مواقف متذبذبة للرئيس الفرنسي إزاء حرب إسرائيل على غزة

ضغوط دفعت ماكرون للتراجع عن «وقف إطلاق النار واستهداف المدنيين»

الرئيس الفرنسي السبت قرب قوس النصر بمناسبة ذكرى الهدنة مع ألمانيا في عام 1918 (أ.ب)
الرئيس الفرنسي السبت قرب قوس النصر بمناسبة ذكرى الهدنة مع ألمانيا في عام 1918 (أ.ب)
TT

مواقف متذبذبة للرئيس الفرنسي إزاء حرب إسرائيل على غزة

الرئيس الفرنسي السبت قرب قوس النصر بمناسبة ذكرى الهدنة مع ألمانيا في عام 1918 (أ.ب)
الرئيس الفرنسي السبت قرب قوس النصر بمناسبة ذكرى الهدنة مع ألمانيا في عام 1918 (أ.ب)

كثيرة الأخطاء التي ارتكبها الرئيس الفرنسي في نظر إسرائيل، ومن يقف بالمطلق إلى جانب حربها على قطاع غزة، تسببت بفتح النار عليه رغم كل المواقف التي عبَّر عنها منذ الثامن من أكتوبر (تشرين أول)، والتي رأى فيها - وعلى الدوام - أن لإسرائيل «الحق المشروع في الدفاع عن النفس»، وأن «من حقها وواجبها تدمير (حماس)»، وهو أمر «لا مجال لمناقشته». لكن من بينها هناك «الخطيئة المميتة» التي وقع بها في مقابلته مع تلفزيون «بي بي سي»، ووزعت صبيحة السبت. وأهم ما جاء فيها انتقاده المباشر لاستهداف الجيش الإسرائيلي للمدنيين في غزة، وحجبه «الشرعية» عن هذه الممارسات.

وقال ماكرون في هذا الخصوص: «يتعرض المدنيون اليوم للقصف... هناك أطفال ونساء وكبار سن يتعرضون للقصف والقتل. لا يوجد سبب لذلك ولا شرعية؛ لذلك، نحث إسرائيل على التوقف». وإذا كانت إسرائيل تتلطى في عملياتها التدميرية وراء حقها في محاربة الإرهاب، فإن ماكرون نزع عنها هذا الحق، بتأكيده أنه «من المستحيل تفسير أننا نرغب في مكافحة الإرهاب بقتل أشخاص أبرياء». مذكراً القادة الإسرائيليين، بأن رد إسرائيل على «حماس» «يجب أن يحترم قواعد الحرب والقانون الدولي الإنساني».

طفل من الخدج داخل حضانة في مستشفى «الشفاء» بغزة (رويترز)

ولاستكمال الصورة وفهم «غضب» إسرائيل، تعني الإشارة إلى أن ماكرون دعا ولأول مرة مباشرة إلى وقف لإطلاق النار، بقوله السبت: «أذكر الجميع بالقانون الدولي. أدعو إلى وقف لإطلاق النار». وكان ماكرون قد اكتفى حتى مساء الجمعة، بالدعوة إلى «هدنة إنسانية تقود لوقف إطلاق النار»، ما يعني أنه قد قام بخطوة إضافية إلى الأمام.

تأكيد للمؤكد

ما جاء على لسان الرئيس الفرنسي لا يحمل جديداً بالنسبة لأي مراقب مستقل؛ لأنه بمثابة تأكيد للمؤكد إزاء حرب إسرائيل على غزة ذهب ضحيتها ما يزيد على 11 ألف قتيل بينهم آلاف الأطفال والنساء، وضعفهم، على الأقل، من المصابين الجرحى. لكن أهمية ما قاله ماكرون، وفق مصدر سياسي فرنسي، أنه «صدر لأول مرة عن رئيس دولة أو حكومة غربية»، وأنه «حاد عن الخط الإسرائيلي ــ الأميركي ــ البريطاني ــ الألماني»، فهو دعا إلى وقف إطلاق النار وهو ما ترفضه إسرائيل، لا بل إنها ترفض عملياً الهدنات الإنسانية رغم الدعوات العالمية التي تحثها على ذلك «بلاغياً»، ولكن دون أية ضغوط فعلية.

