اتهامات لنتنياهو بمحاولة شق صف حركة عائلات الأسرى الإسرائيليين

«لكل الأسئلة المطروحة لا توجد أجوبة... لكن يوجد يقين أن حكومتنا مصيبة وطنية»

بنيامين نتنياهو خلال لقائه عائلات الأسرى لدى «حماس» يوم الأحد (د.ب.أ)
بنيامين نتنياهو خلال لقائه عائلات الأسرى لدى «حماس» يوم الأحد (د.ب.أ)
TT

اتهامات لنتنياهو بمحاولة شق صف حركة عائلات الأسرى الإسرائيليين

بنيامين نتنياهو خلال لقائه عائلات الأسرى لدى «حماس» يوم الأحد (د.ب.أ)
بنيامين نتنياهو خلال لقائه عائلات الأسرى لدى «حماس» يوم الأحد (د.ب.أ)

بعد 10 أيام من الحرب، كسر الإسرائيليون التقليد التاريخي بأنه في وقت الحرب لا ينتقدون الحكومة، ولا يهاجمون رئيسها، واتسعت حلقة الانتقادات لتتجاوز قوى اليسار والمعارضة، فخرج كثير من القادة العسكريين السابقين يهاجمون أداءها حتى بعد انضمام أحد قادة معسكرهم، بيني غانتس، إلى صفوفها. وقد غذّى رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بشكل شخصي، منتقديه بمواد ثرية من جراء تكرار الأخطاء والمطبات التي يقع فيها.

وقد بلغت الأمور حداً جعل صحيفة «يديعوت أحرونوت» تنشر مقالاً افتتاحياً تُبرر فيه هذه الانتقادات وتقول إن غطرسة نتنياهو ورفضه تحمل المسؤولية عن هذه الأخطاء والاستمرار في السياسة التي قادت إلى هذه الأخطاء تجعل كل صاحب مسؤولية ينتقده ويهاجمه. فيما قالت صحيفة «هآرتس» في مقالها الافتتاحي إن أداء الحكومة يدل على انهيار منظومة الخدمات. وقدمت عدة أمثلة على أن «ديوان رئيس الوزراء لا يؤدي مهامه، وفي أعقاب ذلك، كل الوزارات الحكومية تستصعب أداء مهامها. وليس أقل من ست وزارات في الحكومة تعمل اليوم دون مدير عام، بينها خمس وزارات أساسية لفترة الطوارئ، استقال فيها المدير العام (الأمن القومي، والتعليم، والإعلام، والاستخبارات والثقافة). وفي وزارة الاستخبارات لم يكلفوا أنفسهم حتى لتعيين مدير عام. وفي الوزارات الأخرى يوجد مديرون عامون، لكن مثل مدير ديوان رئيس الحكومة تم اختيارهم بسبب كونهم مساعدين سياسيين للوزير المسؤول، وليس لأنهم مؤهلون».

وتابعت أن حكومة اليمين المتطرفة كانت «منشغلة منذ يومها الأول في حربها ضد حماة الحمى، ضد أصحاب الوظائف الرفيعة المهنيين، وضد سلطة القانون والإدارة السليمة. مهنيون جديرون أصبحوا أعداء فقط لأنهم تجرأوا على الحفاظ على الرسمية وعلى موقفهم المهني. الكثيرون منهم انكسروا وتركوا آخرين دفعوا للترك. والنتيجة: انعدام وسيلة وانعدام أداء لا يتيحان للحكومة أن توفر للجمهور الخدمة الأساسية التي يفترض عليها أن توفرها، وبالتأكيد في ضوء كارثة بمثل هذا الحجم».

جانب من لقاء نتنياهو بعائلات الأسرى الإسرائيليين لدى «حماس» يوم الأحد (د.ب.أ)

واختتمت الصحيفة مقالها الافتتاحي بالقول: «لكل الأسئلة المطروحة حول الإخفاقات المستمرة، لا توجد أجوبة. لكن يوجد يقين واحد ووحيد: حكومة نتنياهو هي مصيبة وطنية».

وكان نتنياهو قد وافق، بعد تردد ومماطلة دامت تسعة أيام، على الاجتماع بوفد من أهالي الأسرى الإسرائيليين لدى «حماس». وقد لخص المتابعون اللقاء قائلين: «نتنياهو نصب لهم كميناً ولكنه وقع فيه بنفسه». وتحوّل اللقاء إلى فضيحة، احتلت عناوين وسائل الإعلام في خضم الحرب، وفق ما قال خصوم نتنياهو.

والقصة، كما يقول المنتقدون، أن نتنياهو لم يضع قضية الأسرى في مركز اهتمامه. ولولا قيام الرئيس جو بايدن بلقاء عائلات الأسرى الأميركيين في لقاء مطوّل على تطبيق «زووم»، لما فكّر رئيس الوزراء الإسرائيلي في إجراء لقاء معهم، وفق ما يضيف المنتقدون. وقد امتنع نتنياهو عن ذلك في هذه المرحلة من الحرب حتى لا يتيح لهم ممارسة ضغوط عليه، خصوصاً وأن وسائل الإعلام تدعوه إلى إبرام صفقة مع «حماس» حتى لو كان الثمن إطلاق سراح عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين أو كل الأسرى الفلسطينيين.

