كيف تُساهم التقنيات الخضراء في الحفاظ على الكوكب؟

سفينة تعبر محطة لتوليد الطاقة من حركة الرياح  في شمال بريطانيا (رويترز)
سفينة تعبر محطة لتوليد الطاقة من حركة الرياح في شمال بريطانيا (رويترز)
TT

كيف تُساهم التقنيات الخضراء في الحفاظ على الكوكب؟

سفينة تعبر محطة لتوليد الطاقة من حركة الرياح  في شمال بريطانيا (رويترز)
سفينة تعبر محطة لتوليد الطاقة من حركة الرياح في شمال بريطانيا (رويترز)

في ظل التحديات البيئية التي تواجه كوكبنا، بات من الضروري البحث عن حلول مبتكرة للحفاظ على البيئة وتحقيق الاستدامة. وتلعب التقنيات الخضراء دوراً مهماً في تقليل الأثر البيئي للأنشطة البشرية، فتساهم في الحدّ من انبعاثات الكربون واستهلاك الموارد الطبيعية، وتعزز فرص البقاء من خلال زيادة إنتاج الغذاء وتوفير المياه، وتحفظ التنوُّع الحيوي والموائل الطبيعية.

مواجهة تغيُّر المناخ وتعزيز كفاءة الطاقة

تعزز التقنيات الخضراء، المدفوعة بالتقدم في العلوم والهندسة، كفاءة استخدام الطاقة والموارد الطبيعية عامةً. ومن أبرز الأمثلة استخدام مصادر الطاقة المتجددة، حيث تمثّل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة الحرارة الأرضية الجوفية، بديلاً نظيفاً ومستداماً يخفّض انبعاثات غازات الدفيئة. كما تلعب تدابير الكفاءة دوراً حاسماً في تقليل استهلاك الطاقة والآثار البيئية المرتبطة به. فمن خلال عزل المباني، واستخدام الأجهزة الموفّرة، وتحسين العمليات الصناعية، يمكننا تقليل استهلاك الطاقة بشكل كبير. وهذا لا يحافظ على الموارد فحسب، بل يخفض التكاليف أيضاً ويساهم في التخفيف من آثار تغيُّر المناخ.

في مجال النقل، تُنتج السيارات الكهربائية انبعاثات صفرية من العوادم، ما يقلل بشكل كبير مساهمتها في تلوُّث الهواء وانبعاثات غازات الدفيئة. ومع استمرار تحسُّن تكنولوجيا السيارات الكهربائية وانخفاض تكاليفها، سيصبح اعتمادها على نطاق واسع ثورة في مجال النقل تساهم في الوصول إلى هواء أنظف وكوكب أكثر صحة.

وتعمل شبكات الكهرباء الذكية، المدعومة بأجهزة استشعار وتقنيات اتصالات متقدمة، على تحسين توصيل الكهرباء وزيادة فاعلية التوزيع. ومن خلال دمج مصادر الطاقة المتجددة وتمكين إدارة جانب الطلب، يمكن لشبكات الكهرباء الذكية أن تعزز الكفاءة الإجمالية للطاقة، ما يقلل من الأثر البيئي والتكاليف.

وتقدم تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه نهجاً واعداً لمعالجة الانبعاثات الناجمة عن الصناعات، حيث تقوم بالتقاط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من محطات الطاقة والمصادر الصناعية الأخرى، ما يمنع انطلاقها في الغلاف الجوي. ويتم بعد ذلك تخزين الكربون المحتجز تحت الأرض أو في المحيطات، ما يؤدي إلى إزالته من دورة الكربون العالمية.

ويمكن للممارسات الزراعية المستدامة، مثل الزراعة العضوية وتناوب المحاصيل، أن تقلل بشكل كبير من انبعاثات غازات الدفيئة من القطاع الزراعي. ومن خلال تقليل استخدام الأسمدة الاصطناعية والمبيدات الحشرية، تعمل ممارسات الزراعة العضوية على تعزيز صحة التربة وتقليل الاعتماد على أساليب الإنتاج المستهلِكة للطاقة. كما تلعب جهود الحفاظ على الغابات وإعادة التشجير دوراً حاسماً في التخفيف من تغيُّر المناخ، حيث تعمل الغابات كمصارف طبيعية للكربون، بامتصاصه من الغلاف الجوي، وبالتالي إبطاء وتيرة تغيُّر المناخ.

