بيلا وجيجي حديد: مواقف فارقة حيال الخوف المرفوض

عارضتا الأزياء تدافعان عن فلسطين أمام العالم

جيجي وبيلا حديد المدافعتان عن الأصل والدم (غيتي)
جيجي وبيلا حديد المدافعتان عن الأصل والدم (غيتي)
TT

بيلا وجيجي حديد: مواقف فارقة حيال الخوف المرفوض

جيجي وبيلا حديد المدافعتان عن الأصل والدم (غيتي)
جيجي وبيلا حديد المدافعتان عن الأصل والدم (غيتي)

حرَّكت أحداث حي الشيخ جراح عام 2021 غضباً يقيم داخل الشقيقتين الجميلتين بيلا وجيجي حديد، تُعمّقه جذور مُعمَّدة بالدم وتُمعن في تأجيجه، حتى يشعر هذا الغضب بتوق دائم إلى التفجُّر. خلال «بودكاست» استضافها العام الماضي، تحدّثت بيلا عن قلق حيال قول أو فعل «الشيء الصائب»، وقالت إنها تعرف عائلتها وتاريخها، ولديها تجارب ومعرفة تتيح التمسّك بالقناعات. أمام همجية القتل في غزة، تُقدّم الصوت على الصمت والموقف الإنساني على التهديد والوعيد.

يهمّ من هذا كله الدفاع عن الفلسطينيين الأبرياء، وبيلا في الصدارة. لم تكن يوماً مجرد عارضة أزياء فقط، تستميل المتابعين بالجمال الأخاذ. غليان في الصميم يحرّكها نحو الأعمق. اعتذارها عن صمتها لأسبوعين بعد توحُّش الحرب، مردّه تهديدات بقتلها نغّصت طمأنينة العائلة. وإعلانها أنّ «الخوف ليس خياراً» يؤكد إصراراً بديعاً على تعظيم الإنسانية.

أصلُ المرء يطارده في الأقاصي، والدماء أحياناً جمرٌ، يُكلّف حفراً غائرة. تتطلّع الأختان إلى أطفال يُقتلون وأمهات يفقدن الغوالي. تكتب بيلا: «نحن لسنا شجعاناً. أطفال فلسطين بلى». تواسي. «قلبي ينزف من الألم والصدمة»، تُشارك مشاعرها أمام 60.6 مليون متابع.

بيلا حديد ترفع علم فلسطين في حركة احتجاجية (إنستغرام)

لأن الإنسانية مطلقة، تدين الهجمات الإرهابية على المدنيين في أي مكان. بيلا تجاهر، مستمدّة المجاهرة من قناعات تتقصّد الإشارة إليها: «لا يجوز إبعاد أي طفل أو شخص عن أسرته. هذا ينطبق على الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني». مساواة على مستوى الإنسان فقط. مَن لا يد له في إطعام هذه المقبرة الجائعة.

يُدرّب الانفتاح على اكتساب رؤية تتجاوز الفورة والعصبية وتضييق الدوائر. يُعرف عن بيلا حديد قولها: «تعلّمتُ أننا جميعاً مجموعة من الناس، نستحق جميعنا الاحترام والعطف». لا تتعارض النظرة الواحدة حيال الإنسان مع اتخاذ الموقف. يمكن إعلان الولاء للإنسانية بأسرها، مع وقوف بصفّ المُضطَهد. لا تناقُض. حب أكبر، ونُبل.

لا تُبرر جيجي المأساة بدورها. أمام 79.2 مليون متابع، تدفع أفكارها باتجاه «جميع المتضرّرين». مثل بيلا، تواسي «الأرواح البريئة وكثيراً من الأطفال». وباسم الإنسانية وحدها تكتب: «بينما لديّ آمال وأحلام للفلسطينيين، إلا أنّ أياً منها لا يتضمّن الأذى لشخص يهودي». ومثل شقيقتها، هاجمتها إسرائيل. رغم توضيح مفاده «ليس ثمة شيء يهودي في معاملة الحكومة الإسرائيلية للفلسطينيين؛ وإدانة هذه الحكومة لا يعني معاداة السامية، كما لا تدلّ مساندة الفلسطينيين على دعم (حماس)»، نقلت «ديلي ميل» عن جيجي استدعاءها مجموعة من حراس الأمن لحمايتها. التهديدات لم تنفع.

