معرضان للكتاب يحمل أحدهما اسم «لبنان» والآخر «بيروت»

ينطلق أولهما بعد أيام مصحوباً بحملة ترويجية غير مسبوقة

جانب من معرض بيروت للكتاب
جانب من معرض بيروت للكتاب
TT

معرضان للكتاب يحمل أحدهما اسم «لبنان» والآخر «بيروت»

جانب من معرض بيروت للكتاب
جانب من معرض بيروت للكتاب

معرضان رئيسيان للكتاب يفصل بينهما شهر واحد ستشهدهما العاصمة اللبنانية، يبدأ أولهما بعد أيام. فهل هي دلالة صحة وحيوية كما يريد أن يوحي البعض، أو حالة تدل على مزيد من التشرذم، والكيدية ووصول الانقسامات السياسية إلى عالم الكتب والنشر والثقافة؟

في الثالث عشر من الشهر الحالي تشهد بيروت افتتاح «معرض لبنان الدولي للكتاب» الذي تنظمه «نقابة اتحاد الناشرين اللبنانيين» في «الفوروم دو بيروت»، ويستمر لمدة عشرة أيام. وبعد شهر تقريباً من هذا التاريخ، ينطلق «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» الذي ينظمه «النادي الثقافي العربي» في «البيال» وسط بيروت، في دورته الخامسة والستين، وينعقد من 23 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 3 ديسمبر (كانون الأول). وهذا الأخير هو أول معرض للكتاب عرفته المنطقة العربية على الإطلاق، وكان ذلك عام 1956، وبقي مستمراً حتى يومنا هذا، عابراً للحروب والأزمات، وها هو يعيش أصعب أيامه؛ إذ يأتي «معرض لبنان للكتاب» الذي ينظمه اتحاد الناشرين بعد أيام، وكأنه يوجه ضربة قاسمة للمعرض التاريخي الذي يعد محطة ثقافية جامعة عمرها تجاوز نصف قرن. «البلد يتحمل معرضين، لا بل يتحمل كل يوم معرضاً»، تقول نقيبة اتحاد الناشرين سميرة عاصي لـ«الشرق الأوسط». «المطاعم ممتلئة كما المقاهي، والفنادق. هذا يعني أن الإمكانات موجودة. والتحدي الأكبر هو في كيفية التنظيم والقدرة على جذب الناس»، ضاربة مثلاً أن لبنان يشهد العديد من المعارض في المناطق وبينها «انطلياس» وجميعها مفيدة.

الحملة الإعلانية النشطة التي ترافق معرض لبنان، يشارك فيها فنانون وإعلاميون، على مختلف وسائل التواصل، يروجون لاستضافة أدباء من خارج البلاد، وبرنامج عامر بالورشات والمحاضرات، في حين أن المعرض التقليدي يشتكي من قلة الموارد، فمن أين يأتي التمويل؟ تقول النقيبة عاصي: «نحن تمويلنا ذاتي. الناس التفت حولنا. تلفزيون (إل بي سي) يدعمنا، أقرباء لي قدموا العون وتكفلوا بالحملة الترويجية، واستقدام الضيوف. من يسعَ يصل إلى ما يريد. هدفي حماية سمعة وأداء الناشر اللبناني. نريد معرضاً نباهي به. المعرض الذي يقام كل سنة لم يعد معرضاً». تقول نقيبة الناشرين في لبنان: «إن كل ما يجري اليوم هو بعيد عن السياسة، في النقابة نحن متماسكون ونعمل معاً. ستشارك كل الدور الكبيرة، وكذلك الدور الفرنسية، وسترون ضيوفاً من خارج لبنان؛ أدباء، ووزراء ثقافة، ومستشارين».

تتحدث عاصي عن معرض بمساحة تسعة آلاف متر وليس ألفين كالذي ينظمه النادي، و270 دار نشر، و21 دولة مشاركة.

