السلطة ترفض تسلم «المقاصة» لاقتطاع إسرائيل «حصة غزة»

خشية تصاعد العنف بغياب الرواتب تدفع الأميركيين للتدخل

فلسطينيون يتفقدون الأضرار التي لحقت بمسجد مدمَّر بعد غارة جوية إسرائيلية على مخيم خان يونس (أ.ب)
فلسطينيون يتفقدون الأضرار التي لحقت بمسجد مدمَّر بعد غارة جوية إسرائيلية على مخيم خان يونس (أ.ب)
TT

السلطة ترفض تسلم «المقاصة» لاقتطاع إسرائيل «حصة غزة»

فلسطينيون يتفقدون الأضرار التي لحقت بمسجد مدمَّر بعد غارة جوية إسرائيلية على مخيم خان يونس (أ.ب)
فلسطينيون يتفقدون الأضرار التي لحقت بمسجد مدمَّر بعد غارة جوية إسرائيلية على مخيم خان يونس (أ.ب)

فجَّرت أموال العوائد الضريبية خلافاً حاداً بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، بعدما قرَّرت الحكومة الإسرائيلية اقتطاع الأموال التي تخصصها السلطة لقطاع غزة من المبلغ العام المستحَق للسلطة، واشتراطها عدم تحويل أي مبالغ للقطاع، وقررت السلطة عدم تسلم هذه الأموال.

وقال أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حسين الشيخ إن «القيادة الفلسطينية ترفض تسلم أموال المقاصة بعد قرصنة إسرائيل لمئات ملايين الشواقل، ووضعها شروطاً لعدم التحويل إلى قطاع غزة».

وأضاف الشيخ على منصة «إكس» الأربعاء: «وحدة الأرض والشعب قرار فلسطيني لا مساومة عليه، وأوجه الصرف لميزانية السلطة تحددها حكومة فلسطين، وسنتقاسم لقمة العيش مع شعبنا في القطاع، حتى لو بقي لدينا درهم واحد».

جاء تصريح الشيخ مؤكداً القرار بالامتناع عن تسلم الأموال وأسباب ذلك، من جهة، وحتى يشرح ضمناً أسباب عدم دفع السلطة رواتب موظفيها حتى الآن، وهو أمر قد يأخذ وقتاً، من جهة أخرى.

وتعاني السلطة أصلاً من أزمة مالية، وتدفع رواتب منقوصة لموظفيها في القطاعين المدني والعسكري منذ عامين، بسبب اقتطاع إسرائيل نحو 50 مليون دولار من العوائد الضريبية (المقاصة) تساوي الأموال التي تدفعها السلطة لعائلات مقاتلين قضوا في مواجهات سابقة، وأسرى في السجون الإسرائيلية، إضافة إلى بدل أثمان كهرباء وخدمات طبية.

ويفاقم القرار الإسرائيلي الجديد من الأزمة، وقد يساهم إلى حد كبير في خلق فوضى، وهي مسألة كانت محل نقاش وخلاف حاد في إسرائيل.

وقالت مصادر فلسطينية لـ«الشرق الأوسط» إن الولايات المتحدة وجهات دولية أخرى في صلب مباحثات حول المسألة.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يستقبل وزير الخارجية الأميركي بلينكن في مقره برام الله الأحد (أ.ب)

وأكَّدت المصادر أن الإدارة الأميركية تسعى لضبط التوترات في الضفة، ولا تريد تصعيد العنف، وناقشت هذه المسألة على أعلى مستوى مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الفلسطيني محمود عباس.

وتدرك الإدارة الأميركية أن المسَّ بالرواتب، بما في ذلك رواتب نحو 70 ألف عسكري مسلح في الضفة، قد يشجع على العنف، وهي مخاوف نقلها مسؤولون أمنيون كذلك للمستوى السياسي في إسرائيل.

فلسطينيات يمثلن منظمات مدنية يتظاهرن أمام مكاتب الأمم المتحدة في رام الله بالضفة احتجاجاً على حرب غزة (أ.ف.ب)

وكان خلاف دبّ في إسرائيل نفسها حول مسألة تحويل الأموال للسلطة، بعدما كان وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، قرَّر عدم تحويل الأموال للسلطة، وعارضه وزير الدفاع، يوآف غالانت، مطالباً بتحويلها على الفور، قائلاً إن «دولة إسرائيل حريصة على الحفاظ على الاستقرار. وبناء عليه، فإنه يتعين تحويل هذه الأموال على الفور حتى يتسنى استخدامها من قبل قطاعات السلطة الفلسطينية التي تتعامل مع منع الإرهاب».

