انطلاق الانسحاب العسكري من النيجر يكشف انحسار نفوذ باريس في منطقة الساحل

جنود فرنسيون ونيجريون في قاعدة جوية في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود فرنسيون ونيجريون في قاعدة جوية في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

انطلاق الانسحاب العسكري من النيجر يكشف انحسار نفوذ باريس في منطقة الساحل

جنود فرنسيون ونيجريون في قاعدة جوية في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود فرنسيون ونيجريون في قاعدة جوية في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)

في 24 سبتمبر (أيلول) الماضي أي بعد مرور شهرين على الانقلاب العسكري الذي أطاح نظام الرئيس النيجري محمد بازوم، صديق فرنسا والغرب، كشف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قرار باريس ترحيل سفيرها في نيامي وإجلاء قواتها المرابطة في النيجر منذ سنوات.

وجاء قرار باريس في سياق توتر متصاعد مع المجلس العسكري الذي تسلّم السلطات في النيجر، وسارع إلى المطالبة برحيل السفير والقوات الفرنسية. وعندما تأكد ماكرون أن تهديد المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا «إيكواس» بالتدخل العسكري لإعادة الانتظام الدستوري وتمكين بازوم المحتجز من مزاولة سلطاته مجددا، وفي ضوء عزلة باريس أوروبيا وأفريقيا وأميركيا، لم يعد أمام ذلك من مخرج سوى الاستجابة لطلب عسكر النيجر، الأمر الذي يجمع المحللون بمن فيهم الفرنسيون على اعتباره «هزيمة سياسية وأمنية» وانحساراً لنفوذ باريس في مستعمراتها السابقة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مشاركاً في قمة المجموعة السياسية الأوروبية في غرناطة في 5 أكتوبر (أ.ف.ب)

وكان ماكرون قد أكد أن سحب السفير سيتم في الساعات المقبلة، وأن إجلاء القوة الفرنسية المشكلة من 1500 رجل بأسلحتهم الثقيلة وطائراتهم «من الطائرات المقاتلة والطوافات والمسيرات» وعتادهم سينجز قبل نهاية العام. وصباح الخميس، صدر بيان عن قيادة الأركان الفرنسية جاء في حرفيته أن «إجلاء العسكريين وإمكانياتهم العسكرية سينطلق هذا الأسبوع، وستتيح هذه العملية إعادة جميع العسكريين إلى فرنسا قبل نهاية العام» ما يعني التزاماً بالتاريخ الذي حدده ماكرون. وكان السفير سيلفان إيتيه قد رجع إلى باريس الأسبوع الماضي. وبيّن بيان الأركان الفرنسية مسألة كانت موضع جدل وتتناول الجهة التي ستنسحب إليها القوة الفرنسية، وكانت الاحتمالات الممكنة إعادة نشرها أو نشر بعض منها في دول مجاورة للنيجر وعلى رأسها تشاد، حيث تنتشر قوة فرنسية في العاصمة نجامينا أو توجيهها إلى بلدان أخرى تتمتع فرنسا فيها بحضور عسكري، مثل كوت ديفوار أو بنين أو غيرهما. والحال أن بيان القيادة حسم الجدل بتأكيد أن العسكريين كافة سيعودون إلى فرنسا.

بيد أن الأمور ليست بهذه السهولة إذ تطرح إشكالية الوسائل المستخدمة للإجلاء إذ إن حدود النيجر مقفلة بأمر من المجلس العسكري مع دول «إيكواس»، وتحديداً مع نيجيريا وبنين المطلتين على خليج غينيا، كما أن الطيران الفرنسي ممنوع من التحليق في أجوائها. فضلا عن ذلك سيكون على فرنسا التي لن تترك سلاحا أو عتادا للجيش النيجري أن ترحل مدرعاتها وآلياتها العسكرية وطائراتها وطوافاتها.

متظاهرون نيجريون قرب القاعدة العسكرية الفرنسية في نيامي في 16 سبتمبر الماضي يرفعون العلم الصيني مطالبين برحيل القوة الفرنسية (أ.ف.ب)

وجاء في بيان القيادة المشتركة الفرنسية أن «التنسيق مع القوات النيجرية أساسي من أجل إنجاح عملية (الإجلاء)، وأن التدابير كافة قد تم اتخاذها حتى يتم تحرك (القوات) بنظام وأمان»، ما يعني عملياً أن الطرف الفرنسي قد حصل على التسهيلات الضرورية من الطرف النيجري. وسارع المجلس العسكري النيجري إلى إصدار بيان أكد فيه أنه والحكومة النيجرية «سيكونان متيقظين لأن يتم الانسحاب في ظل احترام مصالح النيجر وشروطها».

