في انتظار «فرانكنشتاين» يوسا

يتناسى في روايته الأخيرة الإشراقات البروميثيوسية الواعدة في العلم والتقنية

في انتظار «فرانكنشتاين» يوسا
TT

في انتظار «فرانكنشتاين» يوسا

في انتظار «فرانكنشتاين» يوسا

قرأت باهتمام غير عادي ما كتبه الأستاذ حسونة المصباحي بتاريخ 4 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في «ثقافية الشرق الأوسط» بشأن أحدث روايات الكاتب العالمي ماريو بارغاس يوسا. يستحقُّ يوسا هذا الاهتمام؛ فهو كاتب مُتوج بالجائزة النوبلية، وذو اهتمامات سياسية وثقافية عالمية الأبعاد، فضلاً عن أنه أحد كتاب «الشرق الأوسط» الذين أقرأ مقالاتهم بانتظام واهتمام وشغف.

يبدو أن يوسا خالف في هذه «الرواية - النوفيلا» تقليداً مستديماً له في كتابة المطولات الروائية. هذه الرواية القصيرة لا تتجاوز في نسختها الفرنسية 184 صفحة، وقد شرعت بعد قراءة مراجعة المصباحي في البحث عن ترجمة إنجليزية لها فلم أوفق. يبدو أنها لم تترجم بعد؛ لكن لا أظن أن هذه الترجمة ستتأخر كثيراً، وستعقبها بالتأكيد ترجمة عربية.

تنتمي الرواية إلى أدب الجولات في الشوارع (الليلية غالباً): صحافي عجوز يتجول ليلاً في شارع بالعاصمة مدريد، ثمّ يشرع في مونولوج ذاتي هو مرثية نوستالجية لعالم مضى وانقضى، وفي الوقت نفسه هو نقد قاس لعالمنا المحكوم بسطوة العلم والتقنية. لنستذكرْ هذا التوصيف الدقيق للعجوز كما ورد في مقالة المصباحي:

«.... كان صحافياً، يُقيم في غرفة في سطح إحدى العمارات بمدريد، ويعيش القلق والعزلة والخوف من الموت، ومن عالم بات قاسياً وعدوانياً يُشعره في كل لحظة بأنه يتوجب عليه أن يرحل لأنه بات زائداً عن اللزوم في كرة أرضية تختنق بكثرة عدد سكانها، وبأمراض حضارة بلغت أوجَها، وتجرّدت من القيم الإنسانية لتصبح مُضرّة ومؤذية ومتوحّشة أكثر مما هي نافعة ورحيمة وإنسانية...».

يبدو لي أن الروائي - أي روائي - عندما لا يجد موضوعة تستجلب اهتمامه وتدفعه للكتابة بشغف يلجأ إلى طرْق باب الموضوعات الإنسانية الكبرى: الحب، الحنين إلى الماضي، الوحدة، الشيخوخة، العجز، الموت. هذه سياسة روائية مقبولة وممكنة لأن الموضوعات الإنسانية الكبرى ستبقى مهمة ومهيمنة على الوجود البشري ويمكن روايتها بألف شكل ولون ومن واقع خبرات تتلوّن وتتبدّل حسب تنوّع الخبرات المستجدة بتقادم الأزمان. لكلٍّ منا رؤيته الخاصة بشأن أي موضوعة من هذه الموضوعات الكبرى، ولو امتلك القدرة الكتابية فيمكن له عرض حكايته للآخرين.

