«أزرق... أبيض»... العيش تحت وطأة كابوس ينذر بانفجار قريب

زهير الجزائري يتماهى مع بطل روايته الجديدة

«أزرق... أبيض»... العيش تحت وطأة كابوس ينذر بانفجار قريب
TT

«أزرق... أبيض»... العيش تحت وطأة كابوس ينذر بانفجار قريب

«أزرق... أبيض»... العيش تحت وطأة كابوس ينذر بانفجار قريب

رواية زهير الجزائري «أزرق. أبيض» الصادرة عام 2023 عن دار المدى، هي «نوفيلا» novella أو رواية قصيرة، وربما قصيرة جداً، لكنها تمتلك جميع مقومات البنية السردية الروائية. وعلى الرغم من واقعية الكثير من أحداثها واشتباكها مع المشهد السياسي العراقي بعد الاحتلال الأميركي عام 2003، فإنها في الجوهر، «اليغوريا» رمزية عن محاولة المبدع، روائياً أو فناناً تشكيلياً أو مسرحياً للوصول إلى الجوهر الحقيقي للإبداع، وربما للشعرية (البويطيقيا)، التي يمثلها اللون الأزرق وإدراجها كتابياً على الورق (الأبيض) أو اللوحة التشكيلية أو المشهد المسرحي في ثنائية تفاعلية هي ثنائية الأزرق والأبيض.

والرواية من جانب آخر، رواية كابوسية بحس كافكوي أسود، وتتحول أحياناً إلى «كوميديا سوداء» Black Humour لامتصاص درجة العنف والرعب والموت، وتحويلها إلى موقف فكري تأملي يتداوله المتلقي للتفكير والمساءلة، وقد كانت زوجة الروائي على حق عندما قالت عن روايات زوجها الروائي: «إن الناس يدخلون كابوساً حين يقرأون رواياته». (ص9) أو عندما قالت له ابنته المحامية: «تخيفني كوابيسك فوق ما في حياتنا من كوابيس يومية». (ص25). فبطل الرواية وساردها المركزي، وهو روائي، كان يناضل من أجل أن يصل إلى نسغ الإبداع، وأن يلتقط الجملة الكتابية الأولى التي تظل مستعصية، وهاربة. كما يشاركه صديقاه الفنان التشكيلي والفنان المسرحي هذا النضال. إذْ غالباً ما يفلت فيه «الأزرق» من شراك «الأبيض» كتابياً بالنسبة للروائي، أو عند اكتمال اللوحة تشكيلياً، بالنسبة للرسام، أو عند ذروة المشهد المسرحي بالنسبة للمخرج المسرحي، في لعبة معقدة يتحول فيها الإبداع إلى غاية عصية على الإدراك، لكنها تظل هدف المبدع وغايته.

ويعيش بطل الرواية وساردها، تحت وطأة كابوس ينذر بحدوث انفجار قريب، مما يجعل الرواية أسيرة أفق توقع على حد تعبير الناقدين الألمانيين (ياوس) و(آيزر)، كما يتمثل هذا الانفجار على المستوى المرئي والواقعي في تلك القنبلة الصغيرة التي ألقاها شاب صغير في المسرح، واستقرت تحت قدمي المخرج المسرحي، الذي ظل ينتظر أن تنفجر في أية لحظة. أما على المستوى الأليغوري الترميزي فهي كناية عن حالة التفجر والاضطراب والعنف التي كان يعيشها الشارع العراقي بعد تصاعد الصراع الطائفي والإرهابي عامي 2006 - 2007. فالجو العام ملغوم بالموت والجثث والمتفجرات والعنف، حيث تجوب المدرعات الأميركية الشوارع كما تحلق طائرات الهليكوبتر في سماء بغداد.

ويعيش بطل الرواية حالة اغتراب حقيقي عن نفسه: «هذا ليس أنا» (ص 5) ويشعر أنه انفصل عن جسده: «ليس هذا جسدي». (ص5 - 6)

وبطل الرواية كما يتضح لنا، هو قناع لشخصية المؤلف زهير الجزائري، عندما يشير إلى أنه سبق له وأن نشر رواية عن «الخائف»، في إحالة لعنوان روايته «الخائف والمخيف»، وهذا ما يعزز الجوهر الميتا سردي metafiction للرواية منذ البداية، من خلال قصدية فعل الكتابة الروائية: «ينتظر وينتظر البداية المؤجلة أن تأتي». (ص6)

إذْ كانت لحظة اقتناص الكتابة تؤرقه وتدخله في كوابيس متصلة:

«حدق في بياض الورق، ينتظر، ينتظر البداية المؤجلة أن تأتي، وهو يوهم نفسه بأنها جاهزة في ذهنه تنتظر قدحة الزناد».

