أزمة «إيفرغراند» تختبر قدرة بكين على إدارة «مخاوف الدائنين»

رهانات على تدخل السلطات خشية «انهيار فوضوي» لعملاق العقارات

أحد المشروعات المتعثرة لعملاق العقارات الصني «إيفرغراند» على جزيرة دانزو في مقاطقة هاينان (رويترز)
أحد المشروعات المتعثرة لعملاق العقارات الصني «إيفرغراند» على جزيرة دانزو في مقاطقة هاينان (رويترز)
TT

أزمة «إيفرغراند» تختبر قدرة بكين على إدارة «مخاوف الدائنين»

أحد المشروعات المتعثرة لعملاق العقارات الصني «إيفرغراند» على جزيرة دانزو في مقاطقة هاينان (رويترز)
أحد المشروعات المتعثرة لعملاق العقارات الصني «إيفرغراند» على جزيرة دانزو في مقاطقة هاينان (رويترز)

في الوقت الذي كانت فيه مجموعة «تشاينا إيفرغراند» للتطوير العقاري تتنقل من أزمة إلى أخرى خلال العامين الماضيين، تجنّبت بكين التدخل المباشر لإنقاذ ما كان يعد منذ وقت ليس ببعيد «شركة أكبر من أن تفشل» في البلاد.

ومع وقوف المطور الأكثر مديونية في العالم الآن على حافة الهاوية، بعد أن أطلقت السلطات تحقيقاً جنائياً مع مؤسسها الملياردير، يراهن بعض الدائنين والمستثمرين والمحللين الآن على تدخل السلطات لإدارة التداعيات.

ومن الممكن أن يؤدي الانهيار الفوضوي لشركة العقارات العملاقة إلى تدمير الاقتصاد المتعثر بالفعل، مع وجود مئات الآلاف من المنازل غير المكتملة في جميع أنحاء البلاد والتزامات بقيمة 300 مليار دولار تقريباً في الصين وحدها.

وعلى الرغم من ازدياد عدد مطوري العقارات الصينيين الذين تخلفوا عن سداد التزامات الديون منذ أن ضربت أزمة السيولة القطاع في عام 2021، فإن بكين لم تتدخل بشكل مباشر لإنقاذ أي شركة حتى الآن.

ووسط عملية صعبة لشركة «إيفرغراند» من أجل تمرير خطة إعادة هيكلة ديونها الخارجية، التي تعد أساسية لبقائها، بالإضافة إلى أعمالها الشاملة، فقد خيم عليها التحقيق الجنائي مع المؤسس ورئيس مجلس الإدارة هوي جايان.

وقال شين سون، كبير المحاضرين في إدارة الأعمال الصينية وشرق آسيا في «كينجز كوليدج لندن»، إن التحقيق يشير إلى أن جهود إصلاح الديون التي قادها هوي قد رفضت من قبل الحكومة المركزية، التي ستتدخل الآن لتتولى السيطرة وصياغة خطط جديدة. وأضاف أن «التحقيق بشأن هوي يظهر بوضوح أن صناع السياسة الصينيين يعطون الأولوية للاعتبارات السياسية على الاعتبارات الاقتصادية في التعامل مع إيفرغراند»، بحسب «رويترز».

وبحسب شين، فإنه «من منظور سياسي، تحتاج الحكومة إلى التأكد من أن الشركة وأصحابها يدفعون ثمناً باهظاً للتسبب في أزمة العقارات في الصين ومواجهة العقوبة الواجبة. ولا يمكن أن تتم أي إعادة هيكلة إلا بعد تحمل هذه المسؤولية السياسية».

وتبلغ التزامات عقود «إيفرغراند» من المدفوعات المقدمة مقدماً من مشتري المنازل نحو 604 مليارات يوان (83 مليار دولار)، أي ما يعادل نحو 600 ألف وحدة سكنية، وفقاً لتقرير «جافيكال دراغونوميكس».

