نقطة التوازن الفرنسية... تنديد بـ«حماس» ودعوة لدولة فلسطينية

شاب شيشاني الأصل يقتل أستاذاً ويصيب اثنين آخرين بجروح في مدينة أراس

ماكرون لدى وصوله إلى مدرسة غامبيا الثانوية في مجدين أراس بعد عملية قتل مدرس وإصابة اثنين آخرين بجروح الجمعة (أ.ف.ب)
ماكرون لدى وصوله إلى مدرسة غامبيا الثانوية في مجدين أراس بعد عملية قتل مدرس وإصابة اثنين آخرين بجروح الجمعة (أ.ف.ب)
TT

نقطة التوازن الفرنسية... تنديد بـ«حماس» ودعوة لدولة فلسطينية

ماكرون لدى وصوله إلى مدرسة غامبيا الثانوية في مجدين أراس بعد عملية قتل مدرس وإصابة اثنين آخرين بجروح الجمعة (أ.ف.ب)
ماكرون لدى وصوله إلى مدرسة غامبيا الثانوية في مجدين أراس بعد عملية قتل مدرس وإصابة اثنين آخرين بجروح الجمعة (أ.ف.ب)

حملت الكلمة التي وجهها الرئيس إيمانويل ماكرون، ليل الخميس - الجمعة، إلى الفرنسيين مجموعة من الرسائل، تشدد إحداها - وهي بالتأكيد الرئيسية - على الدعوة إلى المحافظة على وحدة فرنسا «كأمة وجمهورية باعتبار أن وحدتنا سوف تحمينا من التجاوزات والانحرافات وكل الأحقاد».

وبحسب ماكرون، فإن «واجب الدولة الأول المحافظة على أمن المواطنين، ومنع أي تفلت في الكلام أو حصول أعمال معادية للسامية أو أي استهداف، وأنا أعي القلق أو حتى الخوف الذي يمس بعضكم. ولكن ما أود قوله هو أن الجمهورية موجودة لحمايتكم، وأنها ستكون من غير شفقة إزاء من يبث الأحقاد».

ولأن كلمة ماكرون الرئيسية كانت موجهة للجالية اليهودية في فرنسا، فإنه سعى إلى طمأنة اليهود والمسلمين معاً، بقوله: «أنا أعي الخوف الذي يعتري مواطنينا من الطائفة اليهودية من أن اندلاع العنف هناك، العنف المعادي للسامية أن يشكل الذريعة لخطاب وإهانات وأعمال تستهدفهم. كذلك أعي القلق الذي يلم بمواطنينا من المسلمين الذين يتخوفون من أن يتغلب الخلط (بينهم وبين الإرهاب) على العقلانية، ولذا نحن نجاهد اليوم وسنجاهد دوماً حتى لا يشعر أي شخص بالخوف على التراب الفرنسي».

رجال شرطة وخبراء جنائيون أمام المدرسة حيث جرت عملية الطعن في مدينة أراس الجمعة (أ.ف.ب)

منذ اندلاع حرب غزة، دأبت السلطات الفرنسية على التحذير من تبعاتها على الداخل الفرنسي، على شاكلة أعمال إرهابية كالتي عرفتها فرنسا في عام 2015 وما بعده.

وفي اليوم التالي لكلمة ماكرون، شهدت مدينة أراس الواقعة شمال باريس، أول عملية إرهابية قام بها مواطن شيشاني، عمره 20 عاماً واسمه محمد موغوشكوف، هاجم بسكين مدرسة وقتل أستاذ اللغة الفرنسية وأصاب بجروح شخصين آخرين.

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر أمنية أن موغوشكوف الذي وصل إلى فرنسا في عام 2008، يحمل الجنسية الروسية، وكان موضع رقابة من قبل المخابرات الداخلية، وهو مسجل على لائحة الأشخاص الذين يمثلون تهديداً للأمن في فرنسا.

