ألمانيا تنشط أوروبياً للتعامل مع ملف اللجوء والهجرة

في ضوء التزايد الكبير لأعداد المهاجرين الوافدين على القارة

ألمانيا تنشط أوروبياً للتعامل مع ملف اللجوء والهجرة
TT

ألمانيا تنشط أوروبياً للتعامل مع ملف اللجوء والهجرة

ألمانيا تنشط أوروبياً للتعامل مع ملف اللجوء والهجرة

أمام مركز الاستقبال الأول للاجئين في برلين، يتجمع عدد من الشبان في حلقة صغيرة، حاملين أوراقاً ومغلفات، يتبادلون قصصهم والتعب بادٍ عليهم. يقول أحدهم إنه قد تسجل للتو مع السلطات كلاجئ وحصل على موعد بعد 10 أيام للعودة والحصول على تفاصيل مكان إقامته المؤقتة. بات محمد الآتي من سوريا، ليلته في غرفة داخل المركز، تَشارَكها مع قرابة 20 شاباً آخر. وفي الخامسة فجراً أيقظوهم وطلبوا منهم المغادرة والعودة ليلاً للمبيت. يقول محمد إنه منذ وصوله قبل أسبوعين، لم يتمكن من الاستحمام بعد؛ لأن الحمامات خارج الغرف، غير مجهزة لذلك. والغرف غير متوافرة ومليئة بطالبي لجوء آخرين. ورغم ذلك، يبدو هذا الشاب أكبر حظاً من غيره. آخرون أبلغونا أنهم باتوا ليلتهم في خيّم مؤقتة وُضعت في الغابة خارج المركز لنقص الأسرة لإيواء جميع الواصلين. وغيرهم لم يتمكنوا أصلاً من المبيت في الداخل، ففضّلوا المغادرة والبقاء مع معارف لهم إلى حين «فرزهم» إلى أماكن سكن أخرى، وهي عملية قد تستغرق أسابيع.

على المدخل الأساسي لمركز استقبال اللاجئين في منطقة راينيكندورف شمال غرب العاصمة برلين، يقف حارسان يمنعان دخول من لا عمل له في الداخل.

الصحافيون لا يسمح لهم بالتصوير أو الاطلاع على الأوضاع أبعد من البوابات الرئيسية. ويزيد من الأمر سوءاً حجز أكثر من 600 طالب لجوء في أحد المباني داخل المركز لانتشار مرض الحصبة بينهم. ولكن أمام البوابة الرئيسية، العشرات من طالبي اللجوء يدخلون ويخرجون في كل الأوقات.

كثيرون جاءوا من تركيا وجورجيا وأفغانستان، لكن الغالبية منهم من دول عربية، خاصة سوريا، إلى جانب العراق وفلسطين وحتى لبنان. ومعظم هؤلاء، وصلوا بطرق غير شرعية: عبر البحر، ثم في الغابات وصولاً إلى هنا.

مشاهد تذكّر بـ2015

في الحقيقة، تبدو برلين هذه الأيام مُثقلة باللاجئين من جديد، في مشاهد ذكّرت الكثيرين بموجة اللجوء عام 2015 عندما أعلنت المستشارة السابقة أنجيلا ميركل فتح الأبواب أمام عشرات آلاف السوريين الفارين من القتال. لكنها، في المقابل، لا تعيش هذه الأيام أزمة مع اللاجئين الأوكرانيين الذين يجري التعامل معهم عبر قنوات مختلفة ولا يدخلون في الإحصاءات الأخيرة لأعداد طالبي اللجوء الواصلين إلى ألمانيا.

للعلم، منذ بداية عام 2023 زاد أعداد طالبي اللجوء إلى ألمانيا بشكل كبير. وخلال الأشهر الـ6 الأولى منه سجلت ألمانيا أكثر من 160 ألف طالب لجوء، مع توقع أن تصل الأعداد بنهاية 2023 إلى قرابة الـ300 ألف، جزء كبير منهم من سوريا.

أيضاً، شهدت برلين وحدها زيادة في أعداد طالبي اللجوء بنسبة 40 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي مقارنة بسابقه. وسجلت ما يزيد على الـ20 ألف لاجئ، نصفهم من أوكرانيا والباقي من سوريا بشكل أساسي. ثم أنه خلال شهر أغسطس (آب) وحده، وصل إلى مركز التسجيل الأول في برلين ما يقارب الألفي طالب لجوء من غير الأوكرانيين. وتتوقع حكومة ولاية برلين وصول 10 آلاف طالب لجوء إضافي قبل نهاية العام الحالي.

