تحليل: العلاقات القديمة بين روسيا وأرمينيا تتلاشى

عربة مصفحة لقوة حفظ السلام الروسية عند ممر لاشين الحدودي (أ.ف.ب)
عربة مصفحة لقوة حفظ السلام الروسية عند ممر لاشين الحدودي (أ.ف.ب)
TT

تحليل: العلاقات القديمة بين روسيا وأرمينيا تتلاشى

عربة مصفحة لقوة حفظ السلام الروسية عند ممر لاشين الحدودي (أ.ف.ب)
عربة مصفحة لقوة حفظ السلام الروسية عند ممر لاشين الحدودي (أ.ف.ب)

يرى المحلل الروسي ألكسندر أتاسونتسيف أن الصراع في منطقة كاراباخ المتنازع عليها، لم ينتهِ بأسوأ شكل ممكن بالنسبة لأرمينيا فحسب، ولكن بالنسبة لروسيا أيضاً.

ورغم لغة الخطاب الطنانة من جانب موسكو وانتقادها القادة الأرمن، من الواضح أن فشل جهود روسيا لحفظ السلام قد عرض للخطر وجودها على المدى الطويل في منطقة جنوب القوقاز.

ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن أتاسونتسيف، وهو صحافي مستقل متخصص في شؤون حقبة ما بعد الاتحاد السوفياتي، قوله في تقرير نشرته مؤسسة «كارنيغي» للسلام الدولي، إن القتال الذي استمر 24 ساعة في كاراباخ في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، وأسفر عن استسلام قوات الدفاع الأرمينية الكاراباخية لباكو، كشف عن أن أذربيجان كانت أكثر قلقاً إزاء العقوبات الغربية من القوة العسكرية الروسية.

ورغم أنها رسمياً حليف في منظمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة موسكو، لن تسعى يريفان بعد الآن لطلب ضمانات أمنية من موسكو.

الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في القصر الرئاسي بكاراباخ وأمامه على الأرض العلم الوطني للإقليم الأحد الماضي (إ.ب.أ)

وتعد أرمينيا الدولة الوحيدة في فترة ما بعد الحقبة السوفياتية، التي زاد فيها نفوذ روسيا بشكل كبير منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. وفي عام 1992، تم نشر حرس الحدود الروسي على حدود أرمينيا مع إيران وتركيا. وفي عام 1995، تم افتتاح قاعدة عسكرية روسية كبيرة في جيومري، ثاني أكبر مدينة أرمينية. وفي عام 2020، نُشرت بعثة حفظ سلام روسية في كاراباخ بعد حرب كاراباخ الثانية.

غير أن تفويض روسيا لحفظ السلام في كاراباخ لم يكن واضحاً؛ حيث اعتمد نجاحه فقط على استمرار نفوذها السياسي والعسكري. وفي جوهر الأمر، ترسخ في أعماق كلا الطرفين (أذربيجان وأرمينيا) أن روسيا غير مستعدة للمخاطرة بوفاة جندي روسي.

وأضاف أتاسونتسيف أن كل ذلك تغير مع غزو روسيا لأوكرانيا في شهر فبراير (شباط) عام 2022، الذي التهم قدرات الكرملين العسكرية ودمر الكثير من نفوذها. ومع حلول خريف عام 2022 عندما هاجمت أذربيجان الأراضي الأرمينية، كان واضحاً أن موسكو غير مستعدة للتدخل.

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والآذري إلهام علييف في بشكيك عاصمة قرغيزستان في 13 أكتوبر الحالي (رويترز)

وخلال الحرب التي استغرقت يوماً واحداً في كاراباخ في شهر سبتمبر عام 2023، أظهرت موسكو مرة أخرى أنها ليست مستعدة للمخاطرة بالدخول في نزاع مع باكو (حتى عقب وفاة جنود روس).