إسرائيل تقول إن 199 شخصاً رهينة لدى «حماس» عقب الهجوم المفاجئ الذي شنته الحركة الفلسطينية على غلاف قطاع غزة يوم 7 أكتوبر (د.ب.أ)

وفي هذه الأثناء انتظم أهالي الأسرى بشكل قوي. فقد أقاموا جمعية وفتحوا حملة تبرعات وباب التطوع لمساعدة العائلات وجمعوا معلومات عن هؤلاء الأسرى لمعرفة أعمارهم واحتياجاتهم، وأي دواء يستعمله المرضى منهم، وأي حساسية للطعام تميز بعضهم، وأجروا اتصالات مع دول الأجانب منهم، وأقاموا اتصالات مع الصليب الأحمر للمساعدة على التواصل معهم. كما انتخبوا سكرتارية وناطقين بلسانهم واستأجروا مكاتب في برج شالوم في قلب تل أبيب. وعندما طال الوقت على امتناع نتنياهو عن اللقاء بهم، اتصلوا صباح الأحد بمكتبه وأبلغوا أنهم يطلبون منه لقاءهم فوراً وإلا فإنهم سيلجأون إلى الرأي العام. واللجوء إلى الرأي العام يعني الصحافة التي تدير حملة واسعة ضد نتنياهو وحكومته ومساعديه منذ بداية الحرب وتتهمه بالتهرب من المسؤولية عن الإخفاقات والانشغال بكيف يزيح عن نفسه التهم في حال تشكيل لجنة تحقيق حول الإخفاقات.

لذلك سارع نتنياهو إلى التقاء وفد عن العائلات مؤلف من سبعة أشخاص. وحتى يتجنب الصحافة، أجرى اللقاء في قاعدة عسكرية في مدينة الرملة، بعيداً عن الأضواء. وخلال اللقاء، حاول إبداء تعاطف قوي معهم وفاجأهم بأن عانقهم فرداً فرداً. واستغرق الاجتماع ساعتين، علماً أنه قال لهم إنه سيكرس لهم ساعة. وأتاح نتنياهو لكل منهم أن يروي قصة أبنائهم الذين وقعوا في أسر «حماس». وأخبرهم أن أحد أهداف الحرب هو إطلاق سراح الأسرى. وقال: «أريد أن أطلق سراحهم جميعاً، ولكن إذا تمكنا من إطلاق سراح قسم منهم لن نتردد». ودعاهم إلى عدم مساعدة «حماس» بإدارة معركة شعبية للضغط على الحكومة فـ«نحن نضع قضيتهم على رأس اهتمامنا». وقد تأثر الحاضرون من تعاطف نتنياهو. فقال بعضهم لاحقاً إنهم فوجئوا من موقفه الحنون. ولكن خلال اللقاء دخل أحد المسؤولين في مكتب نتنياهو وقال بصوت عال إن عدداً من أهالي الأسرى موجودون في الخارج ويطلبون اللقاء به. فقال: «لا بأس في ذلك... أدخلهم». فدخل أربعة أشخاص أحدهم متدين. وتكلم منهم اثنان، امتدحا نتنياهو وحكومته وطلبا أن يدير الحرب بهدوء وروية حتى «الانتصار وتصفية (حماس)»، وقال كل منهما إن له قريبا في الأسر، وإنهما مستعدان للتضحية بهما إذا كان النصر يحتاج إلى ذلك فـ«المهم ألا ترضخ لهؤلاء الإرهابيين الداعشيين من (حماس)».

قريبة شاني نيكول لوق التي خطفها مقاتلو «حماس» تتحدث إلى الصحافيين عقب لقاء مع نتنياهو يوم الأحد في مدينة الرملة (أ.ف.ب)

وعندها حاول أحد الحاضرين، وهو محام معروف وقديم، الاستفسار من هم هؤلاء. فهم ليسوا مسجلين لديه كجزء من عائلات الأسرى. ودخل في نقاش معهم، تحوّل إلى شجار. وبانتهاء اللقاء، أصدر الأربعة بياناً صحافياً أعلنوا فيه عن تشكيل حركة لتحرير الأسرى جنباً إلى جنب مع الحكومة. هنا فهمت العائلات أن نتنياهو نصب كميناً. فهو يريد أن يظهر أهالي الأسرى مساندين له ومشجعين له على الاستمرار في الحرب بغض النظر عن قضية الأسرى، مع العلم بأنهم طالبوه بالعمل على إطلاق سراح أقربائهم سالمين مهما كان الثمن. وقد تحول الموضوع إلى فضيحة، وسط انتقادات لسياسة نتنياهو على أساس أنها يمكن أن تؤدي إلى قتل الآسرين والمأسورين معاً. وتقول إسرائيل إن هناك 199 رهينة بين إسرائيليين وأجانب ومزدوجي الجنسية تحتجزهم «حماس» منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) عندما شنّت هجومها المباغت.