كل هذه الأعداد فتحت نقاشاً طارئاً حول أماكن إيواء اللاجئين، ودفعت بالحكومة للبدء ببناء وتوسيع مساكن مؤقتة عاجلة داخل مساحات مطارات دولية سابقة في العاصمة، مثل مطار تمبلهوف الذي أُخرج عن الخدمة عام 2008، ومطار تيغيل الذي أغلق العام الماضي.

عودة خطاب اليمين المتطرف

من جهة أخرى، تسبّبت أعداد اللاجئين المرتفعة بعودة الخطاب اليميني المتطرف وارتفاع الأصوات المطالبة بوقف قبول المزيد من اللاجئين، وحتى تقليص المساعدات المالية ومنحهم مساعدات عينية عوضاً عنها بعدما عدّ البعض أن المساعدات المالية «حافزاً» يدفع كثيرين للمجيء إلى ألمانيا. ومع أن المستشار الألماني أولاف شولتز لم يبدِ اعتراضاً على الاستعاضة عن المساعدات المالية بالعينية أو قسائم من متاجر تجزئة، فإنه شدد على أن تطبيق الأمر يعود إلى الولايات، ويبدو أنه معقّد ويتطلب الكثير من البيروقراطية. وبالفعل، لا يبدو الخيار عملياً بالنسبة للولايات الألمانية التي تعاني نقصاً دائماً في الموظفين مقابل طلبات أصلاً تفوق قدرتها.

ولكن، أمام تزايد الضغوط من الأحزاب اليمينية، بينهم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (الحاكم سابقاً بقيادة أنجيلا ميركل)، لوقف استقدام المزيد من اللاجئين وتشديد القوانين، اضطرت الحكومة الألمانية اليسارية إلى الاعتراف بأن ألمانيا ما عادت قادرة على استيعاب أعداد إضافية من اللاجئين. وأعلن المستشار الاشتراكي شولتز أنه من الضروري مكافحة الهجرة غير الشرعية والتصدّي للمهربين.

كذلك، في ضوء تزايد الشكاوى من عدد من الولايات التي لم تعد قادرة على استيعاب المزيد من طالبي اللجوء، وجدت وزيرة الداخلية نانسي فايزر نفسها مضطرة إلى الإعلان بأن الحكومة الألمانية ستوقف مؤقتاً العمل بمبدأ القبول الطوعي للاجئين يصلون إلى دول أوروبية أخرى، بموجب اتفاق كان قد أُبرم بين دول الاتحاد الأوروبي لإزاحة العبء عن الدول الأولى التي يبلغها المهاجرون، مثل إيطاليا واليونان.

اتفاق مع تونسكل هذا الجدل في ألمانيا كان قائماً، بينما كانت جزيرة لامبيدوزا الإيطالية الصغيرة قبالة صقلية تشهد وصول أعداد قياسية من طالبي اللجوء آتين بقوارب من سواحل تونس. ولقد تسبّبت الأعداد الكبيرة للواصلين إلى لامبيدوزا، في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، بموجة من الذعر في أوروبا؛ الأمر الذي دفع برئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين للتوجه إلى الجزيرة مع رئيسة الحكومة الايطالية جورجيا ميلوني والتعهّد علناً بمواجهة الهجرة غير الشرعية.

وحقاً، يوم 12 سبتمبر الماضي، وصل خلال 24 ساعة فقط ما يزيد على 6 آلاف طالب لجوء وهجرة إلى لامبيدوزا بينهم أعداد كبيرة من النساء والأطفال. وهذا، في حين ليس لدى الجزيرة الصغيرة البالغ عدد سكانها الاعتيادي 6 آلاف، قدرة على استيعاب أكثر من 400 لاجئ ومهاجر فقط. وبالتالي، أدى وصول الأعداد الضخمة من اللاجئين والمهاجرين إليها في الأسابيع الماضية - 90 في المائة منهم على متن بواخر وقوارب من تونس - إلى ارتفاع عدد سكانها إلى 18 ألف نسمة قبل أن يصار على عجل إلى نقل الواصلين إليها لمناطق أخرى في إيطاليا.

يومها، وجدت الحكومة الإيطالية اليمينية المتطرفة - التي كانت تعهّدت في حملتها الانتخابية وقف الهجرة غير الشرعية - نفسها عاجزة عن التصدّي للبواخر والقوارب التي كانت تنطلق بمعظمها من شواطئ تونس، على الرغم من الاتفاق الذي كانت أبرمته مع السلطات التونسية قبل أسابيع فقط.