وأفاد شهود من المدرسة المعنية بأن الأخير صاح «الله أكبر»، قبل أن يهاجم الأشخاص الذين كانوا في باحة المدرسة الثانوية ويشتبك معهم، ويتجه بعدها نحو أستاذ اللغة الفرنسية الذي أصابه بجراح مميتة. ولاحقاً، نجح رجال الأمن في توقيفه وفي القبض على شقيق له كان قريباً من مدرسة أخرى في المدينة نفسها.

وصول شرطة مكافحة الشغب إلى مدينة أراس عقب عملية الطعن الجمعة (أ.ف.ب)

وأعلنت النيابة العامة الوطنية لمكافحة الإرهاب على الأثر فتح تحقيق في قضية قتل على ارتباط بمخطط إرهابي، وتحقيق في محاولة قتل على ارتباط بمخطط إرهابي وتشكيل عصابة إجرامية إرهابية. وعهد بالتحقيقين إلى قسم مكافحة الإرهاب في المديرية الوطنية للشرطة الجنائية والمديرية العامة للأمن الداخلي، بحسب النيابة العامة.

وتذكر هذه الحادثة بما حصل قبل 3 سنوات عندما قتل مواطن شيشاني صامويل باتي، أستاذ التاريخ في مدرسة ثانوية بمدينة كونفلان سانت هونورين، وجز رأسه، الأمر الذي أثار موجة من الغضب على المستوى الوطني.

ولا شك أن الحادثة ستطرح أسئلة حول فاعلية الأجهزة الأمنية التي كانت تراقب القاتل منذ الصيف الماضي، وتسجل مخابراته الهاتفية وترصد تحركاته. إلا أنها أفادت بأن «لا شيء في اتصالاته الهاتفية كان يشي بأنه سيعمد إلى ارتكاب فعلته».

فرنسية ترفع علم فلسطين خلال مظاهرة للمطالبة برفع الأجور بباريس الجمعة (أ.ف.ب)

وسارع الرئيس ماكرون إلى الانتقال إلى مدينة أراس لمعاينة مكان الحادث، فيما علقت رئيسة مجلس النواب يائيل براون - بيفيه أعمال المجلس، عادّة أن «الرعب فعل فعله».

وضربت القوى الأمنية طوقاً حول المدرسة ونقل عن نقابتين للمعلمين، أن القاتل الذي ألقي القبض عليه «تلميذ سابق» في المدرسة. وبينت مقاطع فيديو أن وصوله مسلحاً إلى باحة المدرسة أثار ذعر التلامذة.

ومنذ بداية عام 2015، التي شهدت كثيراً من العمليات الإرهابية على الأراضي الفرنسية، أبرزها عملية «مسرح الباتاكلان» بباريس، في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، سقط في فرنسا 260 قتيلاً وعدة مئات من الجرحى، ما يعني أن عملية الجمعة، ستثير مخاوف الفرنسيين من أن تكون بلادهم على عتبة موجة جديدة من الإرهاب مرتبطة بتطورات حرب غزة.

مظاهرة غير مرخصة تأييداً لفلسطين في باريس الخميس (أ.ف.ب)

موقف ماكرون

في كلمته المتلفزة للفرنسيين التي دامت 10 دقائق، استخدم ماكرون أشد العبارات للتنديد بما قامت به «حماس» صبيحة السبت الماضي، مشدداً على وقوف فرنسا إلى جانب إسرائيل.

وقال إن «فرنسا تدين بأقسى الشدة الأعمال الرهيبة (التي قامت بها حماس). ولنكن واضحين: إن حماس حركة إرهابية وتريد تدمير إسرائيل وموت شعبها... الحرب ليست بين الإسرائيليين والفلسطينيين. إنها حرب تقوم بها مجموعات إرهابية ضد أمة ومجتمع وقيم ديمقراطية».