وكانت وسائل إعلام عبرية قد أثارت أكثر من قصة عن تصرفات نتنياهو ومساعديه. فكشفت أن وزير الأمن يوآف غالانت حضر إلى مكتب نتنياهو للقائه الأحد، فلم يسمحوا لسيارته بالدخول. واضطر إلى العودة على أعقابه. وتبين أن نتنياهو فعل ذلك لأنه غير راض عن قرار غالانت تعيين شخص لإدارة عملية ترميم البلدات في غلاف قطاع غزة. فقد اختار غالانت، روني نوما، صاحب التاريخ العسكري الذي برز كأحد قادة مظاهرات الاحتجاج ضد خطة الحكومة للانقلاب على منظومة الحكم والقضاء. ولذلك أقام طاقماً خاصاً في ديوان رئيس الوزراء لمعالجة الترميم برئاسة أحد المقربين منه، هو رئيس مفاعل ديمونة، موشيه أدري.

ملصقات لأسرى لدى «حماس» على جدار في تل أبيب (د.ب.أ)

ووفق التسريبات، فإن من قرر رفض تعيين نوما هي زوجة نتنياهو، سارة، باعتبار أنه معاد لعائلة نتنياهو. وتبين أن هذا ليس القرار الوحيد الذي اتخذته سارة ونفذه زوجها بنيامين. فهي التي وقفت سداً أمام ضم أفيغدور ليبرمان إلى حكومة الطوارئ لإدارة الحرب. وتقف وراء اقتراح وزير الاتصالات، شلومو قرعي، استغلال حالة الطوارئ الحربية لتمرير عدد من البنود لتعديل قوانين الإعلام وحرية النشر، بحيث «يمنع التحريض على الحكومة ورموز الدولة في وقت الحرب». وهو الأمر الذي يدل على مدى ضيق نتنياهو وعائلته من الانتقادات الواسعة للحكومة على إخفاقاتها في هجوم «حماس» ومسؤوليته الشخصية عنها، وفق ما يقول منتقدون لرئيس الوزراء الإسرائيلي.


مقالات ذات صلة

بمشاركة أميركية... «الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل جديدة من اللقاءات بشأن غزة

المشرق العربي فلسطينيون يستعدون لمغادرة غزة إلى مصر من معبر رفح في خان يونس الخميس (أ.ف.ب)

بمشاركة أميركية... «الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل جديدة من اللقاءات بشأن غزة

بينت المصادر أن اللقاءات في القاهرة ستتواصل رغم أنه كان من المفترض أن تنتهي الجمعة، ويبذل الوسطاء جهوداً كبيرة لمحاولة إيجاد مقاربات تعمل على حل الأزمات العالقة

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز) p-circle

«البحرية الإسرائيلية» حشدت نصف قوتها للتنكيل بـ«أسطول الصمود»

حشد سلاح البحرية الإسرائيلية أكثر من نصف قوته للسيطرة على «أسطول الصمود العالمي» الذي يضم 60 سفينة وقارباً من فعاليات عالمية متعاطفة مع القضية الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي قوارب «أسطول الصمود» متجهة إلى قطاع غزة تغادر برشلونة 12 أبريل 2026 (أ.ف.ب) p-circle

وزير خارجية إسرائيل: ناشطو «أسطول الصمود» سيُنقلون إلى اليونان

أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الخميس، أن النشطاء الذين كانوا على متن "أسطول الصمود العالمي" المتجه الى غزة سيُنقلون إلى اليونان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

كبرى وسائل الإعلام الدولية تطالب إسرائيل بإتاحة الوصول لغزة

دعا مسؤولون في نحو ثلاثين وسيلة إعلام دولية خلال رسالة مفتوحة مشتركة، إسرائيل إلى إتاحة الوصول بحرية إلى قطاع غزة المغلق أمام الصحافيين الأجانب منذ بداية الحرب.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطيني يحمل عبوات ماء مملوءة بين خيام النازحين في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب) p-circle

خاص أجواء «إيجابية» في محادثات القاهرة حول مقترح الوسطاء الجديد

وصفت حركة «حماس» اللقاء «الأولي» الذي أجراه وفدها، مع الوسطاء في القاهرة لمناقشة المقترح الجديد بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأنه كان «إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (غزة)

معركة جنوب لبنان تتدحرج نحو التصعيد

عمال يرفعون الركام الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت بلدة عين بعال بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
عمال يرفعون الركام الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت بلدة عين بعال بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

معركة جنوب لبنان تتدحرج نحو التصعيد

عمال يرفعون الركام الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت بلدة عين بعال بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
عمال يرفعون الركام الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت بلدة عين بعال بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

تتدحرج وتيرة التصعيد في جنوب لبنان نحو مستويات غير مسبوقة، مع انتقال العمليات الإسرائيلية من نمط الضربات الموضعية إلى استهداف واسع ومتزامن لبلدات وقرى عدة، بالتوازي مع توسيع دائرة الإنذارات الميدانية، إذ وجّه الجيش الإسرائيلي إنذاراً إلى بلدة حبوش في قضاء النبطية، في موازاة اشتباكات متصاعدة وإعلانات متقابلة من الجانبين تعكس انزلاق المواجهة إلى مرحلة أكثر تعقيداً.