عندما كانت بيلا في الرابعة عشرة، كتبت بالألوان على يدها: «الحرية لفلسطين». قابلها كثيرون بالعداء ونُعتت بأسماء تحمل الكراهية. كبُرت صاحبة العينين الساحرتين وعرفها العالم. بقيت بلاد والدها رجل الأعمال محمد حديد المولود في عام النكبة (1948)، تسكنها. دفاعها عنها كلّف «خسارة فرص وبعض العلاقات»، وفق ما ذكرت مجلة «غلامور» العام الماضي. قاطعها أصدقاء واستبعدتها شركات؛ مع ذلك، أصرّت على فلسطين «خطاً أحمر» غير قابل للتخلّي. نقلت «غلامور» هذا الإصرار على إنصاف مسقط والدها، رغم الثمن.

بيلا حديد تقول إنّ الإنسانية «مُطلقة» ويستحق الجميع العطف والاحترام (غيتي)

بتمنّيها عودة الساعة إلى الوراء، حيث تقيم الطفولة، لتبدأ بـ«الكفاح من أجل فلسطين في وقت أبكر»، لا تفسح بيلا حديد مجالاً للموقف المُوارب. تفعل ذلك وفاء للعائلة والأجداد والتاريخ، و«للشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال المؤلم والمُنهك والغادر». الوضوح يُقابَل بإطلاق التصنيفات، فتتابع: «عندما أتحدّث عن فلسطين، يبدأون في تصنيفي بأشياء لا تمثّلني. يصبح تصرّفي مشرِّفاً إذا تحدّثتُ عن الأشياء عينها التي تحدث هناك عندما تقع في أماكن أخرى من العالم. ما الفارق إذن؟». بيلا حديد أبعد من ازدواجية المعيار والكيل بمكيالين. المواربة لا تشبهها.

تُسحب منها عروض لتكون أخرى من نصيبها. تعلم مدى وفرة الحياة واتّساع الفرص. عارضة الأزياء الأميركية - الهولندية، تحتفظ بفلسطين في مكانة أعلى من المادة. تجعل لتأثيرها جدوى، فلا يقتصر على ما ترتدي وتخلع. تقول في حوار مع مجلة «جي كيو»: «لستُ قادمة إلى هذه الدنيا لأكون عارضة أزياء. (...) لا أندم على خسارة عمل أو علاقات لدفاعي عن فلسطين».

جيجي حديد ترفض المأساة وما يصيب «جميع المتضرّرين» (فيسبوك)

عاهدت بيلا نفسها ألا تسمح لأحد «أن ينسى بلدنا الجميل فلسطين وشعبه». حمَّلت صوتها قضية، ووظّفت شهرتها لمحاكاة مَن سُلِبوا أصواتهم. وأمام نداء الشارع، شاركت في حركات احتجاج أيّدت فلسطين بين لندن ونيويورك، ارتدت «الكوفية» وأطلقت هتاف الحرية. لم تأبه لاتهام وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير لها بـ«كره إسرائيل»، وزَعْم الحساب الرسمي لإسرائيل في «إكس» بأنها «من أنصار إلقاء اليهود في البحر». المواقف واضحة.

الأختان من أصل فلسطيني جيجي وبيلا حديد (شاترستوك)

حين هاجم إسرائيليون موكب وداع الصحافية شيرين أبو عاقلة، تساءلت بيلا: «كيف نشاهد ونصمت من دون أن نصرخ ونتألم؟». وأمام الغزو الروسي لأوكرانيا، ذكّرت بضرورة إظهار تعاطف مشابه حيال الشعب الفلسطيني، وإدانة القمع الذي يتعرّض له، كما يُدان الارتكاب الروسي. مراراً، عاقبها «إنستغرام» بحظر منشوراتها، فاتّهمته بـ«التحيّز». ففي أبريل (نيسان) 2022، حُجبت قصص أدانت فيها أعمال عنف إسرائيلية على الفلسطينيين في رمضان، وتناقص عدد المشاهدين نحو مليون متابع أقل من مشاهدة القصص الأخرى. وعلى صفحات «نيويورك تايمز»، كانت هدفاً لإعلان عريض ضمّها وشقيقتها جيجي والمغنّية دوا ليبا، وصف دعايتهنّ المؤيّدة لفلسطين بأنها تشبه «معاداة السامية». آلمتها فيضانات باكستان وآزرت نساء إيران على جلجلة الحرية بعد مقتل مهسا أميني. مواقف وعلامات فارقة.

