بيلا وجيجي حديد: مواقف فارقة حيال الخوف المرفوض

عارضتا الأزياء تدافعان عن فلسطين أمام العالم

جيجي وبيلا حديد المدافعتان عن الأصل والدم (غيتي)
جيجي وبيلا حديد المدافعتان عن الأصل والدم (غيتي)
TT

بيلا وجيجي حديد: مواقف فارقة حيال الخوف المرفوض

جيجي وبيلا حديد المدافعتان عن الأصل والدم (غيتي)
جيجي وبيلا حديد المدافعتان عن الأصل والدم (غيتي)

حرَّكت أحداث حي الشيخ جراح عام 2021 غضباً يقيم داخل الشقيقتين الجميلتين بيلا وجيجي حديد، تُعمّقه جذور مُعمَّدة بالدم وتُمعن في تأجيجه، حتى يشعر هذا الغضب بتوق دائم إلى التفجُّر. خلال «بودكاست» استضافها العام الماضي، تحدّثت بيلا عن قلق حيال قول أو فعل «الشيء الصائب»، وقالت إنها تعرف عائلتها وتاريخها، ولديها تجارب ومعرفة تتيح التمسّك بالقناعات. أمام همجية القتل في غزة، تُقدّم الصوت على الصمت والموقف الإنساني على التهديد والوعيد.

يهمّ من هذا كله الدفاع عن الفلسطينيين الأبرياء، وبيلا في الصدارة. لم تكن يوماً مجرد عارضة أزياء فقط، تستميل المتابعين بالجمال الأخاذ. غليان في الصميم يحرّكها نحو الأعمق. اعتذارها عن صمتها لأسبوعين بعد توحُّش الحرب، مردّه تهديدات بقتلها نغّصت طمأنينة العائلة. وإعلانها أنّ «الخوف ليس خياراً» يؤكد إصراراً بديعاً على تعظيم الإنسانية.

أصلُ المرء يطارده في الأقاصي، والدماء أحياناً جمرٌ، يُكلّف حفراً غائرة. تتطلّع الأختان إلى أطفال يُقتلون وأمهات يفقدن الغوالي. تكتب بيلا: «نحن لسنا شجعاناً. أطفال فلسطين بلى». تواسي. «قلبي ينزف من الألم والصدمة»، تُشارك مشاعرها أمام 60.6 مليون متابع.

بيلا حديد ترفع علم فلسطين في حركة احتجاجية (إنستغرام)

لأن الإنسانية مطلقة، تدين الهجمات الإرهابية على المدنيين في أي مكان. بيلا تجاهر، مستمدّة المجاهرة من قناعات تتقصّد الإشارة إليها: «لا يجوز إبعاد أي طفل أو شخص عن أسرته. هذا ينطبق على الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني». مساواة على مستوى الإنسان فقط. مَن لا يد له في إطعام هذه المقبرة الجائعة.

يُدرّب الانفتاح على اكتساب رؤية تتجاوز الفورة والعصبية وتضييق الدوائر. يُعرف عن بيلا حديد قولها: «تعلّمتُ أننا جميعاً مجموعة من الناس، نستحق جميعنا الاحترام والعطف». لا تتعارض النظرة الواحدة حيال الإنسان مع اتخاذ الموقف. يمكن إعلان الولاء للإنسانية بأسرها، مع وقوف بصفّ المُضطَهد. لا تناقُض. حب أكبر، ونُبل.

لا تُبرر جيجي المأساة بدورها. أمام 79.2 مليون متابع، تدفع أفكارها باتجاه «جميع المتضرّرين». مثل بيلا، تواسي «الأرواح البريئة وكثيراً من الأطفال». وباسم الإنسانية وحدها تكتب: «بينما لديّ آمال وأحلام للفلسطينيين، إلا أنّ أياً منها لا يتضمّن الأذى لشخص يهودي». ومثل شقيقتها، هاجمتها إسرائيل. رغم توضيح مفاده «ليس ثمة شيء يهودي في معاملة الحكومة الإسرائيلية للفلسطينيين؛ وإدانة هذه الحكومة لا يعني معاداة السامية، كما لا تدلّ مساندة الفلسطينيين على دعم (حماس)»، نقلت «ديلي ميل» عن جيجي استدعاءها مجموعة من حراس الأمن لحمايتها. التهديدات لم تنفع.