ويظل «يلوب» عند الجملة الأولى:

«النهار مضى هذا هو اليوم الثاني، وأنا ما أزال عند الجملة التي سأشطبها». (ص7)

ويشعر البطل بالإحباط، ولا جدوى الكتابة «ما الفائدة؟». (ص8) وهو يرى نفسه محاطاً بعالم من الجثث والمفخخات والانفجارات:

«موت، موت، موت... أما مللت من رواية الموت؟» (ص 10)

وتضطرب حياة البطل الزوجية، حيث يدمر الوضع السياسي المضطرب العلاقات الإنسانية والاجتماعية والأسرية.

ويشعر البطل أن خلاصه النفسي يكمن في اقتناص لحظة الصمت، حيث يقوده صديقه المخرج المسرحي إليها في صالة التمرين المسرحية على مسرحية «عطيل» لشكسبير. لكن لحظة الذروة التي يقدم فيها (عطيل) على قتل (ديدمونة) تهرب وينهار المشهد كلياً، مما يزيد من تأزم الوضع النفسي لصديقه المخرج المسرحي، إذْ اكتشف أن كل شيء في المسرحية صاخب حد الملل، وراح يشكك في قيمة ما يفعل «ما قيمة غيرة عطيل في بلد يمشي على الحافة بين انفجارين؟» (ص 12) ويمكن ملاحظة تعالق الحبكات الثلاث لشخصيات الرواية: الروائي الذي ينتظر جملة البداية، والمخرج المسرحي الذي يقف عاجزاً أمام لحظة الذروة في مسرحية «عطيل» أو الرسام الذي دخل المشهد الروائي في الاحتفال الذي أعدته زوجته لعيد ميلاده، والذي اقترن بذكرى مأساوية هي العاشر من محرم، وكأنها تقدم بذلك استباقاً سردياً، وربما نبوءةً عن موته الوشيك. (ص 15)

ويقرن الروائي حياة الرسام، ورمزية استشهاد الإمام الحسين في يوم عاشوراء، فهو يعد نفسه مقتولاً وهو يغامر برسم لوحة جدارية ضخمة «للقائد» على حصانه تحت مرمى نيران الحرب، بعد أن طلى الجدار بلونه المفضل الأزرق الشفاف. (ص6)

والمؤلف لا يريد أن تمر تجربة رسم لوحة القائد على حصانه بوصفها تمجيداً للحرب وللدكتاتورية، ولذا نراه يقدم مشهداً ساخراً يثير الضحك عن اللوحة من خلال إشارة القائد العسكري إلى الحصان في اللوحة: «هذا ليس حصان فارس، هذا حصان»... (ص17)

ومع ذلك فقد كان همُّ الرسام أن يرسم، ويرسم ليستعيد شيئاً يوشك أن ينساه، هو اللون الأزرق. (ص 17)، وهو تأكيد آخر على أن اللون الأزرق، بالنسبة للرسام، يمتلك ذروة اقتناص لحظة الإبداع والشعرية في العمل الفني.

ولم يشأ الروائي أن يترك الفضاء الروائي تحت رحمة المنظور الذكوري فقط، بل يدخل فيه النصف الآخر: الزوجات الثلاث للكاتب والمخرج المسرحي والفنان التشكيلي:

«خلال اجتماعهن تبدأ النساء بالشكوى من تعكر صفو أزواجهن». (ص8) لكن زوجة الرسام تعد نفسها محظوظة لأن الله أعطاها أجمل الرجال وأرقهم قلباً، لأنها عندما تغضب يأتيها مثل ملاك «فيدخل الأزرق إلى قلبي وأهدأ». (ص 19) وهنا تأكيد آخر على التأثير النفسي الإيجابي والملطف للون الأزرق على نفسية الزوجة، ويبرز تأثير اللون الأزرق حتى في الساعات الأخيرة من حياة الرسام، الذي أخبره الطبيب بأنه يعاني من مرض قاتل لا فكاك منه. ومن باب المواساة قرر الأصدقاء الثلاثة ومعهم صاحب الحانة الاستنجاد باللون الأزرق، وكأنه المنقذ من الموت، لذا قرروا أن يتحدثوا عن لونه المفضل: الأزرق، عندما أشار المخرج المسرحي إلى أن الأزرق كان علامته، ولذا كان يكنيه بالأزرق: «جاء الأزرق، اسألوا الأزرق، الأزرق كان هنا». (ص 28)