وتفيد المقارنة بين ما قاله ماكرون، وما صدر عن المستشار الألماني أولاف شولتس الذي يتبنى الموقف الإسرائيلي بالمطلق، إذ أعلن، الأحد، خلال نقاش نظمته صحيفة إقليمية ألمانية: «أقر بأنني لا أعتقد أن الدعوات إلى وقف فوري لإطلاق النار أو إلى هدنة طويلة (...) في محلها، لأن ذلك يعني في نهاية المطاف أن إسرائيل ستدع لـ(حماس) امتلاك صواريخ جديدة». أما بالنسبة للهدنة الإنسانية، فقد رأى أنها «قد تكون منطقية، وذلك على سبيل المثال، لإخراج الجرحى من قطاع غزة»، ما يبين حتى فتوره إزاءها.

رد إسرائيلي حاد

لم تتأخر الردود النارية على تصريحات ماكرون، وجاءت بداية من إسرائيل نفسها على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، الذي أعلن رفضه مطلب وقف النار «وهذا ليس جديداً»، وكتب مغرداً على موقع «إكس»: «المسؤولية عن أي أذى للمدنيين تقع على عاتق (حماس)، وليس على إسرائيل»، التي «تقوم بكل ما بوسعها لتجنب إيذاء المدنيين، وتحثهم على مغادرة مناطق القتال...».

صورة لنتنياهو وماكرون خلال اجتماعهما الأخير في القدس (أ.ف.ب)

وذهب إلى حد تنبيه ماكرون بقوله إن «الجرائم التي ترتكبها (حماس) اليوم في غزة، سترتكبها غداً في باريس ونيويورك وفي كل أنحاءالعالم». وقال لاحقاً في مؤتمر صحافي إن تصريحات ماكرون «خاطئة لجهة الوقائع والموقف الأخلاقي». وبعده سارع وزير خارجيته إيلي كوهين، في بيان عبر الموقع نفسه، إلى تحميل «حماس وحدها» المسؤولية عما يحدث لمدنيي غزة، معتبراً أنه «العدو الأكبر للفلسطينيين» وزاعماً أن جيش بلاده «يتصرف وفق القانون الدولي».

وانتقلت الانتقادات إلى باريس حيث عجل المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا إلى استنساخ ما صدر عن نتنياهو حرفياً، إذ قال في بيان السبت إن «مسؤولية الأموات في غزة تقع على عاتق (حماس) وليس إسرائيل، تماماً كما أن مسؤولية القتلى في الرقة والموصل وقعت على عاتق (داعش) وليس على عاتق فرنسا»، في إشارة لمشاركة فرنسا في الحرب على «داعش» في إطار التحالف الدولي الذي أنشئ لهذه الغاية في عام 2014 بقيادة أميركية. ولم يكتف المجلس المذكور بالتنديد، بل طالب ماكرون بـ«توضيح» تصريحاته.

تناقض الرسائل

بدل أن يتمسك ماكرون بمواقفه «الشجاعة» التي عبَّر عنها للتلفزة البريطانية، إذا به يخطو سريعاً خطوة الى الوراء. ففي الرسالة المتأخرة ليل السبت التي وجهها للفرنسيين بمناسبة «المسيرة» المناهضة لمعاداة السامية بدعوة من رئيسي مجلس الشيوخ والنواب، أعاد ماكرون التأكيد على «حق إسرائيل في الدفاع» عن نفسها، مذكراً بأن هذا كان موقفه «منذ اليوم الأول»، ورافضاً أن يكون هذا الحق «موضع أخذ ورد».

المسيرة المناهضة لمعاداة السامية في باريس الأحد التي غاب عنها إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

ووفق مضمون رسالته، فإن «القضاء على (حماس) ضرورة» ولكن يجب أن يترافق مع «معاودة الحوار السياسي، والحرص على حماية المدنيين والرهائن الذين ليس لهم أن يدفعوا ثمن جنون الإرهابيين الدموي». أما بالنسبة للمطالبة بوقف إطلاق النار، فقد تحولت مجدداً إلى «هدنة إنسانية يمكن أن تقود لوقف لإطلاق النار». وهذا الكلام في لهجته ومضمونه بعيد كل البعد عما قاله للتلفزة البريطانية.