وتمتد إمكانات التكنولوجيات الخضراء إلى ما هو أبعد من هذه الأمثلة، إذ يُثبِت الذكاء الاصطناعي جدواه في تحسين إنتاج الطاقة المتجددة، وتعزيز كفاءة الطاقة، وتطوير طُرُق جديدة لاحتجاز الكربون وتخزينه. ويمكن أن تضمن الحوسبة السحابية وإدارة البيانات بتقنية «البلوك تشين» الشفافية وإمكانية التتبع في تجارة الكربون والمبادرات البيئية الأخرى.

توفير الماء والغذاء

يتجاوز دور التقنيات الخضراء الناشئة مسألة خفض الانبعاثات المرتبطة بالقطاع الزراعي إلى مواجهة متطلبات الزيادة المطردة في عدد سكان العالم، من خلال توفير المياه الموثوقة وزيادة إنتاج الغذاء. وتتطلب مواجهة ندرة المياه، وهي تهديد يطول كثيراً من المجتمعات حول العالم، أساليب مبتكرة للحفاظ على الموارد وإدارتها بشكل فعال. وتوفّر التقنيات الخضراء عدداً كبيراً من الخيارات لمواجهة هذا التحدي بشكل مباشر، مثل أنظمة الري الدقيقة، كالري بالتنقيط وأنظمة الرش، التي توصل المياه مباشرة إلى جذر النبات، إلى جانب الأجهزة الموفِّرة للمياه وتدوير مياه الصرف وحصاد مياه الأمطار، بينما تؤدي طرق الري التقليدية إلى فقدان مياه كبيرة بسبب التبخُّر والتوزيع غير الفعال.

ويمكن لاستبدال الأجهزة التقليدية بنظيراتها الموفّرة للمياه تقليل استهلاك المياه المنزلية بشكل كبير. وعلى سبيل المثال، تُعدّ تجهيزات المرافق الصحية ذات التدفق المنخفض والغسّالات الموفرة للمياه أدوات بسيطة ولكنها فعّالة في الحفاظ على المياه في الأعمال الروتينية اليومية. وتتيح تقنيات معالجة مياه الصرف الصحي إعادة استخدامها لأغراض الري والعمليات الصناعية، ما يقلل الاعتماد على مصادر المياه العذبة ويعزز اقتصاد المياه الدائري.

وتحمل الممارسات الزراعية المستدامة، التي تدعمها التقنيات الخضراء، المفتاح لتحسين غلّات المحاصيل، والحدّ من فقدان الغذاء، وضمان الأمن الغذائي لعدد متزايد من السكان. فالزراعة الدقيقة مثلاً تستفيد من أجهزة الاستشعار والطائرات المسيّرة وتحليل البيانات لتحسين استخدام الموارد، وتخصيص تطبيقات الأسمدة والري لتناسب احتياجات المحاصيل المحددة. ويعمل هذا النهج المبني على البيانات على تقليل النفايات وتعزيز الإنتاجية وتقليل التأثير البيئي.

وتعمل تقنيات الزراعة العمودية على زيادة كفاءة استخدام الأراضي إلى أقصى حدّ وزيادة الإنتاجية، خاصة في المناطق الحضرية ذات المساحة المحدودة. ويمثّل هذا النهج المبتكر ثورة في إنتاج الغذاء، ما يتيح زراعة مزيد من المحاصيل في مساحة أصغر. ولا يقتصر دور التقنيات الخضراء على إنتاج الغذاء وزيادته، بل يمتد إلى حفظه ونقله أيضاً. فتقنيات حفظ الأغذية المتقدمة، من التغليف إلى إدارة سلسلة التبريد، تساعد في إطالة العمر الافتراضي للمنتجات، ما يقلل من فقد الأغذية وهدرها. وتضمن هذه التكنولوجيا وصول الغذاء إلى المستهلكين طازجة وصالحة للأكل، ما يقلل من ندرة الغذاء.

ويتطوّر عالم التقنيات الخضراء باستمرار، مع ظهور ابتكارات جديدة لمواجهة تحديات المياه والأمن الغذائي بدقّة وكفاءة أكبر. ومن بين هذه الابتكارات أجهزة الاستشعار النانوية، التي تستطيع اكتشاف ملوّثات المياه عند مستويات منخفضة للغاية، ما يتيح الكشف المبكر عن التلوُّث ومعالجته. كما يمكن لتطوير تقنيات جديدة للتناضح العكسي، أكثر كفاءة مع مخلَّفات أقل، توسيع نطاق تحلية مياه البحر إلى مياه صالحة للشرب، مع تخفيض التكاليف.