لكن بالمقابل، لم يعمد ماكرون إلى إدانة الضربات التي تسددها «القيم الديمقراطية» للمدنيين في غزة والحصار الذي تفرضه على القطاع وحرمانه من المياه والكهرباء والغذاء والطاقة، وإجبار مئات الآلاف على الرحيل عن مدنهم ومنازلهم. كما أنه لم يطالب بوضع حد للأعمال العسكرية والتوصل إلى وقف لإطلاق النار. ولم يفُتْ ماكرون التذكير بأنه «لا مبرر أبداً للإرهاب»، وأن «من حق إسرائيل الدفاع عن النفس» وأن فرنسا «تدعمه في ردها المشروع على الهجمات الإرهابية».

ورغم هذا الموقف المطلق إلى جانب تل أبيب، حرص ماكرون على التنبيه إلى أن «القضاء على المجموعات الإرهابية يجب أن يتم بعمليات مستهدفة مع عدم المساس بالمدنيين، لأن هذا هو واجب الديمقراطيات». وبعد أن ذكر ماكرون بالاتصالات الواسعة التي أجراها مع قادة من الشرق الأوسط ومع الجانبين الأميركي والأوروبي، شدد على أنه «ليس من الممكن تقبل تواصل حرب لا نهاية لها في منطقة الشرق الأوسط، وأن الحرب على الإرهاب لا يمكن أن تحل مكان البحث عن السلام»، مضيفاً أن محدداته معروفة «وهي توفير الضمانات الضرورية لأمن إسرائيل وقيام دولة فلسطينية، لأن هذا يمثل النهج الذي تدافع عنه فرنسا باستمرار وسنواصل السير على هديه».

ونبه الرئيس الفرنسي من «يخلطون بين القضية الفلسطينية وتبرير الإرهاب» بأنهم «يرتكبون خطأ مثلثاً: أخلاقياً، سياسياً واستراتيجياً». ووفق خلاصته، فإن باريس «المتسلحة بثبات بوضوح رؤيتها وثبات (مواقفها) تتحمل مسؤولية السعي إلى السلام والحوار، وهي ستواصل ذلك».

وذكر الرئيس الفرنسي أن بلاده تسعى مع شركائها لعدم تمدد الحرب، مشيراً بالاسم إلى لبنان. وتوجه إلى مواطنيه قائلاً: «لنبقَ متحدين من أجل أن نحمل رسالة أمن وسلام للشرق الأوسط».


مقالات ذات صلة

قتلى بانفجار على الطريق الدولية بين حمص ودمشق

المشرق العربي عناصر أمنية سورية في حلب يوم 10 يناير الماضي (رويترز)

قتلى بانفجار على الطريق الدولية بين حمص ودمشق

قُتل ثلاثة أشخاص بانفجار داخل سيارة على طريق دمشق - حمص في منطقة القسطل، في حين بدأت الجهات المعنية التحقيق لتحديد طبيعته وأسبابه.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا من جلسة التصويت يوم الأحد على طلب رئيس الجمهورية الموافقة على إرسال قوة عسكرية إلى النيجر (البرلمان الجزائري)

قرار نشر قوات خارج الحدود يفجّر جدلاً في الجزائر

بينما أيّدت الأحزاب الداعمة للسلطة في الجزائر قرارَ البرلمان الموافقة على إيفاد وحدة عسكرية إلى النيجر، أظهرت أحزاب معارضة تحفظاً شديداً عن هذه الخطوة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية أوقعت السلطات التركية شبكة تمويل تابعة لـ«داعش» كانت تحول أموالاً إلى سوريا لتحرير عناصره في مخيم الهول (رويترز)

تركيا تفكك شبكة لتمويل «داعش» عبر الحدود بالتعاون مع مخابرات أجنبية

أوقعت السلطات التركية شبكة تمويل عابرة للحدود تعمل لصالح «داعش» الإرهابي كانت تستهدف تحرير عناصر التنظيم بمخيم الهول في سوريا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي العاهل خلال زيارته مستشفى الأمير علي العسكري في الكرك للاطمئنان على المصابين في الهجوم الذي استهدف كنيسة في المحافظة يوم الجمعة الماضي (أ.ف.ب) p-circle

الملك عبد الله بعد توقيف منفذي هجوم الكرك: لا مكان لفكر يفرّق بين الأردنيين

أعلن العاهل الأردني عبد الله الثاني أن «الإرهابيين لن يفلتوا من العقاب»، بعد إعلان إلقاء القبض على المشتبه بهم في تنفيذهم الهجوم على كنيسة بمحافظة الكرك.

