قصة نزيف القطاع الخاص في اليمن

اتهام للجماعة الحوثية بالتعسف وتغذية «الاقتصاد الأسود»

أسهم القطاع الخاص في اليمن في وصول المساعدات الإغاثية إلى المستهدفين في ظل تغييب الجهات الرسمية (أ.ف.ب)
أسهم القطاع الخاص في اليمن في وصول المساعدات الإغاثية إلى المستهدفين في ظل تغييب الجهات الرسمية (أ.ف.ب)
TT

قصة نزيف القطاع الخاص في اليمن

أسهم القطاع الخاص في اليمن في وصول المساعدات الإغاثية إلى المستهدفين في ظل تغييب الجهات الرسمية (أ.ف.ب)
أسهم القطاع الخاص في اليمن في وصول المساعدات الإغاثية إلى المستهدفين في ظل تغييب الجهات الرسمية (أ.ف.ب)

يستنزف القطاع الخاص في اليمن آخر طاقاته في مواجهة التحديات الكبيرة التي فرضها الانقلاب الحوثي والحرب، رغم أنه أثبت صلابته خلال 9 أعوام من مواجهة التعسف وانهيار المؤسسات الرسمية أمامه، حيث باتت بيئة الأعمال تعيش وضعاً بالغ الهشاشة، وتنزف اقتصادياً واجتماعياً جراء التعسف الحوثي.

منذ أيام دانت الحكومة اليمنية إقدام الجماعة الحوثية على محاصرة منزل رجل الأعمال توفيق الخامري، بثلاثين سيارة محملة بالمسلحين، بقيادة القيادي في الجماعة ناصر العرجلي، متهمة الجماعة بتنفيذ مخطط لتجريف القطاع الخاص والقضاء على البيوت التجارية المعروفة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، لصالح شركات ومستثمرين تابعين لها.

وتعد هذه الواقعة واحدة من وقائع متكررة في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، دفعت عديداً من أصحاب الاستثمارات ورجال الأعمال إلى نقل رؤوس أموالهم خارج اليمن أو خارج مناطق سيطرة الجماعة، في حين اضطر آخرون إلى التعايش مع التحديات والتكيف معها، وهو الأمر الذي يشيد به باحثون اقتصاديون.

ويرى هؤلاء الباحثون أن كبريات الشركات والبيوت التجارية أسهمت، بصمودها في وجه تحديات الانقلاب والحرب وتعسفات الجماعة الحوثية، بدور كبير في تغطية الفجوة التي تسبب بها تغييب المؤسسات الرسمية عن أداء خدماتها، وسهّل من وصول كثير من هذه الخدمات، وإن كانت بمستوياتها الدنيا إلى ملايين السكان.

تعرض كثير من الشركات التجارية إلى الإغلاق ضمن سياسة الابتزاز الحوثية (إعلام حوثي)

يشير الباحث اليمني عبد القادر المقطري، إلى مساهمة القطاع الخاص في تسهيل حركة المواد الأساسية والضرورية إلى المستهدفين، وتمكينه المنظمات الإغاثية الدولية من الحصول على خدمات لوجيستية مثل التخزين والنقل والتوزيع، وإلى جانب كل ذلك فإن القطاع الخاص حافظ على وجود فئة من اليمنيين تمتلك مداخيل شهرية بعد انقطاع رواتب الموظفين منذ 7 أعوام.

بيئة طاردة

في آخر تقاريره حول اليمن؛ قدّر البنك الدولي خسائر القطاع الخاص المباشرة وغير المباشرة خلال السنوات الثلاث الأولى من الحرب التي أشعلتها الجماعة الحوثية الموالية لإيران بنحو 27 مليار دولار، بعد أن اضطر ما نسبته 25 في المائة من إجمالي عدد الشركات في اليمن إلى الإغلاق.

وشهد اليمن، طبقاً للتقرير، انخفاضاً في مبيعات الشركات التجارية بنسبة أكبر من 80 في المائة، وفقاً لتقرير «المذكّرة الاقتصادية القطرية لليمن» معللاً ذلك بالقضايا الأمنية في مناطق الصراع، والخراب الاقتصادي، والركود المالي، وتدمير أصول الشركات، ومعاناة الشركات الناجية من تلك الأضرار، من انقطاعات الخدمات الرئيسية وتناقص قواعد عملائها.