وفي مؤشر إلى احتمال اتساع رقعة الاستهداف نحو مناطق إضافية في العمق، وتوسع رقعة قصف «حزب الله» إلى شمال إسرائيل، بالتوازي مع أي توسعة للعملية، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي أصدر تعليمات بتقييد تجمّعات مفتوحة في بلدات حدودية مع لبنان لما يصل إلى 200 شخص، وفي المباني لما يصل إلى 600 شخص.

توسع في الخط الأصفر

وبدا لافتاً، الجمعة، أن الجيش الإسرائيلي كثّف ضرباته المدفعية باتجاه بلدتيْ طلوسة وبني حيان، الواقعتين داخل الخط الأصفر، لكنه لم يسيطر عليهما، مما يرفع المخاوف من أن يكون القصف تمهيداً لتوغل في البلدتين الواقعتين شرق وادي الحجير الاستراتيجي، وذلك تكراراً لوتيرة قصف مدفعي كانت تستهدف بلدات قبل التوغل فيها.

انفجار قذيفة يُعتقد أنها من الفوسفور الأبيض أطلقها الجيش الإسرائيلي على الجانب اللبناني من الحدود (رويترز)

وتزامن القصف مع قصف مُشابه لبلدات الصوانة وقلاويه وأطراف وادي الحجير ومحيط بلدات فرون والغندورية وتولين، وهي بلدات تطل على وادي الحجير، وتشرف على البلدات الواقعة داخل الخط الأصفر، سواء تلك التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي، أم لم يستكمل السيطرة عليها.

قصف متواصل

وغداة يوم دمويّ، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية اللبنانية بأن الجيش الإسرائيلي قصف 15 بلدة في جنوب لبنان، الجمعة، ضِمن خروقاته اليومية لاتفاق وقف النار. وشنّ الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات طالت برعشيت وياطر وعين بعال وكونين ومجدل زون ويحمر الشقيف وكفرا في قضاء بنت جبيل، إضافة إلى دير قانون رأس العين، حيث أدت الضربات إلى سقوط قتيلين وجريحين، في حين أسفرت غارات أخرى على الغندورية وبرج قلاويه عن مقتل مواطن.

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت بلدة يحمر بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وامتدت الضربات إلى العمق، إذ استهدفت مُسيّرة إسرائيلية دراجة نارية في بلدة المنصوري (قضاء صور)، في حين طالت غارة أخرى مدينة صور قرب مؤسسات الإمام الصدر. كذلك نفّذت القوات الإسرائيلية عمليات تفجير في منطقة حامول - الناقورة، وأخرى في بلدة شمع، بالتوازي مع تحليق مُسيّرات على علو منخفض فوق صور والبقاع الغربي (جب جنين وكامد اللوز) والضاحية الجنوبية لبيروت والعاصمة.

وأعلن الجيش الإسرائيلي مهاجمة أكثر من 40 هدفاً لـ«حزب الله» في آخِر 24 ساعة، وذكر أن الأهداف التي هُوجمت تقع «في مناطق متفرقة من جنوب لبنان، حيث دمرها»، مشيراً إلى أنها «شملت مقرات كانت (العناصر) تنشط فيها، ومنشآت عسكرية وبنى تحتية أخرى».

هجمات متبادلة بين «حزب الله» وإسرائيل

بالتوازي، أعلن «حزب الله»، في سلسلة بيانات، استهداف تجمعات للجيش الإسرائيلي في محيط مدرسة بلدة حولا، وقصف تجمُّع آخر في محيط مجمع موسى عباس في بنت جبيل بالمدفعية، فضلاً عن استهداف موقع في البياضة بمسيّرة انقضاضية قال إنها حققت إصابة مؤكَّدة.

في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي أن «حزب الله» أطلق صاروخاً ومسيّرة مفخخة سقطا قرب منطقة تعمل فيها قواته في جنوب لبنان دون تسجيل إصابات، مشيراً إلى اعتراض مسيّرة أخرى. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية وقوع إصابتين واندلاع حريق في مركبة عسكرية قرب مستوطنة مسكفعام نتيجة انفجار مسيّرة.

عمليات الفرقة 98 وتدمير ملعب بنت جبيل

وعلى صعيد العمليات البرية، أعلنت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي أن قوات الفرقة 98، التي تضم ألوية المظليين و«جفعاتي» والكوماندو ولواء النيران (214)، نفّذت، خلال الأسابيع الأخيرة، عمليات في منطقة بنت جبيل؛ «بهدف تطهيرها من البنى التحتية»، مشيرة إلى تدمير أكثر من 900 هدف، والعثور على مئات الوسائل القتالية، وقتل أكثر من 200 مقاتل في اشتباكات من مسافة قريبة وبغطاء جوي. وأضافت أن سلاح الجو دمّر ملعب البلدة بعد العثور عليه مفخخاً، في حين أعلن الجيش تفكيك أكثر من 7500 قطعة سلاح، ومصادرة كميات كبيرة من الذخائر والمُعدات.