«الشرق الأوسط» (عمان)
المشرق العربي حشود شاركت في تشييع الضحايا الأحد (أ.ب)

تشييع أردني حاشد لضحايا هجوم الكنيسة

تحوّل تشييع 8 من القتلى الـ9 الذين سقطوا في هجوم إرهابي استهدف «كنيسة حمود» بمحافظة الكرك جنوب الأردن، إلى مناسبة لتأكيد مبادئ العيش المشترك والتآخي المسيحي.

محمد خير الرواشدة (عمّان)

فرنسا من «السبت الأسود» إلى «الخريف الساخن»

ماكرون يلتقي ضباط الشرطة في مارسيليا الاثنين (رويترز)
ماكرون يلتقي ضباط الشرطة في مارسيليا الاثنين (رويترز)
TT

فرنسا من «السبت الأسود» إلى «الخريف الساخن»

ماكرون يلتقي ضباط الشرطة في مارسيليا الاثنين (رويترز)
ماكرون يلتقي ضباط الشرطة في مارسيليا الاثنين (رويترز)

نجح الانتشار الأمني المكثف الذي عممته السلطات الفرنسية على باريس والمدن الرئيسية، مقروناً بقرارات منع التظاهر ومنع التجول في وسط العديد من المدن، في احتواء المظاهرات وتجنب تكرار مشاهد العنف والاشتباكات والحرائق وأعمال الشغب واللصوصية والنهب، التي عرفتها فرنسا في 17 من الشهر الحالي.

لكن في المقابل، فإن نزول 410 آلاف شخص في المظاهرات، وفق أرقام وزارة الداخلية (800 ألف وفق نقابة كونفيدرالية العمل)، يبين أن التعبئة الطلابية والنقابية وتعبئة «السترات الصفراء» ما زالت على أشدها، وأن رهان السلطات (السابق) على عامل الزمن وترك الحراك «يهترئ» من الداخل لا يبدو نافعاً.

التعبئة متواصلة

ورغم أن عدد الأفراد الذين أُلقي القبض عليهم في عموم الأراضي الفرنسية السبت الماضي قد تراجع (1435 شخصاً)، كما تراجعت أعداد الجرحى من المتظاهرين (150 شخصاً)، ورجال الأمن (267 عنصراً)، وتناقصت أعداد المحلات التجارية التي انتُهكت وسُرقت... فإن ذلك لا يعني أبداً أن فصل الحراك قد أُغلق. فـ«تنسيقية السترات الصفراء» دعت إلى «التعبئة» يوم السبت المقبل، تسبقه، يوم الجمعة، تجمعات «تمهيدية» أمام البرلمان في باريس، وأمام مقرات البلديات ومكاتب النواب، في حين يُتوقع قيام مظاهرات واسعة السبت.

ممثلون عن طلاب التعليم الثانوي لدى وصولهم إلى مقر رئاسة الحكومة للاجتماع برئيسها سيباستيان لوكورنو (أ.ف.ب)

وتهدد «التنسيقية» بالنزول إلى الشوارع أسبوعاً وراء أسبوع ما دامت السلطات تصم أذنَيها عن مطالبها. وجاء في بيان لـ«التنسيقية» أن ثمة «غضباً في البلاد، لكن لا أحد يعيره الانتباه»، في إشارة إلى السلطات. وحذّرت من نهج الحكومة، وكتبت في بيانها: «لقد قرر إيمانويل ماكرون وحكومته اتخاذ خطوة إضافية نحو الانحراف السلطوي. إنهم يمنعون مظاهراتنا، ويفرضون حظر التجول، ويغلقون مراكز المدن أمام المتظاهرين». لكن الاستحقاق الاجتماعي الأكبر سيحل في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل؛ إذ دعت خمس نقابات إلى يوم تعبئة «شاملة» وإضرابات تطول القطاعين العام والخاص.