يبدو أن ما سبق لم يكن كافياً بالنسبة لإسرائيل ولمناصريها فرنسياً، لذا أتبعه ماكرون باتصال هاتفي، الأحد، برئيس الدولة الإسرائيلية إسحاق هرتزوغ وبوزير الدفاع السابق بيني غانتس، وكلاهما التقاهما في تل أبيب يوم زيارته لإسرائيل في 24 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. والملاحظ أن ماكرون لم يتصل بنتنياهو الذي دأب على التواصل معه منذ 8 الشهر الماضي، ولم تصدر أية توضيحات بهذا الخصوص لا من باريس ولا من الجانب الإسرائيلي، لكن الأهم، طبيعة «التوضيحات» التي حرص ماكرون على تقديمها.

ووفق الرئاسة الإسرائيلية، فإن ماكرون «أوضح أنه لم تكن لديه نيّة اتهام إسرائيل بتعمد إيذاء مدنيين أبرياء في إطار الحملة ضد منظمة (حماس) الإرهابية». كذلك «أكد أنه يدعم بشكل لا لبس فيه حقّ إسرائيل وواجبها في الدفاع عن نفسها، وأعرب عن دعمه الحرب التي تشنها إسرائيل ضد (حماس)».

وإذ أشارت الرئاسة الإسرائيلية إلى أن «تصريحات ماكرون تسببت في كثير من الألم والانزعاج في إسرائيل»، فإن الأخير حصرها بـ«الوضع الإنساني الذي يظل قضية مهمة بالنسبة إليه وإلى كثير من الدول». وكان رد هرتزوغ الترحيب بـ«توضيحات» ماكرون الذي حرص على تقديمها إليه في اتصال مباشر، بيد أن كل هذه العناصر غابت عن البيان المطول الذي صدر عن قصر الإليزيه، الذي لم يتطرق بتاتاً للتصريحات للتلفزة البريطانية، إلا أنه بالمقابل، أشار إلى تأكيده على «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، وعلى «تضامن فرنسا معها في حربها ضد الإرهاب». ولم ينس الإشارة «مجدداً إلى أن هذه المعركة يجب أن تتم وفقاً للقانون الإنساني الدولي مع مراعاة حماية السكان المدنيين»، وفقاً للإليزيه. واللافت أن أياً من وزراء ماكرون لم يهب للدفاع عنه وعن تصريحاته.

يصلّون صلاة الجنازة قبل تشييع أفراد عائلتيْ قديح والشرفي الذين قُتلوا في غارات ليلية على جنوب قطاع غزة الاثنين (أ.ف.ب)

تقول مصادر سياسية فرنسية إنه «يؤخذ» على ماكرون «انحرافه» عن الخط الداعم المطلق لإسرائيل، والخوف أن تشجع مواقف رئيس دولة مثل فرنسا دولاً غربية أخرى على الابتعاد عن «السردية الإسرائيلية». ومن ذلك أن وزير الخارجية الإيطالي دعا إلى إرسال قوة أممية إلى غزة على غرار «اليونيفيل» في لبنان، بينما دعا وزير بلجيكي إلى فرض عقوبات على تل أبيب على غرار العقوبات التي فُرضت على روسيا بعد انطلاق حربها على أوكرانيا.

كذلك فإن ماكرون، وفق المصادر المشار إليها، ارتكب خطأً كبيراً عندما دعا إلى مؤتمر دولي في باريس حصل الجمعة الماضي ليس لأنه جمع مليار دولار لدعم المدنيين في غزة، وهي وعود شفهية تحتاج إلى ترجمة عملية، بل خصوصاً «لأنه وفر منصة ثمينة لانتقاد إسرائيل وإسماع ذلك للعالم كله». وتجدر الإشارة الى أن الكلمات التي ألقيت بهذه المناسبة ومنها كلمة رئيس الحكومة الفلسطينية محمد أشتية وممثلي الوكالات الأممية كانت «جارفة» وأحياناً بدا الانزعاج على وجه ماكرون من سماعها. ثم إن اليمين الفرنسي بجناحيه التقليدي (حزب الجمهوريين) والمتطرف (التجمع الوطني)، إضافة إلى المنظمات وبعض الشخصيات اليهودية المهمة شنوا حملة شعواء على ماكرون؛ لأنه فضَّل التغيب عن المسيرة الكبرى التي شهدتها باريس بعد ظهر الأحد، علماً أنه استبق المسيرة برسالته المكتوبة للفرنسيين، وتأكيده أنه يشارك بها «بالفكر والقلب».

