تساؤلات الإنسان المعاصر: كيف نواجه صيرورة الكينونة؟

أصبحت تمس مصيره ولا تعترف بخصوصيات الآخرين

تساؤلات الإنسان المعاصر: كيف نواجه صيرورة الكينونة؟
TT

تساؤلات الإنسان المعاصر: كيف نواجه صيرورة الكينونة؟

تساؤلات الإنسان المعاصر: كيف نواجه صيرورة الكينونة؟

من دون شك، إن عالمنا المعاصر المتميز بسيطرة العلم والتكنولوجيا من جهة وبسيطرة موازين القوى العسكرية والاقتصادية من جهة أخرى، بدأ يشهد تحولات كبرى على جميع الأصعدة بحيث أصبحت الحدود بين الدول والمجتمعات شبه وهمية، وأصبح الأقوياء يفرضون مفاهيمهم وقيمهم على أنها كونية ولا يعترفون بخصوصيات الآخرين الثقافية والدينية والأخلاقية. أمام هذا الواقع، أصبح الإنسان المعاصر أمام هذا التدفق في مجال الصيرورة الذي أخذ يصيب الكينونة في صلبها، ويقلب الكثير من القيم الإنسانية ويضع الإنسان المعاصر أمام التساؤلات الكبرى حول مصيره ومصير كينونته الفردية في إطار الكينونة المطلقة، التي أخذت تطيع الفيلسوف اليوناني هيرقليطس صاحب شعار التغير الدائم، بحيث لا يمكننا أن نسبح في النهر نفسه مرتين. وأمام هذا الواقع، إن إشكالية الإنسان والمواجهات التي أثارتها وتفرعت عنها أخذت مكانة مهمة في الفلسفة المعاصرة، وأثارت وما زالت تثير العديد من الأسئلة، سواء منها القديمة أو الحديثة، التي تتمحور حول مسألة الإنسان، إن من ناحية مكانته في الكون أو من ناحية دوره في التاريخ وفي المجتمع البشري. لا شك في أن لكل عصر أسئلته؛ بيد أن الأسئلة الأساسية للفلسفة تحاول أن تأخذ أشكالاً وصيغاً جديدة وتطرح مهمات على الفكر البشري تتناسب مع مستوى تطوره وحاجاته. ومن الملاحظ أن إشكاليات الإنسان المعاصر ما زالت تبرر الحاجة إلى الفلسفة، وتفرض ممارسةً جديدةً للفلسفة تضع النقد العقلاني لكل عقلانية تعدُّ نفسها مسيطرةً من جانب واحد، محل الفلسفات والمناهج الإطلاقية الدوغمائية التي تعمي بصيرة الإنسان وتوقف التاريخ وتزيّف الوعي وتخفي التناقضات بدلاً من المساهمة في وعيها ومعايشتها أو تجاوزها. وفي سبيل المساهمة في التساؤل فإننا سوف نحاول طرح بعض التساؤلات التي ما زالت تشغل فكر الإنسان المعاصر الذي يأمل من الفلسفة بلورتها، والإجابة حولها لتنطلق إلى أسئلة جديدة بعد إغناء التراث الفكري والثقافي العام للإنسانية بمساهمتها المعاصرة في محاولة كشف صيرورة الكينونة وفك رموزها وأسرارها، إذ إن الكينونة تحب أن تتخفى دائماً وأن الإنسان، بصفته وعياً حراً، لا يمل من طرح الأسئلة.

ومن أهم الأسئلة التي تشغل فكر الإنسان المعاصر يبقى سؤال المعرفة والوجود الواقعي والعلاقة المتوترة والمتحركة بينهما، حيث إن الوجود يظهر كما لو أنه يتحدى معرفتنا به؛ فكلما اعتقدنا أننا نعرفه يفرض علينا تحديات جديدة أعقد من سابقاتها.

1- سؤال التقنية والعلم وعلاقتهما بالإنسان، حيث يبدو أن حلفاً قوياً يقوم بينهما يميز عصر التقنية ولا يكف عن إلقاء مهمات جديدة على الفكر البشري ويهدد وجود الفرد الإنساني كقيمة وكغاية، فتغدو التقنية وكأنها هي الغاية مما يستدعي الكشف عن كينونة وماهية التقنية بوصفها لا سلبية ولا إيجابية بحد ذاتها، بل هي سلبية أو إيجابية بقدر ما تكون في وجهة استعمالها من قبل الإنسان الذي اخترعها وأصبح أسيراً لها في العديد من الحالات.

2- سؤال القيم والمعايير، حيث إننا نشهد من حين إلى آخر انقلابات في سلّم القيم والمعايير في المجتمعات المختلفة وننسى أحياناً أن الإنسان هو القيمة والمعيار.

