تباينت آراء سياسيين ومحللين ليبيين بشأن فرص تشكيل حكومة «موحدة» تقود البلاد إلى انتخابات رئاسية وتشريعية، وسط تساؤلات حول تأثير ذلك على «تفكيك عقدة» الانقسام السياسي والعسكري بالبلاد.
وتعاني ليبيا من انقسام بين حكومتين متنازعتين على السلطة؛ الأولى في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والأخرى مدعومة من مجلس النواب في شرق ليبيا بقيادة أسامة حماد.
وفي خضم هذه الازدواجية في السلطة، تجدّدت الخلافات عقب مصادقة مجلس النواب على قانوني الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وتسليمهما إلى المفوضية العليا للانتخابات؛ حيث قوبلت التعديلات على تلك التشريعات بمعارضة المجلس الأعلى للدولة، وتحفظ البعثة الأممية على ما عدّته «غياباً في التوافق السياسي» بشأنها.

ورغم تباين موقفي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن تعديلات قوانين الانتخابات، فإن تصريحات صدرت عن رئيسيهما عقيلة صالح ومحمد تكالة خلال اليومين الماضيين، تلاقت عند أهمية «ضرورة تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تقود البلاد للانتخابات».
وحذّر أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بنغازي، محمد حسن مخلوف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من مغبة استمرار انقسام الحكومات في ليبيا، لأنه «يضع البلاد في مأزق حقيقي». ويشير مخلوف، الذي يشغل منصب نائب رئيس «حزب الشعب الحر» أيضاً، إلى أن «وضع السلطتين الحالي سيلاحق مخرجات الانتخابات بالشكوك، عكس وجود حكومة موحدة تستطيع الذهاب إلى الانتخابات».
ويبدو أن جوهر الخلاف الحاصل في ليبيا، وفق مخلوف، في رغبة مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في «اختيار رئيس الحكومة (الموحدة)، بينما يريد المبعوث الأممي تشكيل لجنة رفيعة لاختياره مع فريقه الحكومي»، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن «وجود الأجسام في ليبيا يعرقل العملية السياسية ومستقبل البلاد، وهو ما يريد الليبيون تغييره».

في السياق ذاته، تلقى فكرة تشكيل حكومة لكل الليبيين تأييد قادة أحزاب سياسية، من بينهم رئيسة حزب «تحالف القوى الوطنية»، مريم الشاعري، التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن «التحالف من أوائل الأحزاب التي تنادي بالذهاب إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية وطنية حرة نزيهة، وتحت إشراف حكومة موحدة، وكان هذا الموقف منذ انتخابات 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021». رأت مريم الشاعري أن السلطة التنفيذية الموحدة «ستفرض سيطرتها على سائر البلاد، وتوحد مؤسسات الدولة، ولن يكون هناك انتشار للسلاح وميليشيات مسلحة».
لكن الخبير في شؤون ليبيا في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، جلال حرشاوي، يرى من جهته، لـ«الشرق الأوسط»، أن «تشكيل حكومة تكنوقراط صغيرة وموحدة في طرابلس لا تعني أن ليبيا نفسها سوف تكون موحدة قبل الانتخابات».
وغرقت ليبيا في الفوضى السياسية والأمنية والتدخلات الدولية، منذ الأحداث التي أعقبت «ثورة» فبراير (شباط) عام 2011، وانقسمت في عام 2014 بين تشكيلات مسلحة متحاربة في شرق البلاد وغربها.
ويقول متابعون للشأن الليبي إن أجواء عدم الثقة لا تزال مفقودة بين الأطراف السياسية في البلاد، رغم توقف الصراع مؤقتاً بعد وقف إطلاق النار عام 2020، لكن تسريبات مؤخراً أفادت بمشاورات لدمج حكومتي طرابلس وبنغازي، وهو ما كشف عنه معهد الدراسات الأمنية في جنوب أفريقيا، من دون أن يوضح المصدر.
ويرى حرشاوي أن «الأمر يتوقف على ما إذا كان الأميركيون مصممين حقاً على ممارسة الضغط على رئيس حكومة الوحدة في غرب البلاد، عبد الحميد الدبيبة، والدفع نحو تشكيل هذه الحكومة».

ويدفع المجتمع الدولي بقوة نحو تشكيل سلطة ليبية موحدة مؤقتة، وفي إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن، جدّد المبعوث الأممي عبد الله باتيلي دعوة القادة الليبيين إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، و«الاتفاق على حكومة موحدة لقيادة ليبيا إلى الانتخابات»، وفي هذا السياق، عرض باتيلي «استعداد البعثة الأممية لتيسير هذه العملية». ولقيت دعوة المبعوث الأممي دعماً من سفارات دول غربية، بوصفها – حسب دبلوماسيين - تأكيداً على التحول الواضح في موقف الأمم المتحدة لصالح تشكيل حكومة موحدة قبل إجراء الانتخابات، إذ سبق أن وجه باتيلي في أغسطس (آب) الماضي رسالة إلى السياسيين بضرورة توحيد ليبيا، تحت سلطة انتقالية موحدة «تخلق بيئة سياسية مواتية» لصناديق الاقتراع.
ورغم أن رئيسة حزب «تحالف القوى الوطنية» ترفض بشكل قاطع أي تدخل دولي في الشأن الليبي، فإنها ترى أن الواقع «فرض هذه التدخلات بسبب الانقسام الحاصل في البلاد، وهو ما ارتضته النخب السياسية، وما علينا سوى الانتظار حتى يخرج دستور يضع القواعد الحاكمة للدولة، أفراداً ومؤسسات، وينظم علاقاتها داخلياً وخارجياً».
ولم تنعم ليبيا بحكومة موحدة سوى عام واحد فقط، منذ وقوع الانقسام السياسي والعسكري في 2014؛ إذ تشكّلت حكومة الدبيبة برعاية الأمم المتحدة عام 2021، واستهدفت إجراء الانتخابات، ومع استمرار الشد والجذب بشأن شرعيتها، كلف مجلس النواب فتحي باشاغا برئاسة الوزراء في مارس (آذار) 2022، لكن رئيس حكومة الوحدة رفض التنازل عن السلطة وتسليمه المنصب، ما أدى إلى وجود حكومتين متنافستين. ومع تطور الأحداث صوّت المجلس لصالح إيقاف باشاغا، ليكون أسامة حماد هو رئيس الحكومة المدعومة من مجلس النواب في شرق ليبيا.
في غضون ذلك، يرى عضو مجلس الدولة، فتح الله السريري، أن «فرص تشكيل حكومة موحدة مصغرة قائمة، نظراً لواقعية المطلب»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط»، «ضرورة خروج هذه السلطة الانتقالية إلى النور لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، إذ نصت القوانين الانتخابية على ضرورة تشكيلها لضمان شفافية، ونزاهة العملية الانتخابية».