بيلا وجيجي حديد مع دوا ليبا في إعلان على صفحات «نيويورك تايمز» (إكس)

دعوة متابعيها لـ«مواصلة الضغط على زعماء العالم لتذكيرهم بالمحنة الفلسطينية ومساعدة أهالي غزة المفتقدين للمياه النظيفة والقدرة على تشغيل المستشفيات»، هي وجه مضيء للدفاع عن الرحمة والإنسانية. وصفت بـ«المشقّة» فكرة أن يكون المرء فلسطينياً في عالم يرى الفلسطيني إرهابياً. مشقّةُ دفع الثمن سلفاً.


مقالات ذات صلة

هواجس مصر بشأن «تهجير الفلسطينيين» مستمرة رغم «الضمانات الأميركية»

العالم العربي وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (مجلس الوزراء)

هواجس مصر بشأن «تهجير الفلسطينيين» مستمرة رغم «الضمانات الأميركية»

تستمر الهواجس المصرية بشأن مساعي إسرائيل لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم رغم الخطة الأميركية للسلام في قطاع غزة التي تم التوقيع عليها في أكتوبر الماضي.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)

كيف غيَّر «هجوم محمد صلاح» خطط تأمين الحدود المصرية - الإسرائيلية؟

تحدثت تقارير عبرية عن تحولات جذرية لدى الجيش الإسرائيلي في التعامل مع الملف الحدودي مع مصر في ظل مخاوف من تكرار «هجوم محمد صلاح» الذي وقع قبل 3 سنوات.

هشام المياني (القاهرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال كلمة في البرلمان الأربعاء (الرئاسة التركية)

إردوغان: الهجمات الإسرائيلية على سوريا ولبنان بلغت حداً يهدد أمن تركيا أيضاً

«أمن تركيا لا يبدأ من هطاي، بل من حلب ودمشق وبيروت، ولن نتسامح مع فرض الأمر الواقع في دول إخواننا».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا المُسيرة المصرية «جبار 150» من تصنيع مجموعة «أمستون» الدولية خلال عرضها بمعرض «إيديكس» في 3 ديسمبر 2025 (رويترز)

«جبار 150» المصرية... قدرات نوعية ورسائل ردع تؤرق إسرائيل

أبدت تقارير إعلامية إسرائيلية مخاوف من تنامي وتطور القدرات العسكرية المصرية النوعية، وسط توتر علاقات البلدين بسبب ملف غزة والتصعيد في المنطقة.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي حركة مرور كثيفة على الطرقات مع فرار الناس من الضواحي الجنوبية لبيروت (رويترز) p-circle

موجة نزوح بعد أوامر نتنياهو بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت

أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي ‌بنيامين ‌نتنياهو ​في ‌بيان، ⁠اليوم ​الاثنين، ⁠الجيش بمهاجمة أهداف ⁠في ‌الضاحية ‌الجنوبية ​للعاصمة ‌اللبنانية بيروت.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عثرت البعثة الأثرية المصرية، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، على مقبرتَيْن تعودان للعصر العتيق، إلى جانب عدد من الدفنات التي تعود إلى عصور ما قبل الأسرات والعصر المتأخر، في منطقة جبل الطير بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، الكشف بأنه يمثّل إضافة جديدة لسجل الاكتشافات الأثرية المصرية، لما يقدمه من أدلة تُسهم في تتبع تطور العمارة الجنائزية في مصر القديمة عبر عصورها المختلفة.

فيما وصف الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، المقبرة المكتشفة الأولى بأنها تُعدّ من الاكتشافات المعمارية النادرة، حيث تتميز بتصميم هندسي فريد، فيما تمثّل المقبرة الثانية نموذجاً مطابقاً لها إلى حد كبير، وتتميز بحالة حفظ جيدة.

أوانٍ فخارية عُثر عليها في جبل الطير بالمنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأشار إلى أن «الدراسات الأولية تُظهر وجود تشابه ملحوظ بين تصميم المقبرتَين المكتشفتَين وتصميم مقبرة الملك دن الشهيرة في أبيدوس، وهو ما يعزّز من الأهمية الأثرية لمنطقة جبل الطير، ويؤكد مكانتها بوصفها إحدى الجبانات المهمة التي استُخدمت عبر فترات زمنية ممتدة من عصور ما قبل الأسرات وحتى العصر المتأخر».

