا النجاح، نشير إلى أنه مع مطلع 2025 تخطّت منصّة موقع «ريديت» عتبة المليار ومائة مليون مستخدمٍ شهرياً، ونحو مائةٍ وثمانية ملايين مستخدمٍ يومياً، حتى باتت - حسب منصّة «سيمراش» لتحليل المواقع سادس أكثر مواقع العالم زيارة، سابقة موقع «ويكيبيديا» نفسه.

وتؤكّد أرقام الشركة هذا النضج بوضوح. فقد دخلت بورصة «وول ستريت» قبل سنتين وحقّقت أرباحها الأولى. ثم جاءت نتائج الربع الأول من 2026 لتؤكّد قوّتها؛ إذ بلغت إيراداتها 663 مليون دولار، بزيادة 69 في المائة عن السنة السابقة، منها 625 مليوناً من الإعلانات وحدها.

كذلك حقّق الموقع ربحاً صافياً بلغ 204 ملايين دولار بعد سنوات من الخسائر. ولم يكن هذا نجاحاً عابراً، بل كان امتداداً لسبعة فصولٍ متتالية تجاوز فيها نموّه 60 في المائة. وهنا، يلخّص ستيف هفمان، المؤسّس والرئيس التنفيذي للموقع، هذه المفارقة بقوله: «لا وجود لذكاءٍ اصطناعي من دون ذكاءٍ حقيقي؛ فالمعرفة لا بدّ أن تأتي من مكانٍ ما، و(ريديت) أحد أهمّ مصادرها». ومن ثم، وصف هفمان منصّة موقعه بأنّها «المكان الأكثر إنسانيةً على الإنترنت»، مشدداً على أنّ ما يمنحها قيمتها في زمن المحتوى المصطنع هو بالضبط كونها فضاءً «يتحدّث فيه الناس إلى الناس عمّا يعنيهم حقّاً».

ستيف هفمان (غيتي)

رسالة يقرأها المعلنون

خلف هذه الأرقام، بلا شك، تكمن رسالةٌ يقرأها المعلنون جيداً. فبيئة «ريديت»، بما تنطوي عليه من مجتمعاتٍ دقيقة التخصّص، تتيح الوصول إلى المستخدم المهتمّ فعلاً بالموضوع، لا إلى جمهورٍ عام. ذلك أن الشركات ما عادت تبحث عن الانتشار الواسع وحده، بل أيضاً عن أماكن يندمج فيها الإعلان مع الحوار، فلا يبدو غريباً أو مُقحماً. بل وذهبت «ريديت» أبعد من ذلك، فصارت تبيع أرشيفها النصّي الهائل عبر عقود ترخيصٍ تُغذّي بها أنظمة الذكاء الاصطناعي، وفي طليعة زبائنها «غوغل» و«أوبن إيه آي».

صعود لافت في فرنسا

إلا أن المشهد الفرنسي يبقى أشدّ الفصول إثارة. فبيانات مؤسّسة «ميدياميتري» تضع «ريديت»، لأول مرّة، ضمن أكبر عشر منصّاتٍ اجتماعية في البلاد خلال 2025، بـ12.8 مليون زائرٍ شهرياً، ونموٍّ نسبته اثنين وسبعين في المائة في اثني عشر شهراً، وجمهورٍ تضاعف خمس مرّات خلال خمس سنوات. وبالفعل، صارت «ريديت» فرنسا ساحةً عامة تُطرح فيها شؤون السياسة والمجتمع والعمل والسكن والمال، تغذّيها مجتمعاتٌ قائمة على تبادل النقاش وعرض التجارب اليومية بصراحةٍ قلّ نظيرها في المواقع الأخرى.

وراء هذا الصعود المتميز ثلاثة أسباب: السبب الأول خطوةٌ تقنية ذكية، وهي إطلاق ترجمةٍ آلية فورية تنقل محتوى الموقع كاملاً إلى الفرنسية باستخدام أدوات الترجمة الحديثة، فباتت نقاشاته تظهر في نتائج «غوغل» بالفرنسية. وهكذا صار كثيرون من المستخدمين يصلون إلى الموقع من دون أن ينتبهوا إلى أنّهم يتصفّحون «ريديت».