ما سبق يبين «تذبذب» سياسة ماكرون المتأرجحة بين الدعم المطلق لإسرائيل من جهة، والرغبة في التعبير عن مواقف أقل انحيازاً. وتجدر الإشارة إلى أن موجة انتقادات تعم وزارة الخارجية بسبب «الاصطفاف المطلق» إلى جانب إسرائيل والتخلي عن المبادئ التقليدية والإرث الديغولي في سياسة فرنسا الشرق أوسطية. وحدها الأيام والأسابيع القادمة ستبين ما إذا كان ماكرون قد تخلى «نهائياً» عن تمرده، أم أنه ما زالت لديه الرغبة والقوة بأن تلعب بلاده دوراً ما في التطورات الدراماتيكية الحاصلة اليوم في المنطقة وفي ما بعدها.


مقالات ذات صلة

آثار الحرب تخيّم على أجواء عيدَي الفطر والأم في قطاع غزة

المشرق العربي فلسطينية تبكي لدى زيارة قبور أقاربها في خان يونس جنوب قطاع غزة... الجمعة (إ.ب.أ)

آثار الحرب تخيّم على أجواء عيدَي الفطر والأم في قطاع غزة

ظلَّت آثار الحرب حاضرةً وخيَّمت على أجواء العيد في قطاع غزة، خصوصاً بعد أن شدَّدت إسرائيل مجدداً من إجراءاتها على إدخال البضائع؛ بحجة الظروف الأمنية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص يمنيون يتابعون كلمة لـ«أبو عبيدة» المتحدث باسم «كتائب القسام» الذي أعلنت إسرائيل اغتياله في أغسطس 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

خاص محور دون أصوات... «المقاومة» تخسر مهندسي الحرب النفسية

لم تقتصر المواجهة في الشرق الأوسط على الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل اتسعت لتشمل جبهة موازية لا تقل خطورة: مهندسو السرديات والحرب النفسية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي سيارات تحمل أول مجموعة من الجرحى يغادرون مقر الصليب الأحمر الفلسطيني في خان يونس متجهين إلى معبر رفح الحدودي مع مصر (إ.ب.أ) p-circle

مقتل 4 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على غزة

قُتل 4 فلسطينيين في غارات إسرائيلية استهدفت مدينة غزة، بحسب ما أفادت هيئة الدفاع المدني ومستشفيان في القطاع الفلسطيني.

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري فلسطينيون يشقون طريقهم عبر أنقاض المباني المدمرة في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»... المسار الإنساني يتحرك والسياسي «محلك سر»

بعد 19 يوماً من الإغلاق، أعاد فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني الحديث عن المسار الإنساني مع بدء استعدادات لعودة فلسطينيين تم علاجهم للقطاع

محمد محمود (القاهرة)
خاص عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية- رويترز)

خاص مصادر لـ«الشرق الأوسط»: خالد مشعل تواصل مع فصائل غزة لبحث مصير السلاح

تواصل حركة «حماس» إجراء مشاورات داخلية، ومع الفصائل الفلسطينية، بشأن مصير السلاح في قطاع غزة الذي تنص خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على نزعه بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (غزة)

كاتس: تعليمات للجيش بتسريع هدم منازل اللبنانيين وتدمير جسور الليطاني

مركبات عسكرية إسرائيلية متوقفة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع لبنان (رويترز)
مركبات عسكرية إسرائيلية متوقفة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع لبنان (رويترز)
TT

كاتس: تعليمات للجيش بتسريع هدم منازل اللبنانيين وتدمير جسور الليطاني

مركبات عسكرية إسرائيلية متوقفة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع لبنان (رويترز)
مركبات عسكرية إسرائيلية متوقفة على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع لبنان (رويترز)

قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس اليوم الأحد إنه ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أصدرا تعليمات للجيش بتسريع هدم منازل اللبنانيين في "قرى خط المواجهة" لإنهاء التهديدات التي تواجه المناطق الإسرائيلية.

وأضاف كاتس في بيان صدر عن مكتبه أن الجيش تلقى تعليمات بتدمير جميع الجسور فوق نهر الليطاني اللبناني فوراً، والتي قال إنها تُستخدم في "أنشطة إرهابية".

