الغرب أمام تحدي الراديكالية... يسارًا ويمينًا

تتنامى على جانبي المحيط الأطلسي وليس للمرة الأولى

الغرب أمام تحدي الراديكالية... يسارًا ويمينًا
TT

الغرب أمام تحدي الراديكالية... يسارًا ويمينًا

الغرب أمام تحدي الراديكالية... يسارًا ويمينًا

«في سماء مشمسة حتى أصغر السُّحُب تترك تأثيرًا».. هكذا وصف ميخائيل باكونين، أحد روّاد الراديكالية الثورية في أوروبا، الحالة السياسية داخل كيانات «القارة العجوز» خلال عقد الستينات من القرن التاسع عشر.
لفترة ما كانت أوروبا تعيش بسلام، وقد توحّدت نخبها الحاكمة على تفاهمات الضرورة، كي لا نقول الرغبة، بديمومة «الأمر الواقع».
عام 1848، بدا وكأن النخب المحافظة الحاكمة حريصة على منع حدوث أي تغيير ذي شأن. كذلك كانت تلك النخب متخوّفة من نوبات راديكالية من العنف تجسّدت أكثر ما تجسّدت بحركات فوضوية شبحية، كان من أبرز رموزها الروسي ميخائيل باكونين ومواطنه بيتر كروبوتكين. أما «السحابة الصغيرة» التي لمّح إليها باكونين في مقولته المذكورة آنفًا فكان يمكن أن تأتي على شكل قنبلة يرميها فوضوي متطرّف على عربة أحد الأعيان، أو تفجير يستهدف محطة سكك حديدية مزدحمة بالركاب. وكانت آمال النفخ في الجمر المدفون تحت رماد 1848 قد أبقت أعداء صيغة «الأمر الواقع» نشطين في الشارع، بل جعلتهم أكثر راديكالية وتشدّدًا.
ومع الوقت، أدّت ضغوط الراديكاليين على السياسات الأوروبية، التي رسم معالمها «مؤتمر فيينا» ورسوخ أشكال «الدولة - الأمة»، إلى نشوب الحرب الفرنسية – الروسية عام 1870، وبعد سنة واحدة «كومونة باريس» – أو «ثورة باريس الشعبية» – وولادة الحركة الثورية في روسيا القيصرية.
في حينه، حاولت أوروبا مواجهة ضغط الراديكاليين، عبر ثلاثة توجهات:
التوجّه الأول، الذي يمكن تسميته «التوجه الإمبريالي»، اعتمدته بعض الدول، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا - فرنسا بعد الهزيمة في معركة سيدان – وقام على توجيه زخم طاقة الاضطراب والقلاقل نحو مشاريع «بناء الإمبراطوريات» عالميا. ولقد وفّر «مؤتمر برلين» الذي كان خلفه دهاء الزعيم البريطاني بنجامين دزرائيلي «خارطة طريق» لتقاسم الإمبراطوريات الأوروبية الاستعمارية مناطق العالم بأسره.
التوجّه الثاني، هو الذي اعتمدته قوى جديدة مثل «الرايخ الألماني»، وتصحّ تسميته بـ«التوجّه القومي» إذ إنه تمثّل بدعوة الراديكاليين للمساهمة في بناء نماذج «الدولة - الأمة» الجديدة باسم «القومية».
التوجّه الثالث، هو «التوجّه الديمقراطي الاجتماعي»، ذلك أن التطوّرات المُشار إليها سابقا تزامنت مع ولادة النقابات العمالية في أوروبا، التي كانت قد انطلقت أصلا كأدوات ثورية، غير أنها انتهت كعوامل ضامنة لاستقرار «الأمر الواقع». ومع أنه ظل هناك أشخاص، مثل كارل ماركس، يحلمون بشبح يقض مضاجع أوروبا، فإن هؤلاء عملوا في نهاية المطاف على «مأسسة» الحركات الراديكالية اليسارية عبر الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية. وفي المقابل، اكتشف آخرون مثل فرديناند لاسال وكارل كاوتسكي وغيرهما من آباء «الدولية الأولى» الفوائد الجمة للخروج بنصيب معقول من كعكة السلطة عن طريق الانتخابات ضمن إطار السياسات البرلمانية. وهكذا، لم يبق من دعاة «اللامساومة» و«الثورة الكاملة» سوى «الشعبويين» الذين هم على شاكلة سيرغي نيتشاييف.
وفي الحصيلة النهائية، بفضل توليفة من «الإمبريالية» و«القومية» و«الديمقراطية الاجتماعية»، وعلى الرغم من عقود من الراديكالية العنيفة، تحقّق التفاهم الأوروبي على «الأمر الواقع» الذي صمد على امتداد القارة حتى مستهل ما يوصف بـ«العصر الحديث» اعتبارا من عام 1913.
هذا الوضع سقط مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، والمفارقة أن التوجّهات الثلاثة، أي «الإمبريالية» و«القومية» و«الديمقراطية الاجتماعية»، التي صنعت «الأمر الواقع»، عادت فأسهمت في صنع «النظام الأوروبي».. وكانت قد أسهمت أيضا في اندلاع الحرب.