وينطوي توظيف لوني الأبيض والأزرق في هذه الرواية على دلالات رمزية متعددة. فاللون الأبيض يرمز إلى النقاء والبراءة والصدق، فيما يرمز اللون الأزرق، إلى الهدوء والصفاء والسمو، فهو لون السماء، ولون البحر. ودلالة الألوان في الأدب والفن والتصميم والديكور وعلم النفس تشغل اهتمام الباحثين والدارسين والعلماء والفلاسفة عبر التاريخ. إذْ سبق لأرسطو أن ربط الألوان بعناصر الوجود الأربعة، كما درس الرسام الإيطالي ليوناردو دافنشي دلالة الألوان، وذهب إلى أن اللون الأبيض هو أول الألوان البسيطة، وهو يمثل الضوء الذي من دونه ما كان يمكن رؤية لون. لكن التحليل العلمي للألوان لم يتحقق إلا على يد العالم إسحاق نيوتن عندما كشف عن الطبيعة الخفية للألوان، وأشار إلى أن جميع الألوان تتفرع من اللون الأبيض، فهو يمكن أن يحلل إلى سبعة ألوان بواسطة استخدام (المنشور) الزجاجي. ولا شك أن الألوان تلعب دوراً مركزياً في الفن التشكيلي والتصميم والإعلان التجاري والديكور، كما تمتلك رمزيتها الخاصة في الأدب عموماً، والشعر بشكل أخص. وتجنباً للإطالة سأقتصر على الإشارة على أنموذج شعري واحد لصيق الصلة بثنائية الأزرق والأبيض في قصيدة «ألوان السيدة المتغيرة»، للشاعر فاضل السلطاني، التي يوظف فيها اللون بطريقة تذكرنا بتجربة الشاعر الإسباني (لوركا). فاللون الأزرق يهيمن على المشهد الشعري منذ الاستهلال:

«زرقاء كنت تحت ذراعي

وكان الثلج الأزرق يمطر

زرقاء أنتِ، كأن السماء قبعتك».

لكن اللون الأبيض هو الآخر يشكل ثنائية واضحة مع اللون الأزرق:

«كنت أريد أن أرى عينيك

بين الأزرق والأبيض

لكني رأيت دمعتين في عينيَّ»

ونجد هذه الثنائية الشعرية تبرز في عنوان رواية الروائي العراقي حسن البحار الموسومة «بحر أزرق... قمر أبيض»، وهي قريبة إلى حدٍ كبير من دلالة الثنائية السردية في رواية زهير الجزائري «أزرق... أبيض».

وهذه الثنائية تتحكم إلى حدٍ كبير في مصائر شخصيات الرواية الثلاث: الروائي والرسام والمخرج المسرحي. لكننا نشعر، ونحن نستقرئ مشاعر الشخصيات الثلاث هذه أنها تحس بالعجز عن الوصول إلى لحظة الإبداع الشعرية، بسبب الواقع الخارجي المتفجر الذي يقف على برميل قابل للانفجار في أية لحظة، والإحساس بلا جدوى الإبداع الفني في عالم ملغوم بالموت والفناء. وربما كان الروائي يرمز إلى هذه الحالة سردياً بتلك القنبلة التي ألقاها الصبي في المسرح، التي توقفت بين قدمي المخرج المسرحي، الذي ينتظر أن تنفجر في أية لحظة، بعد أن شلّت قدرته على التفكير والحركة والإبداع معاً.

ما تقوله الرواية، تأويلياً، إن الإبداع يظل مقيداً ومشلولاً عندما يحاط بالمفخخات والقنابل والألغام والكوابيس والتابوت والموت.

فكما عجز الشاعر فاضل السلطاني أن يرى عيني حبيبته بين الأزرق والأبيض، كذلك يعجز المبدعون الثلاثة: الروائي والرسام والمخرج المسرحي من تحقيق اللقاء بين الأزرق والأبيض بسبب الرعب والموت والجثث التي تملأ الشوارع.

لا يريد المؤلف أن تمر تجربة رسم لوحة القائد على حصانه بوصفها تمجيداً للحرب وللدكتاتورية، ولذا نراه يقدم مشهداً ساخراً يثير الضحك عن اللوحة

والرواية تؤشر، من جانب آخر، بعداً ميتا سردياً واضحاً من خلال محاولات الروائي للإمساك بالجملة الأولى من الكتابة الروائية، لكنه يجد نفسه مضطراً للحذف والشطب مرات ومرات مع أن الشخصية الروائية واضحة لديه. ويمكن سحب مفهوم الميتا على المخرج المسرحي الذي يبذل جهده عبثاً للوصول إلى ذروة المشهد الذي يقتل فيه (عطيل) زوجته (ديدمونة)، كما ينسحب أيضاً على دأب الفنان التشكيلي لمعانقة اللون الأزرق، واكتمال حلمه النهائي، لكنه لم يكن مدركاً أن الموت قد رسم مصيره سلفاً، وأن لوحته الميتا - أزرق ستظل ناقصة.

رواية «أزرق... أبيض» للروائي زهير الجزائري لعبة سردية متقنة إلى حدٍ كبير، وفيها اقتصاد كبير في الكلمات لصالح لحظات الصمت التي كان المخرج المسرحي يتمنى أن تشكل المبنى الدرامي الأساسي للمشهد المسرحي الذي كان يفلت منه مراراً، ولذا فهي إضافة نوعية إلى تجربة الروائي الغزيرة، كما أنها إضافة طيبة للرواية العراقية الحداثية وهي تفتح أفاقاً جديدة للإبداع الروائي.


مقالات ذات صلة

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

ثقافة وفنون ‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الـ12 لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالدوحة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون هناء العمير

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة.

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

خرج فن التصوير الأموي من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، حين نشر العالم التشيكي ألويسس موزيل بحثاً تناول فيه جداريات بناء في بادية الأردن

محمود الزيباوي

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.