وللمرة الأولى، انضمت التنظيمات النقابية للتعليم الخاص، الذي يتولى تعليم ما لا يقل عن مليونَي تلميذ، إلى الدعوة للإضراب. كذلك فعلت نقابات موظفي الدولة والبريد والاتصالات. وجاء في البيان المشترك أنه «حان الوقت للوصول إلى درجة أعلى من التعبئة؛ إذ ستنطلق الإضرابات بدءاً من تاريخ الخامس» من الشهر المقبل.

وتندد النقابات بغلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية، وتطالب بـ«فتح محادثات مباشرة مع الحكومة من أجل زيادة الرواتب، والمساواة بين الرجال والنساء، وزيادة المعاشات التقاعدية، والارتقاء بالحد الأدنى للرواتب، والارتقاء بالخدمات الاجتماعية، وتعزيز الخدمات العامة، وإقرار تدابير للعدالة الضريبية من خلال فرض ضرائب أعلى على الشركات والثروات الكبرى وتناقل الميراث».

وجاء في البيان أيضاً أن «الغضب واسع والوضع هش؛ ولذا تتعين الاستجابة من غير تأخير لهذه المطالب الاجتماعية الطارئة». ولم يُعرف ما إذا كان الإضراب مفتوحاً. يضاف إلى ما سبق وجود غضب من طريقة تعامل السلطات مع الحركات المطلبية مع التنديد بالعنف وأعمال الشغب. ويتهم كثيرون الحكومة باللجوء إلى هذه الطريقة للتغطية على المطالب «المحقة» المرفوعة من جانب الطلاب والنقابات و«السترات الصفراء».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط الصورة) خلال زيارته لمدينة مرسيليا محاطاً بوزير الداخلية لوران نونيز ووزيرة الدولة للتعليم صابرينا روباش وضباط من الشرطة (أ.ف.ب)

تداخل الأزمات

ما سبق يعكس جانباً من الاحتقان الذي تعيشه فرنسا في هذه المرحلة؛ إذ إنها تعاني من تداخل ثلاث أزمات: سياسية واقتصادية - مالية واجتماعية. وما يفاقم من مخاطره أنه يحل في زمن الأيام العجاف؛ إذ تجهد الحكومة لإقرار ميزانية تقشفية تمنعها من الاستجابة للمطالب التي تحتاج كلها إلى تمويل إضافي، في حين تسعى لخفض الإنفاق في ميزانية عام 2027 بما قيمته 54 مليار يورو.

وعلى سبيل المثال، فإن طلاب التعليم الثانوي يريدون تخصيص 10 مليارات يورو للتعليم للعام المقبل، في حين أن الميزانية رصدت 1.2 مليار. وما يثير الاندهاش أن الحكومة تقترح زيادة 15 يورو على الحد الأدنى للأجور، في حين أن الغلاء يسجل ارتفاعاً حاداً في الأشهر الأخيرة؛ إذ إن الزيادة المقترحة لا تكفي لشراء نصف كيلوغرام من اللحوم. وفي المقابل، فإن مشروع الميزانية ينص على المس بالمعاشات التقاعدية، ويزيد تكلفة الطبابة والرعاية الاجتماعية، وفرض ضرائب جديدة، ما يعني أن المقاربة الحكومية تسير بعكس التيار الاجتماعي.