وذهب البيان إلى حد تحديد مكان انطلاق الإجلاء أي من قاعدة «ويلام» الواقعة شمال البلاد في نطاق ما يسمى «الحدود المثلثة» التي تشهد عمليات عسكرية ضد التنظيمات الجهادية والإرهابية. ويرابط في القاعدة المذكورة 400 جندي فرنسي، إلى جانب الجنود النيجريين، فيما الأساسي من القوة الفرنسية «أكثر من ألف جندي بينهم الطيارون» يرابط في القاعدة العسكرية القريبة من مطار نيامي. بالمقابل، أصرت القيادة الفرنسية على أن الانسحاب «سيتم وفق الخطط الموضوعة» من قبلها.

مع انطلاق عملية الانسحاب، تكون القوات الفرنسية قد أُخرجت من ثلاث من دول الساحل، إذ رحلت أولاً من مالي ثم من بوركينا فاسو، وهي في طور الرحيل حاليا من النيجر.

ومن المفارقات أن باريس أجبرت على ترحيل قواتها من النيجر، فيما الولايات المتحدة تشغل ثلاث قواعد أهمها قريبا من مدينة «أغاديس» الواقعة وسط البلاد. وأفادت أوساط عسكرية أميركية بأن القيادة العسكرية الأميركية بصدد إعادة نشر قواتها في النيجر والخروج من القاعدة الجوية في نيامي إلى أغاديس. ووفق هذه الأوساط فإن الغرض من إعادة الانتشار «حماية القوات والأصول الأميركية» بالتوازي مع الاحتفاظ بالقدرة على مواجهة التهديدات الإرهابية في المنطقة.

تجمع شعبي موال للسلطة العسكرية خارج القاعدة الفرنسية في نيامي الأحد الماضي (إ.ب.أ)

وتعد قاعدة «أغاديس» أساسية لأن منها تنطلق المسيرات الأميركية لمراقبة تحركات المجموعات الجهادية والإرهابية في مناطق واسعة من أفريقيا. ومنذ الانقلاب العسكري نهاية يوليو (تموز) الماضي، لم تنزل إلى الشوارع والساحات أي مظاهرة تطالب برحيل القوة الأميركية التي تضم حوالي ألف رجل. وأفادت وزارة الدفاع الأميركية في وقت سابق، بأنه «لا يوجد أي تهديد ملموس ضد القوات الأميركية في النيجر، وأن إعادة الانتشار إجراء احترازي». وما يصح على الجانب الأميركي يصح أيضا على ألمانيا وإيطاليا اللتين لكل منهما قوة عسكرية تركز أنشطتها على تدريب الجيش النيجري.

لا يعني خسارة باريس لوجودها العسكري في ثلاثة أماكن في منطقة الساحل أنها أخذت تفتقد لأي حضور من هذا النوع في القارة القديمة. ذلك أن فرنسا، الدولة المستعمرة السابقة، حرصت مع إعطاء الاستقلال لمستعمراتها السابقة في ستينات وسبعينات القرن الماضي أن توقع معها اتفاقيات دفاعية وأمنية مكنتها في العقود المنقضية من المحافظة على مصالحها المختلفة.

واليوم، ما زال للقوات الفرنسية حضور في خمس دول أفريقية هي تشاد والغابون وكوت ديفوار والسنغال وجيبوتي. وتعد القاعدة في جيبوتي الأكبر والأهم لموقعها على مدخل البحر الأحمر وبالقرب من شرق أفريقيا. غير أن تواصل هذا الوجود العسكري لم يعد كافيا، في الوقت الحاضر، لضمان مواصلة باريس هيمنتها على عدد من الاقتصادات الأفريقية المرتبطة بها من خلال العملة المسماة «CFA».

يبقى أن باريس تحذر، منذ شهور، من أن انسحابها من الدول الثلاث سيعني استقواء الحركات المتطرفة والإرهابية.