ويعتمد تصميم المقبرة الأولى على التدرج في سماكة الجدران من أسفل إلى أعلى، حيث تزداد السماكة عند القاعدة وتقل تدريجياً نحو القمة، لافتاً إلى أن هذا النمط المعماري قد يمثّل مرحلة مبكرة من تطور الفكر الهندسي الذي أدى لاحقاً إلى ظهور الهرم المدرج ثم الهرم الكامل، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع.

ويرجح عبد البديع أن «تكون المقبرة قد تعرّضت في عصور لاحقة لأعمال تحجير، بهدف استخراج كتلها الحجرية، إلا أن الأجزاء المتبقية كشفت عن تفاصيل مهمة تتعلّق بهندسة البناء في تلك الفترة، من بينها آثار خطوط أكسيدية توضح أساليب تقطيع الأحجار بدقة، بالإضافة إلى دعامات خشبية ضخمة استُخدمت لتدعيم الجدران، امتد بعضها بطول الجدار بالكامل، في حين جاء البعض الآخر على هيئة قطع مستقيمة منفصلة».

دفنات بشرية عُثر عليها بجوار المقبرتَين الأثريتَين (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتقع المقبرة الثانية إلى الجنوب من المقبرة الأولى، وتتطابق معها إلى حد كبير في التصميم المعماري، إلا أنها لم تتعرض لأعمال تحجير، مما أسهم في الحفاظ على عناصرها بشكل أفضل.

وكشف رئيس البعثة، رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر الوسطى، الدكتور سامي درديري، عن أن البعثة عثرت أيضاً على جزء من جبانة تعود إلى عصور ما قبل الأسرات بها دفنات في وضع القرفصاء ملفوفة ببقايا حصير نباتي متحلل، وبجوار بعضها أوانٍ فخارية ذات حافة سوداء يمكن تأريخها إلى فترتَي نقادة الثانية والثالثة.

لقى أثرية مختلفة الأحجام (وزارة السياحة والآثار المصرية)

كما تم الكشف عن عدد من الدفنات الآدمية الفردية والجماعية، عُثر على بعضها داخل بقايا توابيت خشبية متحللة، ويُرجح تأريخها إلى العصر المتأخر، وهو ما يؤكد استمرارية استخدام المنطقة بوصفها جبانة عبر عصور تاريخية متعاقبة، وجارٍ العمل في الموقع للكشف عن المزيد من أسراره.

وتُعدّ المنطقة الأثرية بجبل الطير في محافظة المنيا أحد أهم المزارات السياحية والدينية في مصر، وتشتهر بكونها محطة رئيسية لرحلة العائلة المقدسة، وتضم آثاراً فرعونية ويونانية ورومانية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
TT

منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)

راقبت الناشطة البيئة اللبنانية منى خليل آثار الأقدام على الرمل كما يتتبَّع مُحقِّق مسرح واقعة. كانت تعرف أنّ خطاً مُتعرّجاً على شاطئ المنصوري في قضاء صُور، قد يُخبِر عن سلحفاة خرجت من البحر ليلاً، ويُشكِّل أثراً آخر قد يقود إلى عشّ جديد. وكانت تعلم أنّ بضع علامات بالكاد تُرى قد تختصر رحلة قطعتها كائنات عبر آلاف الكيلومترات.

على الساحل الجنوبي للبنان، اختارت منى خليل أن توظّف سنوات طويلة من حياتها لمَهمّة لم تكن مرتبطة بمشروع اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي، حتى بدت غريبة في نظر كثيرين. انشغلت بحماية السلاحف البحريّة التي تتّخذ من شاطئ المنصوري أحد أهم مواقع تعشيشها على الساحل الشرقي للبحر المتوسّط، وحوَّلت «البيت البرتقالي» إلى عنوان معروف للناشطين البيئيين والباحثين والزوّار الراغبين في التعرُّف إلى هذا العالم الآسر.

لم تأتِ أهمية تجربتها من عدد السلاحف التي أُنقِذت أو الأعشاش التي حُميت فقط. ما ميَّزها أكثر هو قدرتها على تحويل بقعة ساحلية محدودة إلى مساحة مختلفة للنظر إلى الطبيعة. فاللبنانيون اعتادوا التعامل مع الشاطئ على أنه مورد سياحي أو عقاري أو مساحة عامة مُهدَّدة بالتعدّيات. أما منى خليل، فكانت ترى فيه موطناً لكائنات تُشاركها الوجود، وجزءاً من نظام طبيعي غير خاضع للمصالح البشرية.