وثاني سبب هو الحملةٌ الدعائية الواسعة والجريئة التي قامت بها المنصة في شوارع أكبر المدن الفرنسية كباريس، وليون، ومرسيليا وليل، وكان شعارها «بين الغرباء، نستطيع أن نتبادل أطراف الحديث». ولقد لفتت هذه الحملة الواسعة انتباه الفرنسيين إلى هذه المنصّة التي لطالما تجاهلوها.

أمّا السبب الثالث، ولعلّه الأعمق أثراً، فيعود إلى تراجع منافسٍ عريق هو منصّة «إكس»، التي فقدت نحو ستة عشر في المائة من زوّارها في فرنسا خلال سنة واحدة، وهذا بعد استحواذ إيلون ماسك عليها. إذ بلغت أدنى مستوياتها منذ بدء القياس عام 2017. وفي الفراغ الذي خلّفه هذا الانحسار تسلّلت «ريديت» ملتقطة حصّةً من جمهور النقاش العام وتبادل الأخبار.

ولكن، بجانب ما سبق ذكره، يعزو فنسان دوبوا، المسؤول عن «ريديت» في فرنسا، هذا النجاح إلى طبيعة الفرنسيين أنفسهم، قائلاً: «يعشق الفرنسيون النقاش بشغف؛ وهو ما ينعكس في الشعبية المتنامية للموقع. وهدفنا أن نرعى مجتمعاتٍ يتحاور فيها الناس حول ما يهمّهم، ويطلبون النصيحة من غيرهم، ويتعلّمون مهارةً جديدة، أو يجدون فسحةً للترفيه فحسب».

مصدر غني بالمعلومات

والواقع أن ما يزيد من قيمة «ريديت» أنّه غدا، في نظر الإعلاميين، أكثر من مجرّد ظاهرةٍ عابرة في نموّ؛ بل صار أداة عملٍ حقيقية. فهو من جهةٍ مصدر غني بالمعلومات بفضل النقاشات والشهادات التي أصبحت مادّةً خاماً قوية للمقالات والتحقيقات والتحليلات. ومن جهةٍ أخرى، مقياسٌ لنبض الواقع؛ إذ يكشف عما تتداوله مجتمعاته وما تتعرّض له من هواجس وانشغالات قد تتأخّر وسائل الإعلام التقليدية في التقاطها. ولكن، لعل أهم عناصر قوة «ريديت» اليوم «الصدقية» التي يتمتع بها، ذلك أن الظهور في الموقع لا تحكمه الخوارزمية وحدها، بل عبر تقييم وتصويت المستخدمين، حيث تكتسب المشاركة قيمتها بجدارةٍ لا بواسطة الدفع أو الدعاية.

زمن الثقة... لا الصخب

ختاماً، لم يبلغ موقع «ريديت» هذه المكانة بتقليده الإعلام التقليدي، بل لأنّه لبّى حاجةً دفينة لدى جمهورٍ سئم الشبكات الصاخبة، التي تروّج للاصطناع والتكلّف. فهو يمنح المعلنين وعداً عزيز المنال... هو مخاطبة جماعاتٍ متفاعلة من غير أن تبتلعها ضوضاء العالم الافتراضي. وأيضاً، يعيد إلى المستخدمين شيئاً من متعة الحوار المتمهّل المتخصّص، الذي يكون أصدق أحياناً من ثرثرة المنصّات المهيمنة، حيث تُوزن الكلمة بجودتها لا بسرعة رواجها.

بيئة «ريديت»، بما تنطوي عليه من مجتمعاتٍ دقيقة التخصّص، تتيح الوصول إلى المستخدم المهتمّ فعلاً بالموضوع، لا إلى جمهورٍ عام