«ليس هدفنا الربح، وإنما أن نرفع اسم لبنان عالياً. أخذنا المتر بـ48 دولاراً ونؤجره للناشرين بنفس السعر. وسنقدم برنامجاً ثقافياً عامراً، ونسعى لأن يكون في المعرض أسعار مخفضة»، مؤكدة أنه «ليس القصد التحدي، وإنما على الكتاب اللبناني أن يستعيد دوره، والمعرض مكانته. نريد فعلياً معرضاً دولياً للكتاب، وليس معرضاً محلياً كالذي يقيمه النادي، خاصة بعد أن توقفت السفارات عن المشاركة فيه»، لكن الصورة ليست وردية على النحو الذي تصوره النقيبة عاصي؛ فقد سبق لنقابة الناشرين أن نظمت معرضها إلى جانب معرض «النادي الثقافي العربي» لسبع دورات في تسعينات القرن الماضي، لكن ليس بفارق شهر، ولم تكن مشاركة الدور في معرضين ثقيلة على كاهل الناشرين، كما هو الحال اليوم، فضلاً عن أن وجود معرضين يشقّ صفّ الناشرين الذين يشارك بعضهم هنا، وبعضهم الآخر هناك، ويحرج بعضاً ثالثاً فيشترك في المعرضين على مضض.

وتعترض النقيبة عاصي، على استسلام النادي للمعوقات التي يمكن تجاوزها، في حين أن رئيسة «النادي الثقافي العربي» سلوى السنيورة بعاصيري، تعد «أننا ملزمون بتحمل صغر المساحة بعد أن دمر انفجار المرفأ جزءاً من مكان العرض، وعلينا أن ننتظر إلى أن يتم إعادة البناء». وهي لا ترى إمكانية لنقل المعرض إلى أي مكان آخر خارج وسط بيروت؛ «لما له من رمزية علينا احترامها». وتعد أن النادي ليس مسؤولاً عن الانفجار، «نحن ضحايا، كما الثقافة أيضاً»، وتطالب بأن يتكاتف الجميع لإقامة معرض يليق ببيروت.

السيدتان اللتان تتربع كل منهما على رأس الهيئة التنظيمية لمعرض كتاب، لكل منهما رأيها وحجتها. وكل منهما تتمنى النجاح للأخرى؛ لأن أحداً لا يستطيع أن يلغي الآخر. «كل ما نطلبه» تقول السنيورة «ألا يتحول الكلام إلى مهاترات، واتهامات، وتصغير لدور الآخر. الثقافة في لبنان حرّة، وهناك مكان للجميع». وتذكر السنيورة أن معرض النادي الثقافي العربي يعطي هذه السنة أهمية للأنشطة التي ستكرم العديد من الشخصيات النهضوية، مثل جبران خليل جبران، وكذلك أدباء مثل نازك الملائكة وميخائيل نعيمة، وكذلك سيحتفل بعاصي الرحباني.

ويعد الناشر سليمان بختي صاحب «دار نلسن» أنه غير قادر على الاشتراك في المعرضين، وسيكتفي بالثاني، وكان يتمنى لو تم الاتفاق بين النادي الثقافي واتحاد الناشرين لإقامة معرض موحد كبير وقوي، «أما وإن الأمر ليس على هذا النحو، فالمنافسة قد تكون فرصة لتحسين الأداء»، وهو مؤمن «أن النصر في النهاية ليس لإحدى الجهتين المنظمتين وإنما للكتاب. الكتاب هو القضية الحقيقية».

والاحتجاج على الطريقة التي ينظم بها النادي المعرض، ليس جديداً، لكن العام الماضي تأزم الوضع حين قرر أن يعقد دورتين، شاركت النقابة في إحداهما، متمنعة أن تكون جزءاً من الثانية.

ومعرض لبنان الذي ينعقد بعد أيام، برأي محمد الهادي رئيس اللجنة الثقافية والإعلامية له، «يراد منه أن يكون أهم وأكبر حدث ثقافي لبناني خلال العقد الأخير على الأقل. ومن الآن تتوالى الإصدارات التي تخرج طازجة من المطابع لهذه المناسبة، منها رواية جديدة لرشيد الضعيف (ما رأت زينة ولم ترَ)، و(أغنيات للعتمة) لإيمان حميدان، كما صدر كتاب بمناسبة مئوية عاصي الرحباني للناقد والممثل عبيدو باشا، وهنا مذكرات بديعة مصابني عن الدار نفسها (نلسن)، وأصدرت (دار الآداب) لمازن حيدر (الرجاء استبدال الأكاليل)». ومن بين الضيوف الشاعر أدونيس الذي سيجري تكريمه، والكاتبة الكويتية بثينة العيسى، والروائي الكويتي سعود السنعوسي.

فهل يكون الانقسام الثقافي حول معرض الكتاب هو نهاية الانقسامات وبداية الصعود؟



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.