ووصل التوغل البري الإسرائيلي في جنوب لبنان أمس، إلى مشارف بلدة الناقورة الساحلية، في أولى الهجمات على هذا المحور، حيث اندلعت اشتباكات مباشرة بالأسلحة الرشاشة الخفيفة والمتوسطة والقذائف الصاروخية بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي «حزب الله» على أطراف البلدة.

وإضافة إلى الناقورة، بلغت المعارك في جنوب لبنان، حد «الالتحام المباشر» على جبهة مدينة الخيام أيضاً، وقالت مصادر ميدانية في مرجعيون لـ«الشرق الأوسط»، إن القتال استعر بالأسلحة الرشاشة المتوسطة والخفيفة، وهي من المرات النادرة التي تُسمع فيها أصوات الاشتباكات بهذه الكثافة في المنطقة.


كيف تستخدم إيران مواقع التواصل سلاحاً في الحرب؟

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)
لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)
TT

كيف تستخدم إيران مواقع التواصل سلاحاً في الحرب؟

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)
لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

أجرت إيران تغييرات جذرية على استراتيجيتها في وسائل التواصل الاجتماعي، في حرب معلوماتية شاملة شنَّها حكامها رداً على الهجمات العسكرية الأميركية والإسرائيلية.

ونقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية عن خبراء في الأمن السيبراني قولهم إن عمليات التأثير الخارجي الإيرانية قد تصاعدت بشكل كبير ضمن حملة تهدف إلى دعم ردِّها العسكري وتكثيف الضغط المعنوي على الولايات المتحدة وإسرائيل لكبح جماح جهودهما الحربية.

وقد تمثَّل ذلك في إغراق منصات مثل «إكس» و«إنستغرام» و«بلوسكاي»، بمنشورات تتضمن مقاطع فيديو وصوراً مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، بهدف التأثير على الرأي العام، خصوصاً داخل الولايات المتحدة حيث تتزايد معارضة الحرب.

وشملت هذه الحملة نشر مواد مضللة، مثل مقاطع تُظهر ضربات وهمية على حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس أبراهام لينكولن»، وأضراراً مزعومة ناجمة عن قصف مبانٍ في تل أبيب، وجنوداً إسرائيليين يبكون خوفاً من الرد الإيراني.

وأثارت هذه التحركات ردود فعل سياسية، حيث اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب إيران باستخدام الذكاء الاصطناعي «كسلاح للتضليل».

ويأتي ذلك في ظل فرض النظام الإيراني حظراً شبه كامل على الإنترنت في البلاد، مع التهديد بفرض عقوبات على كل من يستخدم اتصالات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية، مثل «ستارلينك».

كما تحدث إيرانيون في الخارج عن تعرضهم لضغوط وتهديدات من جهات مرتبطة بالحكومة، لإجبارهم على الامتناع عن نشر محتوى معارض.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

جهود غير مسبوقة

ويعتقد المحللون أن الجهود الإلكترونية أصبحت عنصراً أساسياً في استراتيجية النظام الإيراني للبقاء.

وقال دارين لينفيل، المدير المشارك لمركز تحليل الإعلام الجنائي بجامعة كليمسون في ولاية ساوث كارولاينا، ومؤلف دراسة حول تكتيكات إيران: «إنها حرب غير متكافئة بكل المقاييس».

وأضاف: «استخدام الذكاء الاصطناعي يتم بوتيرة غير مسبوقة، لا من حيث النطاق ولا من حيث الأسلوب. إيران تستخدم كل ما لديها من أدوات، وقد استعدت لهذا النوع من الصراع منذ نحو 50 عاماً».

وأظهرت دراسة أجرتها جامعة كليمسون أن جهود إيران على وسائل التواصل الاجتماعي، التي كانت تستهدف سابقاً استغلال الخلافات السياسية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، قد تحوَّلت فوراً إلى الترويج للرواية الإيرانية بعد بدء الضربات العسكرية الأميركية الإسرائيلية في 28 فبراير (شباط).

وقال لينفيل: «كانت هناك حسابات يديرها (الحرس الثوري) الإيراني تتظاهر بأنها اسكوتلندية وآيرلندية، تتحدث عن السياسة الاسكوتلندية والآيرلندية في يوم، ثم تركز بشكل حصري على الحرب في إيران والدعاية الإيرانية الصريحة في اليوم التالي».

