ألمانيا تنشط أوروبياً للتعامل مع ملف اللجوء والهجرة

في ضوء التزايد الكبير لأعداد المهاجرين الوافدين على القارة

ألمانيا تنشط أوروبياً للتعامل مع ملف اللجوء والهجرة
TT

ألمانيا تنشط أوروبياً للتعامل مع ملف اللجوء والهجرة

ألمانيا تنشط أوروبياً للتعامل مع ملف اللجوء والهجرة

أمام مركز الاستقبال الأول للاجئين في برلين، يتجمع عدد من الشبان في حلقة صغيرة، حاملين أوراقاً ومغلفات، يتبادلون قصصهم والتعب بادٍ عليهم. يقول أحدهم إنه قد تسجل للتو مع السلطات كلاجئ وحصل على موعد بعد 10 أيام للعودة والحصول على تفاصيل مكان إقامته المؤقتة. بات محمد الآتي من سوريا، ليلته في غرفة داخل المركز، تَشارَكها مع قرابة 20 شاباً آخر. وفي الخامسة فجراً أيقظوهم وطلبوا منهم المغادرة والعودة ليلاً للمبيت. يقول محمد إنه منذ وصوله قبل أسبوعين، لم يتمكن من الاستحمام بعد؛ لأن الحمامات خارج الغرف، غير مجهزة لذلك. والغرف غير متوافرة ومليئة بطالبي لجوء آخرين. ورغم ذلك، يبدو هذا الشاب أكبر حظاً من غيره. آخرون أبلغونا أنهم باتوا ليلتهم في خيّم مؤقتة وُضعت في الغابة خارج المركز لنقص الأسرة لإيواء جميع الواصلين. وغيرهم لم يتمكنوا أصلاً من المبيت في الداخل، ففضّلوا المغادرة والبقاء مع معارف لهم إلى حين «فرزهم» إلى أماكن سكن أخرى، وهي عملية قد تستغرق أسابيع.

على المدخل الأساسي لمركز استقبال اللاجئين في منطقة راينيكندورف شمال غرب العاصمة برلين، يقف حارسان يمنعان دخول من لا عمل له في الداخل.

الصحافيون لا يسمح لهم بالتصوير أو الاطلاع على الأوضاع أبعد من البوابات الرئيسية. ويزيد من الأمر سوءاً حجز أكثر من 600 طالب لجوء في أحد المباني داخل المركز لانتشار مرض الحصبة بينهم. ولكن أمام البوابة الرئيسية، العشرات من طالبي اللجوء يدخلون ويخرجون في كل الأوقات.

كثيرون جاءوا من تركيا وجورجيا وأفغانستان، لكن الغالبية منهم من دول عربية، خاصة سوريا، إلى جانب العراق وفلسطين وحتى لبنان. ومعظم هؤلاء، وصلوا بطرق غير شرعية: عبر البحر، ثم في الغابات وصولاً إلى هنا.

مشاهد تذكّر بـ2015

في الحقيقة، تبدو برلين هذه الأيام مُثقلة باللاجئين من جديد، في مشاهد ذكّرت الكثيرين بموجة اللجوء عام 2015 عندما أعلنت المستشارة السابقة أنجيلا ميركل فتح الأبواب أمام عشرات آلاف السوريين الفارين من القتال. لكنها، في المقابل، لا تعيش هذه الأيام أزمة مع اللاجئين الأوكرانيين الذين يجري التعامل معهم عبر قنوات مختلفة ولا يدخلون في الإحصاءات الأخيرة لأعداد طالبي اللجوء الواصلين إلى ألمانيا.

للعلم، منذ بداية عام 2023 زاد أعداد طالبي اللجوء إلى ألمانيا بشكل كبير. وخلال الأشهر الـ6 الأولى منه سجلت ألمانيا أكثر من 160 ألف طالب لجوء، مع توقع أن تصل الأعداد بنهاية 2023 إلى قرابة الـ300 ألف، جزء كبير منهم من سوريا.

أيضاً، شهدت برلين وحدها زيادة في أعداد طالبي اللجوء بنسبة 40 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي مقارنة بسابقه. وسجلت ما يزيد على الـ20 ألف لاجئ، نصفهم من أوكرانيا والباقي من سوريا بشكل أساسي. ثم أنه خلال شهر أغسطس (آب) وحده، وصل إلى مركز التسجيل الأول في برلين ما يقارب الألفي طالب لجوء من غير الأوكرانيين. وتتوقع حكومة ولاية برلين وصول 10 آلاف طالب لجوء إضافي قبل نهاية العام الحالي.

كل هذه الأعداد فتحت نقاشاً طارئاً حول أماكن إيواء اللاجئين، ودفعت بالحكومة للبدء ببناء وتوسيع مساكن مؤقتة عاجلة داخل مساحات مطارات دولية سابقة في العاصمة، مثل مطار تمبلهوف الذي أُخرج عن الخدمة عام 2008، ومطار تيغيل الذي أغلق العام الماضي.

عودة خطاب اليمين المتطرف

من جهة أخرى، تسبّبت أعداد اللاجئين المرتفعة بعودة الخطاب اليميني المتطرف وارتفاع الأصوات المطالبة بوقف قبول المزيد من اللاجئين، وحتى تقليص المساعدات المالية ومنحهم مساعدات عينية عوضاً عنها بعدما عدّ البعض أن المساعدات المالية «حافزاً» يدفع كثيرين للمجيء إلى ألمانيا. ومع أن المستشار الألماني أولاف شولتز لم يبدِ اعتراضاً على الاستعاضة عن المساعدات المالية بالعينية أو قسائم من متاجر تجزئة، فإنه شدد على أن تطبيق الأمر يعود إلى الولايات، ويبدو أنه معقّد ويتطلب الكثير من البيروقراطية. وبالفعل، لا يبدو الخيار عملياً بالنسبة للولايات الألمانية التي تعاني نقصاً دائماً في الموظفين مقابل طلبات أصلاً تفوق قدرتها.

ولكن، أمام تزايد الضغوط من الأحزاب اليمينية، بينهم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (الحاكم سابقاً بقيادة أنجيلا ميركل)، لوقف استقدام المزيد من اللاجئين وتشديد القوانين، اضطرت الحكومة الألمانية اليسارية إلى الاعتراف بأن ألمانيا ما عادت قادرة على استيعاب أعداد إضافية من اللاجئين. وأعلن المستشار الاشتراكي شولتز أنه من الضروري مكافحة الهجرة غير الشرعية والتصدّي للمهربين.

كذلك، في ضوء تزايد الشكاوى من عدد من الولايات التي لم تعد قادرة على استيعاب المزيد من طالبي اللجوء، وجدت وزيرة الداخلية نانسي فايزر نفسها مضطرة إلى الإعلان بأن الحكومة الألمانية ستوقف مؤقتاً العمل بمبدأ القبول الطوعي للاجئين يصلون إلى دول أوروبية أخرى، بموجب اتفاق كان قد أُبرم بين دول الاتحاد الأوروبي لإزاحة العبء عن الدول الأولى التي يبلغها المهاجرون، مثل إيطاليا واليونان.

اتفاق مع تونسكل هذا الجدل في ألمانيا كان قائماً، بينما كانت جزيرة لامبيدوزا الإيطالية الصغيرة قبالة صقلية تشهد وصول أعداد قياسية من طالبي اللجوء آتين بقوارب من سواحل تونس. ولقد تسبّبت الأعداد الكبيرة للواصلين إلى لامبيدوزا، في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، بموجة من الذعر في أوروبا؛ الأمر الذي دفع برئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين للتوجه إلى الجزيرة مع رئيسة الحكومة الايطالية جورجيا ميلوني والتعهّد علناً بمواجهة الهجرة غير الشرعية.

وحقاً، يوم 12 سبتمبر الماضي، وصل خلال 24 ساعة فقط ما يزيد على 6 آلاف طالب لجوء وهجرة إلى لامبيدوزا بينهم أعداد كبيرة من النساء والأطفال. وهذا، في حين ليس لدى الجزيرة الصغيرة البالغ عدد سكانها الاعتيادي 6 آلاف، قدرة على استيعاب أكثر من 400 لاجئ ومهاجر فقط. وبالتالي، أدى وصول الأعداد الضخمة من اللاجئين والمهاجرين إليها في الأسابيع الماضية - 90 في المائة منهم على متن بواخر وقوارب من تونس - إلى ارتفاع عدد سكانها إلى 18 ألف نسمة قبل أن يصار على عجل إلى نقل الواصلين إليها لمناطق أخرى في إيطاليا.

يومها، وجدت الحكومة الإيطالية اليمينية المتطرفة - التي كانت تعهّدت في حملتها الانتخابية وقف الهجرة غير الشرعية - نفسها عاجزة عن التصدّي للبواخر والقوارب التي كانت تنطلق بمعظمها من شواطئ تونس، على الرغم من الاتفاق الذي كانت أبرمته مع السلطات التونسية قبل أسابيع فقط.