دفعت تلك الظروف الشركات إلى خفض أعداد العاملين بها، ونقل ما نسبته 20 في المائة من الشركات عملياتها إما إلى مناطق داخل اليمن أو إلى الخارج.

يفيد المقطري «الشرق الأوسط» بأن البيئة التي خلقها الانقلاب والحرب في اليمن منعت المؤسسات الرسمية وغير الرسمية من الحصول على بيانات دقيقة حول الوضع الاقتصادي في اليمن، والتدهور الحاصل في مختلف القطاعات، منبهاً إلى أن النسب التي يطلقها الباحثون أو المؤسسات تبقى تقديرية غالباً، إن تم الحصول عليها بأعمال مسح غير دقيقة أو مكتملة.

بائعان يمنيان يستعدان لعرض محصولهما من الزبيب (رويترز)

فمثلاً، تقدر جهات عدة نسبة تسريح العمال في القطاع الخاص بنسبة تقارب 55 في المائة، بينما يمكن أن يكون الرقم أكبر من ذلك بكثير، خصوصاً أن كثيراً من الشركات أوقفت أنشطتها تماماً، وأخرى قلصت ساعات عملها، ورافق ذلك تخفيض في أجور العمال، إلا أنه وفي المقابل نشأت شركات أخرى بديلة من اقتصاد الحرب الذي يصفه بـ«الاقتصاد الأسود»، واستقطبت إليها جزءاً من تلك العمالة المسرّحة.

لكن تلك الشركات الجديدة نشأت في تخصصات بسيطة ومعتادة، ولم تنشط في مجالات تخصصية نوعية، وهو ضرر آخر لحق بالاقتصاد اليمني، حيث ستلجأ البلاد إلى مضاعفة استيراد السلع والخدمات النوعية، في حين أن العمالة ذات التأهيل العالي ستهاجر بدورها، أو سيلجأ أفرادها إلى مزاولة مهن لا تتناسب مع تخصصاتهم.

صعود «الاقتصاد الأسود»

تزعم الجماعة الحوثية أن إجراءاتها ضد بيئة الأعمال والاستثمار تحمي وتشجع المنتج المحلي، عبر استخدام السياسات المالية الضريبية والجمركية الملائمة، وتحد من هجرة الأموال المحلية، وتمنع المنافسة غير العادلة للمنتج المحلي، في تناقض واضح مع ما تسببت به إتاواتها من هلاك للقطاع الخاص، وإلزامه بخدمة مشروعها، والتبعية الكاملة لقياداتها، والانحسار التام أمام صعود اقتصادها الخاص القائم على حساب اقتصاد الدولة.

يصف الباحث الاقتصادي عادل شمسان، المواجهة التي يخوضها رجال الأعمال والبيوت التجارية اليمنية في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية بـ«الشجاعة»، والوقوف بحجم التحديات المفروضة عليها من قيادات الانقلاب، فاستمرارية هذه البيوت التجارية ساعد في محاولات إنقاذ الاقتصاد والتنمية في اليمن، موضحاً أنها تحملت كثيراً من تبعات الحرب والانقلاب.

إحدى أشهر شركات الصرافة في اليمن تعرضت للإفلاس بفعل مضاربة الجماعة الحوثية بالعملات (إكس)

ويتحسر شمسان، خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»، على استمرار التعسفات الحوثية على الشركات والبيوت التجارية، وحتى المشروعات الاستثمارية والتجارية الصغيرة، بما سيدفع في المحصلة إلى انهيار القطاع الخاص وتدهوره تماماً لتحل مكانه الشركات التي ينشئها الانقلابيون باستمرار، مؤكداً الحاجة إلى تدخلات سريعة وعاجلة لمنع هذا الانهيار وتلافي مخاطره.

وتواصل الجماعة الحوثية، طبقاً لشمسان، «بناء اقتصادها الأسود القائم على تجارة الممنوعات، والمضاربة بالعملات الأجنبية، ونهب إيرادات مؤسسات الدولة، وابتزاز الشركات التجارية بوتيرة عالية، ولا توجد قوة حقيقية تقف في وجه هذا التغول سوى القطاع الخاص المجرد من أي حماية».

ويرى الباحث الاقتصادي عبد الحميد المساجدي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «القطاع الخاص يحتاج إلى بيئة حماية صحية لنموه واستعادة دوره»، ويعول في هذا الاتجاه على «دور الحكومة الشرعية في تأمين المناطق المحررة، وتمكين الشركات ورجال الأعمال من الدخول في شراكة مع الحكومة في توفير الخدمات التي تعاني من العجز، مثل الكهرباء».