وآخر من أدلى بدلوه، قبل عشرة أيام، كان وزير الدفاع سيباستيان لوكورنو الذي نبه، في حديث لصحيفة «لو باريزيان» من أن «منطقة الساحل مهددة بالانهيار... وكل ما حصل فيها (من انقلابات عسكرية) سينتهي بشكل سيئ». وأضاف المسؤول الفرنسي أن «النظام (العسكري) في مالي فضّل (فاغنر) (المجموعة الروسية المسلّحة) على الجيش الفرنسي. ورأينا النتيجة إذ إن منطقة باماكو (العاصمة) باتت منذ ذلك الحين يطوقها المتطرفون».

وأعلنت وزارة الدفاع النيجرية أن 29 جندياً، على الأقل، قُتلوا في كمين نصبه متمردون بالقرب من حدود البلاد مع مالي، في أكثر الهجمات دموية منذ استيلاء عسكريين على السلطة في انقلاب عسكري في يوليو الماضي. وقالت الوزارة في بيان بثّه التلفزيون الوطني إنّ «مفرزة من قوات الأمن تعرّضت شمال غربي (تاباتول) (أي في منطقة الحدود المثلثة بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو) لهجوم معقّد نفّذه أكثر من 100 إرهابي، وجرى خلاله استخدام عبوات ناسفة وعربات انتحارية».

وأضافت الوزارة أنّ «الحصيلة الأولية» تفيد بأنّ 29 جندياً «سقطوا أبطالاً». وأكّدت الوزارة في بيانها مقتل «عشرات الإرهابيين» خلال صدّ الجيش للهجوم. وينشط في المنطقة بشكل خاص «تنظيم داعش».


مقالات ذات صلة

«داعش» يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مسجد شيعي في إسلام آباد

آسيا تجمع احتجاجي في كراتشي على الهجوم الذي استهدف مسجداً في إسلام آباد (رويترز)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مسجد شيعي في إسلام آباد

أعلن ​تنظيم «داعش» عبر قناته على «تلغرام» ‌مسؤوليته ‌عن ‌هجوم دموي ‌على مسجد للشيعة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
آسيا 31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان

31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان

31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان، والشبهات تحوم حول حركة «طالبان» باكستان وتنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (إسلام أباد)
أفريقيا مسيحيون بعد عودتهم إلى ولاية كادونا كانوا قد اختُطفوا من قبل مجموعات مسلحة في كومين والي (أ.ب)

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

نُشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»... وعمدة محلي يقول إن الهجوم استمر ساعات دون أي تدخل عسكري.

الشيخ محمد (نواكشوط)
الولايات المتحدة​ خلال القبض على إلياس رودريغيز المشتبه به في إطلاق النار على موظفين بالسفارة الإسرائيلية في واشنطن (أرشيفية)

توجيه تهمة الإرهاب لمشتبه به في قتل دبلوماسيين إسرائيليين اثنين في أميركا 

يتهم الادعاء إلياس رودريغيز (31 عاما) بإطلاق النار على أشخاص خلال مغادرة فعالية نظمتها اللجنة اليهودية الأميركية، وهي جماعة مناصرة تكافح معاداة السامية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي مروحية أباتشي أميركية خلال تدريب بالذخيرة الحية 14 أغسطس 2024 (رويترز)

«سنتكوم» تعلن تنفيذ 5 ضربات على أهداف ﻟ«داعش» في سوريا خلال أسبوع

أعلنت القيادة المركزية الأميركية الأربعاء أن قواتها نفّذت 5 ضربات على أهداف لـ«تنظيم داعش» في الأراضي السورية خلال الفترة من 27 يناير إلى 2 فبراير

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
TT

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

أعلن رئيس نيجيريا بولا أحمد تينيبو، مساء الخميس، أنه أمر بنشر كتيبة من الجيش في ولاية كوارا، غرب البلاد على الحدود مع دولة بنين، وذلك بعد هجوم إرهابي عنيف أودى بحياة أكثر من 75 شخصاً، حسب حصيلة رسمية، في حين تشير مصادر محلية إلى أن الحصيلة قد تتجاوز 170 قتيلاً.