ما يجدر ذكره أيضاً، أن ميلوني نفسها كانت قد توجّهت إلى تونس، برفقة رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين ورئيس الحكومة الهولندي مارك روته، في بداية شهر يونيو (حزيران) الماضي، حيث التقوا الرئيس التونسي قيس سعيّد ورئيسة الحكومة نجلا بودن.

وفي حينه، عرض المسؤولون الأوروبيون الزائرون استثمارات تزيد على مليار يورو في تونس تشمل قطاعات الاقتصاد ومشروعات بقيمة 100 مليون يورو لمواجهة المهربين ووقف قوارب المهاجرين من الوصول إلى أوروبا. ثم عاد الزعماء الأوروبيون الثلاث في يوليو (تموز) إلى تونس للتوقيع على مذكرة تفاهم بالمساعدات المالية التي حملوها. ونشير هنا إلى أنه ارتبط الكثير من هذه المساعدات المالية بـ«إصلاحات» يطلبها صندوق النقد الدولي من تونس، مثل رفع الدعم عن البترول والطحين، وتقليص الإنفاق في القطاع العام، إلا أن هذه من الشروط التي ترفض الحكومة التونسية تطبيقها خوفاً من زيادة النقمة الشعبية.

انقسام أوروبي

أيضاً، تسبّب العرض الأوروبي على تونس بانقسامات داخل أوروبا، كما ووجه المسؤولون الثلاثة بانتقادات من منظمات إنسانية أعربت عن قلقها من وضع طالبي اللجوء والهجرة في تونس. وسرّبت صحيفة «الغارديان» البريطانية رسالة كتبها جوزيف بوريل، مفوض الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، إلى فون دير لاين عبّر فيها عن «استغراب وعدم فهم» الدول الأوروبية لمذكرة التفاهم التي تم توقيعها مع تونس من دون استشارة دول الاتحاد.

ومما كتبه بوريل: إن عدداً من الدول الأوروبية كانت في يوليو في الماضي قد قالت إنها «لا تفهم التحرك الأحادي للمفوضية في توقيعها مذكرة التفاهم، وهي قلقة مما تتضمنه هذه المذكرة». وتابع بوريل فقال أن المذكرة التي جرى توقيعها بين تونس من جهة وفون دير لاين وميلوني وروته من جهة أخرى، لم تضع في الحسبان الإجراءات القانونية داخل الاتحاد الأوروبي، ولا يمكن بالتالي، عدّها سنداً قانونياً يمكن البناء عليه في اتفاقات مستقبلية.

في اي حال، منذ توقيع مذكرة التفاهم تلك، ارتفع عدد البواخر والقوارب التي انطلقت من شواطئ تونس إلى إيطاليا بنسبة 70 في المائة. وأيضاً، ازداد التوتر بين تونس والاتحاد الأوروبي، ودفع السلطات التونسية إلى رفض استقبال مجموعة من النواب الأوروبيين الذين طلبوا زيارة البلاد بهدف الاطلاع على أوضع طالبي اللجوء والهجرة.

وقبل أيام فقط، أعلن الرئيس التونسي قيس سعيّد رسمياً رفض المساعدات المالية التي سبق أن أعلنت عنها فون دير لاين لمكافحة الهجرة غير الشرعية، والتي تبلغ قيمتها قرابة الـ100 مليون يورو. وقال سعيّد: إن سبب الرفض ليس ضآلة المبلغ، بل لمناقضته مذكرة التفاهم التي كانت قد وُقّعت في يوليو الماضي، والتي تضمنت استثمارات أوسع بكثير لم يُطبّق شيء منها حتى الآن.

تسبّبت أعداد اللاجئين المرتفعة بعودة خطاب اليمين الألماني المتطرف وارتفاع الأصوات المطالبة بوقف قبول المزيد من اللاجئين

رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (رويترز)

خطط محلية في ألمانيا

في سياق موازٍ، بينما يستمر الجدل بين دول الاتحاد الأوروبي حول الطريقة الأفضل لمواجهة الهجرة غير الشرعية، بدأت ألمانيا - التي تُعد الوجهة المفضلة للكثير من المهاجرين غير الشرعيين - تنفيذ خطط محلية للحد من تدفقهم إلى أراضيها بعدما كانت سجلت زيادة بنسبة 80 في المائة في أعداد طالبي اللجوء منذ مطلع 2023 مقارنة بعام 2022. وضمن هذه الخطوات، بوشر بتشديد المراقبة على حدودها مع بولندا وتشيكيا لوقف المهرّبين، مع أن الحدود بين «دول شينغن» مفتوحة عادةً من دون أي حواجز. وبرّرت وزيرة الداخلية الألمانية، هذه الإجراءات لدى إعلانها، بأن «هذه الخطوة ضرورية... لأن ربع المهاجرين الآتين إلى ألمانيا ينقلهم مهرّبون من هذه الطرق».