عندما كانت بيلا في الرابعة عشرة، كتبت بالألوان على يدها: «الحرية لفلسطين». قابلها كثيرون بالعداء ونُعتت بأسماء تحمل الكراهية. كبُرت صاحبة العينين الساحرتين وعرفها العالم. بقيت بلاد والدها رجل الأعمال محمد حديد المولود في عام النكبة (1948)، تسكنها. دفاعها عنها كلّف «خسارة فرص وبعض العلاقات»، وفق ما ذكرت مجلة «غلامور» العام الماضي. قاطعها أصدقاء واستبعدتها شركات؛ مع ذلك، أصرّت على فلسطين «خطاً أحمر» غير قابل للتخلّي. نقلت «غلامور» هذا الإصرار على إنصاف مسقط والدها، رغم الثمن.

بيلا حديد تقول إنّ الإنسانية «مُطلقة» ويستحق الجميع العطف والاحترام (غيتي)

بتمنّيها عودة الساعة إلى الوراء، حيث تقيم الطفولة، لتبدأ بـ«الكفاح من أجل فلسطين في وقت أبكر»، لا تفسح بيلا حديد مجالاً للموقف المُوارب. تفعل ذلك وفاء للعائلة والأجداد والتاريخ، و«للشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال المؤلم والمُنهك والغادر». الوضوح يُقابَل بإطلاق التصنيفات، فتتابع: «عندما أتحدّث عن فلسطين، يبدأون في تصنيفي بأشياء لا تمثّلني. يصبح تصرّفي مشرِّفاً إذا تحدّثتُ عن الأشياء عينها التي تحدث هناك عندما تقع في أماكن أخرى من العالم. ما الفارق إذن؟». بيلا حديد أبعد من ازدواجية المعيار والكيل بمكيالين. المواربة لا تشبهها.

تُسحب منها عروض لتكون أخرى من نصيبها. تعلم مدى وفرة الحياة واتّساع الفرص. عارضة الأزياء الأميركية - الهولندية، تحتفظ بفلسطين في مكانة أعلى من المادة. تجعل لتأثيرها جدوى، فلا يقتصر على ما ترتدي وتخلع. تقول في حوار مع مجلة «جي كيو»: «لستُ قادمة إلى هذه الدنيا لأكون عارضة أزياء. (...) لا أندم على خسارة عمل أو علاقات لدفاعي عن فلسطين».

جيجي حديد ترفض المأساة وما يصيب «جميع المتضرّرين» (فيسبوك)

عاهدت بيلا نفسها ألا تسمح لأحد «أن ينسى بلدنا الجميل فلسطين وشعبه». حمَّلت صوتها قضية، ووظّفت شهرتها لمحاكاة مَن سُلِبوا أصواتهم. وأمام نداء الشارع، شاركت في حركات احتجاج أيّدت فلسطين بين لندن ونيويورك، ارتدت «الكوفية» وأطلقت هتاف الحرية. لم تأبه لاتهام وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير لها بـ«كره إسرائيل»، وزَعْم الحساب الرسمي لإسرائيل في «إكس» بأنها «من أنصار إلقاء اليهود في البحر». المواقف واضحة.