وجعلت بكين استكمال وتسليم المنازل أولوية قصوى بعد أن أثار انتشار الشقق غير المكتملة في جميع أنحاء البلاد غضباً جماعياً غير مسبوق في يونيو (حزيران) من العام الماضي.

وقال كريستوفر بيدور، نائب مدير أبحاث الصين في «جافيكال دراغونوميكس»، في إشارة إلى وضع «إيفرغراند»: «من الواضح أن أولوية الحكومة ستكون توفير المساكن غير المبيعة وغير المكتملة لمشتري المنازل». وتابع: «لا يحتاج الأمر إلى استحواذ حكومي رسمي، أو حتى مستثمر من الشركات المملوكة للدولة، لكي تبدأ الحكومة في ممارسة نفوذ هائل على قرارات الشركة، أو لكي تصبح الصناعة كلها مملوكة للدولة بشكل أكبر».

ولم تستجب «إيفرغراند» وهيئة الإسكان الصينية على الفور لطلبات التعليق خلال عطلة العيد الوطني التي تستمر أسبوعاً.

إعادة الهيكلة

وحتى قبل الإعلان عن التحقيق في قضية هوي، كانت خطة إعادة هيكلة ديون شركة «إيفرغراند» غامضة بعد الكشف عن عدم قدرتها على إصدار ديون جديدة بسبب التحقيق في وحدتها الرئيسية في الصين.

وفي أواخر الشهر الماضي، قالت أيضاً إنها ستضطر إلى إعادة تقييم شروط إعادة الهيكلة المقترحة لأن مبيعات المنازل لم تكن تلبي التوقعات.

وقالت ساندرا تشاو، الرئيسة المشاركة لأبحاث آسيا والمحيط الهادئ في جامعة هارفارد: «بالنسبة لجميع عمليات إعادة الهيكلة، فإن إصدار سندات جديدة للتمديد هو جزء أساسي، لذلك لا أعرف كيف يمكن إنجاز الأمر من دون ذلك».

وقالت جافيكال، في تقريرها، إنه على أقل تقدير، يبدو من الصعب بشكل متزايد تحقيق إعادة هيكلة منظمة لـ«إيفرغراند». ومن المقرر أن يتم الاستماع إلى التماس التصفية المقدم ضد «إيفرغراند» في محكمة هونغ كونغ في 30 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وقال شخص مقرب من «إيفرغراند»، رفض ذكر اسمه بسبب حساسية الأمر، إن إعادة هيكلة الديون ستتأخر، ولكن لا يزال من الممكن المضي قدماً بتوجيهات من لجنة إدارة المخاطر المعينة من قبل الحكومة.

ومع تفاقم أزمة السيولة في «إيفرغراند» في عام 2021، تم إنشاء لجنة لإدارة المخاطر في الشركة في ديسمبر (كانون الأول) التي ضمت مسؤولين من الشركات الحكومية للمساعدة في إعادة هيكلة ديونها وأصولها.

ومع ذلك، قال أحد حاملي سندات «إيفرغراند»، الذي رفض أيضاً الكشف عن اسمه، إن جهود إعادة الهيكلة من المقرر أن تخرج عن مسارها بسبب تحقيق هوي، ويمكن تصفية المطور حتى بعد تدخل الحكومة... لكن ليس هناك وضوح بشأن الكيفية التي ستتم بها إحدى كبرى عمليات التصفية على مستوى العالم، وما الذي سيحدث للدائنين، خاصة في الخارج، وأيضاً الموردين ومشتري المنازل الذين ينتظرون تسليم الشقق.

ومن إجمالي التزاماتها البالغة 327 مليار دولار في نهاية يونيو، كانت «إيفرغراند» تسعى للحصول على موافقة الدائنين لإعادة هيكلة الديون الخارجية بقيمة 31.7 مليار دولار، التي تشمل السندات والضمانات والتزامات إعادة الشراء.

وبسبب كومة الديون الهائلة، وتدهور التدفق النقدي، وحجم المنازل غير المكتملة، يتساءل بعض المحللين عما إذا كانت «إيفرغراند» قد تحوّلت الآن من «شركة أكبر من أن تفشل» إلى «شركة معقدة للغاية بحيث لا يمكن استمرار وجودها».