* صدمة الثورة
«النظام الأوروبي» تعرّض لصدمة كبرى عام 1917 هي الثورة البلشفية الشيوعية في روسيا التي أعطت القوى المناوئة لـ«الأمر الواقع» أرضية صلبة، على الأقل في ساحة اليسار. ومن ثَم، لمجابهة التهديد البلشفي اضطرت السياسات الأوروبية للتحرّك يسارا. ولقد تجسّد ذلك بدخول الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية (أو الاشتراكية المعتدلة) عددا من حكومات القارة، وظهور حزب العمال في بريطانيا، والإصلاحات الراديكالية التي اعتمدتها حكومة تحالف «الجبهة الشعبية» في فرنسا.
بيد أن الضغوط، التي تراكمت وتكثّفت إبان الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، ثم بعد «معاهدة فرساي»، أنتجت شكلا جديدا من أشكال الراديكالية.. ولكن في ساحة اليمين هذه المرة. ففي إيطاليا، أسّس بينيتو موسوليني «الحركة الفاشية» وفق خطاب جوهره أن إيطاليا وإن كانت وقفت في صف «الحلفاء» إبان الحرب العالمية الأولى (مع بريطانيا وفرنسا وباقي الحلفاء) فإنها لم تخرج بنصيب موازٍ لنصيبي البريطانيين والفرنسيين بعد تقاسم كعكة المستعمرات.
أما بالنسبة لألمانيا التي هُزِمت في تلك الحرب، فقد نهضت فيها الراديكالية الجديدة من ركام اليسار الراديكالي الذي سحقته السلطات وصفّت قادته بعد اتهامهم بالتآمر مع «العدو البلشفي». وحقا، خلال وقت قصير، ظهرت حركة راديكالية يمينية جديدة تجسّدت بالحزب النازي تحت زعامة أدولف هتلر. بل حتى في فرنسا وبريطانيا، حيث بدا لفترة ما أن وهج الراديكالية خبا، وجدت الفاشية والنازية مناصرين.

* الحرب العالمية الثانية
جاء التحدي الراديكالي الثاني لـ«النظام الأوروبي» مع نشوب الحرب العالمية الثانية التي انتهت بهزيمة ساحقة للراديكالية اليمينية (النازية والفاشية)، واستيعاب الراديكالية اليسارية (الشيوعية السوفياتية) في صيغة «الأمر الواقع» عبر الاتحاد السوفياتي، حليف «الحلفاء» بين عامي 1941 و1945. ومع سقوط نصف اليابسة الأوروبية تحت هيمنة الاتحاد السوفياتي، وبروز الأحزاب الشيوعية كقوى فاعلة ونشطة في عدة دول غربية مثل فرنسا ولإيطاليا، بدا وكأن راديكالية اليسار صارت حقًا جزءًا من «الأمر الواقع»، وهو ما حفّز على إعداد قوة محافظة يمينية مقابلة لحفظ توازن.. وهكذا أبصر النور «حلف شمال الأطلسي» (الناتو)، في مواجهة «حلف وارسو».
غير أن قوى جديدة أخذت تتحدّى الوضع العام، مختزنة في ذواتها طاقات راديكالية، وترفع شعارات ودعوات قومية وأحيانا تقسيمية انفصالية صريحة، منها حركات القوميين الباسك والكتالونيين في إسبانيا، والحركة الاستقلالية الكورسيكية – ولبعض الوقت الحركة البريتونية – في فرنسا، والتنظيمات الجمهورية الآيرلندية بإقليم آيرلندا الشمالية. ولقد لجأت بعض هذه الحركات والتنظيمات في تحدّيها الجديد إلى الإرهاب والعنف، الذي بلغ أقصاه في ممارسات «الألوية الحمراء» الإيطالية و«فصيل الجيش الأحمر» في ألمانيا الغربية، و«العمل المباشر» (آكسيون ديريكت) في فرنسا وبلجيكا.
وفي هذه الأثناء، عانت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية من إشكالية الإصلاح في خضمّ سعيها الدؤوب للتميّز عن كل من الشيوعية السوفياتية والرأسمالية المحافظة. وكان أول حزب يبادر بشجاعة لحسم مواقفه ومرئياته الحزب الديمقراطي الاجتماعي في ألمانيا الغربي، الذي اعتمد خلال المؤتمر الذي عقده عام 1959 في منتجع باد غودسبرغ، قرب العاصمة بون، برنامجا يهدف إلى نظام يقوم على فكرة «السوق الاجتماعية».

