«نابوليون» الجديد يقدم القائد الفرنسي بقلب عاشق

إخراج ريدلي سكوت وبطولة واكين فينكس

مشهد من حرب «نابوليون» (كولمبيا بيكتشرز)
مشهد من حرب «نابوليون» (كولمبيا بيكتشرز)
TT

«نابوليون» الجديد يقدم القائد الفرنسي بقلب عاشق

مشهد من حرب «نابوليون» (كولمبيا بيكتشرز)
مشهد من حرب «نابوليون» (كولمبيا بيكتشرز)

النصف الثاني من الشهر الحالي وما يليه من أسابيع هو ملك «نابوليون»، الفيلم الجديد للمخرج ريدلي سكوت. لم يُكشف بعد عن ميزانيته، لكنها تقترب أو تتجاوز بقليل 150 مليون دولار، والطموح هو أن يتجاوز ضِعف هذا المبلغ في غضون أسبوعين وفوقهما نحو 300 مليون دولار أخرى.

ينضم الفيلم هذا بجدارة إلى أفلام سكوت التاريخية، وهو الذي بدأ باكراً في مشواره مخرجاً عندما حقّق «المتبارزان» سنة 1977، وأنجز بعده «1492: غزو الجنة» (1992)، و«غلاديايتر» (2000)، و«مملكة الجنّة» (2005)، و«روبين هود» (2010).

هذا هو اللقاء الثاني بين ريدلي سكوت والممثل يواكيم فينكس، الذي كان أدّى الدور الثاني أمام راسل كرو في «غلاديايتر» وكان الفيلم الأخير للممثل الراحل أوليفر ريد.

قال سكوت لهذا الناقد في عام 2018 عندما سألته سبب اهتمامه بالتاريخ: «اهتمامي بالأفلام التاريخية طبيعي، لأني لا أتصور أن هناك من يستطيع تجاهل التاريخ أو ينفيه».

ورداً على سؤال آخر: «أشعر طوال فترة تصوير أي فيلم تاريخي بأنني مسؤول أمام عملية إعادة ما حدث على أكثر من نحو. هناك مسؤولية نقل الحقائق بصياغة سينمائية، وهناك مسؤولية طرح بعد يربط العالمين الحالي والماضي معاً».

رورد ستايغر في «ووترلو» (باراماوننت)

تأكيداً على ولعه بالأفلام التاريخية وحبّه لسينما «سيسيل ب». دَميل وأفلام هوليوود التاريخية في الخمسينات والستينات، يبدأ سكوت قريباً إنجاز جزءٍ ثان من فيلمه السابق «غلاديايتر» مع دنزل واشنطن، هذه المرة في البطولة عوضاً عن رَسل كرو، الذي أسندت إليه بطولة الجزء الأول.

كان ديفيد سكوربا (كاتب سيناريو «نابوليون» الحالي) بدأ كتابة «غلاديايتر 2» في عام 2018 وسيتوجه به سكوت إلى المغرب ومالطا وبريطانيا لإنجازه، على أن يكون حاضراً للعرض بعد سنة من الآن في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. بذلك يكون المخرج المغرم بالتاريخ قد حقق فيلمين ضخمين الواحد تلو الآخر. مرّر أصعبهما أولاً وأبقى الفيلم الأضمن نجاحاً لكي يكون إنتاجه التالي. بذلك، يكون «نابوليون» في إحدى وظائفه نوعاً من الاختبار، علماً بأن النقاد الذين شاهدوا الفيلم الجديد أثنوا، في غالبيّتهم، على فيلم سكوت من نواحٍ متعددة.

واكين فينكس: نابوليون (كولمبيا بيكتشرز)

خلفيات سينمائية

نابوليون بونابرت (1769-1821) كان قائداً عسكرياً فذّاً وعاشقاً كبيراً لزوجته جوزفين (فانيسا كيربي في الفيلم الجديد) بعدما تزوّج سابقاً كما اتخذ لنفسه عدداً من العشيقات. بعض ارتباطاته العاطفية أنجبت له أولاداً، لكن زواجه من المرأة التي أحب، جوزفين، لم ينجب له أي وريث.

لكن الرجل مشهور بغزاوته وحروبه التي امتدت من إسبانيا إلى مصر، ومن الجنوب الإيطالي إلى روسيا مروراً بهولندا وألمانيا وجمهورية التشيك والنمسا لجانب دول أخرى.