الأختان من أصل فلسطيني جيجي وبيلا حديد (شاترستوك)

حين هاجم إسرائيليون موكب وداع الصحافية شيرين أبو عاقلة، تساءلت بيلا: «كيف نشاهد ونصمت من دون أن نصرخ ونتألم؟». وأمام الغزو الروسي لأوكرانيا، ذكّرت بضرورة إظهار تعاطف مشابه حيال الشعب الفلسطيني، وإدانة القمع الذي يتعرّض له، كما يُدان الارتكاب الروسي. مراراً، عاقبها «إنستغرام» بحظر منشوراتها، فاتّهمته بـ«التحيّز». ففي أبريل (نيسان) 2022، حُجبت قصص أدانت فيها أعمال عنف إسرائيلية على الفلسطينيين في رمضان، وتناقص عدد المشاهدين نحو مليون متابع أقل من مشاهدة القصص الأخرى. وعلى صفحات «نيويورك تايمز»، كانت هدفاً لإعلان عريض ضمّها وشقيقتها جيجي والمغنّية دوا ليبا، وصف دعايتهنّ المؤيّدة لفلسطين بأنها تشبه «معاداة السامية». آلمتها فيضانات باكستان وآزرت نساء إيران على جلجلة الحرية بعد مقتل مهسا أميني. مواقف وعلامات فارقة.

بيلا وجيجي حديد مع دوا ليبا في إعلان على صفحات «نيويورك تايمز» (إكس)

دعوة متابعيها لـ«مواصلة الضغط على زعماء العالم لتذكيرهم بالمحنة الفلسطينية ومساعدة أهالي غزة المفتقدين للمياه النظيفة والقدرة على تشغيل المستشفيات»، هي وجه مضيء للدفاع عن الرحمة والإنسانية. وصفت بـ«المشقّة» فكرة أن يكون المرء فلسطينياً في عالم يرى الفلسطيني إرهابياً. مشقّةُ دفع الثمن سلفاً.


مقالات ذات صلة

تركيا تعتقل عميلَين لـ«الموساد»... أحدهما من أصل فلسطيني

شؤون إقليمية صورة لعميلَي «الموساد» المزعومين وهما التركي من أصل فلسطيني فيصل كريم أوغلو (يميناً) والتركي محمد بوداك دريا (الداخلية التركية)

تركيا تعتقل عميلَين لـ«الموساد»... أحدهما من أصل فلسطيني

ألقت المخابرات التركية القبض على شخصين أحدهما فلسطيني كانا يعملان لمصلحة «الموساد» الإسرائيلي، في عملية مشتركة مع شعبة مكافحة الإرهاب ونيابة إسطنبول.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مشاركون في مسيرة احتجاجية ضد تفشي الجريمة بالمجتمعات العربية في إسرائيل في تل أبيب يوم السبت (إ.ب.أ)

العرب في إسرائيل يستعدون لبدء عصيان مدني غداً

يستعد المواطنون العرب في إسرائيل، يوم غد (الاثنين)، لبدء «عصيان مدني» عبر الامتناع عن الشراء أو دفع أي التزامات ضريبية، لتصعيد احتجاجهم ضد الحكومة اليمينية.

نظير مجلي (تل أبيب:)
المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون الحصول على طعام في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ب) p-circle

غزيون يشككون في قدرة مجلس السلام برئاسة ترمب على تغيير واقعهم المأساوي

يقوم الفلسطينيون اليائسون في أحد أحياء غزة بالحفر بأيديهم في مكب نفايات بحثاً عن أغراض بلاستيكية للاستعانة بها لمواجهة البرد في القطاع.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)

مصر توافق على الانضمام لمجلس السلام

أعلنت مصر اليوم (الأربعاء) قبولها دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» الذي يُشكّله من قادة العالم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية جنود إسرائيليون وأميركيون داخل مركز التنسيق الدولي المدني العسكري الذي تقوده واشنطن ويقام جنوب إسرائيل (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يتبنى موقف اليمين ويطلب عدم الانسحاب من غزة

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب عن أن الانتقادات في المؤسسة الأمنية عموماً وفي الجيش الإسرائيلي بشكل خاص تزداد ضد خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

نظير مجلي (تل أبيب)

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
TT

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الذي تشارك فيه بلاده ضيفةَ شرف.