وقال أنطونيو فاتاس، أستاذ الاقتصاد في كلية إنسياد، إن «إيفرغراند كبيرة بما يكفي لإدارة انهيارها. ويرجع ذلك جزئياً إلى الحجم، وجزئياً بسبب إدارة التوقعات»... وفي الصين، «بسبب النظام السياسي والاقتصادي وبسبب التدخل الكبير من جانب الحكومة والشركات المملوكة للدولة... سيكون هناك دائماً سؤال سياسي حول كيفية تقاسم الخسائر المرتبطة بوقائع مثل هذا الحدث».


مقالات ذات صلة

«دار غلوبال» تسجل عائداً على حقوق المساهمين بـ17.3 % في 2025

عالم الاعمال «دار غلوبال» تسجل عائداً على حقوق المساهمين بـ17.3 % في 2025

«دار غلوبال» تسجل عائداً على حقوق المساهمين بـ17.3 % في 2025

أعلنت دار غلوبال المطور العالمي للمشاريع العقارية الفاخرة والمدرج في بورصة لندن، تحقيق عائد على حقوق المساهمين بلغ 17.3%.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أحد المشروعات التي نفَّذتها شركة «الرمز» في السعودية (الشركة)

أرباح «الرمز للعقارات» السعودية ترتفع بنسبة 77.3 % إلى 74.8 مليون دولار خلال 2025

ارتفعت أرباح شركة «الرمز للعقارات» بنسبة 77.33 في المائة بنهاية عام 2025، مُحقِّقة 280.9 مليون ريال، وأقرَّت توزيعات بواقع 1.75 ريال للسهم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

خاص بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

بعد عام من قرارات ولي العهد لتنظيم السوق العقارية بالرياض، انخفضت قيمة الصفقات 64 في المائة مقارنة بالفترة نفسها قبل صدور القرارات.

محمد المطيري (الرياض)
الاقتصاد مخطط مشروع وجهة «مسار» بمكة المكرمة (موقع الشركة الإلكتروني)

المبيعات ترفع أرباح «أم القرى» العقارية 97 % خلال 2025

قفز صافي أرباح شركة «أم القرى للتنمية والإعمار» السعودية، المختصة بتطوير وجهة «مسار» في مكة المكرمة، بنسبة 97 % خلال عام 2025 ليصل إلى 983.4 مليون ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد متسوق يمرُّ أمام إعلان للرهن العقاري معروض على نافذة في سندرلاند (رويترز)

البنوك البريطانية تسحب قروض الرهن العقاري بأعلى وتيرة منذ 2022

أظهرت بيانات شركة «ماني فاكتس» أن البنوك البريطانية سحبت يوم الاثنين عدداً من منتجات قروض الرهن العقاري، يفوق أي يوم آخر منذ أزمة الموازنة في عام 2022.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ارتفاع طفيف للسوق السعودية بدعم من التأمين والمواد الأساسية

مستثمر يتابع شاشة الأسهم في السوق المالية السعودية بالرياض (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع شاشة الأسهم في السوق المالية السعودية بالرياض (أ.ف.ب)
TT

ارتفاع طفيف للسوق السعودية بدعم من التأمين والمواد الأساسية

مستثمر يتابع شاشة الأسهم في السوق المالية السعودية بالرياض (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع شاشة الأسهم في السوق المالية السعودية بالرياض (أ.ف.ب)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية «تاسي» جلسة الأحد، بارتفاع طفيف نسبته 0.03 في المائة، عند 11272 نقطة، بتأثير من قطاع التأمين والمواد الأساسية، وبلغت قيمة التداولات 4.27 مليار ريال (1.1 مليار دولار).

وارتفع سهما «بترو رابغ» و«البحري» بنسبة 1 و1.5 في المائة، إلى 10.9 و32.6 ريال على التوالي.