ويثير فشل مهمة حفظ السلام الروسية في كاراباخ، التي يبدو الآن أنه من المرجح أن يتم إنهاؤها، تساؤلات بشأن الوجود العسكري الروسي في أرمينيا. ومنذ حقبة تسعينات القرن الماضي، كان ذلك الوجود قائماً على أساس تقارب المصالح بين موسكو ويريفان، والآن هذه المصالح تتباعد بسرعة.

مصافحة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في موسكو في 8 سبتمبر 2018 (أ.ف.ب)

وما زال هناك سؤال مفتوح، عما إذا كان بمقدور موسكو فعل المزيد لوقف ذلك الصراع قبل أن ينتهي بهزيمة كارثية للأرمن. وإذا كان بمقدورها بالفعل القيام بالمزيد واختارت عدم القيام به، فإن ذلك كان خطأ جسيماً، مما مهّد الطريق أمام تركيا للقيام بدور أكبر في المنطقة وترك أرمينيا عرضة للخطر.

وعقب غزو روسيا لأوكرانيا، فإن كل القضايا الإقليمية الأخرى، بما في ذلك قضايا جنوب القوقاز، لم تعد ذات أهمية بالنسبة لموسكو. ومن المؤكد أن الدخول في صراع مع أذربيجان وداعمها الرئيسي، تركيا، لن يجعل روسيا أقرب لتحقيق النصر في أوكرانيا.

جنديان آذريان عند معبر لاشين الحدودي (أ.ب)

ويرى أتاسونتسيف أنه كان يمكن، كخيار مفتوح أمام روسيا، زيادة صادرات الأسلحة لحليفتها أرمينيا، ولكن موسكو تحتاج إلى كل الأسلحة التي يمكنها الحصول عليها لحربها على أوكرانيا.

واشتكت يريفان من أن موسكو ترفض تزويدها بالأسلحة التي دفعت بالفعل ثمنها، ما أرغم أرمينيا على اللجوء إلى موردين هنود عوضاً عن ذلك. وكانت هناك حتى إشارات إلى أن أرمينيا ربما تشترى أسلحة غربية.

ومن دون ضمانات أمنية أو إمدادات أسلحة، هناك سبب ضئيل لكي تظل أرمينيا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي. وباستثناء التدريبات العسكرية المشتركة، كان السبب الوحيد على مدار سنوات كثيرة لكي تظل يريفان عضواً في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، هو خيار شراء أسلحة روسية بسعر مخفض.

ودفع الاستياء من موسكو بالفعل يريفان إلى اتخاذ قرارات مصيرية عدة.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، صادقت أرمينيا على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي يعني أنه إذا زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أرمينيا، فإنه سوف يتم إلقاء القبض عليه.

وأثيرت فكرة الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية لأول مرة عقب هجوم أذربيجان على أرمينيا في سبتمبر 2022، وانتشار فيديوهات تظهر جنوداً أذربيجانيين يعدمون أسرى أرمينيين. وقالت يريفان، في ذلك الوقت، إن العضوية في المحكمة الجنائية الدولية سوف تكون وسيلة ضغط أخرى على باكو.

قوة من جنود حفظ السلام الروس في كاراباخ في 7 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

ولكن عندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق بوتين في مارس (آذار) 2023، لا بد أنه كان واضحاً للمسؤولين الأرمن الطريقة التي سوف يرد بها الكرملين، ومع ذلك مضت أرمينيا قدماً في المصادقة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

كما لم تحاول يريفان أن تخفي الأسباب الحقيقية لقرارها؛ حيث قال رئيس الوزراء نيكول باشينيان: «اتخذنا القرار بالمصادقة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عندما أصبح واضحاً لنا أن منظمة معاهدة الأمن الجماعي وآليات الشراكة الاستراتيجية الروسية الأرمينية ليستا كافيتين لضمان أمن أرمينيا الخارجي».

وكان يمكن التكهن برد فعل موسكو؛ حيث وصف ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم بوتين، المصادقة بأنها «خطوة عدائية للغاية». وفي الأيام التالية، بدأ موردو مشروب البراندي إلى روسيا في مواجهة مشكلات في المنافذ الجمركية.