بعض المؤرخين يعدّونه مسؤولاً عن نحو 4 ملايين إلى 6 ملايين قتيل سقطوا صرعى طموحاته العسكرية. وواحدة من غايات المخرج سكوت المصرّح عنها هي الربط ما بين تلك الحروب وما يقع اليوم وفي خلفية أذهان مشاهديه. وهو كان قصد الغاية نفسها عندما أخرج «مملكة الجنة» سنة 2005، الذي دار حول الحرب الصليبية، وأشار خلالها إلى الصراع الفلسطيني في الواقع الحاضر.

على الشاشة، صُوّرت قصة حياة وحروب نابوليون مرّات عدّة، إما عنه مباشرة أو في ثنايا الحديث عن الثورة الفرنسية التي استمرت وقائعها عشر سنوات (من 1789 إلى 1799).

نابليون كان شاغل السينما منذ سنة 1927 عندما أقدم الفرنسي آبل غانس على تحقيق ملحمة عن القائد مدتها أكثر من خمس ساعات متناولاً حياته من بداياتها في مكان ولادته (جزيرة كورسيكا) إلى نهايته مروراً بحبه لجوزفين التي يذكر الفيلم بوضوح أنها كانت ملهمته طوال الوقت «كما لو كانت حربه تأكيداً لها على بطولته وفروسيته»، كما يرد في الفيلم.

في عام 1954 مثّل مارلون براندو شخصية بونابرت في «Désirée» لهنري كوستر. الفيلم كان عذراً أكثر منه عملاً فنياً جيداً، وهو وُلد في العام نفسه الذي أطلق فيه براندو أحد أفضل أدواره على الشاشة في فيلم «على جبهة الماء» (On the Waterfront) لإيليا كازان.

هزيمة ووترلو

بعد أن خمدت نيران الهجمة الهوليوودية الأولى في الخمسينات، اقتبس المخرج الروسي سيرغي بوندارتشوك، سنة 1965، «حرب وسلام» لليو تولستوي، التي امتدت ست ساعات و55 دقيقة، ولو أن هناك نسخاً أقصر (في حدود ساعتين ونصف) تؤمّن رغبة من لا يريد مشاهدة كل رواية تولستوي.

الفيلم الملحمي له طريقته الخاصة في عرض الأحداث التاريخية التي سبقت، بالطبع، انهيار حكم القياصرة الروس. ظهور شخصية نابوليون (أداها الروسي فلاديسلاف سترزهيلكيك) ليس طاغياً عن الفيلم لأن الحكاية في الأصل ليست عنه، بل هو جزء من فصولها. فيلم بوندارتشوك ممارسة في أسلوب التصوير حيث تتحرك الكاميرا في المشاهد الداخلية كما لو كانت ترقص على بلاط القصور التي يتم التصوير فيها، وفي المشاهد الخارجية كما لو كانت جزءاً من الحرب.

لكن بوندارتشوك عاد إلى شخصية نابوليون بعد خمس سنوات على «حرب وسلام» ليقدم نسخته عن نابوليون بونابرت في فيلم «ووترلو». المنتج كان عاشق الإنتاجات الكبيرة دينو ديلارونتيس والتمويل من شركة باراماونت واللغة المحكية إنجليزية.

لعب رود ستايغر بطولة هذا الفيلم. بوضوح، حاول جاهداً تقديم صورة شخصية مناسبة للإمبراطور الشهير خلال واحد من أشهر مواقع القتال التي خاضها. لكن سعيه لم يكن انغماساً في الشخصية بقدر ما كان تمثيلاً لها لا يخلو من الاستعراض.

لسبب أو لآخر لم يتقدّم للأوسكار بل رُشح لجوائز البافتا البريطانية، حيث خرج بجائزتين واحدة عن تصميم الملابس والأخرى عن تصميم المستلزمات الفنية (ما يُسمّى اليوم بتصميم الإنتاج). تجارياً سقط الفيلم في حفرة العروض السينمائية وتحوّل إلى أحد معالم الإنتاجات الكبيرة التي لم تلقَ اهتماماً لدى الجمهور.