وتجمع الزراعات المائية النباتية الحيوانية (أكوابونيكس) بين تربية الأحياء المائية والزراعة المائية، وزراعة النباتات في المياه الغنية بالمغذيات من خزانات الأسماك، ما يخلق نظام إنتاج غذائي مستداماً وفعالاً يقلل من استهلاك المياه ويزيد فاعلية استخدام الموارد.

وتعمل تقنيات الإغناء الحيوي (بيوفورتيفيكيشن) على إثراء المحاصيل بالمغذيات الدقيقة الأساسية، مثل الحديد والزنك، ما يحسّن القيمة الغذائية للأغذية ومكافحة سوء التغذية. وتعالج هذه التكنولوجيا الجوع الخفي، ما يضمن أن الغذاء يوفّر العناصر الغذائية الضرورية للصحة والنمو الأمثل.

تلعب التقنيات الخضراء دوراً متزايد الأهمية في الحفاظ على الموائل البرية والتنوُّع البيولوجي.

الحفاظ على الأنواع الحيّة والموائل

تلعب التقنيات الخضراء دوراً متزايد الأهمية في الحفاظ على الموائل البرية والتنوُّع البيولوجي. ومن خلال توفير حلول مبتكرة، يمكن لهذه التقنيات أن تساعد في حماية النظم البيئية الطبيعية واستعادة مكوِّناتها، وتعزيز التنوُّع البيولوجي بشكل عام. وتوفّر التقنيات الخضراء مجموعة من الأدوات لحماية الموائل البرية من التهديدات المختلفة، بما في ذلك إزالة الغابات والتلوُّث وتغيُّر المناخ. وعلى سبيل المثال، تتيح صور الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة وشبكات الاستشعار المراقبة المستمرة لمساحات شاسعة من الأرض، ما يوفّر بيانات قيّمة عن حالة الموائل وأنماط إزالة الغابات ومجموعات الحياة البرية.

ويمكن لتقنيات إكثار النباتات المتقدمة، مثل البذر الجوي والزراعة بمساعدة الطائرات المسيّرة، تسريع عملية استعادة الغابات والأراضي العشبية والأراضي الرطبة. وتدعم المعالجة البيولوجية والمعالجة النباتية تنظيف الأراضي والمياه الملوَّثة بشكل فعال، واستعادة جودة الموائل وحماية الحياة البرية من الملوِّثات الضارة.

وتثبت التقنيات الخضراء جدواها في تتبع ورصد وحماية الأنواع المهددة بالانقراض، والمساهمة في الحفاظ عليها وتعافيها. وتساعد أطواق نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) والعلامات الصوتية والعلامات الجينية الباحثين في تتبع تحركات الحيوانات المهددة بالانقراض، ما يوفّر نظرة ثاقبة لسلوكها ومتطلبات موائلها وديناميكيات أفرادها.

ويساعد الاستشعار عن بُعد وكاميرات المراقبة وأنظمة الكشف الصوتي في ردع أنشطة الصيد غير المشروع وحماية الأنواع المهددة بالانقراض من الصيد والتجارة غير الشرعيين. ويمكن لتقنيات التربية في الأسْر، وتقنيات الإنجاب المساعدة، ونمذجة ملاءمة الموائل أن تدعم زيادة أعداد الأنواع المهددة بالانقراض، ما يتيح إعادة إدخالها إلى المجموعات البرية. كما تساهم التقنيات الخضراء في تعزيز التنوُّع البيولوجي، من خلال تعزيز ممارسات الاستخدام المستدام للأراضي، واستعادة الاتصال البيئي، والحفاظ على التنوُّع الجيني.

مع استمرار تطوُّر التقنيات الخضراء وانخفاض تكاليفها، سيصبح اعتمادها على نطاق واسع ممكناً على نحو متزايد، ما يمهد الطريق لمستقبل أكثر استدامة. ومن خلال تبني الابتكارات الناشئة، يمكننا تخفيف آثار تغيُّر المناخ، والتصدي لتحديات ندرة الماء وقلة الغذاء، وضمان محيط حيوي غني ومتنوِّع للأجيال القادمة.