* وداعًا للماركسية!
كانت فكرة الديمقراطيين الاجتماعيين الألمان التخلّي عن الهدف الماركسي القاضي بإنشاء نظام اقتصادي مخطط مركزيا، ولكن مع مفهوم «السوق» الرأسمالية بنكهة اجتماعية. وحقًا، لم يلبث عدد من الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية الأصغر حجما أولا في السويد، ثم هولندا، أن لحق بالتجربة الألمانية.
في بريطانيا حاول حزب العمال، بزعامة هيو غايتسكيل، اقتباس تجربة الديمقراطيين الاجتماعيين الألمان غير أنه فشل، وكان وراء فشل التجربة وفاة غايتسكيل عام 1963 وكتلة أدعياء اليسار بقيادة هارولد ويلسون.
أما في فرنسا، فلم تناقش الحركة الاشتراكية - التي تبلورت أصلا من القسم الفرنسي من «الدولية الأولى للعمال» لكي تشكل الحزب الاشتراكي - هذا الموضوع بجدية، ولم تطوّر قاعدتها الآيديولوجية، أما أولئك الذين أغرتهم تجربة الديمقراطيين الاجتماعيين الألمان، فاختاروا بكل بساطة ترك الحزب لتأسيس تجمعات أخرى. ولكن خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي، قاد فرنسوا ميتران الاشتراكيين الفرنسيين إلى الحكم لأول مرة خلال عقدين من الزمن، وبدأ عهده ببعض المناورات ذات النكهة الماركسية كتأميم بعض الصناعات، بل وتأسيس وزارة للتخطيط. كذلك ضم إلى وزارته وزراء شيوعيين مع «برنامج مشترك». إلا أن ميتران عاد، ليكشف «واقعيته» الخفية، ويبيّن للملأ أنه أقرب إلى الديمقراطيين الاجتماعيين الألمان منه إلى الفضاء الشيوعي. وكانت فكرته تقوم على الزعم بأنه من اليسار لكن مع ممارسة الحكم من مواقع يمين الوسط. هذه الفكرة وجدت لها أصداء إيجابية في عدة دول أوروبية، منها اليونان حيث حكم الديمقراطيون الاجتماعيون (اشتراكيو «باسوك») لعقود، وكذلك في «إسبانيا ما بعد حقبة فرانكو» حيث كان فيليبي غونزاليس تلميذا نجيبا لميتران.
عودة إلى بريطانيا، مني حزب العمال تحت قيادته اليسارية الرافضة للإصلاح بثلاث هزائم انتخابية، بينما كانت جماعة ماركسية متصلبة عرفت بـ«النزعة الصارمة» (ميليتنت تندنسي) تسيطر على مفاصل عديدة في جهاز الحزب، لا سيما على مستوى التنظيمات المحلية والنقابات. ولم تنته سطوة هذا التيار اليساري إلا مع توني بلير، الذي استغل التداعيات الانتخابية الكارثية للحزب تحت هيمنة اليسار للسير به نحو تجربة الديمقراطيين الاجتماعيين الألمان في باد غودسبرغ. ومثل ميتران، حكم بلير بريطانيا من يمين الوسط، بل أحيانا من قلب اليمين، وأثمر خياره هذا فوز حزب العمال لأول مرة في تاريخه بثلاث انتخابات عامة متتالية، كما أثمر اقتصادا مزدهرا وسلاما اجتماعيا واستقرارا داخليا غير مسبوقين بعد اضطرابات عقد السبعينات، وفترة حكم مارغريت ثاتشر.
طوال ركون «النظام الأوروبي» إلى التفاهم المُستكين كان يشهد تحدّيات راديكالية.. إما من اليسار أو من اليمين، وأحيانا من الاتجاهين في آن معا. فهل علينا إذن أن نستغرب التحدي الراهن لصيغة «الأمر الواقع»؟ الإجابة عند كثرة من المحللين هي: لا.