كذلك، باشرت ألمانيا بمناقشة اتفاقيات ثنائية مع مجموعة من الدول لإعادة طالبي لجوء مرفوضة طلباتهم إليها. وعيّنت الحكومة الألمانية قبل أشهر مفوضاً خاصاً لإبرام اتفاقات باتت تعرف بـ«شراكات الهجرة» الغاية منها التفاوض مع الدول بغرض ترحيل مواطنيها إليها. وأعلنت الحكومة أن هذه الدول هي جورجيا، ومولدوفا، وكينيا، وكولومبيا، وأوزبكستان وقيرغيزستان، علماً بأن طالبي اللجوء من هذه الدول يشكّلون أقليّة صغيرة جداً. وكانت وقّعت ألمانيا اتفاقات شبيهة مع أوزبكستان وقيرغيزستان. وتمنع القوانين الألمانية إعادة طالبي لجوء مرفوضة طلباتهم إلى دول غير آمنة أو تعاني من الحروب. وتُصنّف سوريا وأفغانستان حالياً من بين هذه الدول، وفق مراجعة سنوية تجريها الخارجية الألمانية للائحة هذه الدول.

دعوات لمقاربة مختلفةولكن خبراء يشكّكون بأن تحدث هذه الخطط المحلية الكثير من الفرق، ويتحدثون عن ضرورة التوصل لمقاربة أوروبية موحّدة حول مواجهة الهجرة غير الشرعية. وفي المقابل، رغم تسبب الهجرة غير الشرعية بتزايد الخطاب الشعبوي في أوروبا، فإن الحاجة إلى المهاجرين في «القارة العجوز» لم تعُد خافية مع انخفاض نسبة الولادات لدى الأوروبيين مقابل ازدياد عدد المسنّين ونقص العمالة الماهرة. واليوم، تدفع هذه الأسباب بالمنظمات الإنسانية ومنظمة الهجرة العالمية إلى إعلاء أصوات مطالبين الحكومات الأوروبية بتسهيل دخول المهاجرين ما سيؤدي بدوره إلى تقليص أعداد الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا بطرق غير مشروعة في حال وجدوا بدائل.

في هذا الإطار، أصدرت «منظمة الهجرة الدولية» يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي - وهو ذكرى مرور 10 سنوات على كارثة غرق باخرة محملة بـ500 مهاجر قبالة شواطئ لامبيدوزا - بياناً دعت فيه إلى «تأسيس مسارات منتظمة وفعالة تلبي الاحتياجات وتدعم حقوق الإنسان».

وذكرت «المنظمة» بأن العام الحالي 2023 هو الأكثر دموية منذ عام 2017 بالنسبة لغرق طالبي اللجوء والهجرة في البحر المتوسط. وأفادت المنظمة بأن أكثر من 2500 طالب لجوء أو هجرة دخلوا في عداد القتلى والمفقودين في البحر المتوسط فقط منذ مطلع العام. ومنذ كارثة لامبيدوزا قبل 10 سنوات، ورغم الدعوات والتعهدات الدوليات بألا يسمح بتكرار كارثة من هذا النوع، قالت المنظمة: إنه «لم يتغير شيء... ولا يمر أسبوع من دون أن نسمع بكارثة في البحر أو البر على طرق العبور إلى أوروبا».

 

 

اتفاق أوربي «تاريخي»...رغم التباين الألماني-الإيطالي

> أمام غموض مصير الاتفاق الأوروبي مع تونس بشأن طالب اللجوء والهجرة، وتزايد ضغوط إيطاليا، خاصةً، على دول الاتحاد الأوروبي من أجل إيجاد حل موحد لأزمة اللجوء والهجرة، توصلت دول الاتحاد الأوروبي أخيراً إلى اتفاق وُصف بـ«التاريخي» على تقاسم أعباء اللجوء الهجرة في حالات الأزمات.

وحقاً، بعد 3 سنوات من الخلافات بين دول الاتحاد، أمكن قبل أيام التوصل إلى الاتفاق على اقتراح كانت طرحته المفوضية عام 2020 على الدول الأعضاء بهدف تقاسم إجباري لا تطوعي - كما هو الحال الآن - للمهاجرين، في أوقات الأزمات. ويهدف هذا الاتفاق لمنع تكرار ما حصل خلال أزمة اللاجئين عام 2015 عندما كان تقاسم اللاجئين بين الدول مجحفاً.