وتصدر سهم «أميانتيت» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 10 في المائة، إلى 15.63 ريال. كما ارتفع سهما «سابك» و«معادن» بنسبة 0.84 و0.46 في المائة، إلى 60.05 و65.7 ريال على التوالي.

وفي قطاع التأمين، سجل سهما «التعاونية» و«بوبا العربية» ارتفاعاً بنسبة 1 و2 في المائة، إلى 127.3 و174.1 ريال على التوالي. وصعد سهم «المراعي» بنسبة 1.2 في المائة إلى 44.48 ريال، بعد إعلان الشركة عن النتائج المالية للربع الأول من عام 2029.

في المقابل، تراجع سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 0.22 في المائة إلى 27.54 ريال.

وانخفض سهم «أكوا»، بنسبة 1 في المائة تقريباً، عند 168 ريالاً، يذكر أن أعلنت الأسبوع الماضي تقييد مؤقت لإنتاج الطاقة في مشروعين من مشاريعها الشمسية. وكان سهم «إعمار» الأكثر انخفاضاً بنسبة 7.6 في المائة، إلى 10.88 ريال.


زخم المحتوى المحلي بالسعودية: إنفاق وفرص استثمارية تتجاوز 352 مليار دولار

جانب من حفل «جائزة المحتوى المحلي» الذي تقيمه «الهيئة» سنوياً (واس)
جانب من حفل «جائزة المحتوى المحلي» الذي تقيمه «الهيئة» سنوياً (واس)
TT

زخم المحتوى المحلي بالسعودية: إنفاق وفرص استثمارية تتجاوز 352 مليار دولار

جانب من حفل «جائزة المحتوى المحلي» الذي تقيمه «الهيئة» سنوياً (واس)
جانب من حفل «جائزة المحتوى المحلي» الذي تقيمه «الهيئة» سنوياً (واس)

شهدت جهود تعزيز المحتوى المحلي في السعودية خلال الفترة من 2019 إلى 2023 قفزة نوعية، انعكست في تسجيل إنفاق تراكمي على مشتريات الشركات بلغ نحو 683 مليار ريال (182.1 مليار دولار)، في حين أسهم «مجلس تنسيق المحتوى المحلي»، الذي يجمع عدداً من الجهات الحكومية والخاصة، في تنفيذ 10 مبادرات استراتيجية، إلى جانب تطوير نحو 461 فرصة استثمارية نوعية، بإجمالي قيمة تجاوز 640 مليار ريال (170.6 مليار دولار).

وتعكس هذه الأرقام تسارع وتيرة تمكين القطاع الخاص وتعزيز سلاسل الإمداد المحلية، بما يدعم مستهدفات التنويع الاقتصادي ويرسخ مكانة الاقتصاد الوطني.

وفي هذا الإطار، أعلنت «هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية» عن تحديث استراتيجية «مجلس تنسيق المحتوى المحلي»، التي تمتد 5 سنوات مقبلة؛ «وذلك بهدف ترسيخ دور (المجلس)؛ بوصفه مظلة وطنية تضم الجهات الرائدة من كبرى الشركات الوطنية والجهات الحكومية ذات العلاقة، في تنمية المحتوى المحلي».

وتأتي الاستراتيجية المحدثة «لتعزيز التكامل بين القطاعين الحكومي والخاص، وتطوير سياسات فاعلة تسهم في رفع الوعي وتنمية الاقتصاد الوطني، مع اتساع نطاق قطاعات الشركات الأعضاء، ليشمل قطاعات حيوية، مثل النفط والغاز، والكهرباء، والكيماويات، والتعدين، والقطاع العقاري والاتصالات والتقنية، والنقل والمرافق... وغيرها، بما يعكس شمولية استراتيجية (المجلس) لتحقيق متطلبات التنمية المستدامة».