مقالات ذات صلة

اغتيال مراسل تلفزيوني في المكلا يهز الأوساط اليمنية

العالم العربي صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)

اغتيال مراسل تلفزيوني في المكلا يهز الأوساط اليمنية

اغتال مجهولون الصحافي اليمني محمد عيضة في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت، إثر تفجير عبوة ناسفة استهدفت سيارته؛ ما أدى إلى وفاته، وسط إدانات واسعة.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)

«الباسيج» اليمني... آخِر تقليعات الحوثيين العسكرية

كشفت الجماعة الحوثية عن تشكيل عسكري جديد مُستوحى من «الباسيج» الإيراني، بالتزامن مع تصاعد الخلافات الداخلية والأزمات المالية وازدياد التذمر في صفوف المقاتلين

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي التطعيم في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية يحمي الأطفال من الأمراض القاتلة (الأمم المتحدة)

الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

تتفاقم الأزمة الصحية في مناطق سيطرة الحوثيين نتيجة الفساد، في حين تسجل الأمراض التي يمكن الوقاية منها أرقاماً مقلقة، وسط تحذيرات أممية من تدهور متسارع للخدمات

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)

قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

منعت الجماعة الحوثية عرض مباريات كأس العالم 2026 في الأندية الرياضية والمقاهي بصنعاء ومدن أخرى، ما أثار استياء الشباب والوسط الرياضي

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي نقص غير مسبوق في تمويل الاحتياجات الإنسانية باليمن (الأمم المتحدة)

اليمن يستنفر الشركاء لمواجهة تفاقم أزمة الغذاء

تسعى الحكومة اليمنية لحشد دعم دولي عاجل لمواجهة أزمة غذائية متفاقمة، في حين يواصل الحوثيون منع جمع البيانات الإنسانية وسط تحذيرات أممية من اتساع الجوع

محمد ناصر (عدن)

اغتيال مراسل تلفزيوني في المكلا يهز الأوساط اليمنية

صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
TT

اغتيال مراسل تلفزيوني في المكلا يهز الأوساط اليمنية

صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)
صورة للضحية مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في حضرموت (إكس)

اغتال مجهولون الصحافي اليمني محمد عيضة، مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث» في محافظة حضرموت، الأربعاء، عبر تفجير عبوة ناسفة استهدفت سيارته في مدينة المكلا شرق اليمن، في حادثة هزَّت الوسط الإعلامي اليمني، وأثارت إدانات رسمية وقبلية واسعة، ومطالبات بكشف الجناة.

وذكرت مصادر محلية أنَّ عيضة فارق الحياة في المستشفى متأثراً بجروح بالغة أُصيب بها إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارته في أثناء مروره بشارع الستين بمدينة المكلا، كبرى مدن محافظة حضرموت.

آثار التفجير الذي تعرَّضت له سيارة الصحافي اليمني الفقيد محمد عيضة (إكس)

وفي حين لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية حتى الآن، فإنَّ الحادث أثار ردود فعل واسعة على المستويين الرسمي والشعبي، حيث وجَّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، بتشكيل لجنة عليا مشتركة من وزارة الداخلية، وجهاز أمن الدولة، والاستخبارات العسكرية، بالتنسيق مع اللجنة المُشكَّلة من قيادة السلطة المحلية بمحافظة حضرموت؛ للتحقيق في ملابسات واقعة الاغتيال.

وبدوره، وجَّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، الأجهزة الأمنية المختصة بسرعة فتح تحقيق شامل وعاجل لكشف ملابسات الجريمة، وتحديد المتورطين فيها.

وشدَّد الخنبشي على أهمية اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحق كل مَن يثبت تورطه في هذا العمل، مؤكداً أنَّ حماية الصحافيين والإعلاميين، وتمكينهم من أداء رسالتهم المهنية في بيئة آمنة، يمثِّلان أولويةً لا يمكن التهاون فيها.

وأكد أنَّ مثل هذه الجرائم تستهدف الأمن والاستقرار، وتقوِّض الجهود المبذولة لترسيخ سيادة القانون، داعياً إلى تكاتف مختلف الأجهزة المختصة للوصول إلى الجناة وتقديمهم للعدالة.

كما قدَّم الخنبشي تعازيه إلى أسرة الفقيد وزملائه في الوسط الإعلامي، مشيداً بما عُرف عنه من نشاط مهني وإعلامي خلال سنوات عمله الصحافي.