وتمثّل هذه الدورة من المعرض، محطة إشعاع ثقافي مهمة، تعيد الاعتبار للكتاب بوصفه حاملاً للمعنى ومساحة للحوار.

وخلال زيارته الرسمية، التقى وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، وقدَّم له التهنئة بمناسبة إقامة المعرض.

ودشّن الوزير السعودي جناح بلاده في المعرض، بحضور نظيريه السوري والقطري الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني. وتستمر فعاليات المعرض حتى 16 فبراير (شباط) الحالي، في حضور ثقافي عربي يعكس دور السعودية الريادي في المشهد الثقافي العربي والدولي.


«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

يغوص الفنان التشكيلي جوزيف أفرام في الذات، كاشفاً مشاعر وأحاسيس تكتنفها لعبة الحياة. ومن هذا المنطلق، يُتيح معرضه «القوى الدافعة» في غاليري «آرت ديستريكت» للزائر أن يُسقط قراءته الخاصة على الأعمال. وبين لعبة الحياة ولعبة الدول، يستكشف تركيبات السياسات الدولية المؤثرة في العالم، ويزيح الأقنعة التي تُخفى خلفها حالات الإحباط.

صاحب الغاليري ماهر عطّار يصف أفرام بأنه من المواهب اللبنانية اللافتة، وفنان ذو رؤية مختلفة وأفكار عميقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يخرج في أعماله عن المألوف، ويأخذ الزائر إلى مساحات فنية مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.

يرسم أفرام الثبات والإحباط، كما الصمود والثورة، في لوحات تقوم على التناقض، مستخدماً الأبيض والأسود كلغتين بصريتين أساسيتين. ويرتكز في أعماله على «الأكريليك» والحبر الصيني، المتوَّجين بتقنية الـ«جيسو»، لتتراكم الطبقات وتُسلّط الضوء على موضوعاته. بهذا تتحوّل اللوحات إلى ما يشبه لآلئ لامعة، صاغها الفنان بالفرشاة والمجحاف والإسفنج.

من «القوى الدافعة» لجوزيف أفرام في غاليري «أرت ديستريكت» (الشرق الأوسط)

يشير أفرام إلى أن أعماله تبدأ برسوم تحضيرية تتطوّر لاحقاً إلى لوحات كبيرة. ويقول: «أعتمد هذا الأسلوب انطلاقاً من دراستي الجامعية في الهندسة الداخلية. لكن عندما أقف أمام المساحة البيضاء، حتى أغوص في عالم آخر يجرّني إلى تفاصيل لم أُحضِّر لها مسبقاً».

عناوين اللوحات المعروضة تحمل دلالات نفسية وإنسانية واضحة، وتعكس حالات نمرُّ بها في الحياة. في لوحة «المتأمِّل» تحلِّق في رحلة علاج داخلي، وفي «خيبة أمل في اللعبة» تدرك أن الحياة لا تستحق هذا القدر من التعقيد. أما في «الثوري» و«لا بأس بأن تكون معصوب العينين» فيدفعان المتلقي إلى التوقّف وإعادة النظر.

ويؤكد أفرام أن أكثر ما يشغله في أثناء تنفيذه أي لوحة هو وضوح الرسالة. ويقول: «أضيف تفاصيل صغيرة لتكشف عن نفسها بنفسها. أشكّل لوحتي من مجموعة رسومات يسكنها التجدد. أتناول أعماق الإنسان بصور تُكمل بعضها بعضاً؛ فتأتي أحياناً واضحة، وأحياناً أخرى مخفيَّة تحت وطأة لعبة الحياة التي تتطلّب منّا غضّ النظر».

