قرارات الأمم المتحدة... بين مجلس الأمن والجمعية العامة

صورة تظهر نتائج تصويت على قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة على شاشة (أعلى يمين الصورة) تبيّن تبنّي الدول الأعضاء في المنظمة الدولية قراراً يدعو للحفاظ على وحدة أراضي أوكرانيا ودعوة روسيا لسحب جيشها من أوكرانيا، في مقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك، الولايات المتحدة، 23 فبراير 2023 (رويترز)
صورة تظهر نتائج تصويت على قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة على شاشة (أعلى يمين الصورة) تبيّن تبنّي الدول الأعضاء في المنظمة الدولية قراراً يدعو للحفاظ على وحدة أراضي أوكرانيا ودعوة روسيا لسحب جيشها من أوكرانيا، في مقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك، الولايات المتحدة، 23 فبراير 2023 (رويترز)
TT

قرارات الأمم المتحدة... بين مجلس الأمن والجمعية العامة

صورة تظهر نتائج تصويت على قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة على شاشة (أعلى يمين الصورة) تبيّن تبنّي الدول الأعضاء في المنظمة الدولية قراراً يدعو للحفاظ على وحدة أراضي أوكرانيا ودعوة روسيا لسحب جيشها من أوكرانيا، في مقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك، الولايات المتحدة، 23 فبراير 2023 (رويترز)
صورة تظهر نتائج تصويت على قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة على شاشة (أعلى يمين الصورة) تبيّن تبنّي الدول الأعضاء في المنظمة الدولية قراراً يدعو للحفاظ على وحدة أراضي أوكرانيا ودعوة روسيا لسحب جيشها من أوكرانيا، في مقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك، الولايات المتحدة، 23 فبراير 2023 (رويترز)

مع تقديم الأردن، الخميس، نص قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة نيابة عن «المجموعة العربية» في المنظمة يطالب ﺑ«وقف فوري لإطلاق النار» في غزة، مرتقب التصويت عليه بعد ظهر اليوم الجمعة، وبعد فشل مجلس الأمن في الأيام الأخيرة في إقرار مشاريع قرارات بشأن الحرب بين إسرائيل و«حماس»، تتبادر أسئلة عن أهمية القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة بشأن النزاعات، وعما يترتب على الدول الأعضاء في حال الموافقة على قرار في الجمعية العامة من ناحية، وما يترتب على قرار صادر عن مجلس الأمن من ناحية أخرى.

منذ إنشائها في عام 1945، عملت الأمم المتحدة على الحفاظ على السلام والأمن العالميين. ولتحقيق هذا الهدف، سعت إلى تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية. وتؤدي الجمعية العامة ومجلس الأمن التابعين للأمم المتحدة، وهما من الأجهزة الرئيسية الستة في هذه المنظمة الدولية، دوراً حيوياً في تحقيق هذه الأهداف.

أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يصوتون خلال اجتماع للمجلس بشأن الصراع بين إسرائيل و«حماس» في مقر الأمم المتحدة بنيويورك - الولايات المتحدة 25 أكتوبر 2023 (رويترز)

قرارات مجلس الأمن

يتألَّف مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، المكلَّف ضمان السلام والأمن الدوليين، من خمس دول أعضاء دائمة تتمتع بحق النقض (الفيتو) و10 أعضاء غير دائمين تنتخبهم الجمعية العامة للمنظمة الدولية لمدة عامين.

ومن أبرز مهام مجلس الأمن: المحافظة على السلم والأمن الدوليين، والتحقيق في نزاعات الدول التي قد تؤدي إلى نزاع دولي، والتوصية بتسوية المنازعات أو بشروط التسوية، والتخطيط لمواجهة الأخطار التي تهدد السلام، واتخاذ ما يراه المجلس من إجراءات عسكرية ضد المعتدي.

وتُعدّ قرارات مجلس الأمن تعبيرات رسمية عن رأي الأمم المتحدة أو إرادة أجهزتها، وفق الموقع الرسمي لبعثات الأمم المتحدة (unmissions.org).

صورة التُقطت من غرف الصحافيين في قاعة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تظهر اجتماعاً للمجلس في 20 سبتمبر 2022 (الشرق الأوسط)

تأتي قرارات مجلس الأمن في أغلب الأحيان جزءاً من عمل المجلس لضمان التسوية السلمية للنزاعات الدولية والقضاء على التهديدات التي يتعرض لها السلام والأمن الدوليان. وقد تفرض قرارات مجلس الأمن عقوبات تهدف إلى الحفاظ على السلام والأمن. على وجه الخصوص، قد يشمل القرار تدابير عسكرية ضد دولة مخالفة، وينشئ محاكم دولية، ويوافق على إرسال قوات حفظ سلام، ويفرض تدابير تقييدية (تجميد الأصول، وحظر السفر) على الأفراد. وبموجب ميثاق الأمم المتحدة، فإن جميع الدول الأعضاء ملزمة بالامتثال لقرارات المجلس.