متابعة حكومية... واستنكار قبلي

تابع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني تطورات الحادثة، وأجرى اتصالات مع وزير الداخلية والجهات المختصة للاطلاع على سير التحقيقات والإجراءات المتخذة.

ووجَّه الزنداني وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بتقديم الدعم الكامل لفرق التحقيق، وتسخير الإمكانات اللازمة لكشف المتورطين في الجريمة وملاحقتهم قضائياً.

وأكد رئيس الوزراء اليمني أنَّ استهداف الصحافيين والإعلاميين يُمثِّل اعتداءً مباشراً على حرية العمل الإعلامي، وعلى قيم المجتمع وسيادة القانون، مشدِّداً على حرص الحكومة على توفير بيئة آمنة تُمكِّن العاملين في وسائل الإعلام من أداء واجباتهم المهنية.

وفي السياق ذاته، أصدر «حلف قبائل حضرموت»، و«مؤتمر حضرموت الجامع» بياناً مشتركاً أدانا فيه الجريمة، ووصفاها بأنَّها «إرهابية وغادرة»، مؤكدَين أنَّ استهداف شخصية إعلامية معروفة يُمثِّل اعتداءً خطيراً على أمن واستقرار حضرموت، وعلى حرية العمل الصحافي.

وطالب البيان بفتح تحقيق شفاف وسريع يكشف جميع ملابسات الحادثة، ويحدِّد الجهات المتورطة فيها، مع ضمان تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة لمنع تكرار مثل هذه الجرائم.

وقال صبري سالمين بن مخاشن، رئيس دائرة الإعلام والعلاقات العامة بـ«حلف قبائل حضرموت» لـ«الشرق الأوسط»: «إن جريمة اغتيال محمد عيضة، تُمثِّل عملاً إجرامياً جباناً يستهدف أمن حضرموت واستقرارها، ويُشكِّل اعتداءً خطيراً على حرية العمل الإعلامي».

وأضاف بن مخاشن أن هذه الحادثة المؤلمة «تستوجب تحقيقاً عاجلاً وشفافاً لكشف الجناة وتقديمهم للعدالة، كما تفرض إعادة تقييم شاملة للمنظومة الأمنية والعسكرية في حضرموت، وتعزيز قدراتها، وتأهيل كوادرها، وتمكين الكفاءات الحضرمية من القيام بدورها في حماية المحافظة، والحفاظ على أمنها واستقرارها».

اتحاد صحافيي آسيا: جريمة بشعة

أدان «اتحاد صحافيي غرب آسيا» بأشد العبارات الجريمة التي وصفها بـ«الغادرة والنكراء». وأوضح الاتحاد، في بيان، أنَّ الحادثة «الصادمة والمروعة تمثل اعتداءً سافراً على حرية الصحافة، وانتهاكاً صارخاً للحق الإنساني في التعبير ومعرفة الحقيقة». وشدَّد الاتحاد على أنه «يرى في هذه الجريمة البشعة استهدافاً ممنهجاً للعمل الصحافي والإعلامي في المنطقة برمتها، وليس في اليمن وحسب، وتكشف عن تصاعد خطير في مستوى التهديدات الموجَّهة ضد صنَّاع الرأي والكلمة، الأمر الذي يضع سلامة الصحافيين في اليمن على المحك، ويثير قلقاً إقليمياً ودولياً بالغاً».

وحذَّر الاتحاد من سياسة «الإفلات من العقاب» وعدَّها «الوقود الذي يغذي تكرار هذه الجرائم البشعة، ويهدِّد بيئة العمل الإعلامي في المنطقة، ويضرب بعرض الحائط القوانين الوطنية والمواثيق والعهود الدولية الضامنة لحماية الصحافيين في أثناء النزاعات».

وطالب الاتحاد السلطات الأمنية والقضائية في محافظة حضرموت، والجهات المختصة في الحكومة اليمنية «بالتحرُّك الفوري لفتح تحقيق عاجل وشفاف لكشف ملابسات هذه الجريمة، والوصول إلى الجناة والمخطِّطين والمحرِّضين، وتقديمهم للعدالة؛ لينالوا جزاءهم الرادع، خصوصاً بعد التهديدات التي تلقاها الزميل قبل أسابيع وفقاً للمصادر الأمنية».


الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)

اختارت الجماعة الحوثية إعلان تأسيس تشكيل عسكري جديد مُستوحى من قوات «الباسيج» الإيرانية، وهي آخِر التقليعات العسكرية للجماعة التي استحدثت مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية الموازية لعمل الدولة منذ انقلابها عام 2014 حتى الآن.

يتزامن ذلك مع التلويح باستئناف الحرب ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في خطوة يراها مراقبون محاولة للهروب من تصاعد الخلافات داخل هياكل الجماعة بشأن أولويات الإنفاق العسكري، وسط مؤشرات متزايدة على التململ الداخلي وضعف التواصل التنظيمي نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها الجماعة، عقب استهداف عدد من قياداتها خلال العام الماضي.

ويرى محللون عسكريون أن إعلان ما يسمى «قوات التعبئة» جاء بعد أيام من تلميحات أطلقها زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بشأن التصعيد العسكري، تحت شعارات تتعلق باستعادة ما سماه «الحقوق والثروات»، في حين سارع مجلس نواب الجماعة الانقلابية إلى إعلان دعمه هذه التوجهات.

ويعتقد المحللون أن الحوثيين يمتلكون، خلال المرحلة الراهنة، خيارات متعددة للتصعيد، هدفها الأساسي ممارسة الضغط على الحكومة اليمنية.

ووفق تقديرات مراقبين، فإن الجماعة الحوثية تمرّ بمرحلة معقدة داخلياً، خصوصاً على المستويين المالي والتنظيمي، في ظل ازدياد التذمر بين المقاتلين والعناصر الميدانية، إلى جانب ضعف قنوات التواصل بين المستويات القيادية المختلفة وتراجع الثقة داخل بعض الدوائر التنظيمية.

الحوثيون يوسّعون تشكيلات مستوحاة من قوات «الباسيج» الإيرانية (إعلام محلي)

وعلى الرغم من هذه التحديات، لا يزال زعيم الجماعة متمسكاً بسياسة «أولويات الإنفاق» التي تجعل الأفضلية للبرامج العسكرية وتطوير القدرات القتالية والبنية المرتبطة بها، على حساب الالتزامات المالية الأخرى، بما في ذلك مستحقات المقاتلين المنتشرين في الجبهات.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن عبد الملك الحوثي يتابع شخصياً مدى التزام القيادات العليا بالبروتوكولات الأمنية التي فُرضت عقب مقتل عدد من القيادات العسكرية في غارات إسرائيلية، خلال العام الماضي.

وتشمل هذه الإجراءات الحد من الظهور العلني، والتنقل وفق ترتيبات أمنية صارمة، وهو ما تسبَّب - وفق المصادر - في إبطاء حركة التواصل واتخاذ القرار داخل مؤسسات الجماعة.

وتؤكد المصادر أن هذه القيود الأمنية أسهمت في اتساع الفجوة بين المستويات القيادية والقواعد الميدانية، الأمر الذي انعكس على الأداء التنظيمي وأدى إلى ازدياد الشكاوى من ضعف التنسيق والتواصل.

تذمر في صفوف المقاتلين

في موازاة ذلك، تتحدث تقارير محلية عن تنامي حالات التسرب من المعسكرات والتخلف عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، بالتزامن مع تأخر صرف المستحقات المالية للمقاتلين في عدد من الجبهات منذ أربعة أشهر.

ووفق هذه التقارير، فإن غالبية المقاتلين لم يتسلموا مخصصاتهم الشهرية المقدَّرة بنحو 50 دولاراً، باستثناء بعض الوحدات الخاصة والمشرفين العسكريين الذين لا تزال مستحقاتهم تُصرَف بصورة منتظمة، ما أدى إلى تصاعد حالة الاستياء داخل الأوساط القتالية.

تصاعد الخلافات والصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة الحوثية (إ.ب.أ)

ويرى المتخصص في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني أن هذه المرحلة تشهد مستوى غير مسبوق من الانتقاد والتذمر العلني من قِبل عناصر محسوبة على القاعدة الصلبة للجماعة، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها القيادة الحوثية حالياً.

ويعتقد الجبرني أن ما يسمى «قوات التعبئة» لا يمثل قوة قتالية تقليدية، بل يعد نسخة مستنسخة من تجربة «الباسيج» الإيرانية، التي تقوم على تنظيم السكان داخل الأحياء والقرى والمربعات السكنية، عبر تسجيل المُوالين للجماعة وإخضاعهم لدورات محدودة في استخدام الأسلحة الخفيفة وبرامج التعبئة الفكرية والعقائدية.