وأضاف: «إن استخدام هذه الحسابات نفسها للحديث فجأةً عن (استشهاد المرشد الإيراني) يبدو غير منطقي بعض الشيء».

استغلال معارضة الحرب داخل الولايات المتحدة

يبدو أن جزءاً أساسياً من استراتيجية إيران هو استغلال الانتقادات الموجهة للحرب داخل الولايات المتحدة.

ونشرت قناة «برس تي في»، وهي قناة فضائية إيرانية رسمية ناطقة بالإنجليزية، أربعة مقاطع من مقابلة أجريت مع جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب الذي استقال من منصبه بسبب الحرب، على حسابها في وسائل التواصل الاجتماعي في غضون ساعة واحدة يوم الخميس.

وقال أليكس غولدنبرغ، الخبير في التهديدات الإلكترونية وحملات التأثير الأجنبي، إن القائمين على الدعاية الإيرانية استغلوا على الأرجح تأكيد كينت - الذي ورد في رسالة استقالته وفي مقابلته مع كارلسون - بأن إسرائيل هي من دفعت الولايات المتحدة إلى الحرب.

وأضاف غولدنبرغ، إن «جزء أساسي من الاستراتيجية الإيرانية هو استغلال الانقسامات داخل المجتمع الأميركي وتضخيمها».

وأشار إلى أن طهران باتت تستفيد بشكل متزايد من محتوى موجود أصلاً داخل التيارات السياسية الأميركية، خاصة تلك المنتقدة للدور الإسرائيلي في السياسة الخارجية.

ويخلص الخبراء إلى أن الحرب الرقمية أصبحت عنصراً محورياً في استراتيجية إيران، إلى جانب التحركات العسكرية، في محاولة لتعزيز موقعها والضغط على خصومها في ساحة الصراع الدولي.


أكثر من 100 جريح في ضربات إيرانية على مدينتين جنوب إسرائيل

صورة التقطتها طائرة مسيّرة لحفرة في حي سكني عقب ليلة من الهجمات الصاروخية الإيرانية التي أسفرت عن إصابة عشرات الإسرائيليين (رويترز)
صورة التقطتها طائرة مسيّرة لحفرة في حي سكني عقب ليلة من الهجمات الصاروخية الإيرانية التي أسفرت عن إصابة عشرات الإسرائيليين (رويترز)
TT

أكثر من 100 جريح في ضربات إيرانية على مدينتين جنوب إسرائيل

صورة التقطتها طائرة مسيّرة لحفرة في حي سكني عقب ليلة من الهجمات الصاروخية الإيرانية التي أسفرت عن إصابة عشرات الإسرائيليين (رويترز)
صورة التقطتها طائرة مسيّرة لحفرة في حي سكني عقب ليلة من الهجمات الصاروخية الإيرانية التي أسفرت عن إصابة عشرات الإسرائيليين (رويترز)

أُصيب أكثر من 100 شخص بجروح، السبت، جراء ضربتين صاروخيَّتين إيرانيَّتين على جنوب إسرائيل هما الأكثر فتكاً في الدولة العبرية منذ بدء الحرب قبل 3 أسابيع، وتوعَّد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بالردِّ «على كل الجبهات».

وجُرح 75 شخصاً، بينهم 10 بجروح بالغة، في ضربة صاروخية إيرانية استهدفت مدينة عراد في جنوب إسرائيل ليلة السبت، وألحقت أضراراً واسعة النطاق، بحسب ما أفاد مسعفون.

صورة التقطتها طائرة مسيّرة لحفرة في حي سكني عقب ليلة من الهجمات الصاروخية الإيرانية التي أسفرت عن إصابة عشرات الإسرائيليين (رويترز)

وأظهرت لقطات، بثتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، مسعفون داخل مبنى متضرر في منطقة سكنية بمدينة عراد.

ينظر الناس إلى المباني السكنية المتضررة جراء ضربة صاروخية إيرانية في عراد جنوب إسرائيل (أ.ب)

وأفادت خدمة الإسعاف الإسرائيلي، نجمة داود الحمراء، بعدم ورود أي تقارير بعد عن سقوط ضحايا.