واختتم أتاسونتسيف تقريره بالقول إن روسيا حظرت في الماضي واردات البضائع لمعاقبة دول، مثل مولدوفا وجورجيا، اللتين رأت موسكو أنهما تسعيان لانتهاج مسار موالٍ للغرب، غير أن هذا التكتيك لم يحقق نجاحاً كبيراً، بل كان له تأثير عكسي؛ حيث حصلت مولدوفا على وضع مرشح للاتحاد الأوروبي في عام 2022، وقد تحصل جورجيا عليه في وقت لاحق العام الحالي. ولا يمكن استبعاد أن تحذو أرمينيا حذوهما.



اتهام روسي لأوكرانيا بمحاولة اغتيال ضابط كبير في موسكو

بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ)
بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ)
TT

اتهام روسي لأوكرانيا بمحاولة اغتيال ضابط كبير في موسكو

بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ)
بوتين مع وزير خارجيته لافروف (إ.ب.أ)

تعرّض ضابط عسكري روسي رفيع المستوى لإطلاق نار في مبنى سكني بموسكو، أمس (الجمعة)، نُقل على أثره إلى المستشفى، بينما اتَّهمت السلطات أوكرانيا بتدبير محاولة الاغتيال «لتقويض محادثات السلام» الجارية بين البلدين.

وقالَ محققون روس إنَّ فلاديمير أليكسييف، نائب رئيس الاستخبارات العسكرية الروسية، تعرّض لإطلاق نار من «شخص مجهول»، مشيرين إلى أنَّ المشتبه به فرّ من المكان الحادث.

ويخضع أليكسييف لعقوبات غربية لدوره المفترض في هجمات إلكترونية واتّهامات له بتدبيره هجوماً بغاز الأعصاب ضد جاسوس روسي منشق في بريطانيا. كما يعدّ أليكسييف معاوناً لأحد أعضاء الوفد الروسي المفاوض في المحادثات الثلاثية مع أوكرانيا والولايات المتحدة، والتي اختُتمت جولتها الثانية الخميس في أبوظبي.

واتَّهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أوكرانيا بالوقوف وراء «العمل الإرهابي»، متَّهماً كييف بمحاولة «إفشال مسار المفاوضات» الرامية إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ أربع سنوات.


الاتحاد الأوروبي يطلب من «تيك توك» تغيير تصميمه «المشجع على الإدمان»

شعار شركة «تيك توك» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)
شعار شركة «تيك توك» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد الأوروبي يطلب من «تيك توك» تغيير تصميمه «المشجع على الإدمان»

شعار شركة «تيك توك» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)
شعار شركة «تيك توك» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

طلب الاتحاد الأوروبي، اليوم الجمعة، من تطبيق «تيك توك» تغيير تصميمه الذي يشجع على الإدمان، كما قال، وإلا فسيواجه غرامات باهظة، بموجب قواعد المحتوى الرقمي للاتحاد، الأمر الذي أثار رد فعل عنيفاً من المنصة المملوكة لشركة صينية.

وفي استنتاجات أولية لتحقيق بدأ قبل عامين، رأت المفوضية الأوروبية أن «تيك توك» لا يتخذ خطوات فعّالة لمعالجة الآثار السلبية للتطبيق، ولا سيما على القاصرين والبالغين المعرَّضين للخطر.

وقال المتحدث باسم المفوضية توماس رينييه إن «تصميم (تيك توك) المسبب للإدمان يخالف قانون الخدمات الرقمية»، مُشيراً إلى مخاوف تتعلق بميزات مثل استعراض المحتوى بلا توقّف والتشغيل التلقائي والإشعارات الفورية ونظام التوصيات وفق تفضيلات المستخدم، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضاف رينييه أن «هذه الميزات تؤدي إلى الاستخدام القهري للتطبيق، خاصةً لأطفالنا، وهذا يُشكّل مخاطر جسيمة على صحتهم النفسية ورفاهيتهم... والإجراءات التي اتخذها (تيك توك) غير كافية على الإطلاق».

ورفضت «تيك توك» خلاصات المفوضية الأوروبية، وعَدَّت أنها «تقدم صورة زائفة تماماً ولا أساس لها من الصحة لمنصتنا»، وفقاً لبيان للمتحدث باسمها.

وأضاف المتحدث: «سنتخذ جميع الخطوات اللازمة للطعن في هذه النتائج بكل الوسائل المتاحة».

وقانون الخدمات الرقمية جزء من مجموعة أدوات قانونية مُعززة اعتمدها الاتحاد الأوروبي، في السنوات الأخيرة، للحد من تجاوزات شركات التكنولوجيا الكبرى، وكان المسؤولون قد صرّحوا، حتى الآن، بأن «تيك توك» تتعاون مع الجهات التنظيمية الرقمية في الاتحاد.

سيُتاح لـ«تيك توك»، الآن، الاطلاع على نتائج الاتحاد الأوروبي للدفاع عن نفسها ضد هذه الادعاءات.

وقالت هينا فيركونين، مسؤولة التكنولوجيا بالاتحاد الأوروبي، للصحافيين: «يتعيّن على (تيك توك) اتخاذ إجراءات، وعليها تغيير تصميم خدمتها في أوروبا لحماية القاصرين وسلامتهم».

واقترحت اللجنة ما يمكن للمنصة تغييره، مثل خاصية استعراض المحتوى بلا توقف، وتطبيق نظام «فترات راحة فعّالة من استخدام الشاشة»، بما في ذلك أثناء الليل، وتطوير نظام تفضيلات المستخدم؛ أي الخوارزميات التي تستخدمها المنصات لتقديم محتوى وفق تفضيلات المستخدمين.

وتحقيق فبراير (شباط) 2024 هو الأول الموجَّه ضد «تيك توك»، بموجب قانون الخدمات الرقمية، وهو قانون قوي لإدارة المحتوى في الاتحاد الأوروبي أثار غضب الإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب.


لافروف يتهم كييف بالسعي لتقويض المفاوضات بعد محاولة اغتيال جنرال روسي بارز

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (د.ب.أ)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (د.ب.أ)
TT

لافروف يتهم كييف بالسعي لتقويض المفاوضات بعد محاولة اغتيال جنرال روسي بارز

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (د.ب.أ)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (د.ب.أ)

اتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كييف بالعمل على تقويض مسار المفاوضات، ووضع عراقيل أمام جهود التسوية السياسية. وجاء الاتهام بعد مرور ساعات على محاولة اغتيال جنرال روسي. وأثارت العملية التي هزت موسكو صباح الجمعة سجالات جديدة حول إخفاقات أمنية قادت إلى سلسلة واسعة من الهجمات على قادة عسكريين بارزين.

وأطلق مجهول النار صباح الجمعة على الجنرال فلاديمير أليكسييف، النائب الأول لرئيس الأركان الروسي.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث خلال مؤتمر صحافي في موسكو 6 فبراير 2026 (رويترز)

ووفقاً لمعطيات أجهزة التحقيق الروسية، فقد تم تنفيذ الهجوم في مدخل البناية التي يقطن فيها المسؤول العسكري من مسدس مزود بكاتم للصوت ولاذ المهاجم بالفرار. ونشرت موسكو مقاطع فيديو وثَّقت الحادثة نُقلت من كاميرات مراقبة في الجوار. وأعلنت الأجهزة الأمنية أنها تدرس المعطيات المتوافرة لديها. وأطلقت عملية لملاحقة المهاجم بعد فتح قضية جنائية.

ويعدّ الجنرال أليكسييف من أبرز القادة العسكريين في وزارة الدفاع، وقد حاز في عام 2017 لقب «بطل روسيا». ولعب كما يبدو أدواراً مهمة من خلال منصبه الحالي في توجيه وإدارة العمليات العسكرية الدائرة في أوكرانيا.

الفريق الأميركي: المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر (رويترز)

وأعلن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف، أن الرئيس فلاديمير بوتين تلقى تقارير حول الوضع. وتمنى الكرملين الشفاء لأليكسييف. وبات معلوماً أن بوتين قد يتناول هذا الموضوع خلال اجتماع للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن القومي الروسي دعا إليه في النصف الثاني من يوم الجمعة، رغم أن الاجتماع دوري وليس مرتبطاً مباشرة بالحادثة.

ووجهت موسكو سريعاً أصابع الاتهام إلى الأجهزة الأوكرانية بالوقوف وراء الحادثة، خصوصاً أنها تشكل استمراراً لسجل حافل من عمليات الاغتيالات التي استهدفت قادة عسكريين خلال العامين الماضيين.

وقال وزير الخارجية سيرغي لافروف إن محاولة اغتيال المسؤول العسكري «تظهر رغبة أوكرانيا في تقويض جهود السلام». وزاد في مؤتمر صحافي أعقب لقاءه مع مسؤولين أوروبيين يزورون موسكو للمرة الأولى منذ سنوات: «لقد أكد هذا الهجوم الإرهابي مرة أخرى تركيز نظام (الرئيس فولوديمير) زيلينسكي على الاستفزازات المستمرة، التي تهدف بدورها إلى تعطيل عملية التفاوض، وهو مستعد لفعل كل شيء فقط لإقناع رعاته الغربيين والولايات المتحدة في محاولة لإبعادهم عن المسار لتحقيق تسوية عادلة».

رغم ذلك، شكك خبراء روس باحتمال أن يلقي الهجوم الجديد في قلب العاصمة الروسية بظلال مباشرة على جولات التفاوض الجارية حالياً بين موسكو وكييف برعاية أميركية في العاصمة الإماراتية أبوظبي، وعملية السلام في أوكرانيا. قال الكرملين، الجمعة، إنّ المحادثات كانت «صعبة جداً»، لكن بنّاءة، مؤكداً أنّها ستستمر.

وأعلن كبير المفاوضين الأوكرانيين رستم عمروف، الخميس، أن جولة جديدة من المحادثات بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة ستُعقد «في الأسابيع المقبلة»، بعد مفاوضات «بنّاءة» في أبوظبي أسفرت عن تبادل أسرى. وقال عمروف عبر تطبيق «تلغرام»: «اتفقت الوفود على إبلاغ عواصمها ومواصلة المحادثات الثلاثية في الأسابيع المقبلة»، لافتاً إلى أن المفاوضات ركزت خصوصاً على «آليات تنفيذ وقف لإطلاق النار».

جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ)

وفتحت محاولة اغتيال المسؤول العسكري سجالات جديدة حول ما وصف بأنه إخفاقات أمنية متواصلة سهلت للأجهزة الأوكرانية تنفيذ هجمات موجعة داخل العمق الروسي. وبالإضافة إلى العشرات من الهجمات التفجيرية التي استهدفت مطارات ومخازن أسلحة ومستودعات للوقود ومنشآت عسكرية أخرى، فقد وقعت سلسلة اغتيالات صاخبة استهدفت شخصيات عسكرية بارزة، كان أشدها وقعاً على موسكو اغتيال قائد قوات الأسلحة الكيماوية والإشعاعية الجنرال إيغور كيريلوف في نهاية عام 2024، واغتيال الفريق فانيل سارفاروف الذي يشغل منصب رئيس قسم التدريب العملياتي في هيئة أركان القوات المسلحة الروسية قبل نحو شهر.

ورأى معلقون أن وصول الاستخبارات الأوكرانية إلى هؤلاء القادة في العاصمة الروسية يؤشر إلى وجود خلل وتقصير داخل المؤسسة الاستخباراتية الروسية في مجال توفير الأمن القادة المهمين الذين جرت عمليات اغتيالهم خارج إطار العمليات العسكرية الدائرة على جبهات القتال. خصوصاً أن الجزء الأكبر من الهجمات استُخدمت فيه عبوات ناسفة شديدة التدمير؛ ما أضاف أسئلة عن ثغرات أمنية سهَّلت نقل واستخدام مواد متفجرة على الأراضي الروسية وفي مناطق حساسة.

The Ukrainian delegation headed by Rustem Umarov

في موضوع متصل، أكد لافروف، أن القوات الروسية، سوف تواصل استهداف الأهداف العسكرية والأهداف ذات الاستخدام المزدوج داخل الأراضي الأوكرانية، مشدداً على أن بلاده «امتثالاً للقانون الدولي الإنساني، لا تهاجم مواقع مدنية في أوكرانيا وتركز فقط على الأهداف ذات الاستخدام المزدوج أو الأهداف العسكرية البحتة».

وجاء حديثه عقب محادثات أجراها مع رئيس مكتب منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ورئيس الإدارة الفيدرالية للشؤون الخارجية في الاتحاد السويسري، إغنازيو كاسيس، والأمين العام لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، فريدون سينيرلي أوغلو. وزاد: «لقد حذرنا مراراً وتكراراً من أننا نتصرف بحذر ما التزم العدو بالقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني. ونحن مستمرون في الالتزام بهذه القواعد، حيث لا نهاجم إلا الأهداف ذات الاستخدام المزدوج أو الأهداف العسكرية البحتة».

الوفد الروسي برئاسة مدير الاستخبارات العسكرية إيغور كوستيوكوف (رويترز)

وتعدّ هذه من الزيارات النادرة لمسؤولين أوروبيين إلى القيادة الروسية، وقد عكست تزايد اهتمام السياسيين الأوروبيين بفتح قنوات اتصال مع القيادة الروسية. وفي هذا الإطار، نقلت وسائل إعلام قبل أيام معطيات عن زيارة غير معلنة قام بها ممثل عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى موسكو. لكن الكرملين والإليزيه تجنبا نفي أو تأكيد تلك المعطيات.

وقال لافروف إن الرئيس الروسي مستعد لتلقي اتصال من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون لإجراء محادثات «جدية»، لكنه وصف تصريحات الرئيس الفرنسي بشأن معاودة الحوار مع موسكو بأنها «دبلوماسية سيئة جداً». وقال لافروف في مقابلة مع قناة «آر تي» الروسية: «إذا كنت ترغب في التحدث، والتحدث بجدية حول أي موضوع، فاتصل. بوتين سيرد على الهاتف دائماً. إنه يستمع إلى كل المقترحات». وأضاف: «قبل نحو أسبوعين، صرّح ماكرون مجدداً سأتصل ببوتين يوماً ما. هذا ليس جدياً، كما تعلمون، إنها دبلوماسية سيئة جداً».

وفي وقت لاحق، قال دميتري بوليانسكي، نائب المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة، إن أوروبا لا تزال تلعب دوراً تخريبياً في مفاوضات أوكرانيا. وأضاف بوليانسكي في منشور على «إكس»: «نحن لا نرى أدنى علامة على التحسن».

ماكرون وبوتين (أ.ف.ب)

في السياق، تحدثت تقارير متقاطعة عن أن شركة «ستارلينك» المملوكة من إيلون ماسك، بدأت هذا الأسبوع بحجب وصول القوات الروسية إلى خدمة الإنترنت عبر أقمارها داخل مسرح العمليات في أوكرانيا، بعد طلب أوكراني يهدف إلى وقف «الاستخدام غير المصرّح به» للمحطات التي وصلت إلى الروس عبر السوق الرمادية والتهريب. ووفق روايات مدونين عسكريين روس موالين للحرب، تسببت القيود بانقطاعات أربكت اتصالات الوحدات على الخطوط الأمامية، وأثّرت أيضاً على تشغيل بعض الطائرات المسيّرة التي كانت تعتمد على الشبكة.