التحولات الاقتصادية

ويأتي هذا التحديث في إطار مواكبة التحولات الاقتصادية وتعزيز كفاءة منظومة المحتوى المحلي، حيث شمل «تحديدَ رؤية ومنهجية واعدتين تتوافقان مع تطلعات المرحلة المقبلة، واستحداثَ أهداف ومؤشرات لقياس الأثر، وعدداً من المبادرات التي ستسهم في تحقيق مستهدفات (المجلس) الاستراتيجية، إلى جانب تطوير الهيكلة بإضافة لجان تخصصية تُعنى بـ4 محاور تعزز جهود المحتوى المحلي، مثل رفع كفاءة وفاعلية السياسات، وتطوير سلاسل الإمداد، والقدرات، ورفع الوعي».

وترأس الهيئة «مجلس تنسيق المحتوى المحلي» بعضوية كل من: وزارة الطاقة، ووزارة الصناعة والثروة المعدنية، واتحاد الغرف التجارية السعودية، و«شركة الزيت العربية السعودية (أرامكو)»، و«شركة الصناعات الأساسية السعودية (سابك)»، و«الشركة السعودية للطاقة»، و«شركة التعدين العربية السعودية (معادن)»، و«مجموعة إس تي سي»، و«مجموعة الخطوط السعودية».

كما شهدت «الاستراتيجية المحدثة» انضمام عدد من الأعضاء إلى «المجلس»؛ تمثل في: «شركة الطيران المدني السعودي القابضة (مطارات القابضة)»، و«شركة المياه الوطنية»، و«شركة نيوم»، و«مجموعة روشن»، و«الشركة السعودية للخطوط الحديدية (سار)».

بالإضافة إلى انضمام عدد من الشركات على مستوى اللجان التخصصية، مثل: «صلة»، و«الشركة الوطنية للشراء الموحد (نوبكو)»، و«شركة آلات للتقنيات»، و«سير» الوطنية للسيارات، و«المراعي»، و«الفنار»، و«البحري»، و«نسما وشركاهم»، و«الشركة السعودية للنقل الجماعي (سابتكو)».

مبادرات استراتيجية

وبين الرئيس التنفيذي لـ«الهيئة»، عبد الرحمن بن السماري، أنه منذ تأسيس «المجلس» في عام 2019، أسهم في «توحيد الجهود المتمثلة في تنمية المحتوى المحلي، وتعزيز وعي ونضج شركات القطاع الخاص، إلى جانب التوسع في سلاسل الإمداد الوطنية وتعزيز قدراتها التنافسية»، مشيراً إلى أن حجم الإنفاق التراكمي لإسهام المحتوى المحلي في مشتريات الشركات الأعضاء، «بلغ نحو 683 مليار ريال، منذ عام 2019 حتى 2023».

وأضاف السماري أن «المجلس»، خلال الفترة ذاتها، «أسهم في تنفيذ 10 مبادرات استراتيجية، وتطوير نحو 461 فرصة استثمارية نوعية بقيمة تتجاوز 640 مليار ريال، مما يعكس حجم الفرص والإمكانات، من خلال التعاون والعمل مع الأعضاء لتسخير المقومات الوطنية؛ لتعظيم نمو المحتوى المحلي في الاقتصاد الوطني بما يتماشى و(رؤية 2030)».


لماذا تُعد البتروكيميائيات «ترمومتراً» للنشاط الصناعي العالمي؟

رجل عند مخرج مصفاة شركة «تشامبرود للبتروكيميائيات» في بينتشو بمقاطعة شاندونغ الصين (رويترز)
رجل عند مخرج مصفاة شركة «تشامبرود للبتروكيميائيات» في بينتشو بمقاطعة شاندونغ الصين (رويترز)
TT

لماذا تُعد البتروكيميائيات «ترمومتراً» للنشاط الصناعي العالمي؟

رجل عند مخرج مصفاة شركة «تشامبرود للبتروكيميائيات» في بينتشو بمقاطعة شاندونغ الصين (رويترز)
رجل عند مخرج مصفاة شركة «تشامبرود للبتروكيميائيات» في بينتشو بمقاطعة شاندونغ الصين (رويترز)

بعد الهجمات الإيرانية التي طالت منشآت بتروكيميائيات في بعض دول الخليج، يواجه العالم واقعاً إضافياً جديداً يهدد بتعطيل سلاسل الإمداد من منبعها. فالنيران التي اندلعت في بعض المرافق في دول المنطقة ستخلّف تصدعات في ثقة الأسواق؛ إذ يمثل هذا التصعيد استهدافاً مباشراً للبنية التحتية التحويلية التي تغذي آلاف المصانع حول العالم.