مقالات ذات صلة

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بيئة بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

قال ‌باحثون إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة» قد تؤدي إلى ما يصل لـ451 ألف حالة وفاة خلال ستة أشهر.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
يوميات الشرق تحت عنوان «الأرض وأهلها» ينطلق «ريف السينمائي» من بلدة القبيات (الجهة المنظّمة)

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يقيم المهرجان، بالتوازي مع عروضه السينمائية، ندوة حول حماية أنهر عكّار...

فيفيان حداد (بيروت)
تكنولوجيا المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض

الذكاء الاصطناعي يستهلك الطاقة… فهل يستطيع أن يوفرها؟

علاقة مزدوجة بين الخوارزميات والطاقة تضع الاستدامة أمام اختبار جديد

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
يوميات الشرق مخطط يوضح حدود المحمية (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

محمية «الإمام عبد الرحمن بن فيصل»... تنوّع طبيعي يجمع جبال طويق والكثبان والأودية

لا يؤثر تأسيس المحمية في الملكيات القائمة ولا يتضمن الإعلان نزع ملكية أراضٍ أو عقارات.

غازي الحارثي (الرياض)
علوم قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

ألواح الفلين والزجاج تضفي لمسة جمالية وملمساً مميزاً يكمل مظهر الجدران المطبوعة في قرية طلابية بالدنمارك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
TT

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)

يُسوَّق البلاستيك على أنه مادة رخيصة الثمن، وهو كذلك بالفعل عند البيع؛ غير أن السعر المدوّن على زجاجة المياه أو وعاء الوجبة الجاهزة لا يعكس سوى جزء ضئيل جداً من التكلفة الحقيقية التي تتكبدها الدول بسببه. إذ تظهر الفاتورة الحقيقية لاحقاً، متمثلةً في الأعباء التي تقع على عاتق الميزانية العامة والمناطق الساحلية والمنظومة الصحية. فالبلاستيك يكلّف العالم تريليونات الدولارات سنوياً، ومع تزايد النهم العالمي لاستخدامه، ستتفاقم هذه التكلفة أيضاً.

ويكشف تقرير جديد صادر عن منظمة «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» تحت عنوان «الثمن الخفي للبلاستيك»، أن التلوث البلاستيكي يكلّف مصر والمغرب وتونس مجتمعين ما بين 1.7 و5.5 مليار دولار أميركي سنوياً نتيجة الأضرار التي يلحقها بالنظم البيئية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، محذّراً من أن استمرار التقاعس عن مواجهة الأزمة قد يرفع من مقدار هذه الفاتورة لتصل إلى ما بين 30 و98 مليار دولار بحلول عام 2040.

وبيّن التقرير أن التلوث بالبلاستيك في كل من مصر والمغرب وتونس أصبح أحد أبرز الضغوط البيئية والاقتصادية في الوقت الحالي، إذ تتجاوز تداعياته الشواطئ المليئة بالنفايات لتطول ميزانيات الدول، وسبل العيش في المناطق الساحلية، والصحة العامة. وتشترك هذه الدول الثلاث في بحر يستقبل ما يقدر بـ229 ألف طن من البلاستيك سنوياً، ويحتوي بالفعل على أكثر من مليون طن في قاعه. كما أنها تقع في منطقة تولد أكثر من 155 مليون طن من النفايات سنوياً - ثلثاها لا تتم إدارته بشكل سليم - ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الحجم تقريباً بحلول عام 2050.

وبما أنّ خفض هذه التكلفة يتطلب تحركاً على المستويين الدولي والوطني، طرح التقرير مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى الوطني في كل من الدول الثلاث.

قالت فرح الحطّاب، المسؤولة الأولى عن حملات البلاستيك في «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»: «إن التلوّث البلاستيكي لم يعد مجرد مشكلة مرتبطة بإدارة النفايات، بل أصبحت له تكلفة تمتد إلى الاقتصاد والصحة والبيئة. وتتحمل الحكومات والبلديات والمجتمعات الساحلية والمواطنون جزءاً من هذه التكلفة، فيما تزداد الأعباء كلما استمر إنتاج البلاستيك واستخدامه وتسربه إلى البيئة».

التلوث البيئي يحاصر كثيراً من الدول (رويترز)

وأضافت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تشمل الفاتورة تكلفة جمع النفايات ومعالجتها وتنظيف الشواطئ، إضافة إلى الخسائر التي تتكبدها قطاعات تعتمد على البيئة البحرية، مثل السياحة والصيد».