من الناحية النظرية، ليس لصلاحيات مجلس الأمن حدود. وقراراته ملزمة لجميع أعضاء الأمم المتحدة. باختصار، إذا كان مجلس الأمن قد قرر أي شيء - فرض عقوبات على بلد ما أو فرض وقف إطلاق النار في منطقة الصراع - يجب تنفيذ هذا القرار. ولا يمكن لأحد أن يتجاهل الإرادة الجماعية للدول الخمس الكبرى التي تحدد فعلياً قرارات مجلس الأمن. ومع ذلك، غالباً ما يكون من الصعب التوصل إلى هذه الإرادة الجماعية، نظراً إلى أن الأعضاء الدائمين لديهم حق النقض على القرارات وسوف يدلون بصوت سلبي إذا كان القرار المقترح يتعارض مع مصلحتهم الوطنية.

صورة من داخل قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 سبتمبر 2022 قبل انطلاق أعمال الدورة 77 للجمعية العامة للمنظمة في 13 من الشهر نفسه - نيويورك الولايات المتحدة (الشرق الأوسط)

قرارات الجمعية العامة

الجمعية العامة هي الجمعية التداولية التمثيلية الرئيسية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة البالغ عددها 193 دولة، التي تناقش وتصدر القرارات بشأن المسائل ذات الأهمية العالمية. وفي حين أن قرارات الجمعية العامة هي توصيات وليست ملزمة قانوناً لأي دولة، فإن البيانات التي يتم الإدلاء بها في الجمعية العامة تُعد تمثيلية لموقف دولة من قضية ما، حسب تقرير لمؤسسة «أوبسرفر» البحثية (مقرها الهند).

وقد أجازت المادة 10 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحدد مهام وسلطات الجمعية العامة، للجمعية العامة تقديم التوصيات إلى أعضاء الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو كليهما. والقرارات الوحيدة التي يمكن أن تكون ملزمة قانوناً هي تلك التي يتخذها مجلس الأمن.

وتنص المادة 11 من ميثاق الأمم المتحدة على أنه «للجمعية العامة أن تنظر في المبادئ العامة للتعاون في حفظ السلم والأمن الدوليين»، كما يجوز لها «أن تناقش أي مسائل تتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين تعرض عليها من أي دولة عضو في الأمم المتحدة، أو من قبل مجلس الأمن». بينما تمنح المادة 24 من ميثاق الأمم المتحدة مجلس الأمن «المسؤولية الأساسية عن صون السلم والأمن الدوليين...».

الرئيس الأميركي جو بايدن يلقي كلمة أمام الدورة 78 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك - الولايات المتحدة 19 سبتمبر 2023 (رويترز)

ولأن قرار الجمعية العامة ليس ملزماً قانوناً، فإن أفضل طريقة لتشجيع جميع الدول الأعضاء على تنفيذ التوصيات الواردة في القرار هي إقناعها جميعاً بالموافقة على النص المقترح للتصويت. عندما يتم اعتماد قرار بالأغلبية البسيطة، فإن أولئك الذين لم يصوتوا لصالح قرار بشأن بند معين من جدول الأعمال سيكونون أقل ميلاً لتنفيذ الإجراءات الموصى بها في القرار، حسب الموقع الرسمي للأمم المتحدة.

وفي هذا الإطار، يهدف مشروع قرار «الوقف الفوري لإطلاق النار» في غزة بين إسرائيل و«حماس»، الذي قدّمه الأردن نيابة عن المجموعة العربية - وستصوت عليه الجمعية العامة بعد ظهر الجمعة بحسب ما أعلن المندوب الفلسطيني رياض منصور الأربعاء - إلى الحصول على أكبر مقدار ممكن من الأصوات المؤيدة لمحاولة تشكيل ضغط دولي والتوصل إلى حل للأزمة.

ويمكن أيضاً للجمعية العامة أن تتخذ قرارات بالإجماع دون تصويت، تأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر جميع الدول، وتُجرى مفاوضات غالباً ما تؤدي إلى حلول وسط بين وجهات النظر المختلفة.

ونظراً للزيادة الهائلة في عدد الدول الأعضاء مع مرور الوقت، فإن التوصل إلى أوسع اتفاق ممكن حول مشروع قرار في الجمعية العامة أصبح أكثر أهمية اليوم من أي وقت مضى. ونظراً لأن قرارات الجمعية العامة عبارة عن توصيات وغير ملزمة قانوناً للدول الأعضاء؛ فقد أصبح التوصل إلى توافق في الآراء كوسيلة لضمان تنفيذ قرارات الجمعية العامة على أوسع نطاق ممكن بمعنى تطبيقه من أكبر عدد ممكن من الدول المؤيدة له.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: القرار الإسرائيلي بشأن الضفة «غير قانوني» ويُقوض فرص حل الدولتين

المشرق العربي فلسطينيون يتظاهرون أمام جنود إسرائيليين أغلقوا مدخل مخيم نور شمس في الضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

الأمم المتحدة: القرار الإسرائيلي بشأن الضفة «غير قانوني» ويُقوض فرص حل الدولتين

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، الاثنين، عن القلق البالغ إزاء قرار مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي السماح بسلسلة من التدابير غير القانونية في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 23 سبتمبر (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تطلب توضيحاً بشأن موعد سداد أميركا لمستحقاتها

قالت الأمم المتحدة اليوم الاثنين إنها تترقب تفاصيل حول موعد سداد الولايات المتحدة لمستحقاتها المتأخرة من الميزانية، وذلك بعد وعد قطعته واشنطن الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

خاص الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل.

علاء حموده (القاهرة)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