ووجّه جان لوك ميلونشون، السبت، لدى مشاركته في مسيرة باريس، رسالة تحذيرية للرئيس الفرنسي بقوله: «ما زال الوقت متاحاً لإيمانويل ماكرون للتراجع والاستجابة للمطالب. وبعد ذلك لن يبقى أمامه سوى باب الرحيل». وكما في كل مناسبة تطلق فيها دعوات للإضراب وتعطيل المؤسسات العامة والخاصة، وخصوصاً إذا كانت مفتوحة، فإن الحكومة ستراقب عن كثب نسبة الاستجابة لها ومدى تأثيرها على المواطنين وعلى الدورة الاقتصادية، في حين تضع مؤسسات التصنيف الدولية فرنسا تحت المجهر.

واستمرار الحراك الاجتماعي والعجز عن إقرار الميزانية وخفض المديونية... عوامل تزيد هشاشة البلاد وتضعها في موقف ضعيف في الأسواق المالية الدولية؛ إذ زادت فائدة الديون الفرنسية على نسبة 5 في المائة، في حين أن المديونية التراكمية تزيد على 3600 مليار يورو، وخدمتها السنوية تجاوز 80 مليار يورو.

مارّة يسيرون في شارع بمارسيليا تغطيه الأنقاض غداة احتجاجات عمّت فرنسا ضد «ارتفاع تكاليف المعيشة» يوم 18 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

تفكيك المطالب

تتداخل هذه الأزمة الاقتصادية - المالية والاجتماعية مع أعتى أزمة سياسية، عنوانها انتهاء ولاية الرئيس ماكرون الثانية، وغياب أكثرية تدعم الحكومة في البرلمان، والتشظي السياسي بسبب اقتراب الانتخابات الرئاسية. ويُجمع المراقبون على أن الرئيس الفرنسي، الذي تنتهي ولايته الثانية قبل 200 يوم، ضعيف سياسياً ولم يعد متحكماً بالتطورات، وبعضهم يستعين بتوصيف للرئيس الأميركي في نهايات عهده؛ إذ يوصف بـ«البطة العرجاء».

وعاد ماكرون، بعد أن أُخذ عليه غيابه عن المشهد الداخلي في الأسابيع السابقة وترك الحكومة تتعامل وحدها مع إضرابات طلاب التعليم الثانوي التي انطلقت قبل أكثر من شهر، إلى واجهة المشهد السياسي.

وتجلى ذلك في تتابع الاجتماعات الأمنية والسياسية التي ترأسها في قصر الإليزيه، وفي استعجاله الانتقال إلى مدينة «تراب» حيث أقدم رجل فرنسي، نهاية الأسبوع الماضي، على ارتكاب جريمة «عنصرية إرهابية» استهدفت أشخاصاً بسبب لون جلدتهم، وأسفرت عن مقتل شاب عمره 26 عاماً وجرح خمسة أشخاص، بينهم طفلة في سن 12 عاماً، ما أثار عاصفة من التنديد في كافة فرنسا. واعتُبرت الجريمة نتيجة للشحن الآيديولوجي الذي يقوم به اليمين المتطرف وبعض اليمين التقليدي إزاء المهاجرين، وبشكل عام إزاء السود والمغاربيين.

ولأن الحراك بدأ مع طلاب التعليم الثانوي، فقد عمد ماكرون إلى استقبال مجموعة منهم في قصر الإليزيه، وطلب من رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو أن يفعل الشيء نفسه، وهو ما تم الاثنين. ولم يتردد ماكرون في اعتبار أن مطالبهم «مشروعة»، وأن لوكورنو «سيعلن عن استجابات ملموسة». ونبّه ماكرون، بمناسبة زيارة لم يعلن عنها مسبقاً لمدينة مرسيليا التي شهدت يوم 17 من الشهر الحالي أعمال شغب واشتباكات وسرقات، إلى ما قد يحصل في الاستحقاقين الاجتماعيين المقبلين. وقال: «سنكون حاضرين وجاهزين» للتعامل مع ما قد يجري، مجدداً رفضه السماح بقيام المظاهرات في وسط المدن، ومؤكداً حماية المحال التجارية. ونوّه بعمل القوى الأمنية، مشيراً إلى أن المحافظة على النظام العام السبت الماضي تمت «من غير اللجوء إلى فرض حالة الطوارئ»، إلا أنه استطرد بقوله إن فرضها «ليس ممنوعاً ولا محرماً».