انتشال ضحايا من تحت الأنقاض

وواصلت فِرق الدفاع المدني انتشال الجثث جراء ضربات الخميس الذي شهد تنفيذ أكثر من 84 غارة على قضاءيْ صور وبنت جبيل، بالتزامن مع قصف مدفعيّ، ما أسفر، وفق وزارة الصحة اللبنانية، عن مقتل 29 شخصاً، بينهم عسكري في الجيش اللبناني مع أفراد من عائلته، في غارة استهدفت منزلهم بكفررمان، إضافة إلى مقتل مسؤول في «حزب الله»، وإصابة 33 آخرين.

في سياق العمليات الإغاثية، أنهت فِرق الدفاع المدني والإسعاف، التابعة لكشافة «الرسالة الإسلامية» في مركز كفررمان، عمليات رفع الأنقاض من مبنى استُهدف في غارة ليلية، وتمكّنت بعد جهودٍ استمرت حتى ما قبل ظهر اليوم من انتشال خمسة جثامين.

فرق الإسعاف والإنقاذ اللبنانية تبحث عن أشلاء بين الأنقاض غداة استهداف منزل بغارة جوية إسرائيلية بمدينة النبطية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

كما استهدفت مسيّرات إسرائيلية بلدة زبدين بصاروخين موجّهين، خلال تجمع لمواطنين قرب مقبرة البلدة، ما أدى إلى مقتل ستة أشخاص، في حين أدت غارة على بلدة تول إلى سقوط أربعة قتلى، وإصابة 13 آخرين؛ بينهم خمسة أطفال، في حين توزعت غارات أخرى على بلدات قانا وقلاوية والبازورية، حيث استهدفت مسيّرة سيارة مدنية في قلاوية، ما أدى إلى سقوط قتيل واحتراق المركبة بالكامل.

ومع استمرار العمليات، ترتفع الحصيلة الإجمالية للضحايا، منذ مطلع مارس (آذار) الماضي، إلى 2586 قتيلاً، وأكثر من 8 آلاف جريح، وفق بيانات وزارة الصحة، في مؤشر إلى تصاعد غير مسبوق في وتيرة المواجهات واتساع نطاقها الجغرافي.


الرئيس اللبناني يصرّ على تثبيت وقف النار لإطلاق المفاوضات مع إسرائيل

لافتة عملاقة في بيروت تتضمن شعار دعم للرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)
لافتة عملاقة في بيروت تتضمن شعار دعم للرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)
TT

الرئيس اللبناني يصرّ على تثبيت وقف النار لإطلاق المفاوضات مع إسرائيل

لافتة عملاقة في بيروت تتضمن شعار دعم للرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)
لافتة عملاقة في بيروت تتضمن شعار دعم للرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)

يصرّ الرئيس اللبناني جوزيف عون على تثبيت وقف إطلاق النار ووقف استهداف إسرائيل للمدنيين في لبنان، قبل استكمال الاجتماعات الثنائية بين ممثلي لبنان وإسرائيل في واشنطن، وسط تصعيد من قبل «حزب الله» ضد المسار التفاوضي ككل، واعتبره «مداناً ومرفوضاً».

وبدا الرئيس اللبناني في منتصف ضغوط من الجانبين؛ فمن جهة تضغط الولايات المتحدة باتجاه انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل، وعقد لقاء بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فيما يقابله «حزب الله» برفض المفاوضات المباشرة من أساسها. وفيما يرى عون أن الخيار الدبلوماسي هو الوحيد المتاح في هذا الوقت لوقف إطلاق النار، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، وبسط سيطرة الدولة على كافة أراضيها، يرفض أي لقاء ثنائي مع نتنياهو، بعدما أعلن رفضه حتى اتصالاً هاتفياً يجمعه به، ضمن اتصال ثلاثي ينخرط فيه الجانب الأميركي، وهو الوسيط بين الطرفين.

تثبيت وقف النار

وكان ملف تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، وإصرار عون عليه، مدار البحث بين عون والسفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى الذي جاء بعد ساعات على بيان أصدرته السفارة، قالت فيه إن عقد لقاء مباشر بين عون ونتنياهو، برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، «قد يشكّل للبنان فرصة للحصول على ضمانات تتعلق بالسيادة الكاملة، وسلامة الأراضي، وأمن الحدود، إضافة إلى دعم إنساني وإعادة الإعمار، واستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها».

وأفادت الرئاسة اللبنانية بأن عون استقبل عيسى بعد عودته من واشنطن، وعرض معه التطورات الراهنة لا سيما ملف تثبيت وقف إطلاق النار ووقف استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، تمهيداً لاستكمال الاجتماعات في واشنطن، ما يؤدي إلى تحقيق إنجاز السلم والاستقرار على الحدود والإعلان عن ذلك في واشنطن. وأكد السفير عيسى دعم الولايات المتحدة المستمر للبنان ومؤسساته.