ولكن، حتى القبول به قبل أيام، كانت الدول التي رفضت قبول لاجئين هي المعترضة، مثل: المجر وبولندا وتشيكيا، بالإضافة إلى دول أخرى مثل النمسا وهولندا وسوفاكيا وحتى ألمانيا التي تحمل العبء الأكبر من اللاجئين عام 2015.

كذلك، مع أن الدول التي ترفض استقبال لاجئين اعترضت على المشروع لمعارضتها فكرة استقبال لاجئين بالأساس، كانت معارضة ألمانيا تتعلق بالشروط التي عدّتها قاسية بالنسبة لبعض فئات المهاجرين، وبخاصة الأسر. إلا أن ألمانيا نجحت بالدفع لإدخال تعديلات على الاقتراح الأساسي، يضمن - بحسب ما أعلنت وزيرة الداخلية الألمانية - إعطاء أولوية للعائلات والأطفال عند وصولهم بشكل غير قانوني إلى دولة من دول الاتحاد الأوروبي والامتناع عن تشديد معايير قبول اللاجئين كما كان الاقتراح سابقاً.

أما إيطاليا التي كانت المحرّك الأساسي للاتفاق الذي تأمل أن يخفّف عنها حمل اللاجئين – لكونها كانت غالباً الدولة الأولى التي يصلون إليها - فإنها رحّبت أيضاً بالاتفاق رغم تسجيل تحفظها عن نقاط تتعلق بحقوق الإنسان دفعت ألمانيا لإدخالها، وتحذيرها من ضرورة إعادة مناقشتها قبل إقرار القانون. وكانت ألمانيا قد طلبت في اللحظات الأخيرة حذف بند يسمح بانتهاك الحد الأدنى من المعايير في مراكز الاحتجاز في حال تزايدت أعداد الوافدين.

كذلك، ما زالت هناك نقاط أخرى تتعلق بدعم ألمانيا لمنظمات الإنقاذ غير الحكومية العاملة في البحر، تثير جدلاً بين حكومتي الدولتين. إذ في حين ترى ألمانيا أن عمليات الإنقاذ ضرورية وجزءاً من العمل الإنساني، تراها إيطاليا «عاملاً مساعداً» للمهاجرين و«مسهلاً لوصولهم إليها»؛ ولذا تريد وقف عمليات الإنقاذ بشكل كامل.


مقالات ذات صلة

استطلاع: معظم الأميركيين يعارضون إلغاء حق الحصول على الجنسية بالولادة

الولايات المتحدة​ غالبية الأميركيين يعتقدون أن كل من يولدون في الولايات المتحدة يجب منحهم الجنسية تلقائياً (رويترز)

استطلاع: معظم الأميركيين يعارضون إلغاء حق الحصول على الجنسية بالولادة

أظهر استطلاع رأي أجرته «رويترز/إبسوس» أن غالبية الأميركيين يعتقدون أن كل من يولدون في الولايات المتحدة يجب منحهم الجنسية تلقائياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة توضيحية لمبنى رالف كار القضائي الذي يضم المحكمة العليا ومحكمة الاستئناف بولاية كولورادو دنفر (أ.ب)

السلطات الأميركية تحتجز أسرة مصرية لعدة ساعات عقب الإفراج عنها

السلطات الاتحادية الأميركية احتجزت أسرة مصرية مجدداً لعدة ساعات بعد إطلاق سراحها الأسبوع الماضي بناء على أمر قضائي أنهى احتجازها لأكثر من 10 أشهر في مركز هجرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)

لندن وباريس تتوصلان إلى اتفاق لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش

توصلت السلطات الفرنسية والبريطانية لاتفاق جديد لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش بشكل غير قانوني، إلا أن لندن ربطت جزءا من تمويلها بفعالية التدابير المتخذة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

سجّلت مدينة طبرق الليبية، شرق البلاد، خلال الأيام الأخيرة، واحدة من أكثر محطات الهجرة غير النظامية قسوة على طريق البحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا يصطف المهاجرون في طوابير للحصول على شهادة النقل العام التي ستسمح لهم بطلب الحصول على تصاريح عمل وإقامة سريعة بالعاصمة الإسبانية مدريد (أ.ب)

عدد المهاجرين في الاتحاد الأوروبي بلغ ذروة عند 64.2 مليون في 2025

ذكر تقرير أن عدد المهاجرين المقيمين في الاتحاد الأوروبي ارتفع إلى ذروة غير مسبوقة عند 64.2 مليون في 2025، بزيادة تقارب 2.1 مليون مقارنة بالعام السابق.

«الشرق الأوسط» (برلين)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.