استنساخ النموذج الإيراني

يشير المتابعون للحالة الحوثية إلى أن هذا التشكيل المعلَن عنه (قوات التعبئة) جاء امتداداً لإعادة هيكلة نفّذتها الجماعة خلال العامين الماضيين، إذ جرى تحويل ما كان يُعرَف بـ«المجلس التنفيذي» إلى «مكتب التعبئة»، مع تكليف عدد من القيادات بالإشراف عليه ضِمن خطة تستهدف توسيع شبكات التجنيد والحشد المجتمعي.

وخلال الفترة الماضية، استثمر الحوثيون حالة التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين في قطاع غزة لتوسيع عمليات التعبئة والتجنيد، خصوصاً في أوساط المراهقين وصغار السن، مستفيدين من الفعاليات الجماهيرية والخطاب التعبوي المرتبط بالحرب في المنطقة.

ويرى مراقبون أن الجماعة قد تتجه إلى توظيف هذا التشكيل الجديد في أي مواجهة مستقبلية مع الحكومة اليمنية، سواء من خلال الدعم اللوجستي أم تعزيز عمليات الحشد والتعبئة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء نظّمته الجماعة (أ.ف.ب)

ويعتقد مراقبون أن تنامي الصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة قد يدفع زعيمها إلى البحث عن معركة جديدة تتيح إعادة ترتيب الصفوف الداخلية وتوحيد القيادات خلف هدف مشترك.

ووفق هذه التقديرات، فإن إشعال جبهة مواجهة مع الحكومة اليمنية قد يُنظَر إليه داخل الجماعة بوصفه خياراً أقل كلفة من مواجهة احتمالات الانشقاقات أو تفاقم الخلافات الداخلية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتراجع قدرة الجماعة على احتواء حالة التذمر داخل صفوفها.


الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
TT

الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)

تزايدت التحذيرات من تفاقم الأزمة الصحية في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع عودة أمراض كان يمكن الوقاية منها باللقاحات، وسط تراجع الخدمات الطبية واستهداف الجماعة القطاع الصحي بالفساد والإهمال، في وقت تشير فيه تقارير أممية ومؤشرات محلية إلى تحديات متراكمة تضرب الرعاية الصحية.

تزايدت الاتهامات الموجهة لقيادات الجماعة الحوثية باستغلال القطاع لمنافع شخصية، بعد إقدام القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً لذمار، على إنشاء صيدلية خاصة داخل المستشفى العام في مركز المحافظة والاستيلاء على أدوية مخصصة للجرحى، بالتواطؤ مع شقيقه، الذي عينه مديراً مالياً في هذا المرفق، وعدد من المقربين منه.

وبحسب مصادر محلية مطلعة في مدينة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، فإن شقيق البخيتي، ويدعى الحسن ناصر البخيتي، والمقربين منه في إدارة المستشفى يشرفون على أعمال جبايات يومية من المرضى ومرتادي المستشفي، ويعملون على اقتطاع مبالغ كبيرة من ميزانيته من دون بيان مصيرها، إلى جانب حرمان الكوادر الطبية من مستحقاتها.

شقيق البخيتي، بحسب المصادر أمر الأطباء العاملين في المستشفى بتوجيه المرضى لشراء الأدوية من الصيدلية الخاصة التي أنشأها وشقيقه، رغم وجود ثلاث صيدليات عمومية تابعة للمستشفى، وهي الصيدليات التي يجري تحويل الأدوية المخصصة لها إلى الصيدلية المستحدثة.

الحوثيون حولوا فناء مستشفى ذمار العام إلى ساحة لفعالياتهم وأنشطتهم التعبوية (إعلام حوثي)

إلى ذلك، أغلقت الجماعة عدداً من الأقسام والعيادات الحيوية بمستشفى ناصر العام في مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، ونقلت تجهيزاتها الطبية، ومنها معدات لرعاية المواليد والأمهات الوالدات، إلى مستشفى آخر في منطقة نائية.

وبينت مصادر طبية في المستشفى أن الجماعة بررت إجراءاتها بزيادة الشكاوى من الفساد والإهمال، وهو ما أثار غضباً واسعاً في أوساط السكان الذين كانوا يطالبون بإجراء إصلاحات إدارية ومالية وليس إغلاق الأقسام التي تقدم خدمات طبية ضرورية برسوم متدنية لذوي الدخل المحدود.