يبدو هدف ماكرون واضحاً للعيان: تفكيك الأزمة من خلال الاستجابة «الجزئية» للطلاب لعزلهم عن الحراك وإعادتهم إلى الصفوف المدرسية. ولا شك أن مطلب المليارات العشرة لن يتم التجاوب معه، في حين أن مطلب إعادة النظر بآلية توجيه الطلاب إلى الاختصاصات الجامعية (المسمى في فرنسا باركورسوب) سيلقى تجاوباً باعتباره لا يكلف الخزينة أي مبالغ. وبالفعل فقد توافرت معلومات تفيد بأن الحكومة استجابت للطلب الأخير، وسيقوم البرلمان، يوم الأربعاء، بمناقشة مستقبل هذه الآلية «التي يعتبرها الطلاب غامضة وغير عادلة».

وكان منتظراً أن يعقد وزيرا التربية والتعليم العالي إدورا جيفراي وفيليب باتيست مؤتمراً صحافياً لتفصيل «التدابير العملية» التي أقرتها الحكومة، علماً أن الطلاب يريدون كذلك تمويلاً واسعاً لتحسين الأوضاع المادية للمدارس، وإيجاد مدرسين بدلاء للحلول محل الأساتذة المتغيبين، وتوفير قدرات جامعية أوسع لاستيعاب المنتقلين إلى التعليم الجامعي، وخفض عدد التلاميذ إلى 28 تلميذاً لتحاشي الاكتظاظ.


من الشارع إلى البرلمان... كيف أنهى طلاب صربيا هيمنة فوتشيتش؟

حشود تحتفل في بلغراد بعد إقرار ألكسندر فوتشيتش بهزيمة الحزب التقدمي الصربي في الانتخابات البرلمانية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)
حشود تحتفل في بلغراد بعد إقرار ألكسندر فوتشيتش بهزيمة الحزب التقدمي الصربي في الانتخابات البرلمانية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

من الشارع إلى البرلمان... كيف أنهى طلاب صربيا هيمنة فوتشيتش؟

حشود تحتفل في بلغراد بعد إقرار ألكسندر فوتشيتش بهزيمة الحزب التقدمي الصربي في الانتخابات البرلمانية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)
حشود تحتفل في بلغراد بعد إقرار ألكسندر فوتشيتش بهزيمة الحزب التقدمي الصربي في الانتخابات البرلمانية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)

أنهت حركة يقودها طلاب نحو 14 عاماً من الهيمنة السياسية لألكسندر فوتشيتش في صربيا، بعدما فازت قائمتها بالانتخابات البرلمانية، رغم عدم ترشّح أي طالب ضمن صفوفها.

وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، أظهرت التقديرات النهائية لمجموعتي «سيسيد» و«إبسوس» حصول قائمة «قائمة الطلاب - الطلاب ينتصرون» على 141 مقعداً من أصل 250، وسط احتفالات في بلغراد ونوفي ساد ونيش.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقي الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش في بكين يوم 2 سبتمبر 2025 (رويترز)

مأساة أشعلت الاحتجاجات

بدأت الحركة عقب انهيار مظلة خرسانية بمحطة قطارات نوفي ساد في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، ما أسفر عن مقتل 16 شخصاً. وأصبحت الكارثة رمزاً للفساد والإهمال، بعدما ربط منتقدون أعمال تجديد المحطة المعيبة بالسلطة التي تبنّت المشروع.

وتحوّلت احتجاجات الطلاب المطالبة بالعدالة إلى حركة وطنية انضم إليها مزارعون وممثلون وقضاة. وفي يناير (كانون الثاني) 2025، استقال رئيس الوزراء لتهدئة التوتر، قبل أن تشهد بلغراد في مارس (آذار) أكبر احتجاج مناهض للحكومة في تاريخ البلاد.