من جهته، شكر الرئيس عون السفير الأميركي على استمرار الدعم الأميركي من أجل تحقيق الاستقرار في لبنان.

كذلك، استقبل رئيس الحكومة نواف سلام، السفير عيسى، وبحثا تثبيت وقف إطلاق النار، والمحادثات المتعلقة بالتفاوض مع إسرائيل، حسبما أفادت رئاسة الحكومة.

الرئيس اللبناني جوزيف عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال لقائهما في قبرص الأسبوع الماضي (رويترز)

وينطلق إصرار عون على مطالبه من «تحقيق المصلحة الوطنية». وقالت مصادر وزارية مقربة من الرئاسة اللبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن وقف إطلاق النار واستهداف المدنيين والمنشآت المدنية «هما أساس لاستكمال المفاوضات»، لافتة إلى أن السفير عيسى «شرح البيان، ووجه أسئلة لعون الذي أكد موقف لبنان، وإصرار الرئيس على تحقيق تلك النقاط ودور الولايات المتحدة في هذا المجال»، وذلك تمهيداً لنقل الموقف اللبناني إلى واشنطن. وأكدت المصادر أن موقف عون «معروف ومعلن تجاه اللقاء المباشر»، قائلة: «من رفض الاتصال الهاتفي مع نتنياهو، بالتأكيد سيرفض اللقاء به».

ضغوط «حزب الله»

وفي مقابل الضغوط و«الضمانات الأميركية»، يتعرض عون لضغوط مقابلة من «حزب الله» الذي يرفض التفاوض المباشر، ويتعهد بمواصلة القتال على الجبهة الجنوبية، ويحمّل الدولة مسؤولية المسار الذي تمضي به.

وقالت كتلته النيابية (الوفاء للمقاومة)، في بيان، بعد اجتماعها، الجمعة، إن «مسار التفاوض المباشر مع العدو الذي ذهبت إليه السلطة مرفوض ومدان، ويشكل انحرافاً عن الثوابت الوطنية ومساساً بالسيادة، ويناقض الوفاق الوطني واتفاق الطائف، ويجافي منطق تحقيق المكاسب واستعادة الحقوق الوطنية»، مشددة على أن «أي مخرجات أو نتائج تحصل لسنا معنيين بها على الإطلاق».

وقالت إن «ما يرتكبه العدو من أعمال القتل اليومي للمدنيين العزل في الجنوب، والتدمير الممنهج لقرانا الحدودية، هي جرائم حرب ضد الإنسانية، لن تثني شعبنا عن التمسك بحقه المشروع في الدفاع عن بلده، وهي تزيده قناعة بخيار المقاومة كسبيل للتحرير والدفاع عن وجوده»، مضيفة: «إن جرائم العدو يجب أن تكون حافزاً للسلطة كي تعود إلى شعبها وتوقف مسلسل تنازلاتها المجانية».

واعتبر عضو كتلة الحزب البرلمانية (الوفاء للمقاومة) النائب إبراهيم الموسوي، أن «أداء السلطة ينجرف في مسار استسلامي تفاوضي مباشر يتلقى الإملاءات». كما أشار الموسوي إلى «أننا سنرفع رايات النصر الخفاقة في كل قرى الجنوب المحتل».

التزام بالمسار الإصلاحي

وكان عون قال، الجمعة، بمناسبة عيد العمال: «لقد عملنا، بالتعاون مع الحكومة، على إطلاق مسار إصلاحي يهدف إلى النهوض بالوضع الاقتصادي وتحقيق الاستقرار، قبل أن تعصف الحرب الأخيرة بالبلاد، وتزيد الأمور تعقيداً. ومع ذلك، فإن إرادتنا لم ولن تنكسر، ونحن ماضون في بذل كل الجهود الممكنة لإعادة بناء ما تهدّم، واستعادة الثقة، وخلق فرص عمل تليق بكرامة اللبنانيين». وأكد التزامه والحكومة «بمواصلة العمل على تحسين أوضاع العمال، من خلال دعم حقوقهم، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتأمين بيئة عمل عادلة تحفظ كرامتهم وتكافئ جهودهم».

من جهته، أكد رئيس الحكومة نواف سلام مواصلة العمل «لاستعادة كل شبرٍ من أرضنا المحتلة، واستكمال مسيرة الإصلاح، والنهوض بالاقتصاد بما يخلق فرص عمل جديدة، ويعيد الاستقرار، ويضع البلاد على مسار التعافي الحقيقي».

جعجع

إلى ذلك، تلقى خطوة التفاوض المباشر مع إسرائيل، تأييداً من بعض القوى السياسية، وفي مقدمها حزب «القوات اللبنانية» الذي قالت النائبة عنه ستريدا جعجع إن «ما يمرّ به لبنان في هذه المرحلة المصيرية لا يحتمل المزيد من المزايدات ولا الخطابات الشعبوية التي أثبتت التجارب المتراكمة أنها لم تُنتج إلا مزيداً من الانهيار والخراب».