ما يجدر ذكره أيضاً، أن ميلوني نفسها كانت قد توجّهت إلى تونس، برفقة رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين ورئيس الحكومة الهولندي مارك روته، في بداية شهر يونيو (حزيران) الماضي، حيث التقوا الرئيس التونسي قيس سعيّد ورئيسة الحكومة نجلا بودن.

وفي حينه، عرض المسؤولون الأوروبيون الزائرون استثمارات تزيد على مليار يورو في تونس تشمل قطاعات الاقتصاد ومشروعات بقيمة 100 مليون يورو لمواجهة المهربين ووقف قوارب المهاجرين من الوصول إلى أوروبا. ثم عاد الزعماء الأوروبيون الثلاث في يوليو (تموز) إلى تونس للتوقيع على مذكرة تفاهم بالمساعدات المالية التي حملوها. ونشير هنا إلى أنه ارتبط الكثير من هذه المساعدات المالية بـ«إصلاحات» يطلبها صندوق النقد الدولي من تونس، مثل رفع الدعم عن البترول والطحين، وتقليص الإنفاق في القطاع العام، إلا أن هذه من الشروط التي ترفض الحكومة التونسية تطبيقها خوفاً من زيادة النقمة الشعبية.

انقسام أوروبي

أيضاً، تسبّب العرض الأوروبي على تونس بانقسامات داخل أوروبا، كما ووجه المسؤولون الثلاثة بانتقادات من منظمات إنسانية أعربت عن قلقها من وضع طالبي اللجوء والهجرة في تونس. وسرّبت صحيفة «الغارديان» البريطانية رسالة كتبها جوزيف بوريل، مفوض الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، إلى فون دير لاين عبّر فيها عن «استغراب وعدم فهم» الدول الأوروبية لمذكرة التفاهم التي تم توقيعها مع تونس من دون استشارة دول الاتحاد.

ومما كتبه بوريل: إن عدداً من الدول الأوروبية كانت في يوليو في الماضي قد قالت إنها «لا تفهم التحرك الأحادي للمفوضية في توقيعها مذكرة التفاهم، وهي قلقة مما تتضمنه هذه المذكرة». وتابع بوريل فقال أن المذكرة التي جرى توقيعها بين تونس من جهة وفون دير لاين وميلوني وروته من جهة أخرى، لم تضع في الحسبان الإجراءات القانونية داخل الاتحاد الأوروبي، ولا يمكن بالتالي، عدّها سنداً قانونياً يمكن البناء عليه في اتفاقات مستقبلية.

في اي حال، منذ توقيع مذكرة التفاهم تلك، ارتفع عدد البواخر والقوارب التي انطلقت من شواطئ تونس إلى إيطاليا بنسبة 70 في المائة. وأيضاً، ازداد التوتر بين تونس والاتحاد الأوروبي، ودفع السلطات التونسية إلى رفض استقبال مجموعة من النواب الأوروبيين الذين طلبوا زيارة البلاد بهدف الاطلاع على أوضع طالبي اللجوء والهجرة.

وقبل أيام فقط، أعلن الرئيس التونسي قيس سعيّد رسمياً رفض المساعدات المالية التي سبق أن أعلنت عنها فون دير لاين لمكافحة الهجرة غير الشرعية، والتي تبلغ قيمتها قرابة الـ100 مليون يورو. وقال سعيّد: إن سبب الرفض ليس ضآلة المبلغ، بل لمناقضته مذكرة التفاهم التي كانت قد وُقّعت في يوليو الماضي، والتي تضمنت استثمارات أوسع بكثير لم يُطبّق شيء منها حتى الآن.

تسبّبت أعداد اللاجئين المرتفعة بعودة خطاب اليمين الألماني المتطرف وارتفاع الأصوات المطالبة بوقف قبول المزيد من اللاجئين

رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (رويترز)

خطط محلية في ألمانيا

في سياق موازٍ، بينما يستمر الجدل بين دول الاتحاد الأوروبي حول الطريقة الأفضل لمواجهة الهجرة غير الشرعية، بدأت ألمانيا - التي تُعد الوجهة المفضلة للكثير من المهاجرين غير الشرعيين - تنفيذ خطط محلية للحد من تدفقهم إلى أراضيها بعدما كانت سجلت زيادة بنسبة 80 في المائة في أعداد طالبي اللجوء منذ مطلع 2023 مقارنة بعام 2022. وضمن هذه الخطوات، بوشر بتشديد المراقبة على حدودها مع بولندا وتشيكيا لوقف المهرّبين، مع أن الحدود بين «دول شينغن» مفتوحة عادةً من دون أي حواجز. وبرّرت وزيرة الداخلية الألمانية، هذه الإجراءات لدى إعلانها، بأن «هذه الخطوة ضرورية... لأن ربع المهاجرين الآتين إلى ألمانيا ينقلهم مهرّبون من هذه الطرق».