وتابع: «أعتقد أنه من المناسب فقط الالتزام بقرار مجلس الوزراء الذي تم اتخاذه قبل عدة أيام». ورد سموتريتش بالقول إن غالانت يرتكب «خطأ فادحاً» بالمطالبة بالإفراج عن الأموال.

وبموجب «اتفاق أوسلو»، تجمع وزارة المالية الإسرائيلية الضرائب نيابة عن الفلسطينيين، وتقوم بتحويلات شهرية إلى السلطة الفلسطينية، ويثير هذا الترتيب خلافات مستمرة.

وبعد نقاش حاد، التزم سموتريتش بقرار مجلس الوزراء، لكنه اقتطع الأموال التي تخصصها السلطة لقطاع غزة (رواتب، مساعدات، نفقات لوزارة الصحة والعلاجات، أثمان كهرباء) وتُقدّر بنحو 140 مليون دولار شهرياً.

.

أطفال يصطفون للحصول على الطعام في مطبخ خيري مؤقت برفح جنوب قطاع غزة الأربعاء (أ.ف.ب)

وكان رئيس الوزراء محمد اشتية، قال الاثنين إن «قرار الحكومة الإسرائيلية اقتطاع مبالغ جديدة من أموال المقاصة سياسي يهدف إلى فصل غزة عن الضفة، ونحن لن نسمح بذلك ولن نقبل بهذا الفصل».

وأكد رئيس الوزراء، في كلمته بمستهلّ اجتماع الحكومة، اليوم (الاثنين)، في رام الله، إن غزة جزء لا يتجزأ من نسيجنا الوطني، ومكوّن جغرافي أساسي لدولة فلسطين. لقد التزمنا بمسؤولياتنا فيها مدة 30 عاماً وحتى بعد الانقسام، وسوف نستمر.

وأضاف: «المال ليس أغلى من دم الأطفال في غزة والضفة».


مقالات ذات صلة

لليوم الثالث... إسرائيل تعيد مشاهد تصعيد الحرب إلى غزة

المشرق العربي فلسطينيات يبكين يوم الأحد خلال جنازة ضحايا غارة إسرائيلية على مدينة غزة (رويترز)

لليوم الثالث... إسرائيل تعيد مشاهد تصعيد الحرب إلى غزة

أعادت إسرائيل كثيراً من مشاهد تصعيد الحرب إلى قطاع غزة بعدما كثفت من غاراتها واغتيالاتها، رغم اتفاق وقف إطلاق النار المفترض.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مستوطنون متطرفون يحاولون العبور إلى داخل غزة في فبراير 2024 لإقامة بؤرة استيطانية (د.ب.أ)

وزراء ونواب إسرائيليون ينظمون مظاهرة لإقامة 3 مستوطنات في غزة

أعلن 8 وزراء و15 نائباً إسرائيلياً تأييدهم خطة وزير المالية بتسلئيل سموترتش لإعادة بناء 3 مستعمرات يهودية كانت قد أخليت قبل 20 سنة في قطاع غزة

خاص فلسطيني يحتضن جثمان والده الذي قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

خاص وسط غزة مسرحاً لعمليات إسرائيلية مكثفة بعد اختطاف ناشط من «القسام»

شهدت المنطقة الوسطى من قطاع غزة تصعيداً مفاجئاً، إثر سلسلة من العمليات الإسرائيلية المكثفة التي طالت أهدافاً متفرقة وتضمنت اغتيال ناشط ميداني بارز في «القسام».

