الشعر العربي يزهو في عاصمة المعلّقات الخالدة

«منتدى الطائف» يثري المشهد بجمال المفردة وظلال القافية ببرنامج ثقافي ملهم

جانب من إحدى الجلسات الحوارية التي شهدها المنتدى وحملت عنوان «الشعر باعتباره ظاهرة إنسانية» (الشرق الأوسط)
جانب من إحدى الجلسات الحوارية التي شهدها المنتدى وحملت عنوان «الشعر باعتباره ظاهرة إنسانية» (الشرق الأوسط)
TT

الشعر العربي يزهو في عاصمة المعلّقات الخالدة

جانب من إحدى الجلسات الحوارية التي شهدها المنتدى وحملت عنوان «الشعر باعتباره ظاهرة إنسانية» (الشرق الأوسط)
جانب من إحدى الجلسات الحوارية التي شهدها المنتدى وحملت عنوان «الشعر باعتباره ظاهرة إنسانية» (الشرق الأوسط)

أبحر «منتدى الشعر العربي» على مدى يومين في جمال المفردة وظلال القافية عبر أبيات القصيد، ليزهو في عاصمة المعلقات الخالدة معززاً مكانة الشعر العربي بأطروحات ورؤى ملهمة تخدم المشهد الشعري، بمشاركة الأدباء والمختصين من داخل المملكة وخارجها ضمن مبادرة عام الشعر العربي 2023.

من الطائف عاصمة الشعر العربي، التي توفرت بها كل عناصر الجمال والسحر والطاقة بدءاً بتاريخها العريق وإرثها التليد وحاضرها المجيد مروراً بطبيعتها الخلابة، اختتمت أعمال المنتدى الذي أقامته وزارة الثقافة السعودية بالتعاون مع أكاديمية الشعر العربي وبإشراف من هيئة الأدب والنشر والترجمة، بأمسية شعرية تحتفي بالإبداع، لم تمنع المغرمين بالشعر من الاستمتاع بأجمل القصائد العربية بينما أقيمت على هامش المنتدى فعاليات وأنشطة ثقافية وفنية متنوعة.

 

أنشطة ثقافية متنوعة كانت حاضرة ضمن الفعاليات المصاحبة للمنتدى (الشرق الأوسط)

وخصصت السعودية عام 2023 للشعر العربي، الذي يعدُّ من أهم الفنون والآداب العربية، ويأتي هذا الاحتفاء في رؤية مستقبلية لا تكتفي بماضيه، بل تسعى لتعزيز مكانته تماشياً مع رؤية السعودية 2030.

وشهد المنتدى الذي أقيم بالقرب من سوق عكاظ ومعلقاته الخالدة تسليط الضوء على مبادرة عام الشعر العربي، وما يستهدفه المنتدى من تطلعات تثري الساحة الشعرية، ومناقشة موضوع الشعر العربي بوصفه تراثاً غير مادي، وعن «الشعر باعتباره ظاهرة إنسانية» تمارسه الشعوب سواء البدائية أو المتطورة، وتتعاطاه مختلف الفئات الخاصة المثقفة والشعبية العامة، وارتباط الشعر بوجود الإنسان، وفقاً لما كشفته أقدم النقوش، بوصفه معبراً عن عاطفة الإنسان، ونظرته إلى العالم.

جانب من الجلسات الحوارية التي شهدها «منتدى الشعر العربي» بحضور الأدباء والمثقفين (الشرق الأوسط)

وتحت قبة المنتدى ناقش الأدباء والمثقفون والنقاد ذاكرة ومكانة «الشعر» بصفته أحد أهم الفنون التعبيرية المتجذرة في عمق ووجدان الإنسان العربي منذ قديم الأزل، إذ احتل مكانة رفيعة المستوى عنده دون الأدبيات الأخرى القديمة أو المعاصرة، حتى جعلوا منه ديوانهم الذي ينقل مآثرهم ويجوش عن مشاعرهم وطموحاتهم، مشكلاً مصدراً وثائقياً تاريخياً يُعتمد عليه في سرد قصص حياتهم وأحداثها المختلفة.

وانصب اهتمام المنتدى عن دور الشعر حول العالم، متضمناً اتجاهاته والتغييرات التي طرأت عليه في مختلف الثقافات والوظائف المناطة به في التيارات العالمية، والحديث حول تحديات ترجمة الشعر، والترجمة عبر لغة وسيطة، ودور ترجمة الشعر في التعرف على الجوانب الإنسانية للشعوب، وأثر الشعر المترجم في استحداث تيارات جديدة، وما يمكن أن تحققه الترجمة من وفاء للأصل المترجم، وحجم الفاقد من عملية الترجمة.

ومنذ القرون الماضية، تحضر الطائف في المؤلفات التاريخية والثقافية الشعرية؛ تراثاً وحضارة وأدباً وفكراً، إذ تحظى باهتمام الشعراء الذين وجدوا بها ضالتهم وحركت أشجانهم ونالت شرف صدور بديعهم وذؤابة بيوتهم حيث دوّن العرب حياتهم في هدوئها وصراعاتها، وكتبوا مشاعرهم، وأسسوا لجماليات أدبية فريدة من نوعها. وناقش الأدباء والنقاد «الشعر واقتصاديات المعرفة»، وما يتصل به من الجوانب الاقتصادية بالتجربة الشعرية، من حيث الحقوق الضابطة لعمليات التأليف والنشر والتوزيع، وأثر الجوائز في هذا الحقل وما يمثله من قوة ناعمة للأمة في مجال الإبداع، وتعريف الجمهور بأبرز الاتجاهات الشعرية الحديثة عبر نماذج من قصائد سعودية وعربية حديثة.