ومن دون قيادة بارزة، نظّم الطلاب تحرّكهم عبر جمعيات طلابية، واستعدوا للانتخابات المبكرة بتدريب مراقبين لحماية نزاهة الاقتراع.

أنصار الحركة الطلابية يرقصون احتفالاً بفوزها بالانتخابات في حديقة قبالة البرلمان الصربي ببلغراد يوم 26 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

شخصيات عامة وبرنامج إصلاحي

اختارت الحركة مرشحين من خارج صفوف الطلاب، بينهم أساتذة جامعات وفنانون ورياضيون، وتصدّر قائمتها أستاذ أمراض القلب إيليا سردانوفيتش. ولم تتضح بعد هوية رئيس الوزراء المقبل، مع تداول اسم محافظ البنك المركزي السابق ديان شوشكيتش.

ويتضمن برنامجها المؤلف من 11 بنداً مكافحة الفساد، ومحاسبة مسؤولين عن تجاوزات بحق المتظاهرين، وإصلاح الإعلام وتحرير هيئة البث العامة من السيطرة السياسية، ووقف تعيين الموالين للأحزاب على رأس المؤسسات العامة.

وينفي فوتشيتش وحزبه التقدمي الصربي اتهامات الفساد والتأثير في الإعلام. وبعد إقراره بالهزيمة، توقّع فشل الحركة، واتهمها، دون أدلة، بتلقي دعم أوروبي وأميركي.

ورغم بقائهم خارج البرلمان، يواجه الطلاب مسؤولية متابعة تنفيذ وعودهم عبر النواب الذين اختاروهم لنقل مطالب الشارع إلى المؤسسات.

Your Premium trial has ended


زيلينسكي يشكو انتظار شهر للحصول على توقيع وزير الحرب الأميركي بشأن «الصواريخ»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يشير بيده خلال حديثه إلى وسائل الإعلام قبيل اجتماعه مع رئيسة وزراء فنلندا بكييف يوم 22 أكتوبر 2026 في ظل الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يشير بيده خلال حديثه إلى وسائل الإعلام قبيل اجتماعه مع رئيسة وزراء فنلندا بكييف يوم 22 أكتوبر 2026 في ظل الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي يشكو انتظار شهر للحصول على توقيع وزير الحرب الأميركي بشأن «الصواريخ»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يشير بيده خلال حديثه إلى وسائل الإعلام قبيل اجتماعه مع رئيسة وزراء فنلندا بكييف يوم 22 أكتوبر 2026 في ظل الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يشير بيده خلال حديثه إلى وسائل الإعلام قبيل اجتماعه مع رئيسة وزراء فنلندا بكييف يوم 22 أكتوبر 2026 في ظل الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

جدّد الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، شكواه من تأخير تسليم صواريخ الدفاع الجوي من الولايات المتحدة، موجّهاً أصابع الاتهام مباشرة إلى وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وكتب زيلينسكي على منصات التواصل الاجتماعي، الاثنين: «على وجه الخصوص؛ ننتظر منذ نحو شهر توقيع هيغسيث بشأن الصواريخ الخاصة بأنظمة (باتريوت) و(ناسامز)؛ (منظومة الصواريخ أرض - جو المتطورة)».

وتُعدّ أنظمة «باتريوت» الأميركية فعالة بشكل خاص في اعتراض الصواريخ الباليستية التي تستخدمها روسيا في حربها ضد أوكرانيا.

وقال زيلينسكي إنه أمر بإجراء محادثة أخرى مع الجانب الأميركي.

وأضاف زيلينسكي أن أوكرانيا تعمل مع الولايات المتحدة وأوروبا وشركاء آخرين يمتلكون مخزونات من هذه الصواريخ، كما أعلن عن الترتيب لاستضافة «اجتماع رامشتاين» المقبل، المعروف أيضاً باسم «مجموعة الاتصال الدفاعية الخاصة بأوكرانيا»، في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.