واستنكر الأهالي أن تكون الاستجابة لشكاواهم ومطالبهم بتحسين الخدمات هو التوجه لإلغائها، وعدّوا ذلك جزءاً من نهج عام يمارسه الحوثيون بتحويل القطاع الصحي العام إلى مصدر إيرادات لإثراء الجماعة وقادتها.

عودة أمراض الطفولة

لا تقتصر الأزمة على تراجع الخدمات الصحية، بل تمتد إلى عودة أمراض معدية كانت تحت السيطرة خلال السنوات الماضية. ويحذر مختصون من تصاعد حالات الإصابة والوفاة بفيروس الحصبة في ظل تراجع برامج التحصين وغياب الإحصاءات الدقيقة في مناطق سيطرة الحوثيين.

عدد من القادة الحوثيين في فناء مستشفى ناصر العام في مدينة إب (إعلام حوثي)

وتشير مصادر طبية إلى تسجيل عشرات الآلاف من الإصابات ومئات الوفيات خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود الوقاية الصحية.

وكان مسؤول الإعلام الصحي بمحافظة تعز، تيسير السامعي، أفاد بأن الحصبة، والتي تعد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بسهولة عبر اللقاحات، تعاود التفشي بسرعة وسط انتشار الشائعات والمعلومات المضللة حول التطعيمات، مما أسهم في عزوف الأسر عن تحصين أطفالها.

ولا تقتصر المخاطر على الحصبة وحدها، وفقاً للسامعي، فقد سُجلت نحو 450 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال، خلال الثلاثة أعوام الماضية، في مختلف أنحاء البلاد، وكانت غالبيتها في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتعثر حملات التحصين وتتأثر بالدعاية المضادة لها، إلى جانب تقديرات بوجود حالات أخرى لم يتم رصدها أو الإبلاغ عنها.

ومنذ عامين لم تسجل أي حالة إصابة بالفيروس في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، في ظل حملات التحصين التي يجري الالتزام بها بشكل دوري، في حين تتزايد المخاوف من توسع انتشاره في مناطق سيطرة الجماعة.

القطاع الصحي تحت سيطرة الحوثيين يعاني من تردي الخدمات وحرمان الفقراء من العلاج المجاني (إ.ب.أ)

إلا أن الأشهر الماضية من العام الحالي، شهدت تسجيل نحو 12791 اشتباه إصابة بالحصبة، توفي منها 71 شخصاً، وتصدرت محافظة حضرموت قائمة المحافظات من حيث عدد الإصابات والوفيات بواقع 4500 إصابة و18 وفاة، تلتها محافظة تعز بـ1590 إصابة و15 وفاة، ثم محافظة عدن بـ1420 إصابة و11 وفاة.

احتياجات متزايدة

بالتزامن مع هذه التطورات، تزايدت التحذيرات من زيادة الضغوط التي يواجهها القطاع الصحي في اليمن، نتيجة نقص التمويل وضعف البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية، وتحدثت منظمة الصحة العالمية، عن احتياج أكثر من 22 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، بينما لفت صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى تدهور الأوضاع الصحية للنساء والفتيات.

وبين الصندوق أن اليمن يسجل أعلى معدلات وفيات الأمهات عربياً، بواقع ثلاث وفيات يومياً بسبب مضاعفات يمكن الوقاية منها.

التطعيم في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية يحمي الأطفال من الأمراض القاتلة (الأمم المتحدة)

وطبقاً للصندوق، تترافق هذه الأزمة الطبية مع ارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وسط جهود أممية مستمرة لتقديم الدعم النفسي والقانوني وتوفير الملاجئ الآمنة للناجيات.

وتهدد أزمة التمويل في اليمن استمرار هذه البرامج بعدما فقد الصندوق 40 في المائة من موارده الإنسانية، مما أجبره على إغلاق بعض مرافق الحماية ووقف استقبال حالات جديدة.

وتتزامن هذه التطورات مع تراجع التمويل الإنساني، إذ تؤكد الأمم المتحدة أن نقص الموارد المالية أجبر منظمات إنسانية على تقليص عدد من برامجها الصحية والإغاثية، بينما أُغلق خلال العام الماضي أكثر من 450 مرفقاً صحياً في مختلف أنحاء اليمن، في وقت تتسع فيه دائرة الفقر وسوء التغذية وانتشار الأمراض.