كذلك، باشرت ألمانيا بمناقشة اتفاقيات ثنائية مع مجموعة من الدول لإعادة طالبي لجوء مرفوضة طلباتهم إليها. وعيّنت الحكومة الألمانية قبل أشهر مفوضاً خاصاً لإبرام اتفاقات باتت تعرف بـ«شراكات الهجرة» الغاية منها التفاوض مع الدول بغرض ترحيل مواطنيها إليها. وأعلنت الحكومة أن هذه الدول هي جورجيا، ومولدوفا، وكينيا، وكولومبيا، وأوزبكستان وقيرغيزستان، علماً بأن طالبي اللجوء من هذه الدول يشكّلون أقليّة صغيرة جداً. وكانت وقّعت ألمانيا اتفاقات شبيهة مع أوزبكستان وقيرغيزستان. وتمنع القوانين الألمانية إعادة طالبي لجوء مرفوضة طلباتهم إلى دول غير آمنة أو تعاني من الحروب. وتُصنّف سوريا وأفغانستان حالياً من بين هذه الدول، وفق مراجعة سنوية تجريها الخارجية الألمانية للائحة هذه الدول.

دعوات لمقاربة مختلفةولكن خبراء يشكّكون بأن تحدث هذه الخطط المحلية الكثير من الفرق، ويتحدثون عن ضرورة التوصل لمقاربة أوروبية موحّدة حول مواجهة الهجرة غير الشرعية. وفي المقابل، رغم تسبب الهجرة غير الشرعية بتزايد الخطاب الشعبوي في أوروبا، فإن الحاجة إلى المهاجرين في «القارة العجوز» لم تعُد خافية مع انخفاض نسبة الولادات لدى الأوروبيين مقابل ازدياد عدد المسنّين ونقص العمالة الماهرة. واليوم، تدفع هذه الأسباب بالمنظمات الإنسانية ومنظمة الهجرة العالمية إلى إعلاء أصوات مطالبين الحكومات الأوروبية بتسهيل دخول المهاجرين ما سيؤدي بدوره إلى تقليص أعداد الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا بطرق غير مشروعة في حال وجدوا بدائل.

في هذا الإطار، أصدرت «منظمة الهجرة الدولية» يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي - وهو ذكرى مرور 10 سنوات على كارثة غرق باخرة محملة بـ500 مهاجر قبالة شواطئ لامبيدوزا - بياناً دعت فيه إلى «تأسيس مسارات منتظمة وفعالة تلبي الاحتياجات وتدعم حقوق الإنسان».

وذكرت «المنظمة» بأن العام الحالي 2023 هو الأكثر دموية منذ عام 2017 بالنسبة لغرق طالبي اللجوء والهجرة في البحر المتوسط. وأفادت المنظمة بأن أكثر من 2500 طالب لجوء أو هجرة دخلوا في عداد القتلى والمفقودين في البحر المتوسط فقط منذ مطلع العام. ومنذ كارثة لامبيدوزا قبل 10 سنوات، ورغم الدعوات والتعهدات الدوليات بألا يسمح بتكرار كارثة من هذا النوع، قالت المنظمة: إنه «لم يتغير شيء... ولا يمر أسبوع من دون أن نسمع بكارثة في البحر أو البر على طرق العبور إلى أوروبا».

 

 

اتفاق أوربي «تاريخي»...رغم التباين الألماني-الإيطالي

> أمام غموض مصير الاتفاق الأوروبي مع تونس بشأن طالب اللجوء والهجرة، وتزايد ضغوط إيطاليا، خاصةً، على دول الاتحاد الأوروبي من أجل إيجاد حل موحد لأزمة اللجوء والهجرة، توصلت دول الاتحاد الأوروبي أخيراً إلى اتفاق وُصف بـ«التاريخي» على تقاسم أعباء اللجوء الهجرة في حالات الأزمات.

وحقاً، بعد 3 سنوات من الخلافات بين دول الاتحاد، أمكن قبل أيام التوصل إلى الاتفاق على اقتراح كانت طرحته المفوضية عام 2020 على الدول الأعضاء بهدف تقاسم إجباري لا تطوعي - كما هو الحال الآن - للمهاجرين، في أوقات الأزمات. ويهدف هذا الاتفاق لمنع تكرار ما حصل خلال أزمة اللاجئين عام 2015 عندما كان تقاسم اللاجئين بين الدول مجحفاً.