وتابعت: «لا تقتصر المخاطر على النفايات البلاستيكية نفسها. فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أو التي قد تتسرب منه ترتبط، وفق دراسات علمية، باضطرابات هرمونية وتأثيرات على الجهاز التناسلي والمناعي والتنفسّي. كما يمكن أن يدخل الميكروبلاستيك إلى الجسم عبر الغذاء والماء والهواء، ولا تزال آثاره الصحية على المدى الطويل قيد الدراسة. وهذا يعني أن التكلفة قد تمتد أيضاً إلى تكاليف الرعاية الصحية».

واستطردت أن البحر والكائنات البحرية يدفع ثمناً كبيراً أيضاً. فقد يؤدي ابتلاع البلاستيك أو التشابك به إلى إصابة الكائنات البحرية أو نفوقها، بينما يمكن للميكروبلاستيك أن يؤثر في التغذية والنمو والتكاثر لدى بعض الكائنات، وأن ينتقل عبر السلاسل الغذائية.

ووفق التقرير، تتفاوت التكلفة بين البلدان: ففي مصر، تتراوح بين 740 مليون دولار و3.1 مليار دولار سنوياً، بينما تُقدّر في المغرب بنحو 1.2 مليار دولار، وفي تونس بنحو 400 مليون دولار. وهذه التقديرات تركز على الأضرار الاقتصادية التي تلحق بالنظم البيئية البحرية، ولا تشمل كامل التكاليف المرتبطة بالتلوّث البلاستيكي.

ويكشف التقرير أيضاً عن تفاوت مهم في واقع البلدان الثلاثة. ففي مصر، يأتي ارتفاع التكلفة في سياق مستويات مرتفعة من التلوّث البلاستيكي في البحر المتوسط، فيما تُظهر حالة المغرب أن السياسات العامة يمكن أن تحدّ من بعض أشكال استخدام البلاستيك، كما حدث مع الأكياس البلاستيكية. أما في تونس، فيشير التقرير إلى أن خفض استخدام البلاستيك يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية وبيئية.

وتأتي أهمية التقرير في توقيت حاسم لمسار المعاهدة العالمية للبلاستيك. فقد صدر قبيل اجتماع رؤساء الوفود الذي عُقد في بانكوك بين 27 و30 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة ممثلين عن مصر والمغرب وتونس، وقبل الجولة الرسمية المقبلة من المفاوضات في مارس (آذار) 2027. وبالتالي، يقدّم التقرير دليلاً على أن تكلفة أزمة البلاستيك ليست بيئية وصحية فقط، بل اقتصادية أيضاً، وأن استمرار الاتجاه الحالي سيجعل تكلفة عدم التحرّك أعلى.

الشواطئ المصرية مليئة بالألعاب البلاستيكية (EPA)

قال الدكتور محمد عطية، أول باحث مصري ينضم للوكالة الأميركية لحماية البيئة، ويشغل حالياً منصب مستشار الخدمات البيئية والهندسية بشركة أيكوم: «إن البلاستيك رخيص الثمن عند الشراء، لكن تكلفته الحقيقية تظهر في المراحل التالية للشراء، في عمليات جمع وإدارة المخلفات، وعمليات التنظيف المطلوبة للتخلص منه، والتأثير على البيئة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام الواردة بالتقرير تمثل تقديراً اقتصادياً لجزء من الضرر، وتحديداً ذلك الجزء المرتبط بتسرب البلاستيك إلى البيئة البحرية، وهو بالطبع لا يمثل التكلفة كاملة».

ووفق تقرير «غرينبيس» لا تشمل هذه الأرقام التكاليف المباشرة التي تتكبدها قطاعات السياحة، ومصايد الأسماك، والشحن البحري، أو التكاليف المتعلقة بصحة الإنسان؛ إذ لا يتضمن الرقم حالات دخول المستشفيات، أو أيام الصيد الضائعة، أو فواتير البلديات غير المسددة، كما أن جميع الافتراضات المستخدمة في إعداده وُضعت بحيث تُبقي التقديرات عند حدّها الأدنى، لا الأعلى. والجدير بالذكر أن القطاعات المستبعدة ليست ضئيلة؛ وتُضاف أي خسائر تلحق بهذه القطاعات بسبب التلوث بالبلاستيك إلى الأرقام المذكورة في التقرير.