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا صورة عامة لخيام منصوبة قرب المباني التي دمرتها الحرب في منطقة الزرقاء شرق مدينة غزة 11 يوليو 2026 (د.ب.أ)

المغرب يوقّع اتفاقية للانضمام إلى قوة الاستقرار الدولية في غزة

أفادت وسائل الإعلام الرسمية المغربية بأن المغرب وقّع، اليوم (الأربعاء)، اتفاقية للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية في غزة.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
المشرق العربي صورة جماعية بعد حفل توقيع في اجتماع مجموعة المانحين للشعب الفلسطيني بمقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم 13 يوليو 2026 (أ.ب)

اجتماع المانحين يقر دعماً بنحو مليار دولار لغزة والموازنة الفلسطينية

أسفر اجتماع المانحين في بروكسل عن تعهدات تقارب مليار دولار لدعم غزة والموازنة الفلسطينية، مع تأكيد دعم الحكومة الفلسطينية والدعوة إلى وقف الحرب.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

الأردن يستدعي القائم بالأعمال الإيراني احتجاجاً على «استمرار الاعتداءات»

TT

الأردن يستدعي القائم بالأعمال الإيراني احتجاجاً على «استمرار الاعتداءات»

لقطة من فيديو نشره «الحرس الثوري» الإيراني لإطلاق صاروخ باتجاه أهداف أميركية في الأردن (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو نشره «الحرس الثوري» الإيراني لإطلاق صاروخ باتجاه أهداف أميركية في الأردن (أ.ف.ب)

استدعت وزارة الخارجية الأردنية، الأحد، القائم بأعمال السفارة الإيرانية في عمّان، وذلك احتجاجاً على «استمرار الاعتداءات الإيرانية»، وذلك بعد إعلان اعتراض صواريخ أطلقتها طهران نحو المملكة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وجاء في بيان لوزارة الخارجية الأردنية أن القائم بالأعمال تبلّغ «رسالة احتجاج شديدة اللهجة ضد استمرار الاعتداءات الإيرانية الغاشمة وغير المبررة التي تستهدف أراضي المملكة»، مطالبة بوقفها «فوراً».

وأعلن الأردن الأسبوع الماضي اعتراض صواريخ إيرانية كانت تحلق فوق أراضيه. وذكرت القوات المسلحة الأردنية، اليوم (الأحد)، أنها أسقطت ثلاثة صواريخ إيرانية كانت تستهدف المملكة.

بدوره، أعلن الجيش الإسرائيلي أن القوات الإسرائيلية والأردنية اعترضت، الأحد، صاروخاً أُطلق من إيران باتجاه مدينة العقبة في جنوب المملكة، وذلك بعد نفي عمّان إعلاناً أميركياً بإخلاء مطار المدينة الساحلية ومينائها بسبب تهديد أمني.

ورداً على استفسار «وكالة الصحافة الفرنسية» عقب تقارير عن سماع دوي انفجارات قرب مدينة إيلات في جنوب الدولة العبرية، قالت متحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إن «القوات الإسرائيلية والأردنية اعترضت صاروخاً».

وفي بيان منفصل في وقت لاحق، قال الجيش إنه «أطلق صواريخ اعتراضية باتجاه حطام للصواريخ، لمنع سقوط الحطام داخل الأراضي الإسرائيلية».

وأضاف البيان: «نتيجة لذلك، تم رصد سقوط بعض الشظايا من الصواريخ الاعتراضية في منطقة مفتوحة بالقرب من مدينة إيلات. ولم يتم الإبلاغ عن وقوع أي أضرار أو إصابات».

وكان الجيش الأميركي أعلن مقتل اثنين من أفراده وفقدان آخر جراء ضربات إيرانية على الأردن، الجمعة، في ظل استمرار تبادل الهجمات بين واشنطن وطهران.

وأعلن الجيش الأردني في الأيام القليلة الماضية التصدي لصواريخ باليستية ومسيّرات إيرانية، بوتيرة شبه يومية.

ويؤكد الأردن أنه لا يضم قواعد أجنبية، إلا أن قوات من دول عدة تنتشر في بعض قواعد الجيش الأردني ضمن اتفاقات تعاون وتدريب.


المحكمة الدستورية العليا تعقد اجتماعها الأول في دمشق

رئيس المحكمة الدستورية العليا د. عصام الخليف وأعضاؤها التقوا الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق بعد أداء اليمين الدستورية في 11 من الشهر الجاري (الرئاسة السورية)
رئيس المحكمة الدستورية العليا د. عصام الخليف وأعضاؤها التقوا الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق بعد أداء اليمين الدستورية في 11 من الشهر الجاري (الرئاسة السورية)
TT

المحكمة الدستورية العليا تعقد اجتماعها الأول في دمشق

رئيس المحكمة الدستورية العليا د. عصام الخليف وأعضاؤها التقوا الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق بعد أداء اليمين الدستورية في 11 من الشهر الجاري (الرئاسة السورية)
رئيس المحكمة الدستورية العليا د. عصام الخليف وأعضاؤها التقوا الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق بعد أداء اليمين الدستورية في 11 من الشهر الجاري (الرئاسة السورية)

عقدت المحكمة الدستورية العليا، اليوم الأحد، اجتماعها الأول في مقرها بدمشق، برئاسة د. عصام الخليف، وحضور جميع الأعضاء المعينين بموجب المرسوم الرئاسي رقم 149 لعام 2026.