في لوحة «الثوري»، يحرِّر أفرام مشاعر مدفونة تراكمت مع الزمن. وفي «المقاومة» يظهر وحيد القرن في مواجهة العواصف، رمزاً للثبات والقوة. ويعلّق: «اخترت هذا الحيوان لما يجسِّده من قدرة على التحمُّل والمواجهة».

لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» (الشرق الأوسط)

أما «الرجل الجنين» فيستحضر الحاجة إلى الأمان؛ يقول: «مرحلة وجود الجنين في رحم أمّه قد تكون الوحيدة التي تعيدنا إلى الأمان المطلق». وفي اللوحة الثنائية «الفائض بالروح» يقف كل قسم منها في مواجهة الآخر، مستحضراً مرحلة الغوص في الذات.

بعض الأعمال يدخل إليها اللونان البرتقالي والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. ويوضح: «في الحياة لا نكشف دائماً عن مشاعرنا الحقيقية، كما تترك السياسات آثارها السلبية علينا. استخدمت البرتقالي لتقديم الإحباط ضمن مساحة مضيئة، والأزرق للدلالة على حقائق زائفة تحتاج إلى مواجهة هادئة».

ويلاحظ أفرام أن المتلقي اليوم يميل إلى مشاهدة العمل الفني بوصفه مساحة تحليل، لا مجرد صورة عابرة. ويقول: «مع تسارع العصر وحضور الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى التأمل للحفاظ على تواصلنا مع ذواتنا، لذلك اعتمدت لغة جسد مرنة تمنح الشكل بُعداً إنسانياً».

في لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» يقدِّم رسالة مباشرة: «أحياناً يكون غضّ الطرف ضرورة». ويختم: «المهم أن نبدأ من جديد وألا نستسلم للعتمة، بل نبحث عن الضوء الذي يسمح بالاستمرار».


مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
TT

مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)

فشلت عزة حمدي، وهي موظفة في الأربعين من عمرها تعيش في محافظة بني سويف (120 كم جنوب القاهرة)، في شراء سبيكة ذهبية صغيرة، بعدما سحبت جزءاً من مدخراتها المالية لشراء سبيكتين يزن كل منهما غراماً واحداً، مستفيدة من التراجع الجزئي في سعر الذهب. واضطرت في النهاية إلى دفع أموالها والانتظار نحو أسبوعين لتتسلم السبائك الخاصة بها.

طافت عزة محلات الصاغة في مدينتها، لكنها بعد جولة شملت أكثر من 10 محلات لم تجد ما تريد، وعادت إلى منزلها بعدما أخبرها عاملون بعدم وجود سبائك أو جنيهات ذهبية، وأن المتاح يقتصر على أوزان كبيرة من السبائك الذهبية فقط، يتراوح وزنها بين 20 غراماً و100 غرام، وهو ما يفوق قدرتها المالية.

تقول عزة لـ«الشرق الأوسط» إن بعض زميلاتها اشترين الذهب الشهر الماضي بعد انتهاء شهادات بنكية ذات عائد مرتفع، وحققن أرباحاً عند إعادة البيع عقب الارتفاع الكبير في الأسعار. وتشير إلى أنها قررت شراء سبائك صغيرة بجزء من مدخراتها، لكنها لم تتمكن من العثور عليها، ما اضطرها إلى الموافقة على دفع المبلغ والانتظار مدة تصل إلى أسبوعين، وفق ما أبلغها الصائغ، لتتسلم ما طلبته، بغضّ النظر عن ارتفاع سعر الذهب أو انخفاضه.

اختفت السبائك الذهبية ذات الأوزان الصغيرة من الأسواق (شركة بي تي سي)

بلغت مشتريات المصريين من الذهب 45.1 طن في عام 2025، متراجعة بنحو 10 في المائة مقارنة بعام 2024، مع تسجيل زيادة في الربع الأخير من 2025 بنسبة 4 في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق. وهي الفترة التي شهدت قفزة قوية في مشتريات السبائك والعملات الذهبية بنسبة 27 في المائة، وفق تقرير صادر عن مؤسسة «جولد بيليون» الشهر الماضي.