نابوليون - شاهين

في مقابل هذه المجموعة الأساسية من تاريخ ظهور نابوليون على الشاشة، لا بدّ من إضافة فيلم يوسف شاهين، الذي أثار الجدل منذ إنتاجه سنة 1985 ومن ثَمّ كلّما ذُكر في سياق مراجعة أعمال المخرج.

الواقع أن الفيلم يحمل عنواناً يمكن اعتباره استفزازياً. كلمتا «وداعاً وبونابرت» تميلان إلى نوع من النوستالجيا والعاطفة، كما لو أن المرء يودع شخصاً عزيزاً عليه. طبعاً يمكن اعتبارهما مجرد عنوان رآه المخرج مناسباً، لكن ماذا تفعل في المعالجة الودّية لشخصية كافاريللي (أداها ميشال بيكولي) التي بدت كما لو جاءت إلى مصر ليس لأجل هندسة الاحتلال (وكان ضابطاً مسؤولاً عن إرساء قواعد الاحتلال والاشتباك في حملات نابوليون في نهايات القرن الثامن عشر).

لم يتّفق لا نقاد مصر ولا نقاد فرنسا (الفيلم موّل عبر مخصصات الحكومة الفرنسية) على رأي مشترك فيما يتعلق بهذا الفيلم. النقاد المصريون انقسموا بين الإعجاب لبراعة المخرج في سرد التاريخ وأبرز دوراً مصرياً في لقاء أراده شاهين حضارياً بين شخصياته المصرية والفرنسية (بمن فيها بونابرت الذي أداه باتريس شيرو) وبين الذين انتقدوا الفيلم على أساس أن المخرج هادن الفرنسيين على حساب مقاومة الشعب المصري لذلك الاحتلال.

بدورهم انقسم نقاد فرنسا حسب مواقعهم، لكن معظمهم كان متفقاً على مهاجمة الفيلم. اليمين الذي وجد أن المال الفرنسي لا يجب إهداره بإنتاج أفلام لا تبرز الوجه الحضاري لفرنسا، واليسار رأى أن الفيلم ميّع أهم ما في حملة نابوليون العسكرية على مصر، وهي أنها كانت حملة احتلال عسكرية بالدرجة الأولى.

في حين أن صورة نابوليون الشخصية لا تشهد اختلافات كبيرة في أوساط المؤرخين كمواصفات سلوكية أو كملامح بدنية، إلا أن المرء يشعر إثر مشاهدته كل ما تقدّم من أفلام كما لو أن السينما ما زالت تأخذ جانبي بونابرت على نحو لا يخلو من التكرار.

طبعاً كان من فرسان فرنسا، ومن ثَمّ أبرز قادتها في التاريخ، وكان الزعيم الذي استُعيد من منفاه ليتبوأ قيادة فرنسا، كما أن حبه لجوزفين مؤرخ بالتفاصيل الضرورية، لكن المرء يتساءل عما إذا كان هناك وجه ثالث لهذه الشخصية لم تكتشفها السينما بعد، ربما لأنها ليست مثيرة لما تريده من شخصيّته وهو نابوليون الأسطورة.

نابوليون حسب كوبريك وسبيلبرغ

خلال حضور المخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ مهرجان برلين في مطلع السنة الحالية، صرّح بأنه يُنتج نسخة جديدة عن حياة نابوليون بونابرت وحروبه، وذلك عن خطّة إنتاج وسيناريو أول كان المخرج الراحل ستانلي كوبريك قد وضعهما مشروعاً مقبلاً. المشروع الذي يتحدّث سبيلبرغ عنه كان بحوزة كوبريك منذ سنوات بعيدة، تحديداً بعد إخراج سيرغي بوندارتشوك «ووترلو». كانت خطّة كوبريك حينها إسناد شخصية القائد الفرنسي إلى جاك نيكلسون وجلب أودري هيبورن لتكون جوزيفين. عندما فشل «ووترلو» تجارياً، تراجع كوبريك عن المشروع برمّته. مشروع سبيلبرغ سيتألف من 7 حلقات تلفزيونية بوشر بكتابته وينتظر الانطلاق بتنفيذه تحت إدارة سبيلبرغ الإنتاجية. لا بدّ من ذكر أن نسخة كوبوريك التي لم تتحقق نصّت على الاستعانة بـ40 ألف ممثل. هذه الأيام يمكن تأليف هذا الرقم بمجرد استخدام التقنيات الحديثة.


مقالات ذات صلة

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز