تحليل: العلاقات القديمة بين روسيا وأرمينيا تتلاشى

عربة مصفحة لقوة حفظ السلام الروسية عند ممر لاشين الحدودي (أ.ف.ب)
عربة مصفحة لقوة حفظ السلام الروسية عند ممر لاشين الحدودي (أ.ف.ب)
TT

تحليل: العلاقات القديمة بين روسيا وأرمينيا تتلاشى

عربة مصفحة لقوة حفظ السلام الروسية عند ممر لاشين الحدودي (أ.ف.ب)
عربة مصفحة لقوة حفظ السلام الروسية عند ممر لاشين الحدودي (أ.ف.ب)

يرى المحلل الروسي ألكسندر أتاسونتسيف أن الصراع في منطقة كاراباخ المتنازع عليها، لم ينتهِ بأسوأ شكل ممكن بالنسبة لأرمينيا فحسب، ولكن بالنسبة لروسيا أيضاً.

ورغم لغة الخطاب الطنانة من جانب موسكو وانتقادها القادة الأرمن، من الواضح أن فشل جهود روسيا لحفظ السلام قد عرض للخطر وجودها على المدى الطويل في منطقة جنوب القوقاز.

ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن أتاسونتسيف، وهو صحافي مستقل متخصص في شؤون حقبة ما بعد الاتحاد السوفياتي، قوله في تقرير نشرته مؤسسة «كارنيغي» للسلام الدولي، إن القتال الذي استمر 24 ساعة في كاراباخ في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، وأسفر عن استسلام قوات الدفاع الأرمينية الكاراباخية لباكو، كشف عن أن أذربيجان كانت أكثر قلقاً إزاء العقوبات الغربية من القوة العسكرية الروسية.

ورغم أنها رسمياً حليف في منظمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة موسكو، لن تسعى يريفان بعد الآن لطلب ضمانات أمنية من موسكو.

الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في القصر الرئاسي بكاراباخ وأمامه على الأرض العلم الوطني للإقليم الأحد الماضي (إ.ب.أ)

وتعد أرمينيا الدولة الوحيدة في فترة ما بعد الحقبة السوفياتية، التي زاد فيها نفوذ روسيا بشكل كبير منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. وفي عام 1992، تم نشر حرس الحدود الروسي على حدود أرمينيا مع إيران وتركيا. وفي عام 1995، تم افتتاح قاعدة عسكرية روسية كبيرة في جيومري، ثاني أكبر مدينة أرمينية. وفي عام 2020، نُشرت بعثة حفظ سلام روسية في كاراباخ بعد حرب كاراباخ الثانية.

غير أن تفويض روسيا لحفظ السلام في كاراباخ لم يكن واضحاً؛ حيث اعتمد نجاحه فقط على استمرار نفوذها السياسي والعسكري. وفي جوهر الأمر، ترسخ في أعماق كلا الطرفين (أذربيجان وأرمينيا) أن روسيا غير مستعدة للمخاطرة بوفاة جندي روسي.

وأضاف أتاسونتسيف أن كل ذلك تغير مع غزو روسيا لأوكرانيا في شهر فبراير (شباط) عام 2022، الذي التهم قدرات الكرملين العسكرية ودمر الكثير من نفوذها. ومع حلول خريف عام 2022 عندما هاجمت أذربيجان الأراضي الأرمينية، كان واضحاً أن موسكو غير مستعدة للتدخل.

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والآذري إلهام علييف في بشكيك عاصمة قرغيزستان في 13 أكتوبر الحالي (رويترز)

وخلال الحرب التي استغرقت يوماً واحداً في كاراباخ في شهر سبتمبر عام 2023، أظهرت موسكو مرة أخرى أنها ليست مستعدة للمخاطرة بالدخول في نزاع مع باكو (حتى عقب وفاة جنود روس).

ويثير فشل مهمة حفظ السلام الروسية في كاراباخ، التي يبدو الآن أنه من المرجح أن يتم إنهاؤها، تساؤلات بشأن الوجود العسكري الروسي في أرمينيا. ومنذ حقبة تسعينات القرن الماضي، كان ذلك الوجود قائماً على أساس تقارب المصالح بين موسكو ويريفان، والآن هذه المصالح تتباعد بسرعة.

مصافحة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في موسكو في 8 سبتمبر 2018 (أ.ف.ب)

وما زال هناك سؤال مفتوح، عما إذا كان بمقدور موسكو فعل المزيد لوقف ذلك الصراع قبل أن ينتهي بهزيمة كارثية للأرمن. وإذا كان بمقدورها بالفعل القيام بالمزيد واختارت عدم القيام به، فإن ذلك كان خطأ جسيماً، مما مهّد الطريق أمام تركيا للقيام بدور أكبر في المنطقة وترك أرمينيا عرضة للخطر.

وعقب غزو روسيا لأوكرانيا، فإن كل القضايا الإقليمية الأخرى، بما في ذلك قضايا جنوب القوقاز، لم تعد ذات أهمية بالنسبة لموسكو. ومن المؤكد أن الدخول في صراع مع أذربيجان وداعمها الرئيسي، تركيا، لن يجعل روسيا أقرب لتحقيق النصر في أوكرانيا.

جنديان آذريان عند معبر لاشين الحدودي (أ.ب)

ويرى أتاسونتسيف أنه كان يمكن، كخيار مفتوح أمام روسيا، زيادة صادرات الأسلحة لحليفتها أرمينيا، ولكن موسكو تحتاج إلى كل الأسلحة التي يمكنها الحصول عليها لحربها على أوكرانيا.

واشتكت يريفان من أن موسكو ترفض تزويدها بالأسلحة التي دفعت بالفعل ثمنها، ما أرغم أرمينيا على اللجوء إلى موردين هنود عوضاً عن ذلك. وكانت هناك حتى إشارات إلى أن أرمينيا ربما تشترى أسلحة غربية.

ومن دون ضمانات أمنية أو إمدادات أسلحة، هناك سبب ضئيل لكي تظل أرمينيا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي. وباستثناء التدريبات العسكرية المشتركة، كان السبب الوحيد على مدار سنوات كثيرة لكي تظل يريفان عضواً في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، هو خيار شراء أسلحة روسية بسعر مخفض.

ودفع الاستياء من موسكو بالفعل يريفان إلى اتخاذ قرارات مصيرية عدة.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، صادقت أرمينيا على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي يعني أنه إذا زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أرمينيا، فإنه سوف يتم إلقاء القبض عليه.

وأثيرت فكرة الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية لأول مرة عقب هجوم أذربيجان على أرمينيا في سبتمبر 2022، وانتشار فيديوهات تظهر جنوداً أذربيجانيين يعدمون أسرى أرمينيين. وقالت يريفان، في ذلك الوقت، إن العضوية في المحكمة الجنائية الدولية سوف تكون وسيلة ضغط أخرى على باكو.

قوة من جنود حفظ السلام الروس في كاراباخ في 7 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

ولكن عندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق بوتين في مارس (آذار) 2023، لا بد أنه كان واضحاً للمسؤولين الأرمن الطريقة التي سوف يرد بها الكرملين، ومع ذلك مضت أرمينيا قدماً في المصادقة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

كما لم تحاول يريفان أن تخفي الأسباب الحقيقية لقرارها؛ حيث قال رئيس الوزراء نيكول باشينيان: «اتخذنا القرار بالمصادقة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عندما أصبح واضحاً لنا أن منظمة معاهدة الأمن الجماعي وآليات الشراكة الاستراتيجية الروسية الأرمينية ليستا كافيتين لضمان أمن أرمينيا الخارجي».

وكان يمكن التكهن برد فعل موسكو؛ حيث وصف ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم بوتين، المصادقة بأنها «خطوة عدائية للغاية». وفي الأيام التالية، بدأ موردو مشروب البراندي إلى روسيا في مواجهة مشكلات في المنافذ الجمركية.

واختتم أتاسونتسيف تقريره بالقول إن روسيا حظرت في الماضي واردات البضائع لمعاقبة دول، مثل مولدوفا وجورجيا، اللتين رأت موسكو أنهما تسعيان لانتهاج مسار موالٍ للغرب، غير أن هذا التكتيك لم يحقق نجاحاً كبيراً، بل كان له تأثير عكسي؛ حيث حصلت مولدوفا على وضع مرشح للاتحاد الأوروبي في عام 2022، وقد تحصل جورجيا عليه في وقت لاحق العام الحالي. ولا يمكن استبعاد أن تحذو أرمينيا حذوهما.



تقرير: قتيلان في هجوم بمسيّرة أوكرانية على بريانسك الروسية

رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
TT

تقرير: قتيلان في هجوم بمسيّرة أوكرانية على بريانسك الروسية

رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)
رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)

كشف حاكم منطقة بريانسك الروسية، ‌اليوم ‌(السبت)، ​أنَّ ‌شخصين ⁠قُتلا ​وأُصيب 5 ⁠آخرون عندما أصابت طائرة مسيّرة ⁠أوكرانية ‌منزلاً ‌خاصاً ​في منطقة ‌كليموفو ‌السكنية، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف أن القوات ‌الروسية دمَّرت 29 طائرة ⁠مسيّرة ⁠أوكرانية فوق المنطقة خلال الساعات الـ24 ​الماضية.

واستهدفت القوات الروسية بنى تحتية للطاقة ومراكز لوجستية تُستخدَم لصالح الصناعة العسكرية الأوكرانية، في كييف وخاركيف، بمسيّرات الليلة الماضية، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزارة الدفاع الروسية، في بيان اليوم، إن الغارات الليلية أصابت محطة التوليد المشترك «للطاقة الكهربائية والحرارة رقم 6» التي تزوِّد المنشآت اللوجستية العسكرية ومواقع تخزين الأسلحة والمعدات العسكرية بالكهرباء في كييف، وورشاً داخل منطقة «بروتون» الصناعية كانت تنتج مكوّنات للأسلحة والمعدات العسكرية للجيش الأوكراني، ومستودعات جُهّزت للاستخدام أماكن لتجميع وتخزين الطائرات المسيّرة في خاركيف.

وذكرت الوزارة أنه تم أيضاً استهداف سفينة شحن تسير في البحر على بُعد 18 كيلومتراً جنوب أوديسا، وعلى متنها حمولات مخصَّصة للقوات المسلحة الأوكرانية.

وفي بيان منفصل، صدر صباح اليوم، أعلنت الوزارة اعتراض وتدمير 433 مسيّرة أوكرانية فوق 19 منطقة روسية خلال الليلة الماضية.


وسط خلاف حول المحكمة الدستورية... الرئيس البولندي يدعو إلى «استعادة سيادة القانون»

الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
TT

وسط خلاف حول المحكمة الدستورية... الرئيس البولندي يدعو إلى «استعادة سيادة القانون»

الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)
الرئيس البولندي كارول نافروتسكي (أ.ب)

كشف الرئيس البولندي، المحافظ كارول نافروتسكي، صباح اليوم السبت، عن أن الخلاف طويل الأمد مع حكومة دونالد توسك بشأن المحكمة الدستورية يهدد الأمن الداخلي للبلاد، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويأتي ذلك عقب تصاعد حاد للخلاف خلال الليل.

وخاطب نافروتسكي المحتجين خارج مبنى المحكمة، المطوق، بعد أن شق طريقه إلى الداخل بصعوبة، داعياً إلى مشاورات عاجلة مع جميع الأطراف الممثلة في البرلمان «لتثبيت الوضع السياسي واستعادة النظام الدستوري».

وطالب بـ«استعادة سيادة القانون وسحب قوات الأمن التي نشرتها الحكومة من مقر المحكمة».

متظاهرون يتجمعون خارج مقر المحكمة الدستورية البولندية بعد أن منعت الشرطة الوصول إلى المبنى في وارسو (أ.ف.ب)

وكان المتظاهرون قد احتشدوا لساعات خارج مقر المحكمة في العاصمة وارسو منذ مساء الجمعة، متهمين حكومة توسك (يسار-وسط) بتقويض دستور البلاد وقضائها، بعد تعليق عمل رئيس المحكمة ونائبه.

ووفقاً لبيان نُشر على موقع المحكمة، فإن رئيسها بوجدان شفينتشكوفسكي، الذي عيّنه حزب القانون والعدالة اليميني الشعبوي المعارض الذي حكم بولندا حتى 2023، ستحل محله مؤقتاً آنا كورفين-بيوتروفسكا، وهي واحدة من خمسة قضاة عيّنهم البرلمان الحالي حديثاً ورفضهم نافروتسكي المدعوم من القانون والعدالة.

وقطع نافروتسكي رحلة كانت مقررة إلى السنغال بسبب تفاقم الخلاف، وعاد إلى وارسو مساء الجمعة.


انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
TT

انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)

لم تكن الاحتفالات التي شهدتها صربيا عقب الفوز الانتخابي الكاسح للحركة الطلابية، مجرد تعبير عن انتصار المعارضة على السلطة؛ بل بدت كأنها لحظة تحرر من 14 عاماً من الحكم الذي تركزت فيه السلطات بيد شخص واحد، وتراجع خلاله دور المؤسسات، وانحسرت الحريات الإعلامية، واتسعت دائرة الفساد والمحسوبية، وفق المعارضين؛ فمع إقرار ألكسندر فوتشيتش بالهزيمة، في الانتخابات المبكرة التي أُجريت في 25 أكتوبر (تشرين الأول)، بدا أن صربيا تدخل مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الأبرز أن الأنظمة التي تبدو راسخة قد تصبح عرضة للسقوط عندما تتجاوز نقمة المجتمع القدرة على التحمّل.

الرئيس السابق ألكسندر فوتشيتش زعيم الحزب التقدمي الصربي في مقر الحزب عقب إقراره بالهزيمة في الانتخابات البرلمانية - الأحد 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)

لكن إسقاط السلطة لا يعني بالضرورة بناء نظام ديمقراطي بديل؛ فالحركة الطلابية التي حققت هذا الانتصار تواجه الآن اختباراً أصعب من الانتخابات نفسها، فهل تستطيع تحويل التعبئة الشعبية إلى مؤسسات مستقلة، واستعادة سيادة القانون، ومكافحة الفساد، من دون الوقوع في أخطاء القوى التي سبقتها؟

* من مأساة نوفي ساد إلى انتفاضة وطنية

بدأت القصة قبل سنتين في 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، عندما انهارت مظلة خرسانية في محطة القطارات بمدينة نوفي ساد، ما أدى إلى مقتل 16 شخصاً. لم تكن المأساة، بالنسبة للطلاب والمحتجين، مجرد حادث؛ بل كانت تجسيداً لمشكلة أعمق تتعلق بالفساد وغياب الرقابة والمساءلة.

وطالب المحتجون منذ البداية بكشف الوثائق المرتبطة بأعمال ترميم المحطة، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين؛ فلم تحصل استجابة كافية، فيما لم تصدر أحكام قضائية بحق المسؤولين عن الكارثة.

خلال مسيرة النصر التي نظمها ائتلاف «قائمة الطلاب» في بلغراد (إ.ب.أ)

ومع مرور الوقت، تجاوزت الاحتجاجات حدود المطالبة بالعدالة في قضية محددة، وتحولت إلى حركة واسعة ضد نظام سياسي فقد شعبيته، فيما انضم إليها مواطنون من خلفيات ومناطق مختلفة. ووصلت التعبئة إلى تنظيم تجمعات في العاصمة بلغراد ضمت أحياناً نحو 200 ألف شخص، لتصبح واحدة من أبرز الحركات الشعبية التي واجهت حكم فوتشيتش.

* كسر حاجز الخوف

تمثّل أحد أهم أوجه هذا التحول في استعادة المجتمع قدرته على التعبير عن رفضه؛ ففي بلد اعتاد فيه المواطنون، وفق رواية المحتجين، مشاهدة الفساد والمحسوبية في تفاصيل حياتهم اليومية؛ من الحصول على الخدمات إلى فرص العمل، أصبحت الحركة مساحة جامعة لتجاوز الخوف والانخراط في العمل العام.

ولم تقتصر التحركات على العاصمة أو المدن الكبرى؛ بل امتدت إلى أنحاء البلاد، ونظّم الطلاب مبادرات رمزية لافتة، بينها التوجه بالدراجات إلى ستراسبورغ وتنظيم سباق تتابع إلى بروكسل، في إشارات إلى ارتباطهم بأوروبا، وإلى تصورهم لمستقبل سياسي مختلف.

ومع ذلك، لم ترفع الحركة الأعلام الأوروبية في تجمعاتها، وهو ما أثار تساؤلات بشأن موقفها من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ويفسر أحد التحليلات ذلك بخيبة أمل المحتجين من مواقف قادة أوروبيين زاروا صربيا وأبدوا دعماً للحكومة. لذلك، اختار الطلاب التركيز على الشأن الداخلي لإعادة بناء مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد، بدلاً من انتظار تدخل خارجي.

ولم تظهر إشارة علنية أوروبية مؤيدة لمطالب الطلاب إلا في ربيع 2025، عندما أعلنت مفوضة الاتحاد الأوروبي للتوسع، مارتا كوس، أن الاتحاد يشاطرهم تلك المطالب.

من المحتفلين بالفوز الانتخابي (أ.ف.ب)

* ديمقراطية من القاعدة إلى القمة

لم يكن نجاح الحركة نتيجة قيادة تقليدية أو عمل حزب سياسي يمتلك هرمية قيادة عمودية وجهازاً انتخابياً؛ فقد اعتمد الطلاب أسلوباً أفقياً في التنظيم، من خلال اجتماعات عامة مطولة ومداولات شارك فيها أصحاب آراء مختلفة. وبعد عملية تدقيق واسعة، قدمت الحركة قائمة تضم 250 مرشحاً للانتخابات البرلمانية.

كان ذلك اختباراً غير مألوف للديمقراطية المباشرة والتشاركية، في وقت شكك فيه مراقبون كثيرون في قدرة حركة بلا قيادة مركزية واضحة على التحول إلى قوة انتخابية فاعلة. لكن النتيجة جاءت حاسمة: حصلت القائمة الطلابية على نحو 53 في المائة من الأصوات، مقابل 39 في المائة لمعسكر فوتشيتش، وحققت أغلبية برلمانية عملية في انتخابات شهدت أعلى نسبة مشاركة منذ أكثر من 3 عقود.

وجاء سقوط فوتشيتش بعد انتصار بيتر ماجار في المجر على فيكتور أوربان، ليثبت أن هزيمة زعيم سلطوي عبر الانتخابات أمر ممكن. كما أن قبول فوتشيتش النتيجة، بدلاً من اللجوء إلى مواجهة واسعة أو رفض الهزيمة، أتاح انتقالاً أكثر سلاسة للسلطة.

غير أن التجربة الصربية تستحضر أيضاً دروس عام 2000، عندما أُطيح سلوبودان ميلوشيفيتش؛ فالقوى التي استفادت آنذاك من التغيير لم تنجح جميعها في بناء نظام خالٍ من الفساد، وانتهى بعضها إلى فضائح ومحاولات احتكار السلطة.

* التحدي الأصعب يبدأ الآن

ستواجه الحكومة المقبلة دولة لا تزال شبكات النفوذ الموالية لفوتشيتش حاضرة في مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية؛ فالحزب التقدمي الصربي، رغم خسارته، احتفظ بـ105 مقاعد في البرلمان المؤلف من 250 مقعداً. كما أن إصلاح القضاء والإعلام، ومواجهة الجريمة المنظمة، وتفكيك شبكات المصالح المتجذرة، لن تتحقق بمجرد اتخاذ قرارات سريعة.

ومن المرجح أن يكون التحقيق الشامل في كارثة نوفي ساد أول اختبار سياسي وأخلاقي للحكومة الجديدة؛ فالمساءلة في هذه القضية لا تتعلق بمحاسبة المسؤولين فحسب، بل بإظهار أن القانون يسري على الجميع، وأن الوعود الانتخابية يمكن أن تتحول إلى نتائج ملموسة.

وتبرز كذلك معضلة الاقتصاد، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستثمارات الأجنبية منذ تفكك يوغوسلافيا. وقد ارتبطت علاقات السلطة بشركات أجنبية تنفذ مشاريع أثارت جدلاً، من بينها مشروع استخراج الليثيوم الذي سعت إليه شركة «ريو تينتو». وترى الحركة الطلابية أن تغيير النظام السياسي شرط لمعالجة البنية التي تسمح بتداخل المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي.

أما خارجياً، فلن يكون التحول سهلاً، لأن قاعدة الحركة تضم مؤيدين للاتحاد الأوروبي، وآخرين متعاطفين مع روسيا، فضلاً عن معارضين لحلف شمال الأطلسي (ناتو). لذلك، لا يُتوقع حدوث انقلاب سريع في السياسة الخارجية الصربية التي قامت طويلاً على الموازنة بين القوى الكبرى. وسيظل ملف كوسوفو التي انفصلت عن صربيا وأعلنت استقلالها من جانب واحد عام 2008، خطاً أحمر، فيما يبقى الحياد العسكري عائقاً أمام التقارب مع «الناتو».

وقد يشكل التقارب مع الاتحاد الأوروبي المجال الأكثر قابلية للتقدم، خصوصاً أن سيادة القانون وحرية الإعلام ومكافحة الفساد تتقاطع مع شروط بروكسل لمسار الانضمام.

مؤيدون لـ«قائمة الطلاب» يحتفلون في بلغراد (رويترز)

* نهاية حقبة أم بداية اختبار جديد؟

تؤكد التجربة الصربية أن التغيير من القاعدة إلى القمة ممكن، حتى في ظل ظروف انتخابية غير متكافئة. لكنها تؤكد أيضاً أن الانتصار على زعيم سلطوي لا ينهي تلقائياً آثار سنوات من تركيز السلطة وإضعاف المؤسسات.

وبين نشوة التحرر وصعوبة الحكم، تبدأ الآن المعركة الحقيقية على مستقبل صربيا: هل تكون هذه الانتخابات نهاية دورة سلطوية جديدة؟ أم مجرد فصل آخر في تاريخ بلد ما زال يبحث عن ديمقراطية مستقرة؟

ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الدولة الواقعة في منطقة البلقان الحساسة، لطالما كانت داعمة لروسيا التي خسرت حليفاً في المجر والآن في صربيا، ولا عجب في أن نرى قريباً دوائر الكرملين تتهم يداً خارجية بدعم الحركة الاحتجاجية للتخلص من فوتشيتش...