جوهر الخطوة يقوم على نظام يسمى «القائمة البيضاء» داخل أوكرانيا، أي أن الخدمة لا تعمل إلا للمحطات التي جرى تسجيلها والتحقق منها لدى الجهات الأوكرانية؛ ما يعني عملياً أن المحطات غير المسجّلة، ومن ضمنها تلك التي يستخدمها الروس بشكل غير قانوني، تُستبعد من الشبكة.

كما تتحدث مصادر عدة عن إضافة قيدٍ آخر يتمثل في تحديد عمل المحطات عند سرعة تقارب 75 كلم/ساعة؛ بهدف تقليل فرص استخدامها على منصات متحركة أو على مسيّرات بعيدة المدى.

لماذا طلبت كييف ذلك الآن؟

على مدى سنوات، كانت كييف تمتلك وصولاً «رسمياً» إلى «ستارلينك» لتأمين الاتصال في بيئة حرب تتعرض فيها البنى التحتية للاتصالات والكهرباء للقصف. لكن القلق الأوكراني تصاعد، حسب ما نُشر، عندما رصدت أوكرانيا أن الاستخدام الروسي لم يعد محصوراً باتصالات الجنود، بل بدأ يمتد إلى تعزيز قدرات المسيّرات الروسية في التحكّم والاستهداف وجعلها أكثر مقاومة للتشويش، وهو ما عدَّته كييف تهديداً مباشراً لميزتها التكنولوجية في ساحة تتغير بسرعة.

ولهذا؛ أعلن وزير الدفاع الأوكراني الجديد ميخائيلو فيديروف أنه تواصل مع الشركة الشهر الماضي، واحتفى لاحقاً بتفعيل نظام التسجيل والتحقق بوصفه يحقق «نتائج ملموسة»، مع الإقرار بوجود تعطّل مؤقت أصاب بعض المستخدمين الأوكرانيين الذين لم يستكملوا إجراءات التسجيل بعد.

الرئيسان ترمب وبوتين خلال «قمة ألاسكا» 15 أغسطس (أ.ف.ب)

تأثير الحجب

التقدير الدقيق لتأثير هذا الحجب لا يزال صعباً، لكن المؤشرات الأولى جاءت من «الشكاوى الروسية» ذاتها. فقد تحدث مدونون روس موالون للحرب على منصات مثل «تلغرام»، عن فجوات في الاتصال ومشكلات في تنسيق الوحدات على الجبهة، وعدَّ بعضهم أن الجيش سيضطر مؤقتاً إلى العودة إلى بدائل أقل كفاءة مثل الراديو والكوابل الأرضية وجسور «واي فاي».

من جهته، كتب إيلون ماسك على منصته «إكس» في أول فبراير (شباط)، إن الخطوات المتخذة لوقف الاستخدام غير المصرح به «يبدو أنها نجحت»، في إشارة إلى أن الشركة ترى الإجراء جزءاً من ضبط الامتثال وليس دخولاً رسمياً كطرف في الحرب.

بيد أن الخطوة، حتى لو قُدمت كإجراء ضد «الاستخدام غير المصرّح به»، تفتح باباً على مضاعفات، من بينها سباق للتحايل؛ إذ قد يلجأ الروس إلى محاولة إيجاد طرق التفاف تقنية/لوجيستية أو توسيع بدائل أرضية. كما قد تؤدي إلى تصعيد سياسي/تقني، حيث تُلوّح موسكو منذ مدة بالحاجة إلى استقلال الاتصالات العسكرية عن «الغرب». كما يمكن أن يؤثر على المفاوضات في أبوظبي كإحدى ساحات محادثات ومسارات سياسية مرتبطة بالحرب؛ ما يعني أن خطوة تقنية يمكن أن تُقرأ كأداة ضغط ميداني بالتوازي مع المسار الدبلوماسي.