هنا ستجابهنا معضلة جوهرية: هل يمكن عدُّ العلم والتقنية من جملة الموضوعات الإنسانية الكبرى؟ هل العلم مثل الموت والشيخوخة من حيث صلاحيته كثيمة روائية؟ وهل التقنية مثل الحب كموضوعة حكائية يمكن التعامل معها في سياق فعالية سردية؟ أظنّ أن معظمنا سيجيب بـ«نعم» مغلّظة. أرى أنّ الجواب هو «لا» كبيرة. العلم والتقنية صناعتان بشريتان لم يمضِ عليهما سوى بضعة قرون؛ في حين أن الموت والحب والشيخوخة.. إلخ حقائق ملازمة لكل عيش بشري. أنت لا تولدُ متى ما أحببت، وأيضاً لا تموتُ (طبيعياً) متى ما قررت ذلك، ولا تستجلب لك الشيخوخة والمرض عندما تريد (هل ثمة من يريد الشيخوخة والمرض؟). هذا هو الفرق الذي أحسبه جوهرياً. العلم والتقنية موضوعتان جوهريتان بمقاييس اللحظة الحاضرة وفي الحسابات الاستراتيجية للدول وليس بالمقاييس الأنطولوجية (الوجودية) الإنسانية الفردية. هذه الحقائق بالطبع لها وقعٌ أساسيٌّ في فلسفة تشكيل الموضوعات الروائية.

يحدّثنا اللورد سنو في محاضرته الذائعة «ثقافتان» بجامعة كامبردج عام 1959 عن جمهور واسع (سمّاه اللوديين The Luddites) اندفع لتحطيم آلات المصانع الحديثة التي صارت عنوان عصر الثورة الصناعية. هل يريدنا يوسا أن نكون «لوديين» في القرن الحادي والعشرين؟ ثمّ يكمل سنو في مفارقة مثيرة؛ فيقول سأحترم كثيراً كلّ من يبشّر بموقف راديكالي مضاد للعلم والتقنية لو أنه قبلَ العيش بمثل ما عاش أسلافه قبل مقدم الثورة العلمية والتقنية: أن يقبل بموت أطفاله نتيجة إسهال بسيط لعدم لجوئه إلى المضادات الحيوية، وأن يقبل بشحّ الغذاء والملبس والحياة المتقشّفة. هل يتصوّرُ يوسا كيف يمكن إطعامُ 8 مليارات من البشر – ما لبثوا يتزايدون - لولا التقنيات الحديثة في الهندسة الوراثية؟ لو شئنا اعتماد مقاربة اللورد سنو سنقول: لو أنّ يوسا غادر منزله الفخم في العاصمة الإسبانية وارتضى العيش في كوخ قصي على تخوم القارة القطبية الشمالية كنتُ سأستشعرُ شيئاً من المصداقية في رسالته النبوئية بمسؤولية العلم في التعجيل بنهاية درامية للعالم؛ أما التبشير بهذه النهاية والحديث عن العلم كما فعل غلاة الرومانتيكيين الثوريين من قبل فهذا سلوك ينطوي على تناقض إشكالي حتى لو جاء في شكل عمل روائي (تخييلي).

الأمر أكبر من إشكالية شخصية. أحسبُ أنّ التخريجة الدقيقة لموضوع مكانة العلم والتقنية في حياتنا يمكن تتبّعها على النحو التالي: سيسوّغُ كثيرون رؤية يوسا (المعروضة في صيغة العجوز المتقاعد) على أساس وجود فرق جوهري بين العلم وسياساته، وأنّ يوسا يوجه إصبع النقد اللاذع لسياسات العلم التي هي في التحليل الأخير فعالية تصنعها سلوكيات بشرية لا يجمعها ضابط معياري. أظنُّ هنا يحصل الخلط الإشكالي بين العلم وسياساته. العلم قيمة جوهرية تنطوي على معايير مفترضة من النزاهة والبحث الخالص عن طبيعة العالم الذي نعيش فيه، ومن ثمّ محاولة تكييف هذه المعرفة - أو بعض أشكالها على الأقل - في تطبيقات مفيدة للصالح البشري. بهذا السياق يمكن القول - وهو ما تقودنا إليه سلسلة من الخبرات المتراكمة – إن العلم والتقنية هما العنصران الأكثر تأثيراً في الارتقاء بالأخلاقيات البشرية. كيف هذا؟ هذه أطروحة فلسفية كاملة.