3- سؤال الحق والقوة، حيث نشهد تباعداً كبيراً بين مفهومي الحق والقوة نظرياً وبين الترجمة العملية لهذين المفهومين، حيث تفرض القوة نفسها كحق؛ والسؤال هو: كيف يمكن للبشر أن يتوقعوا الظروف المناسبة والتكتيكية لخلق حالات من التوازن بين القوة وبين الحق؟ وكيف يمكن إقناع القوي بأن الحق هو مجرد وهو ضرورة وحاجة أنطولوجية لاستمرار الإنسان كقيمة وكغاية؟

4-سؤال السلطة من جميع جوانبها، حيث يميل مفهومها ليأخذ مكانةً أنطولوجية في جميع الميادين: في العلم والتكنولوجيا والاقتصاد والدين والسياسة والأشكال الاجتماعية وعالم المال... وفي الفلسفة.

5- سؤال العقلانية واللاعقلانية والحدود المطاطة والغامضة والمتداخلة بينهما، حيث يحكمك اللامعقول أحياناً باسم العقل وحيث أحياناً أخرى تنزلق في اللامعقول إما هرباً من المعقول وإما محاولاً استنفاد حدود العقل القصوى لتلامس حدود اللاعقل، وإما إرادةً في الاختلاف والتمايز فتصير عاقلاً على طريقتك ومجنوناً على طريقة العقلانية السائدة والمسيطرة.

6- سؤال الميتافيزيقا: هل استطاع الفكر الفلسفي تجاوز الميتافيزيقا؟ أم ما زلنا في مرحلة اكتمالها وإنجازها؟ وبالتالي إنهاؤها؟

7- سؤال الاختلاف والوحدة، وهذا يتفرع عن سؤال الميتافيزيقا ومحاولات تقويضها أو تجاوزها، بمعنى: هل أن الأشياء تعود جميعها إلى مبدأ وحيد وتتشابه جميعها في كونها تعود إلى الوحدة أم أن لها الحق في الاختلاف وفي تعددية الأصول والمصادر، وبالتالي يفقد مبدأ الواحد أو الجوهر مكانته وتفقد الميتافيزيقا موضوعها؟

8- سؤال الحداثة وما بعد-الحداثة، حيث يتم التساؤل إذا ما كان على الإنسان أن يواجه إشكاليات جديدة تجاوزت المشاكل التي خلقتها ثورة الحداثة تقنياً وفكرياً. يعني: هل اكتمل مشروع الحداثة؟ وهل يخرج الإنسان من عصر الحداثة؟ وهل هذا الخروج يعدُّ انتكاسة أم أنه فرصة جديدة لتطوير إمكانية الإنسان في السيادة على الكون؟ أم أنه يمثل قفزة في المجهول وانفجاراً كبيراً لقنبلة صنعها الإنسان بيديه وانفجرت وهو يتسلى بها كما الأطفال يحطمون ألعابهم؟ هل نحن في آخر مراحل العدمية التي بشرنا بها نيتشه؟ وهل أتى زمن الإنسان الأعلى المختلف الذي يتجاوز إنسان الماضي والحاضر؟

9- سؤال نهاية التاريخ: هل أخذ الإنسان معناه وحقق غاية التاريخ ووصل إلى المطلق وصار يعيش في قمة التاريخ بحيث لم يعد عليه بعد الآن سوى ترتيب أوضاعه القائمة لأنه لن يكون أفضل مما كان؟

10- سؤال الأخلاق يمثل أيضاً همّاً قوياً لدى الإنسان المعاصر، إذ إنه يتساءل حول إمكانية استعادة أخلاق كانط الشاملة المجردة، التي تقوم على اعتبار الإنسان غايةً وليس وسيلة. كما يتساءل إذا ما كان باستطاعته أن يؤسس لأخلاق نظرية ترد على تحديات عصر التقنية والرأسمال وسيطرة قيم القوة والتسلط وتزييف وعي الإنسان.

11- سؤال الدين: أمام المخاطر التي يشعر بها الإنسان المعاصر وأمام التساؤلات الكبرى حول قدرة العقل البشري على معرفة أسرار الوجود، يعود الدين ليحاول تحويل وجهة العقل البشري إلى الإيمان بالله وبالكتب السماوية من أجل راحة الإنسان في الدنيا وفي العالم الآخر. ولكن، لا بد من التساؤل عن الدور الذي يمكن أن تلعبه الآيديولوجيا الدينية في مواجهة سلطة العقلانية وإلى أي حد يمكن لهذه المواجهة أن تصل خاصةً بعد ظهور العامل الديني بقوة في حقل الصراع السياسي وبعد توظيف الشعور الديني في محاربة السيطرة الناتجة عن التفوق التقني للعقلانية، وذلك من اجل التحرر السياسي والاقتصادي للشعوب التي ترى هويتها في خطر أمام الحلف المهيمن للقوى المتفوقة تقنياً وعلمياً وعسكرياً واقتصادياً.

وأخيراً وليس آخِراً، سؤال الأسئلة: إنه سؤال الذات المعاصرة، سؤال الإنسان المعاصر الذي يبحث عن ذاته من خلال مواجهته للمشاكل الجديدة التي يخلقها بذاته وهو في صيرورته في بناء المشروع الإنساني، متميزاً بذلك في أنه إنسان اللحظة، وبأنه الإنسان (بالحرف الكبير) كما يتجلى في هذه اللحظة المعاصرة، لا أكثر ولا أقل، من خلال تخطيه لنفسه بتجاوز المشكلات التي يطرحها على ذاته كشرط لتميّزه.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.