على مدى سنوات، ارتبط اسم «البيت البرتقالي» بمواسم التعشيش السنوية. كان المكان يستقبل متطوّعين وطلاباً وباحثين من داخل لبنان وخارجه. هناك تعرَّف كثيرون للمرّة الأولى إلى السلاحف البحريّة والتهديدات التي تُواجهها، من الصيد العشوائي والتلوّث، إلى الزحف العمراني وتغيُّر المناخ. ومع الوقت، تجاوز دور البيت مفهوم الإقامة البيئية أو النشاط التوعوي، ليجمع تحت سقفه المجتمع المحلّي والمُهتمّين بالشأن البيئي.

كانت منى خليل ترى في السلاحف سرديةً أطول بكثير من أعمار البشر. فهذه الكائنات تعود إلى الشواطئ نفسها جيلاً بعد جيل وتُكرّر الرحلة رغم المخاطر المتزايدة المُحيطة بها. وربما لهذا وجدت في متابعتها ما يُشبه تأمّلاً مستمرّاً في دورة الحياة وسط تغيُّرات كبرى تفرضها الحروب والأزمات والحدود والسلطات والخرائط.

ولم يكن من السهل الحفاظ على هذا المسار في بلد تتنازع اهتماماته التحوّلات والضغوط. فالنشاط البيئي في لبنان يُواجه غالباً أولويات أخرى أكثر إلحاحاً في نظر كثيرين. ومع ذلك استمرَّت منى خليل في عملها، مُستندةً إلى شبكة من المتطوّعين والداعمين والخبراء، وإيمان بأنّ حماية الطبيعة ليست قضية ثانوية يمكن تأجيلها إلى زمن أفضل.

وهبت عمرها لحماية حياة لا تحمل اسمها (أ.ف.ب)

الآن، يخرج اسمها من سياقه المُعتاد المرتبط بالسلاحف والبيئة إلى سياق بالغ الوحشية. فقد أُصيبت خلال غارة إسرائيلية استهدفت منزلها في المنصوري ولم تنجُ من إصابتها. جاء الخبر صادماً لكثيرين ممَن عرفوا عملها أو تعاونوا معها أو زاروا «البيت البرتقالي» يوماً.

يصعب فصل نهاية منى خليل عن المسار الذي اختارته لنفسها. فقد أمضت سنوات العُمر في مراقبة كائنات تبحث عن مكان آمن لوضع بيوضها ومواصلة دورة حياتها. كانت تُتابع وصولها إلى الشاطئ وعودتها إلى البحر، وتعمل على تقليص الأخطار التي قد تعترض طريقها. ثم انتهت حياتها وسط عنف يُجرّد الأرض من طمأنينتها.

وإنما إرثها لا يُختَصر في النهايات. لسنوات، لفتت الانتباه إلى ما كان يحدث كلّ ليلة تقريباً على الشاطئ من دون أن يكترث به أحد. نجحت في جعل السلاحف البحريّة جزءاً من الوعي البيئي المحلّي وربطت بين حماية الطبيعة وحماية معنى المكان. ومنى خليل كانت تعرف أنّ هذه السلاحف ستعود. هذه أكثر الحقائق ثباتاً في عملها. ما لم يكن في الحسبان، هو أن يأتي موسم جديد من دون المرأة التي أفنت العُمر في انتظار وصولها إلى الشاطئ. وعندما يحدث ذلك، سيحمل شاطئ المنصوري غياباً غير مألوف. ستبقى الأعشاش تُرصَد وسيواصل البحر مدّه وجزره، وتتكرّر الرحلة السنوية. اسمها سيغيب للمرّة الأولى.


التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
TT

التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)

أظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، أن 3 زيوت شهيرة، هي زيت النخيل، وزيت جوز الهند، وزيت فول الصويا، تُسهم في انقراض أنواع نباتية أكثر مما كان يُعتقد سابقاً.

وقام باحثو الدراسة المنشورة، الجمعة، في دورية «Nature Food» بتحليل بيانات عالمية حول الإنتاج والتجارة واستخدام الأراضي على مدى عقود، ومدى تهديد زراعة المحاصيل الزيتية واستهلاكها المتزايد لأنواع الحيوانات والنباتات في جميع أنحاء العالم.