وأضافت: «من هنا، فإننا في حزب (القوات اللبنانية)، ومن موقعنا الوطني الصريح، نؤكد دعمنا الكامل للمساعي التي يقودها رئيس الجمهورية جوزيف عون لوضع حدّ للحرب الدائرة، عبر مسار تفاوضي واضح وصريح يهدف أولاً وأخيراً إلى حماية لبنان وشعبه وإعادة تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة ونهائية لكل اللبنانيين».


بري لـ«الشرق الأوسط»: لا جدوى من التفاوض مع إسرائيل تحت النار

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)
TT

بري لـ«الشرق الأوسط»: لا جدوى من التفاوض مع إسرائيل تحت النار

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)

في أول تعليق له على البيان الصادر عن السفارة الأميركية في بيروت، والذي دعت فيه رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون إلى عقد اجتماع مباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قال رئيس مجلس النواب نبيه بري لـ«الشرق الأوسط» إن البيان يُعبّر عن نفسه، وليس عندي ما أضيفه عليه، مؤكداً أنه أوقف تشغيل محركاته، وأن جوابه على رئيس الجمهورية «جاء رداً على ما قاله أثناء استقباله للهيئات الاقتصادية» (في إشارة إلى ما قاله عون عن تنسيق كامل مع بري بخصوص المفاوضات)، وهذا ما يكمن وراء اعتذاره عن حضور اللقاء الذي كان مقرراً مع الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام في القصر الجمهوري.

وتطرّق الرئيس بري إلى تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع بتدخل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، متسائلاً: أين هي هذه الهدنة؟ وهل أوقفت إسرائيل تجريفها البلدات وهدمها المنازل، واستباحتها دماء الأطفال والنساء والشيوخ، ومنعها فرق الإسعاف من إنقاذ الجرحى ونقلهم إلى المستشفيات، أو سحب من علقوا تحت الركام حتى فارقوا الحياة؟ كما أشار إلى استهداف الهيئات الصحية والمسعفين، ما أدى إلى استشهاد العشرات منهم، متسائلاً عمّا إذا كان جميع هؤلاء الضحايا جزءاً من البنى العسكرية لـ«حزب الله»، كما تدّعي إسرائيل لتبرير تدميرها للبلدات الجنوبية.

وقال إن الهدنة المزعومة أتاحت لإسرائيل التمادي في عدوانها وارتكاب المجازر على نحو غير مسبوق، من دون تدخّل الولايات المتحدة الأميركية لإلزامها بوقف الأعمال العدائية وتثبيت وقف النار، خصوصاً أنها كانت وراء التوصل لتمديد الهدنة، ما يدعوها لاحترام تعهّدها أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي، وإلا ما الجدوى من المفاوضات تحت ضغط إسرائيل بالنار؟ وماذا سنقول لذوي شهداء الغدر الإسرائيلي من الجنوبيين؟

عون وبري... تباين لا خلاف

وفي هذا السياق، كشف مصدر نيابي مواكب للعلاقات الرئاسية عن أن الخلاف الطارئ بين الرئيسين عون وبري يبقى تحت سقف التباين الذي حصل في تفسيرهما للبيان الصادر عن «الخارجية الأميركية».

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن وسطاء تدخّلوا لتبريد الأجواء بين الطرفين، مستبعداً أن تترتب على الخلاف أي قطيعة، في ظل الظروف الصعبة والدقيقة التي يمر بها لبنان، والتي تتطلب من الجميع، بدءاً من الرؤساء، تضافر الجهود لإلزام إسرائيل بوقف إطلاق النار وتثبيته، قبل الطلب من لبنان الدخول في مفاوضات مباشرة، وإن كان يفضَّل أن تكون غير مباشرة، وهو ما يُفترض أن تعمل عليه الإدارة الأميركية.

وأضاف المصدر أنه ما دام الرؤساء الثلاثة يُجمعون على ضرورة وقف الأعمال العدائية استباقاً لأي مسار تفاوضي مع إسرائيل، فإن تصويب الموقف على هامش جلسة مجلس الوزراء أسهم في ترطيب الأجواء بين الرئيسين، ما يفتح الباب أمام عودة الحيوية إلى العلاقات الرئاسية، انطلاقاً من عدم وجود مصلحة لأي من الرؤساء في غياب التشاور، بوصفه ضرورياً للتوصل إلى خريطة طريق في مقاربة ملف المفاوضات.

عون وبري (أرشيفية - رويترز)

ولفت إلى أنه لا مفر من معاودة التلاقي بين الرؤساء الثلاثة، ما داموا يتمسكون بالثوابت الوطنية وعدم التفريط بها بوصفه ممراً إلزامياً لبدء المفاوضات التي من غير الجائز أن تُعقد من دون أن تتلازم مع تثبيت وقف النار، وهذا ما يدعو ترمب للتدخل لدى إسرائيل لمنعها من التمادي في عدوانها.