ولكن، حتى القبول به قبل أيام، كانت الدول التي رفضت قبول لاجئين هي المعترضة، مثل: المجر وبولندا وتشيكيا، بالإضافة إلى دول أخرى مثل النمسا وهولندا وسوفاكيا وحتى ألمانيا التي تحمل العبء الأكبر من اللاجئين عام 2015.

كذلك، مع أن الدول التي ترفض استقبال لاجئين اعترضت على المشروع لمعارضتها فكرة استقبال لاجئين بالأساس، كانت معارضة ألمانيا تتعلق بالشروط التي عدّتها قاسية بالنسبة لبعض فئات المهاجرين، وبخاصة الأسر. إلا أن ألمانيا نجحت بالدفع لإدخال تعديلات على الاقتراح الأساسي، يضمن - بحسب ما أعلنت وزيرة الداخلية الألمانية - إعطاء أولوية للعائلات والأطفال عند وصولهم بشكل غير قانوني إلى دولة من دول الاتحاد الأوروبي والامتناع عن تشديد معايير قبول اللاجئين كما كان الاقتراح سابقاً.

أما إيطاليا التي كانت المحرّك الأساسي للاتفاق الذي تأمل أن يخفّف عنها حمل اللاجئين – لكونها كانت غالباً الدولة الأولى التي يصلون إليها - فإنها رحّبت أيضاً بالاتفاق رغم تسجيل تحفظها عن نقاط تتعلق بحقوق الإنسان دفعت ألمانيا لإدخالها، وتحذيرها من ضرورة إعادة مناقشتها قبل إقرار القانون. وكانت ألمانيا قد طلبت في اللحظات الأخيرة حذف بند يسمح بانتهاك الحد الأدنى من المعايير في مراكز الاحتجاز في حال تزايدت أعداد الوافدين.

كذلك، ما زالت هناك نقاط أخرى تتعلق بدعم ألمانيا لمنظمات الإنقاذ غير الحكومية العاملة في البحر، تثير جدلاً بين حكومتي الدولتين. إذ في حين ترى ألمانيا أن عمليات الإنقاذ ضرورية وجزءاً من العمل الإنساني، تراها إيطاليا «عاملاً مساعداً» للمهاجرين و«مسهلاً لوصولهم إليها»؛ ولذا تريد وقف عمليات الإنقاذ بشكل كامل.


مقالات ذات صلة

محكمة ليبية تقضي بسجن مدان بالاتجار في البشر 30 عاماً

شمال افريقيا أكدت المنظمة الدولية للهجرة أن قرابة 7667 مهاجراً لقوا حتفهم أو فُقدوا على طرق الهجرة حول العالم خلال العام الماضي (أ.ف.ب)

محكمة ليبية تقضي بسجن مدان بالاتجار في البشر 30 عاماً

قضت محكمة جنايات بالعاصمة الليبية طرابلس بمعاقبة أحد أفراد «منظمة إجرامية متورطة بالاتجار في البشر» بالسجن 30 عاماً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

استطلاع: معظم الأميركيين يؤيدون سياسة ترمب بشأن الهجرة لكن يرفضون أساليبه

أظهر استطلاع جديد أجرته «رويترز - إبسوس» أن معظم الأميركيين يتفقون مع رأي الرئيس دونالد ترمب بأنه يجب ترحيل المهاجرين الذين يعيشون بشكل غير قانوني في أميركا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

قاضٍ أميركي يرفض سياسة ترمب ترحيل المهاجرين سريعاً لبلدان بديلة

قال قاضٍ اتحادي ‌إن سياسة إدارة دونالد ترمب التي تسمح بالترحيل السريع للمهاجرين إلى بلدان أخرى غير بلدانهم هي سياسة غير قانونية.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)
شمال افريقيا غرق 21 مهاجراً مصرياً في حادث جديد قرب اليونان (رويترز)

فقدان 18 مصرياً ووفاة 3 آخرين في غرق قارب هجرة غير شرعية

أعلنت وزارة الخارجية المصرية، الأربعاء، غرق 21 مهاجراً غير شرعي على متن قارب كان متجهاً إلى اليونان، مشيرة إلى أن 18 منهم ما زالوا في عداد المفقودين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صورة الضابط المغتال الرائد فارس الفرجاني (الجيش)

اغتيال ضابط في «الجيش الوطني» الليبي برصاص مجهولين

قالت القيادة العامة بـ«الجيش الوطني» الليبي إن «يد الغدر طالت الرائد فارس الفرجاني إثر عملية نفذتها مجموعة خارجة عن القانون في مدينة القطرون».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.