وبحسب وسائل إعلام محلية، فإن مجموعة من مقاتلي «بوكو حرام»، بقيادة شخص يُدعى مالام صديقي، اجتاحوا قرية وورو في وقت متأخر من ليل الثلاثاء/ الأربعاء، وسيطروا عليها لعدة ساعات، وارتكبوا مجازر بحق السكان، قبل أن ينسحبوا نحو الغابات القريبة.

ويوصف الهجوم بأنه الأكثر دموية في نيجيريا منذ بداية العام (2026)، ويأتي في وقت تحاول نيجيريا رفع نسق الحرب على الإرهاب في شمال البلاد، وذلك بدعم وضغط داخلي وخارجي، وخاصة من طرف الولايات المتحدة.

قوات نيجيرية في ولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي على القرية المسلمة (أ.ف.ب)

تحرك الجيش

وقال الرئيس تينيبو في تغريدة على حسابه بمنصة «إكس»، مساء الخميس، إنه استقبل في القصر الرئاسي حاكم ولاية كوارا، عبد الرحمن عبد الرزاق، من أجل الاطلاع على تفاصيل الهجوم الإرهابي الأخير، مشيراً إلى أن سكان القرية «استُهدفوا بسبب رفضهم آيديولوجيا المتطرفين».

وقال تينيبو: «أدين بأشد العبارات هذا الهجوم الجبان والوحشي». وأضاف: «إن المسلحين بلا رحمة؛ لأنهم يختارون أهدافاً رخوة في حملتهم الإرهابية الفاشلة. أفعالهم تُهين إنسانيتنا وإيماننا وقيمنا المشتركة كأمة».

وقالت صحيفة «بريميوم تايمز» النيجيرية، إن الرئيس تينيبو أمر بنشر كتيبة من الجيش في الولاية التي وقع فيها الهجوم، وقال إن الكتيبة «ستقود عملية (درع السافانا) للقضاء على هؤلاء الإرهابيين المتوحشين وحماية السكان العزل».

نقل جثث ضحايا الهجوم الإرهابي (رويترز)

وأضاف الرئيس: «من الجدير الإشادة بأفراد المجتمع المسلمين؛ لأنهم رفضوا الانخراط قسراً في معتقد شاذ يروّج للعنف على حساب السلام والحوار». وأكد: «لن تسلّم نيجيريا شعبها أبداً للتطرف والإرهاب المتخفيين تحت ستار الدين». وخلص الرئيس إلى أنه أصدر تعليمات بتعزيز التنسيق بين الوكالات الاتحادية ووكالات الولاية لتقديم الدعم الفوري وإغاثة المتضررين من الهجوم الإرهابي، وأضاف أن الإرهابيين «سيطارَدون حتى آخر واحد منهم، ولن يفلتوا من العقاب».

غياب الأمن

بيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

ورغم تطمينات الرئيس فإن السكان المحليين يشتكون غياب الجيش عن المنطقة. وقال صالحُ عمر، وهو عمدة قرية وورو التي تعرضت للهجوم، إن الهجوم استمر لعدة ساعات من دون أي تدخل أمني، وأضاف العمدة في تصريحات صحافية أن اثنين من أبنائه قُتلا في الهجوم، في حين اختُطفت زوجته وبناته الثلاث.

وقال العمدة في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قتلوا اثنين من أبنائي أمام منزلي وخطفوا زوجتي الثانية وثلاثاً من بناتنا»، وأضاف الرجل البالغ من العمر 53 عاماً، وهو يمسك بسبحته: «في حدود الساعة الخامسة مساءً (الثلاثاء)، وصل المجرمون وبدأوا إطلاق النار. كانوا يبحثون عني، لكنهم لم يجدوني في المنزل؛ لأنني كنت خارجه. اختبأت في بيت آخر وسمعت صوت الرصاص».

وتابع عمدة وورو، وهي بلدة ريفية صغيرة ذات أغلبية مسلمة تقع على حدود ولاية النيجر قرب غابات يُعتقد أنها تؤوي إرهابيين وعصابات مسلحة: «أُحرِقَ أشخاص أحياء داخل منازلهم»، وخلص إلى القول: «مع بزوغ الفجر، كانت الجثث في كل مكان».

دفن جثث ضحايا الهجوم الإرهابي المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (رويترز)

أرض محروقة

لم تعد قرية وورو، التي كانت تضم بضعة آلاف من السكان، سوى ظلٍّ لما كانت عليه؛ فقد هجرها جميع سكانها، ولم يبقَ فيها سوى عدد قليل من الرجال الذين يواصلون البحث ودفن القتلى. وعلى جانبَي الشارع الرئيسي تنتشر دكاكين ومنازل مدمّرة ومحترقة.