قد لا يدرك الكثيرون أن برميل النفط الذي يخرج من باطن الأرض لا يكتفي بتشغيل المحركات فحسب، بل هو المادة الخام التي تصنع تفاصيل حياتنا المعاصرة. ويلعب قطاع البتروكيميائيات دور الجسر الذي يربط بين موارد الطاقة الأولية وآلاف المنتجات النهائية، من عبوات الغذاء والأجهزة الطبية إلى أجزاء السيارات والطائرات. بمعنى آخر، يعد هذا القطاع «ترمومتراً» حقيقياً للنشاط الصناعي العالمي؛ وبمجرد أن يهتز، تهتز معه سلاسل الإمداد في مختلف القارات.

هذه الصناعة تعتمد في جوهرها على تحويل مشتقات النفط والغاز الطبيعي، والمعروفة بـ«اللقيم» (مثل الإيثان والنافتا)، عبر عمليات كيميائية معقدة تُعرف بـ«التكسير»، إلى مواد أساسية مثل الإيثيلين والبروبيلين. هذه المواد هي لبنات بناء تُستخدم في تصنيع كل ما يحيط بنا. ومن هنا، تكتسب الهجمات الأخيرة خطورتها؛ فهي لا تستهدف مجرد مصانع، بل تضرب «المادة الخام» التي يقوم عليها الهيكل الصناعي العالمي.

كذلك، تتميز البتروكيميائيات بكونها صناعة «عابرة للحدود» بامتياز؛ حيث تُنتج المواد الأساسية في مناطق وفرة اللقيم مثل الخليج وأميركا لتُشحن إلى مراكز التصنيع الكبرى في آسيا وأوروبا. وهنا تكمن الحساسية المفرطة للقطاع تجاه التوترات الجيوسياسية؛ فأي تهديد للممرات المائية، وتحديداً مضيق هرمز، لا يرفع تكاليف الشحن وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب فحسب، بل يضع الشركات أمام معضلة العجز عن الوفاء بالتزاماتها التعاقدية. وهو ما يتسبب في ارتفاع جنوني في أسعار مدخلات صناعات حيوية مثل البناء، والتغليف، والزراعة.

خريطة القوى العالمية

تتركز صناعة البتروكيميائيات عالمياً في أقطاب رئيسية:

  • الصين: المتربعة على العرش بوصفها أكبر منتج ومستهلك عالمي؛ حيث تقود النمو العالمي بفضل توسعاتها الهائلة التي تمثل حالياً 60 في المائة من إضافات الطاقة الإنتاجية للإيثيلين عالمياً.
  • السعودية: الرائدة بلا منازع في الشرق الأوسط؛ تساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي إنتاج الخليج، وبطاقة إنتاجية تتجاوز 118 مليون طن. وتعد خامس أكبر منتج للمواد الكيميائية عالمياً.
  • الولايات المتحدة: اللاعب المهيمن في المنتجات عالية القيمة، والمعتمد على «غاز الإردواز» المحلي وتكنولوجيا متطورة، مما يمنحها حصانة نسبية وميزة تنافسية كبرى في التصدير.
  • الهند: «العملاق القادم» الذي يسعى للاكتفاء الذاتي؛ ويُتوقع أن يصبح ثاني أكبر مستهلك للبولي إيثيلين عالمياً مع توسع ضخم في بنيتها التحتية الصناعية.
  • ألمانيا: تقود الصناعة الأوروبية، مع تركيز مكثف على الكيماويات المتخصصة والمواد عالية الأداء والمستدامة.
  • اليابان وكوريا الجنوبية: قوى صناعية كبرى تركز على الكيماويات الدقيقة والبلاستيك الهندسي المرتبط بصناعات التقنية المتقدمة والسيارات، وهي الأكثر تأثراً بأي نقص في «اللقيم» المستورد.
  • إيران وقطر والكويت: لاعبون محوريون في الشرق الأوسط يمتلكون قدرات إنتاجية ضخمة وصادرات حيوية تأثرت بشكل مباشر بالتوترات الجيوسياسية الأخيرة.
  • الإمارات: مصدر صاعد بقوة مع زيادة مستمرة في الاستثمارات البتروكيميائية، خصوصاً في قطاع الصناعات التحويلية.
  • تايوان: مركز تصنيع رئيسي واستراتيجي للبوليمرات ولقيم البتروكيميائيات في منطقة جنوب شرقي آسيا.