وسُمع دوي انفجارات من القدس، اليوم (الأحد)، بحسب ما أفاد مراسلو الصحافة الفرنسية، بعدما حذَّر الجيش الإسرائيلي من صواريخ مقبلة من إيران باتّجاه وسط إسرائيل. وفي وقت سابق، استهدفت ضربة صاروخية إيرانية مدينة ديمونا التي تضم منشأةً نوويةً في صحراء النقب؛ ما أسفر عن إصابة 33 شخصاً، بحسب مسعفين.

تفقد رجال الإنقاذ موقع الهجوم الصاروخي الإيراني في عراد فجر اليوم (أ.ف.ب)

وقال نتنياهو في بيان: «هذه ليلة صعبة للغاية في المعركة من أجل مستقبلنا... نحن مصمّمون على مواصلة ضرب أعدائنا على كل الجبهات».

وفي إيران، قال التلفزيون الرسمي إن الهجوم الصاروخي على مدينة ديمونا، جاء «رداً» على قصف «العدو» منشأة نطنز النووية في وقت سابق السبت.

وسقط الصاروخ في منطقة سكنية في مدينة ديمونا، على بُعد نحو 5 كيلومترات من المنشأة النووية.

وأفاد الجيش الإسرائيلي بوقوع «ضربة صاروخية مباشرة على مبنى» في مدينة ديمونا، وذلك بعدما انتشرت لقطات على منصات التواصل الاجتماعي، تظهر ارتطام جسم متفجر بعد سقوطه بشكل سريع من الجو، وتسببه بكرة لهب ضخمة.

وأظهرت لقطات من المكان لـ«إ.ف.ب تي في» حفرةً ضخمةً في الأرض يحيط بها ركام وأنقاض وقطع من الحديد الملتوي. وتضرَّرت واجهات المباني المحيطة بموقع الارتطام بشكل بالغ.

موقع الهجوم الصاروخي الإيراني في ديمونا (أ.ف.ب)

وتقع ديمونا في صحراء النقب، وتضم منشأةً نوويةً رئيسيةً لإسرائيل التي تنتهج سياسة الغموض إزاء برنامجها النووي، وتقول رسمياً إن مفاعل ديمونا مُخصَّص للأغراض البحثية. وهي لا تؤكد أو تنفي امتلاكها أسلحة نووية، لكن وفقاً لـ«معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام»، فإنَّها تمتلك 90 رأساً نووياً.

آثار الصاروخ الإيراني على عراد جنوب إسرائيل (أ.ف.ب)

وكانت المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية أعلنت أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل شنّتا هجوماً، صباح السبت، على منشأة نطنز الواقعة تحت الأرض في محافظة أصفهان، وتضم أجهزة طرد مركزي لتخصيب اليورانيوم. وتضرَّرت المنشأة في حرب يونيو (حزيران) 2025 التي بدأتها إسرائيل وتدخلت فيها واشنطن.

موقع الهجوم الصاروخي الإيراني في ديمونا (أ.ف.ب)

ورداً على سؤال بشأن قصف «نطنز»، قال الجيش الإسرائيلي إنه «ليس على علم بوقوع ضربة»، فيما يؤشر إلى أن الضربة قد تكون عمليةً أميركيةً.

مخاطر كارثية

وبعد الهجوم على ديمونا، دعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى ممارسة «أقصى درجات ضبط النفس العسكري».

وفي وقت سابق السبت، دعا مدير الوكالة رافائيل غروسي إلى «ضبط النفس» في أعقاب الهجوم على «نطنز»؛ لتجنب «أي خطر لوقوع حادث نووي».

وأكدت الوكالة التابعة للأمم المتحدة عدم رصد أي إشعاعات بعد الحادثين.

طفل يقف ممسكاً بعربة أطفال بالقرب من موقع هجوم صاروخي إيراني في عراد (أ.ف.ب)

ووصفت وزارة الخارجية الروسية الضربات على منشأة «نطنز» بأنها «غير مسؤولة».

ومع بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، أعلن الرئيس دونالد ترمب أنه يريد القضاء على التهديد النووي الإيراني، بعدما شاركت الولايات المتحدة في الحرب الإسرائيلية التي استمرَّت 12 يوما في يونيو، وذلك عبر ضرب منشآت نووية إيرانية رئيسية.

يهودي إسرائيلي يتفقد موقع هجوم صاروخي إيراني في عراد (أ.ف.ب)

وتتهم الدول الغربية وإسرائيل طهران بالسعي لامتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفيه إيران.