ويقول محمد عبد الكريم، وهو متقاعد يبلغ 60 عاماً فقد 12 فرداً من عائلته في الهجوم الذي انتهى فجر الأربعاء: «كنت على جانب الطريق حين رأيت دراجة نارية عليها ثلاثة رجال يرتدون زياً عسكرياً ويحملون بنادق (كلاشنيكوف)... كانوا قطّاع طرق لا جنوداً، وبعد ثلاث ثوانٍ سمعت إطلاق النار».

أوبا ساني حاكم ولاية كادونا يصافح رعايا كنيسة اختُطفوا سابقاً من قِبل مجموعات مسلحة بعد عودتهم (أ.ب)

ويصف الرجل، الذي خُطف ابنه البالغ عامين ونصف العام على يد المهاجمين، ما جرى قائلاً: «كانوا يمسكون بالناس، يربطون أيديهم خلف ظهورهم، ثم يطلقون النار على رؤوسهم»، ويضيف: «بين أمس واليوم، دفنّا 178 جثة».

وبحسب أرقام نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» عن «الصليب الأحمر»، الأربعاء، فقد جرى إحصاء ما لا يقل عن 162 جثة، في حين أعلن حاكم ولاية كوارا حصيلة قدرها 75 قتيلاً، كما أفاد عبدول إبراهيم، وهو ممرض متقاعد من سكان وورو، بأن عدد القتلى «يزيد على 165». ووفقاً لسعيدو بابا أحمد، عضو الجمعية المحلية، فإن «38 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال، اختطفهم القتلة».

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

رفض التطرف

وفي تصريحات نقلتها صحف محلية، قال صالحُ عمر، عمدة القرية: «أرسلوا لنا رسالة يُبلّغوننا فيها بأنهم سيأتون لإلقاء موعظة» في القرية، لكن «المجتمع غير مستعد لقبول آيديولوجيتهم»، مشيراً إلى أنه كعمدة أبلغ أجهزة الأمن المحلية فور تلقي الرسالة. وأضاف العمدة: «أعتقد أن هذا ما أغضبهم ودفعهم للقدوم وقتل الناس».

ويزداد الوضع الأمني صعوبة في نيجيريا، خاصة في ظل وجود تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، وجماعة «بوكو حرام»، ودخول جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لتنظيم «القاعدة» على الخط؛ إذ شنت الجماعة هجوماً في نفس المنطقة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، إيذاناً ببداية نشاطها الإرهابي في نيجيريا.

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

ومع تصاعد العنف، أصبحت الجماعات الإرهابية في نيجيريا مصدر قلق للولايات المتحدة بعدما قال الرئيس دونالد ترمب إن مسيحيي نيجيريا «يتعرضون للاضطهاد»، وإنهم ضحايا «إبادة جماعية» ينفذها «إرهابيون». غير أن أبوجا ومعظم الخبراء نفوا هذه المزاعم بشدة، مؤكدين أن العنف يطال المسيحيين والمسلمين على حد سواء في البلاد.

وخلال الأسابيع الأخيرة، قرر البلدان تعزيز تعاونهما العسكري عقب ضغوط دبلوماسية مارستها واشنطن على أبوجا بشأن أعمال العنف التي ترتكبها جماعات إرهابية وغيرها من الجماعات المسلحة.


«أطباء بلا حدود» تؤكد تعرض مستشفى تابع لها في جنوب السودان لـ«غارة حكومية»

أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
TT

«أطباء بلا حدود» تؤكد تعرض مستشفى تابع لها في جنوب السودان لـ«غارة حكومية»

أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)
أرشيفية لمرضى خارج قسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان بجنوب السودان (أ.ب)

أعلنت منظمة أطباء بلا حدود، الأربعاء، أن مستشفاها في لانكين بجنوب السودان تعرض لغارة جوية حكومية خلال الليل، بعد نهب منشأة صحية أخرى تابعة لها.

وقالت المنظمة الخيرية الطبية إن المستشفى الواقع في ولاية جونقلي «تعرض لغارة جوية شنتها قوات حكومة جنوب السودان ليل الثلاثاء».