وخصّص الاجتماع لمناقشة مشروع قانون تنظيم عمل المحكمة وتحديد اختصاصاتها، تمهيداً لصياغته النهائية وإحالته إلى الجهات المعنية.

وكان الرئيس أحمد الشرع، أصدر في 7 يوليو (تموز) الجاري، المرسوم رقم 149 لعام 2026، القاضي بتعيين د. عصام خالد الخليف رئيساً للمحكمة الدستورية العليا.

نصّ المرسوم على تعيين القاضي المستشار خير الله نديم غنوم، والقاضي المستشار محمد مصطفى سبيع، والقاضي المستشار إيمان أنطوان نوري، ود. إسماعيل حمادي الخلفان، ود. ريعان حسن كحيلان، والمحامي عارف أحمد الشعال أعضاء في المحكمة.

المحكمة الدستورية العليا في دمشق (سانا)

وصرح رئيس المحكمة، د. الخليف، لوكالة «سانا»، بأن الجلسة تضمنت إعداد مشروع القانون الذي يهدف إلى ضمان تطبيق الإعلان الدستوري وتمكين المحكمة من القيام بدورها الفاعل في مؤسسات الدولة السورية الجديدة.

عضو المحكمة، د. ريعان كحيلان، أوضحت أن تشكيل المحكمة يأتي استكمالاً لبناء المؤسسات الدستورية، مشيرة إلى أن المحكمة هيئة قضائية مستقلة تتولى الرقابة على دستورية القوانين، وإبداء الآراء الاستشارية، إضافة إلى اختصاصات أخرى جوهرية.

بدوره، شدد عضو المحكمة، عارف الشعال، على أن المحكمة ستضطلع بدور محوري في النظر بدستورية القوانين الصادرة عن مجلس الشعب وفي تفسير النصوص الدستورية بناءً على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب.

يُذكر أن رئيس المحكمة الدستورية العليا وأعضاءها أدوا اليمين الدستورية في 11 من الشهر الجاري أمام الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق، إيذاناً ببدء مهامهم رسمياً.


«الشرق الأوسط» تتقصى خلفية تعيينات الشرع الأمنية الجديدة

الرئيس الشرع والرئيس الفرنسي ماكرون يتفقدان القطع الأثرية السورية التي كانت معارة إلى «معهد العالم العربي» في باريس منذ عام 2010 خلال عرض رسمي داخل «قصر الشعب» بدمشق يوم 7 يوليو 2026 (سانا)
الرئيس الشرع والرئيس الفرنسي ماكرون يتفقدان القطع الأثرية السورية التي كانت معارة إلى «معهد العالم العربي» في باريس منذ عام 2010 خلال عرض رسمي داخل «قصر الشعب» بدمشق يوم 7 يوليو 2026 (سانا)
TT

«الشرق الأوسط» تتقصى خلفية تعيينات الشرع الأمنية الجديدة

الرئيس الشرع والرئيس الفرنسي ماكرون يتفقدان القطع الأثرية السورية التي كانت معارة إلى «معهد العالم العربي» في باريس منذ عام 2010 خلال عرض رسمي داخل «قصر الشعب» بدمشق يوم 7 يوليو 2026 (سانا)
الرئيس الشرع والرئيس الفرنسي ماكرون يتفقدان القطع الأثرية السورية التي كانت معارة إلى «معهد العالم العربي» في باريس منذ عام 2010 خلال عرض رسمي داخل «قصر الشعب» بدمشق يوم 7 يوليو 2026 (سانا)

عدّ الباحثُ والخبير الأمني والاستراتيجي السوري، عصمت العبسي، حزمةَ التعيينات الجديدة التي أجراها الرئيس السوري، أحمد الشرع، الأحد، وشملت عدداً من المناصب الأمنية القيادية، إعادةَ مأسسة وهندسة جذرية للهيكل الأمني السوري، بدليل وجود وزيرَي؛ الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة، والعدل مظهر لويس، ضمن «مكتب الأمن الوطني»، واستجابةً لضغوط داخلية (أمنية) وخارجية (سياسية واقتصادية) في وقت محوري.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أوضح العبسي أن حزمة التعيينات الجديدة تعكس توجهاً صريحاً نحو تمركز السلطة الأمنية بيد الرئيس الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب، من خلال دمج ملفَي «الأمن العام» (الشرطة والأمن الداخلي) و«الأمن الوطني» ووضعهما في يد شخص واحد.