قبل اندلاع الأحداث الأخيرة، كانت تقارير مطلع عام 2026 ترسم مساراً حذراً لتعافي سوق البتروكيميائيات العالمي بعدما كان يرزح تحت ضغوط، ليصل حجمه إلى نحو 743 مليار دولار. غير أن الهجمات الأخيرة حوّلت سيناريوهات النمو المتوقعة إلى خطط طوارئ، ووضعت الدول المستوردة في مواجهة مباشرة مع خطر توقف الإنتاج الصناعي.

صهاريج تخزين البتروكيميائيات في محطة إنبريدغ إدمونتون في كندا (رويترز)

القوى المتضررة

تعد القارة الآسيوية الخاسر الأكبر من أي اضطراب في بتروكيميائيات الخليج، نظراً لاعتمادها الهائل على اللقيم القادم عبر مضيق هرمز:

  • اليابان وكوريا الجنوبية: تبرز هاتان الدولتان بوصفهما أكثر القوى الصناعية هشاشة أمام هذه الصدمة؛ حيث تستورد اليابان نحو 42 في المائة من حاجتها من النافتا من منطقة الخليج. وقد بدأت شركات البتروكيميائيات الكورية بالفعل في خفض معدلات تشغيل مصانعها بنسبة تصل إلى 50 في المائة نتيجة نقص الإمدادات.
  • الهند: تواجه تهديداً مزدوجاً يمس أمنها الغذائي؛ إذ تعتمد بشكل حيوي على الأسمدة الخليجية (اليوريا والأمونيا)، ويمثل تعطل هذه الإمدادات ضغطاً هائلاً على قطاعها الزراعي وتكاليف الغذاء.
  • أوروبا التي تعاني أصلاً من تكاليف طاقة مرتفعة، ستواجه الآن قفزة في أسعار المواد الخام، مما قد يؤدي إلى إغلاق المزيد من المصانع التي لم تعد قادرة على المنافسة السعرية.

...والمستفيدة

في المقابل، تخلق هذه الأزمة فرصاً لقوى أخرى لتعزيز نفوذها في السوق العالمية:

  • الصين: رغم تأثرها بارتفاع أسعار الطاقة فإن توسعاتها الضخمة في القدرة الإنتاجية (التي تمثل 60 في المائة من إضافات الإيثيلين العالمية) تمنحها القدرة على سد الفجوة التي خلفها تعطل إمدادات الخليج، مما قد يمكن بكين من إحكام قبضتها على سلاسل إمداد البلاستيك العالمية.
  • الولايات المتحدة: يبرز المنتجون الأميركيون بوصفهم «رابحاً استراتيجياً»؛ فصناعة البتروكيميائيات هناك تعتمد على «غاز الإردواز» المحلي، وهي معزولة تماماً عن اضطرابات مضيق هرمز، مما يسمح لها بزيادة صادراتها واقتناص حصص سوقية جديدة في أوروبا وآسيا بأسعار تنافسية.
  • روسيا وبيلاروسيا: تتحركان لملء الفراغ في سوق الأسمدة العالمي، مستفيدتين من تعثر صادرات «الأمونيا» و«اليوريا» من الخليج.