وتُستخدم الزيوت المستخرجة من محاصيل مثل جوز الهند وزيت النخيل وفول الصويا في منتجات متنوعة، من مستحضرات التجميل إلى السمن النباتي والدهون القابلة للدهن، ومن الأدوية إلى علف الحيوانات. وتتزايد زراعة هذه المحاصيل الزيتية واستهلاكها، ما يُؤثر على البيئة.

في هذه الدراسة، درس الباحثون 19 محصولاً. قال شونتيان وانغ، طالب الدكتوراه وأحد المشاركين في فريق الدراسة: «تسببت 3 منها بنسبة كبيرة في الآثار السلبية وهي: نخيل الزيت، وفول الصويا، وجوز الهند».

ووفق الدراسة، تُشكل هذه المحاصيل مجتمعة نحو 75 في المائة من فقدان التنوع البيولوجي الناجم عن المحاصيل الزيتية.

وقال ستيفان بفايستر، أستاذ التقييم الكمي للاستدامة في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، والباحث الرئيسي للدراسة: «من منظور حماية البيئة، يُعد فقدان التنوع البيولوجي مشكلةً لا تقل خطورةً عن تغير المناخ».

الخرائط العالمية

بدأ الباحثون بتجميع خرائط عالمية لزراعة المحاصيل الزيتية استناداً إلى بيانات الأقمار الاصطناعية والإحصاءات الزراعية ومجموعات البيانات العالمية للأراضي المزروعة. كما قاموا بحساب مدى تهديد أشكال استخدام الأراضي المختلفة لأنواع الحيوانات والنباتات.

واستخدم الباحثون عوامل فقدان الأنواع التي تُشير إلى حجم إسهام المساحات المزروعة في فقدان أنواع النباتات على مستوى العالم، وذلك تبعاً للمنطقة وكثافة الزراعة.

ويوضح بفايستر أن الباحثين سعوا أيضاً إلى تسليط الضوء على تأثير زراعة المحاصيل الزيتية عبر سلسلة التوريد العالمية. ولتحقيق هذه الغاية، ربط بفايستر وفريقه البيانات التي جُمعت مسبقاً بنموذج اقتصادي عالمي يُصوّر سلاسل التوريد الدولية، بدءاً من الزراعة، مروراً بالتصنيع، وصولاً إلى المنتج النهائي.

وأخيراً، حلل الفريق كيف تُسهم عوامل سلوك المستهلك، والنمو السكاني، وكفاءة الزراعة في تفاقم فقدان التنوع البيولوجي.

إنتاج الزيوت النباتية

ويُؤدي استخدام الأراضي في الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي. ويعود ذلك، ليس فقط إلى كون المحاصيل الزيتية، مثل نخيل الزيت وجوز الهند، حصرية للمناطق الاستوائية، بل أيضاً لأن هذه الأراضي تدعم تنوعاً بيولوجياً كبيراً. وغالباً ما تبرز الحاجة إلى التوسع الزراعي، ما قد يؤدي إلى تدمير النظم البيئية، كإزالة الغابات. كما أن هذه النظم غالباً ما تكون بعيدة عن مصادر الطلب.

وكما تُظهر دراسة فريق بفايستر، فإن أكثر من نصف الآثار يُعزى إلى الاستهلاك في دول أخرى. ويُمثل الاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة مجتمعةً أكثر من 80 في المائة من هذه الآثار الخارجية.

وبينما يستورد الاتحاد الأوروبي زيت النخيل بشكل رئيسي، يرتبط نفوذ الصين في المقام الأول بفول الصويا المستخدم علفاً للحيوانات.

ولسوء الحظ، لا يُمكن وقف فقدان التنوع البيولوجي بين عشية وضحاها، كما يُشكل الاستخدام طويل الأمد للأراضي الزراعية ضغطاً على النظم البيئية. ووفق بفايستر الذي يؤكد أنه: «حتى في حال توقف إزالة الغابات يبقى تأثير الزراعة الحالية قائماً».

الحلول المُحتملة

وللتخفيف من حدة المشكلات القائمة، توصي الدراسة بضرورة اتباع أساليب إنتاج أكثر مراعاة للبيئة، والحد من إزالة الغابات، وتبني ممارسات زراعية تحمي التربة والبيئة الطبيعية. كما يجب تغيير أنماط الاستهلاك.

ويشدد بفايستر على أن: «الاستثمار في تحسين الإنتاج وحماية النظم البيئية في بلدان المنشأ يُعدّ عاملاً مهماً».