وهذا يعني، وفق العبسي، إنهاء أي ازدواجية أو أي تنافس بين «الداخلية» و«الاستخبارات»، وجعل الوزير خطاب المحور الوحيد لصنع القرار الأمني الاستراتيجي والتنفيذي، «بينما يُحول حسين السلامة إلى دور تنفيذي مساعد تحت إمرته مباشرة في ملف (الأمن الوطني)، وتوضع الاستخبارات العامة تحت قيادة عبد القادر طحان الذي يعمل ضمن هذا الهيكل الموحد».

تأتي هذه التعينات في إطار إنهاء المرحلة الانتقالية المشوشة وبناء هيكل أمني مركزي موحد، بعد قلق سابق من تشتت الصلاحيات بين أجهزة متعددة ذات خلفيات مختلفة («هيئة تحرير الشام»، و«قوات سوريا الديمقراطية»... وغيرهما). ويوضح الباحث أنه «بتعيين خطاب على رأس (مكتب الأمن الوطني) والداخلية معاً، يتم خلق (أمانة عامة واحدة للأمن)، وهو نموذج يعزز السيطرة الرئاسية المباشرة ويقلل من هامش المناورة أمام القيادات العسكرية أو الأمنية الأخرى؛ مما يسهم في ترسيخ الشرعية المؤسسية للدولة الجديدة».

أفراد من الأمن السوري بالقرب من فندق «فور سيزونز» بعد انفجارين في دمشق يوم 7 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

تفجيرات وثغرات حدود

العوامل الدافعة إلى هذه التعينات في هذا التوقيت، وفق العبسي، هي الضغط الأمني المباشر والمتوتر مؤخراً بعد التفجيرات التي وقعت في دمشق، واكتشاف وضبط عمليات تهريب أسلحة من العراق في طريقها إلى «حزب الله» اللبناني، لافتاً إلى أن عملية التفجيرات الأخيرة، وإحباط عمليات التهريب، كشفا عن ثغرات في التنسيق ومراقبة الحدود والمناطق الحضرية.

وأضاف أن «تعيين شخصية قوية مثل خطاب على رأس (مكتب الأمن الوطني) هدفه فرض رقابةٍ أشد وتنسيقٍ أسرع بين الأجهزة الميدانية (الداخلية) والاستخباراتية؛ لمحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة بشكل فعال».

الباحث والخبير الأمني والاستراتيجي السوري أشار إلى أن الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة و«الاتحاد الأوروبي»، يشترط لاستئناف المساعدات والدعم السياسي وجود أجهزة أمنية خاضعة للسيطرة المدنية والقانونية لا لفصائل مسلحة.

الرئيس السوري أحمد الشرع (سانا)

كذلك، فإن جعل «مكتب الأمن الوطني» والداخلية تحت قيادة وزير مدني/ أمني واحد يعدّ «خطوة إيجابية في نظر الشركاء الدوليين نحو (تحديث) المؤسسة الأمنية وجعلها أعلى شفافية ومسؤولية؛ مما يفتح الباب أمام دعم سياسي واقتصادي أكبر».

وذكر العبسي أن «المستثمرين المحتملين يحتاجون إلى ضمان استقرار أمني حقيقي قابل للتنبؤ به، والفوضى الأمنية أو التنافس بين الأجهزة يخيف رؤوس الأموال. وبالتالي، فإن إرسالَ رسالة بأن هناك (قائد أمن واحداً) مسؤولاً عن كل شيء، هو طمأنة للسوق العالمية بأن الدولة السورية قادرة على حماية مصالحها ومصالح المستثمرين؛ مما يعد شرطاً أساسياً لبدء مشروعات إعادة الإعمار الكبرى».