وعلّق عطية بأن الحل هو مزيج من تقليل الاستخدامات غير الضرورية، مع زيادة معدلات إعادة الاستخدام، وتصميم منتجات أسهل في التدوير، وتحسين منظومة الجمع والاسترداد. محذراً من أن أي بديل مقترح لا بد أن يجري تقييمه على دورة حياته كاملة، فليس كل بديل «أخضر» يكون بالضرورة أفضل في كل الاستخدامات.

وأوصى عطية بتحليل لدورة حياة البلاستيك بشكل كامل، بما يضمن الاطلاع على كافة التفاصيل، وليس التركيز على المنتج النهائي فقط، مثل أنواع الكيماويات الداخلة في التصنيع ومعرفة حجم التأثير البيئي للمنتج.

ويعلق عطية على النتائج التقرير بقوله إن حجم التسرب هو أكبر نقطة ضغط في مصر، حيث يصل جزء كبير من المنتجات البلاستيكية إلى البحر المتوسط عبر نهر النيل، موصياً بتحسين عمليات جمع المخلفات البلاستيكية.

وأضاف أنه على الرغم من أن لدى المغرب بنية تحتية جيدة وخطط قائمة بالفعل، لكن التقرير يوضح وجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ الفعلي على الأرض، مع وجود ضغوط مالية كبيرة على البلديات. وفي تونس هناك قطاع للجمع والتدوير، ولكن جزءاً كبيراً من قدرة التدوير غير مستغل، مع وجود مشكلة واضحة في نموذج التمويل، وليس مجرد نقص التكنولوجيا.

وأوضح أن التقرير يبرز بشكل واضح أن مشكلة مخلفات البلاستيك في هذه الدول الثلاث ليست في الاستخدام فقط، لكنها أيضاً في نظم الإدارة والتمويل.

من جانبها، شدّدت الحطّاب على أن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الصعيد الدولي، هو معاهدة عالمية قوية تغيّر هذه المعادلة، من خلال الحد من البلاستيك غير الضروري من المصدر، وإلزام المنتجين بتحمّل مسؤولية ما يطرحونه في الأسواق، وتوفير آليات مالية قوية، بما يضمن ألّا تُترك دول منطقتنا وحدها في مواجهة تدفق متزايد من النفايات.


دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.


ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال باحثون في مختبر تأثيرات المناخ، التابع لجامعة شيكاغو، اليوم الأربعاء، إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة»، هذا العام، قد تؤدي إلى ما يصل إلى 451 ألف حالة وفاة إضافية حول العالم، خلال ستة أشهر حتى فبراير (شباط) 2027.

وذكر المختبر، في تقرير، أنه من المرجح ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة بنسبة 44 في المائة، مقارنة بالسنوات العادية، وقال إن الدول التي مِن المرجح أن تعاني أكبر عدد من الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة، في الفترة من سبتمبر (أيلول) 2026 إلى فبراير 2027 هي نيجيريا بواقع 31400 وفاة، تليها إندونيسيا بنحو 19300وفاة، ثم السودان بواقع 17600 وفاة.

تؤدي «النينيو» إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

ومن المرجح أن تتسبب موجة الحر في منطقة الساحل الأفريقي، التي تضم النيجر وتشاد بالإضافة إلى نيجيريا والسودان، في 66800 وفاة إضافية، خلال فترة الأشهر الستة.

ويتوقع الباحثون أن تشهد الفلبين وفيتنام وتايلاند وكمبوديا مجتمعةً 19400 وفاة إضافية.

وقد يرتفع عدد الوفيات الزائدة أكثر من ذلك إذا امتدت ظاهرة «النينيو» إلى عام 2027، حيث ستكون المناطق الرئيسية في نصف الكرة الشمالي، ومِن بينها الهند وباكستان، معرَّضة جداً للخطر خلال شهور الصيف.

ووصف المختبر ظاهرة النينيو، هذا العام، بأنها «رسالة من المستقبل» تُبلّغنا بدرجات الحرارة التي ستصبح طبيعية في غضون بضعة عقود فقط.

وأشار المختبر إلى أن جهود الاستجابة للطوارئ يجب أن تُوجَّه إلى المناطق ذات الأولوية القصوى؛ للحد من الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال الشهور المقبلة.

وقال مايكل جرينستون، الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاغو والمؤسس المشارك للمختبر: «يتيح هذا التقرير لصانعي القرار تحديد الأماكن التي يمكن اتخاذ إجراءات طارئة، الآن، فيها لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح في الشهور المقبلة».