يعاني مغتربون عدم إعطائهم الجنسية اللبنانية لسبب أو لآخر، وهم ينتشرون حول العالم بأعداد هائلة تفوق عدد المقيمين، تُرسل غالبيتهم تحويلات مالية تلامس 8 مليارات دولار سنوياً، ما يساهم في تجاوز عائلات لبنانية كثيرة الأزمة الاقتصادية المُلمَّة بالبلد منذ 4 سنوات.
ولأنّ التواصل بين لبنان المقيم والمغترب يرتكز بشكل أساسي على هذه الناحية، أقيمت مبادرة «العودة إلى جذور الأرز»، لتقديم هدية للمغترب اللبناني عربونَ شكر للدعم الذي يقدّمه لبلده وأهله. وترتكز هذه المبادرة التي ينظّمها سنوياً رياض عبجي (مدير مصرف «بيمو») على زراعة 100 شجرة أرز، فتُسجَّل كلٌّ منها باسم المنحدر من أصل لبناني والفاقد حق اكتساب الجنسية.

تقام المبادرة هذا العام ضمن نسختها الثالثة في عيد الاستقلال الذي يصادف 22 نوفمبر (تشرين الثاني)، واختارت هذه المناسبة موعداً دائماً لها. في هذا السياق، يستضيف «بيت كنز» في بيروت الاحتفالية، فيُرشَّح عدد من المغتربين للفوز بشجرة أرز تُسجَّل بأسمائهم. وإثر عملية سحب على الأسماء، يجري اختيار 100 شخص من بينهم للحصول عليها.
المبادرة تُقام بالتعاون مع جمعية «جذور لبنان» التي تشجّع على إعادة التشجير. ففي غابة أرز إهدن الشمالية، تُزرع 100 أرزة كل عام. مغتربون يزورون لبنان يفضّلون التوجّه إلى هناك للقيام بهذه المهمّة شخصياً، في حين يستعين آخرون بأحد أفراد عائلتهم بديلاً.

يقول عبجي لـ«الشرق الأوسط»: «لطالما شكّلت شجرة الأرز رمزاً للوطن، ويعدّها كثير من اللبنانيين، مغتربين ومقيمين، قيمة عزيزة على قلوبهم». من هذا المنطلق، فكّر بهذه اللفتة لتكون هدية يقدّمها لبنان لأبنائه في الشتات. يوضح: «العلاقة بين لبنان وأبنائه المغتربين تعاني ثغرات عدّة، أبرزها افتقاد عدد كبير منهم إلى حقه في اكتساب الجنسية، فارتأينا أن نهديهم شجرة أرز امتناناً من جهة، ورمزاً لانتمائهم إلى الوطن من جهة أخرى؛ فتُزرع في غابة إهدن حاملة اسم المغترب أو أحد أولاده. وهذا ينسحب على أمهات من أصل لبناني، يعانين عدم إعطائهن الجنسية لأبنائهن».
ويرى أنّ المبادرة لفتة تكريمية ونوع من التذكير بضرورة إعادة النظر بحق المغترب اللبناني باكتساب الجنسية. ويؤكد أنّ عدداً ضئيلاً جداً من اللبنانيين المغتربين نالوا الجنسية؛ «لا تتجاوز نسبتهم الـ3 في المائة من كل جيل؛ لذا يجدر بالجهات المسؤولة عن قانون إعطاء الجنسية إعادة النظر به، فيتاح لأكبر عدد من اللبنانيين المغتربين الحصول عليها».

أرزة لكل شخص يفتقد هذا الحق، أثمرت زراعة 400 منها في غابة أرز إهدن. وإذ يشير أحد أعضاء جمعية «جذور لبنان» الوزير السابق راوول نعمة إلى أنّ من شأن هذه المبادرة تعزيز العلاقة بين المغترب وبلده؛ يتابع لـ«الشرق الأوسط»: «هدف جمعيتنا إعادة تشجير مختلف المناطق. ومنذ تأسيسها عام 2008، استطعنا أن نزرع في أراضي لبنان نحو 400 ألف شجرة، من بينها اللزاب والأرز والسرو».
ويرى أنّ لشجرة الأرز مكانة خاصة عند اللبناني أينما كان، لأنها تعكس لديه إحساساً بالانتماء. يصبّ برنامج مبادرة «العودة إلى جذور الأرز» في هذه الخانة، لتولد علاقة دافئة بين لبنان وأبنائه المغتربين.
أما كلودين فغالي، وهي إحدى منظِّمات المبادرة، فتؤكد على تمسّك المشاركين بتسجيل شجرة الأرز باسم أولادهم، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «يرونها رمزاً لبنانياً بامتياز، لذلك تستقطب المبادرة مئات المغتربين. في كل عام، نتوجّه إلى غابة الأرز في إهدن للزرع، ونسلّم كل فائز بشجرة شهادة استحقاق رسمية بمثابة جنسية له تخوّله امتلاك شجرة الأرز طوال العمر، فيستطيع التعرُّف إلى مكان غرسها عبر جهاز (جي بي إس) يوصله إليها مباشرة في مشواره إلى الغابة».