وعلى عكس المشغولات الذهبية التي انخفضت مشترياتها بنسبة 18 في المائة في 2025 مقارنة بعام 2024، سجلت مشتريات السبائك والعملات الذهبية خلال الفترة نفسها تراجعاً بنحو 2 في المائة فقط.

يقول مجدي موريس، أحد العاملين في محلات الذهب، لـ«الشرق الأوسط» إن «السبائك اختفت بسبب زيادة الطلب عليها بشكل كبير في الأسابيع الماضية، مع دخول الشهر الثالث على التوالي من تركيز المواطنين على شرائها؛ نظراً لإمكانية إعادة بيعها دون خصم أي نسبة، على عكس المشغولات التي تتراوح نسبة الخصم عند إعادة بيعها بين 1 و3 في المائة، حسب المحل وحالة المشغولات نفسها».

وأضاف أن «السبائك الصغيرة هي الأكثر إقبالاً عليها، وأصبح من الصعب الحصول عليها مع تأخر الشركات في التوريد، مما دفع بعض التجار إلى الاتفاق على تنفيذ عمليات بيع بأسعار اليوم، على أن يجري التسليم في وقت لاحق»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر قد يؤدي إلى مشكلات عند تغيّر السعر في ظل حالة الاضطراب صعوداً وهبوطاً بشكل يومي، وقد حدثت بسببه خلافات بين بعض التجار والزبائن».

ولفت موريس إلى أنهم، على مدى 3 أيام تقريباً، لم يستقبلوا شخصاً واحداً يرغب في إعادة بيع سبيكة يملكها، مقابل مئات الاستفسارات اليومية عن الشراء، في حين لم تسلِّمهم الشركة التي يتعاملون معها أي سبائك جديدة منذ 5 أيام تقريباً. وأشار إلى وجود فارق سعري بين البيع والشراء للسبائك يصل إلى 300 جنيه (الدولار يعادل 46.9 جنيه في البنوك)، في إطار سعي التجار إلى تجنب الخسارة بسبب تذبذب الأسعار.

وسجلت أسعار الذهب تذبذباً عالمياً في الأسابيع الماضية، مع تسجيل أرقام قياسية لسعر «أونصة الذهب» التي اقتربت من حاجز 5600 دولار، قبل أن تتراجع بأكثر من ألف دولار. كما تشهد الأسواق العالمية تبايناً في السعر اليومي يصل أحياناً إلى 300 دولار، ما يجعل التسعير في محلات الذهب المصرية يتغير مرات عدّة خلال اليوم الواحد.

تعاني السوق المصرية من نقص في توافر السبائك (شركة بي تي سي)

أرجع رئيس «شعبة الذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية» هاني ميلاد، نقص المعروض من السبائك في الأسواق إلى الزيادة الكبيرة في الطلب على الشراء، بما يتجاوز القدرات الإنتاجية والطاقة التشغيلية للمصانع. وأوضح أن هذا النقص ظهر بوضوح خلال الأيام الأخيرة، لا سيما في السبائك صغيرة الحجم والجنيهات الذهبية؛ نظراً لكونها الأكثر جذباً للمشترين.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الذهب يُعد في الأساس أداة استثمارية طويلة الأجل، لكن موجة الصعود الأخيرة في الأسعار دفعت بعض المتعاملين إلى الشراء بغرض المضاربة قصيرة الأجل، مع تركيز واضح على السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها الأقل من حيث تكلفة «المصنعية»، مع إمكانية استرداد جزء منها عند إعادة البيع.

ونفى ميلاد وجود توجّه لإيقاف أو تعليق التعاملات في محلات الذهب بسبب التذبذب في الأسعار العالمية، مؤكداً أن عمليات البيع والشراء تسير بصورة اعتيادية في معظم الأوقات، رغم التقلبات السعرية.