موقف بري من المفاوضات

ودافع المصدر النيابي عن موقف بري من المفاوضات، وسأل عن الأسباب الكامنة وراء عدم تدخل الإدارة الأميركية لإلزام إسرائيل بتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي رعته بالتفاهم مع فرنسا (عام 2024)، والذي لم يرَ النور، بل أتاح لإسرائيل التمادي في خرقه بتوسعة عدوانها الذي تجاوز الجنوب إلى الضاحية الجنوبية لبيروت وبلدات بقاعية.

وأكد أن «حزب الله» تجاوب مع رغبة بري، والتزم إلى أقصى الحدود بوقف الأعمال العدائية، وكان له -بتفويض من الحزب- دور في التوصل إليه مع الوسيط الأميركي آنذاك، آموس هوكستين، وحظي برعاية الولايات المتحدة وفرنسا، في مقابل إطلاق يد إسرائيل لمواصلة عدوانها بذريعة أنه يعطيها حق الدفاع عن النفس بتوجيه ضربات وقائية تستهدف ما يخطط له الحزب بتهديده أمن مستوطناتها الشمالية.

وقال المصدر إن التزام «حزب الله» بوقف إطلاق النار طوال 15 شهراً، في مقابل إصرار إسرائيل على خرقه، شكّل إحراجاً له، خصوصاً مع امتناع واشنطن عن التدخل للضغط على إسرائيل لوقف خروقاتها، وصولاً إلى توسعة عدوانها، رغم أنها كانت قد تعهّدت بتلازم الخطوات بين الجانبين بوصفه شرطاً لتطبيق الاتفاق، مضيفاً أن حكومة نواف سلام، وإن كانت قد راهنت أساساً على الخيار الدبلوماسي لإلزام إسرائيل بالانسحاب من الجنوب، فإنها واجهت تمرداً إسرائيلياً على الاتفاق واستمراراً في سياسة الضغط بالنار لدفع لبنان إلى التسليم بشروطها.

هدنة الأسابيع الثلاثة

وعدّ أن هدنة الأسابيع الثلاثة بقيت حبراً على ورق، وأتاحت لإسرائيل تحويل الجنوب إلى منطقة عمليات عسكرية مفتوحة بمواصلة تدميرها الممنهج الذي طاول منطقة جنوب نهر الليطاني وشماله لتهجير سكانه تحت ضغط مطالبتهم بإخلاء بلداتهم.

امرأة تحمل صورتين لأمين عام «حزب الله» نعيم قاسم ورئيس مجلس النواب نبيه بري في تحرك شعبي (أ.ف.ب)

وقال المصدر إنه على ثقة بأن الرئيس عون ثابتٌ على موقفه القائم على اشتراط تثبيت وقف إطلاق النار أولاً، بوصفه ممراً إلزامياً لبدء مفاوضات مباشرة بين البلدين برعاية أميركية، من دون التفريط، مهما كانت الضغوط، بالثوابت الوطنية التي يتمسك بها، مضيفاً أن هذا الموقف يأتي في إطار تفاهمه مع بري وسلام، وقد أكده في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة بقوله إن المفاوضات لم تبدأ حتى الساعة، ما يعني رفضه أي مسار تفاوضي قبل توقف إسرائيل عن ضغطها العسكري على لبنان.

تثبيت وقف إطلاق النار

ولفت المصدر إلى أن الرئيس عون لن يُسلّم ببدء المفاوضات بشكل مطلق من دون أي مقابل، وفي مقدمته تثبيت وقف إطلاق النار، ورأى المصدر، من وجهة نظره، أن الضغط الأميركي لعقد لقاء مع نتنياهو على نحو عاجل قد يؤدي إلى توتير الأجواء الداخلية ورفع منسوب الاحتقان، في ظل تصاعد وتيرة الخلافات، في حال الاستجابة لهذا الضغط من دون توفير ضمانات للبنان، وفي مقدمها وقف إطلاق النار وعودة النازحين إلى قراهم.

وأكد أنه يقف إلى جانب الرئيس عون في تفضيله عدم حرق المراحل عبر لقاء مع نتنياهو، معتبراً أن الوقت لم يحن بعد لمثل هذا اللقاء، وأنه يفترض أن يأتي تتويجاً للتوصل إلى اتفاق يقوم على الاستجابة للثوابت الوطنية التي يتمسك بها رئيس الجمهورية، مقابل إنهاء حالة الحرب بين البلدين، على أن يُترك ما بعد ذلك لكل حادث حديث، مستغرباً صدور بيان دعوة عون للقاء نتنياهو عن السفارة الأميركية في بيروت بدلاً من صدوره عن البيت الأبيض، مشيراً إلى أن هذا الأمر استوضحه الرئيس عون خلال استقباله السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى العائد حديثاً من واشنطن، للوقوف على الدوافع التي أملت صدور البيان عن السفارة، والذي يُعد سابقة في تاريخ العلاقات بين البلدين.