جانب من ورشة العمل التي تحدثت عن اتجاهات القصيدة الحديثة (الشرق الأوسط)

ومثَّلت الطائف بتاريخها الحافل ريادة غير مسبوقة اتسمت في أغلب حالاتها بالتعريف والتوثيق والتأصيل والكشف عن تراث الشعر العربي الذي تنتمي فيه بكيانها وهويتها إلى وجدان جموع الشعراء بعدما نجحت في امتلاك عواطفهم، فقيل فيها من الشعر ما يتجاوز ما قيل في غيرها من المدن. وشهد المنتدى ورش عمل تحدثت عن «اتجاهات القصيدة الحديثة»، و«إيقاع قصيدة النثر»، وذلك بحضور 30 متخصصاً ومهتماً بالشعر العربي، ومتابعاً لتطوراته، مدركاً لتاريخه الممتد منذ قرون، إذ عرفت الجمهور بأبرز الاتجاهات الشعرية الحديثة عبر نماذج من قصائد سعودية وعربية حديثة، وناقشت الورشة بنية القصيدة الحديثة وإيقاعها، ومصادر الصور الشعرية. وتناولت ورش العمل ما يميز قصيدة النثر عن غيرها من حيث البنية والإيقاع، ومصادر الإيقاع في القصيدة النثرية، ومقارنتها بغيرها من الأنواع الأخرى.

 

جانب من الفنون الأدائية ضمن الفعاليات المصاحبة للمنتدى (الشرق الأوسط)

إلى ذلك، أطلقت وزارة الثقافة السعودية مسابقة «صوت القصيدة» عبر منصة إلكترونية مخصصة تسمح للجميع بالمشاركة لتركز من خلالها على مهارات الإلقاء الشعري، مستهدفة بذلك جميع الفئات العمرية من مواطنين ومختلف الجنسيات وذلك ضمن مسابقات مبادرة «عام الشعر العربي 2023»، لتعكس المكانة الثقافية التي احتلها الشعر العربي باعتباره من أهم المكوّنات الحضارية للثقافة العربية على مدى عقود.

وتنطلق المسابقة بإعلان عن قصائد مختارة من الموروث العربي الفصيح لكل فئةٍ عمرية؛ لتستقبل بعد ذلك المشاركات افتراضياً عبر المنصة الإلكترونية، على أن يتأهل المشاركون من كل فئة عمرية بعد تحكيم المشاركة من قِبل لجنة مؤهلة وذات خبرة في المجال، مع الأخذ بعدة عوامل أثناء التقييم ومنها: التعبير الفني، والأداء الصوتي، والتوصيل العاطفي، والابتكار والأصالة؛ ليتم الإعلان عن الفائزين ونشر مشاركاتهم عبر المنصة الإلكترونية. وتأتي المسابقة ضمن عدة مسابقات تُنظمها وزارة الثقافة ضمن مبادرة «عام الشعر العربي 2023»؛ لتلقي من خلالها الضوء على أحد أبرز المكونات الثقافية الحضارية للثقافة العربية، الذي ظل راسخاً على مدى سنواتٍ طويلة.

حضور لافت شهده المنتدى من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالشعر على مدار يومين (الشرق الأوسط)

في حين، أطلقت هيئة المكتبات عن مسابقة بـ«الشعر ألون حياتي» للإلقاء والأداء الصوتي المخصصة للأطفال والناشئين من جميع مناطق المملكة، بهدف تنمية الذوق الأدبي وتعزيز مكانة الشعر العربي في الثقافة للأطفال، وإثراء الإبداع الشعري عبر الأداء القرائي المميز وتعزيز القيم والمبادئ عن طريق القصائد القوية، والتعرف على البحور القصيرة وكيفية تقطيع البيت الشعري. وشملت طريقة المسابقة، اختيار الفئة العمرية وتحديد قصيدة من قائمة القصائد المدرجة لذات الفئة، وتسجيل مقطع فيديو لا يتجاوز 3 دقائق قبل إكمال ملف التسجيل والتأكد من رفع القصيدة.


مقالات ذات صلة

«أبواب»... قصائد تنتصر للبيئة في مواجهة الجنرالات

ثقافة وفنون «أبواب»... قصائد تنتصر للبيئة في مواجهة الجنرالات

«أبواب»... قصائد تنتصر للبيئة في مواجهة الجنرالات

يتكون ديوان «أبواب»، للشاعرة السورية «بسمة شيخو»، من ست وثلاثين قصيدة، مقسمة بالتساوي على ثلاثة أقسام، كل منها يضم اثني عشر نصاً

عمر شهريار
يوميات الشرق محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)

محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

المكان الذي تعذَّرت استعادته كما كان، ظلَّ حاضراً في القصيدة بأسمائه ووجوهه وروائحه...

فاطمة عبد الله (بيروت)
العالم العربي بلند الحيدري (1926-1996)

منتدى «أصيلة» يعلن فوز شاعرين من العراق والمغرب بـ«جائزة بلند الحيدري للشعراء الشباب»

فوز الشاعر العراقي زين العابدين المرشدي، والشاعر المغربي أبو بكر المليتي، مناصفة بـ«جائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب» في دورتها الثامنة.

«الشرق الأوسط» (أصيلة (المغرب))
يوميات الشرق مارسيل خليفة (فيسبوك)

ولادة جديدة لـ«وعود من العاصفة» باكورة شراكة مارسيل خليفة ومحمود درويش

بعد خمسين سنة، يعيد مارسيل خليفة تسجيل ألبومه الأول «وعود من العاصفة»؛ وحين تستمع إليه بصوته بعد مرور كل هذا الزمن، بتقلباته المجنونة، تشعر بأن لا شيء تغير.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى.

شوقي بزيع

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».