ختم العبسي تصريحه بالقول إن «هذه التعيينات ليست مجرد تبديل أسماء، بل هي إعادةُ مأسسة جذرية للهيكل الأمني السوري؛ بدليل وجود وزيرَي؛ الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة، والعدل مظهر لويس، ضمن (مكتب الأمن الوطني)، واستجابةٌ لضغوط داخلية (أمنية) وخارجية (سياسية واقتصادية) في وقت محوري حساس، بعد زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دمشق».

جانب من سوق قديمة قرب الجامع الأموي في دمشق يوم 9 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وتعدّ زيارة الرئيس الفرنسي التي أجراها في 6 يوليو (تموز) الحالي واستمرت يومين الأولى من نوعها من رئيس دولة غربية كبرى إلى سوريا منذ تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة أواخر عام 2024، وقد وقع خلالها تفجير عبوتين ناسفتين على بعد مئات الأمتار من فندق «فور سيزونز»؛ مقر إقامة ماكرون. وأعلنت السلطات الأمنية السورية القبض على الخلية المسؤولة عن التفجيرين، وأظهرت التحقيقات الأولية أنها تتبع تنظيم «داعش».

الرئيس الشرع يعقد اجتماعاً مع وزير الداخلية أنس خطاب ومعاونيه وقادة الأمن في المحافظات خلال نوفمبر 2025 (سانا)

الدكتور عبد الرحمن الحاج يقرأ المتغيرات الأمنية من وجهة نظر أكاديمي وباحث سياسي لديه كثير من المؤلفات عن الشأن السوري، ويرى فيها «خطوة رئيسية نحو بناء المؤسسة الأمنية وتعزيز قدراتها، فـ(مكتب الأمن الوطني) يعمل مركز تنسيق بين مصادر مختلفة للمعلومات، ويدمجها».

«حتى الفترة الماضية»، يلفت الحاج، «كان التنسيق يجري بشكل غير ممنهج، أما الآن فيمكن رؤية المشهد الأمني متكاملاً، وهذه الهيكلية الجديدة خطوة ضرورية لقيام (مجلس الأمن القومي) بعمله. بالتالي سوف نشهد، ربما، في الفترة المقبلة استراتيجية أمنية متكاملة وسياسات مصممة وفق منهجية مناسبة لتحقيق هذه الاستراتيجية. أعتقد أن هذا التطور مزيج بين الحاجة الداخلية لبناء مؤسسات الدولة والحاجة إلى مواجهة التحدي الأمني. يصعب الفصل بينهما في المرحلة الانتقالية لدولة خرجت للتو من الحرب وتعاني هشاشة أمنية كبيرة. كما يصعب فصل ذلك عن العلاقة مع (التحالف الدولي)، والتحدي الأمني الإقليمي المرتبط بالتحالف الدولي وتركيا على وجه الخصوص. بمعنى أنه لا يمكن فصل العوامل بعضها عن بعضها، لكن الخطوة الأولى تبدأ من السعي لاستكمال بناء الدولة ومؤسساتها، في حين تشكل العوامل الأخرى دافعاً للتسريع والتحسين».

بيئة آمنة لجذب الاستثمارات

الدكتور فراس شعبو، الباحث والأكاديمي الاقتصادي، يعتقد أن أحد أهداف هذه التحركات هو «خلق بيئة آمنة ومستقرة؛ هذا شرط جوهري ومسبق لجذب الاستثمارات وطمأنة المستثمرين، حيث تهدف هذه التغيرات إلى توحيد القيادة الأمنية العليا؛ مما يسهم في الحد من حالة التشتت والتداخل بين الأجهزة الأمنية».

ويلفت شعبو إلى أن هذه التحركات الأمنية تأتي في توقيت يشهد فيه الاقتصاد السوري مؤشرات اقتصادية إيجابية على الصعيدين الداخلي والدولي؛ «لذا يمكن عدّ التعديلات جزءاً لا يتجزأ من الرؤية الاقتصادية. فـ(مكتب الأمن الوطني) يمتلك صلاحيات واسعة للإشراف على الأجهزة الأمنية كافة، وبالتالي قد يسهم في تثبيت دعائم الاستقرار لإزالة المعوقات من أمام خطط التنمية وإعادة الإعمار. كذلك، تهيئة بيئة وطنية آمنة تسمح بجذب الاستثمارات الخارجية وتنشيط الاقتصاد المحلي. أيضاً طمأنة المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين إلى قدرة الدولة على حماية استقرارها الداخلي».