لو تصوّرنا الطيف الأخلاقي سلسلة تبدأ من الصفر وتنتهي بالرقم عشرة - مثلاً - فالكائن الحائز على درجة الصفر هو كائن مصنوع من شر مطلق، والكائن الحائز على درجة العشرة هو كائن مصنوع من طهرانية مطلقة. البشر في العموم يتفاوتون في الحركة على هذه السلسلة صعوداً نحو الطهرانية أو انزلاقاً نحو الشر، وأغلبهم يحسبون هذه الحركة تبعاً لمستوى إشباع حاجاتهم الأساسية، البدائية الأولية (أكل وشرب ونوم وملبس...) ثم الحاجات التي تتجاوز البدائي نحو التخوم الفكرية المجرّدة. العلم (وذراعه التقنية) هو في أقل تقدير العنصر المعوّل عليه في إشباع الحاجات البدائية والفكرية معاً لأعداد واسعة من البشر. تصوّروا حال الأخلاقيات البشرية لو حصل تلكؤ ليوم واحد في سلاسل الإمداد العالمية من الغذاء، وهو ما حصل بالفعل في بعض أيام الجائحة الكورونية؟ هل نتخيل وجود أخلاقيات بأدنى المناسيب حينها؟ الأمر ينسحبُ بالطريقة ذاتها على أمثلة كثيرة غير الغذاء. تصوّرْ معي لو أن صانع السياسات العلمية واجهته معضلة شح الغذاء إلى حدود غير مسبوقة. ماذا سيفعل؟ الأفضل ألا نتخيل هذا المشهد الجحيمي لأنه سيقضي بموت أعداد كبيرة من البشر.

الرفض أسهل من الفهم. الفهم يتطلّب جهداً ومشقةً. من اليسير أن تجلس وأنت شبعان لتنتقد العلم الذي خلق لنا مواد غذائية معاملة بوسائل الهندسة الوراثية بقصد تحسين كميتها وجعلها أكثر مقاومة لعوامل المناخ حتى لا تتلف بسرعة. أيهما أفضل: أن تأكل الأعداد المليارية المتزايدة من البشر غذاءً معدّلاً وراثياً أم أن تُترك نهباً للجوع؟ من السهل أن تكتب بلغة رومانسيي القرن التاسع عشر عن «الطعام الذي تلاعبت فيه أيدي البشر ولم يكن صنيعة خالصة للطبيعة». كلامك هذا لن يشبع جائعاً.

كل تقنية مستحدثة تعقبُ ثورة علمية لا بد أن تكون لها تبعاتها. التعامل مع هذه التبعات هو مسألة موكولة لنا وليس إلى العلم أو التقنية. على سبيل المثال: خُلِق الكائن البشري مشّاءً، وعندما حلّت الثورة الزراعية والصناعية والرقمية تطلّب الأمر مكوثاً أكثر في المكان؛ ولكن يبقى دوماً في مستطاعنا أن نقتطع جزءاً من وقتنا للمشي اليومي المنتظم. لا بأس أن نمتلك سيارة حديثة في مرآب الدار. الفضيلة الأخلاقية هي أن نمتلك الشيء ثمّ نقنّن استخدامه بدلاً من أن يمتلكنا ذلك الشيء ويجعلنا عبيداً له: أن نمتلك طعاماً كافياً لكن لا نأكل إلا بمقدار لأنّ كثرة الأكل مفسدة للجسد ويترتب عليها ضغط على الخدمات الصحية إذا ما مرضنا فهذا فعل أخلاقي، وأن نمتلك سيارة ونفضّل عليها المشي في أوقات محسوبة حتى لا نساهم في تعظيم مناسيب التلوّث فهذا فعل أخلاقي أيضاً.

يركز يوسا في روايته الأخيرة على الجانب «الفرانكنشتايني» المظلم من العلم ويتناسى الإشراقات «البروميثيوسية» الواعدة فيه. ما يكتبه روائيون عالميون من طراز يوسا له تبعاته المؤثرة، وأظنّ أنّ بطل رواية يوسا تكريس لرؤية رومانسية للعلم والتقنية من جانب إنسان تقاعد عن وظيفته الصحافية، ولم يشأ أن يفهم سياسات العلم والتقنية وفضائلهما الأخلاقية، وفضّل بدلاً عن هذا الفهم الاكتفاء بصورة الإنسان السلبي الذي يحنُّ لأيامه الماضية ويكتفي بإطلاق الريح ليلاً في شوارع مدريد.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.