أضافت في بيان إنه تم «إخلاء المستشفى وإجلاء المرضى قبل ساعات من الهجوم» بعد تلقيها معلومات عن ضربة محتملة ضد المدينة، مشيرة إلى إصابة أحد موظفي المنظمة بجروح طفيفة.

وتابع البيان «تم تدمير المستودع الرئيسي للمستشفى خلال الهجوم، وفقدنا معظم إمداداتنا الحيوية لتقديم الرعاية الطبية».

وفي حادث منفصل، أفادت منظمة أطباء بلا حدود بأن منشأة صحية تابعة لها في بلدة بييري في جونقلي أيضا، تعرضت للنهب الثلاثاء على يد مهاجمين مجهولين، ما يجعلها «غير صالحة للاستخدام للمجتمع المحلي».

وأضافت المنظمة «اضطر زملاؤنا من لانكين وبييري إلى الفرار مع السكان المحليين، ولا يزال مصيرهم ومكان وجودهم مجهولا، ونحن نحاول الاتصال بهم».

وشدد غول بادشاه، مدير عمليات منظمة أطباء بلا حدود في جنوب السودان، على أن المؤسسة الخيرية «شاركت إحداثيات نظام تحديد المواقع لجميع منشآتنا مع الحكومة وأطراف النزاع الأخرى من قبل، وتلقينا تأكيدا بأنهم على علم بمواقعنا».

وأضاف أن «القوات المسلحة لحكومة جنوب السودان هي الطرف المسلح الوحيد الذي يملك القدرة على تنفيذ هجمات جوية في البلاد».

وأوضحت منظمة أطباء بلا حدود أنها المزود الصحي الوحيد الذي يخدم نحو 250 ألف شخص في لانكين وبييري، محذرة من أن الهجمات على منشآتها هناك «تعني أن المجتمعات المحلية ستترك من دون أي رعاية صحية».

ويعاني جنوب السودان، الدولة الأحدث عهدا في العالم، من حرب أهلية وفقر وفساد مستشر منذ نيله الاستقلال في عام 2011.

وأحصت منظمة أطباء بلا حدود تعرضها لثماني هجمات في جنوب السودان العام الماضي، ما أدى إلى إغلاق مستشفيين في أعالي النيل الكبرى وتعليق أنشطة الرعاية الصحية العامة في جونقلي وأعالي النيل وولاية الاستوائية الوسطى.

وجاء استهداف مستشفى منظمة أطباء بلا حدود هذا الأسبوع بعد أن فرضت حكومة جنوب السودان في ديسمبر (كانون الأول) قيودا على وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في جونقلي، ما حد من قدرة المنظمة على تقديم المساعدات الطبية الأساسية هناك.


مسلحون يقتلون عشرات في شمال ووسط نيجيريا

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
TT

مسلحون يقتلون عشرات في شمال ووسط نيجيريا

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)

ذكرت الشرطة النيجيرية أن مسلحين قتلوا 13 شخصاً على الأقل في شمال نيجيريا، الأربعاء، في أحدث حلقة من سلسلة الهجمات التي تعصف بالدولة الواقعة في غرب أفريقيا، بعد يوم على مقتل نحو 160 شخصاً في وسط البلاد.

وقال المتحدث باسم الشرطة، أبو بكر صادق عليو، في بيان، إن المهاجمين «المسلحين بأسلحة خطيرة، بدأوا في إطلاق النار بشكل متقطع» الثلاثاء، في قرية دوما بمنطقة فاسكاري، في ولاية كاتسينا، شمال غربي البلاد، وأن التحقيقات تجري الآن لتحديد ملابسات الهجوم وهوية المسؤولين.

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (غيتي)

وفي هجوم منفصل، الثلاثاء، قتل مسلحون أشخاصاً عدة في منطقتي: وورو، ونوكو، في ولاية كوارا شمال وسط البلاد، طبقاً لما ذكره حاكم الولاية عبد الرحمن عبد الرزاق، في بيان.

ولم يحدد عدد القتلى، إلا أن تقارير محلية تحدثت عن أكثر من 162 ضحية. ووصف عبد الرزاق الهجوم بأنه «تعبير جبان عن الإحباط من قبل خلايا إرهابية» رداً على العمليات الجارية لمكافحة الإرهاب في الولاية.