* المشروع الأوروبي
«المشروع الأوروبي» بشكله الراهن يرمز إليه مباشرة كيان «الاتحاد الأوروبي» (بدوله الـ28)، والعملة الموحّدة (اليورو)، واتفاقيات شينغن التي تتيح حرية الحركة بين 25 دولة أوروبية. غير أن كثيرين ممّن هم في معسكر اليسار يرون هذا «الاتحاد»، بصورة متزايدة، مجرّد آلة تتحكّم بها القوى الاقتصادية العالمية، والمصارف والمؤسسات والشخصيات المالية، الحريصة على مصالحها وأرباحها القصيرة الأجل. ويتضايق اليساريون جدًا من أن «الرأسماليين العالميين»، الذين تسبّبوا بالأزمة المالية العالمية عام 2008 بسياساتهم الإقراضية الجشعة والمتهورة، يضعون اللوم، بوقاحة فظيعة، على «الشعوب» بحجة أنها «تتمتع بضمانات مبالغ فيها».
والحقيقة أن ممارسات النخب الجديدة وفلسفتها قامت على عصر النفقات، وخفض المديونيات العامة، والاقتطاع من الخدمات العامة. وعلى امتداد نحو سبع سنوات كانت كل الحكومات الأوروبية تقول الشيء نفسه، وتنتهج عمليا السياسة نفسها من دون مردود إيجابي ملحوظ.
ثم إن الزعم أن بمقدور «السوق» أن تضبط أوضاعها من تلقاء نفسها، ما عاد يحظى بالاحترام كما في الماضي. وكانت النتيجة توافر مجال واسع جديد للراديكالية، حتى إن حزب «سيريزا» اليساري الحديث التأسيس فاز بالانتخابات اليونانية، قبل أن يزجّه تواضع خبرته في الشؤون الدولية في مواجهة مع «الاتحاد الأوروبي» بقيادة ألمانيا.. الحريصة على المحافظة على «الأمر الواقع». وها هو «سيريزا» (يعني اسمه «الجذور») يعاني من انقسام داخلي يهدّد بتهميشه.
اليسار الراديكالي في فرنسا، الرافض أيضًا للنهج الحالي في «الاتحاد الأوروبي»، منقسم إلى أربعة أجنحة، وليست لديه فرصة لكسب انتخابات في وقت قريب، مع أنه كفيل بتدمير فرص الاشتراكيين بالفوز في الانتخابات الرئاسية والعامة المقبلة.

* جيريمي كوربن
أما انتخاب جيريمي كوربن، قبل أيام زعيما لحزب العمال البريطاني، فيعني أن الاشتراكية المشذّبة المعتدلة التي تبنّاها ميتران وبلير، ويمارسها حاليا فرنسوا هولاند، ما عادت قادرة على اجتذاب الجماهير وتجييشها. وهذا، مع أن كوربن ليس ماركسيا ولا يصح اعتباره من جماعة «ميليتنت تندنسي» الراديكالية. وهو لن يلعب ورقة «الصراع الطبقي» لأن قاعدته الانتخابية والسياسية في لندن ومحيطها تضم مثقفين وتكنوقراطيين من الطبقة الوسطى وما فوقها. لكن كوربن بدأ من موقع قوة لأنه تحدّى التفاهم العريض حول «الأمر الواقع» المأزوم.
تاريخيا، كوربن يشكل نقيضا مباشرا لمفهوم باد غودسبرغ، لكنه على المدى القصير قد ينشّط الحياة السياسية البريطانية، ويفرض تغييرات منتظرة على نهج التقشّف والاستسلام لفكرة «قداسة» السوق.
وليس كوربن وحده في الميدان اليوم. ذلك أن له أتباعا ونظراء على امتداد أوروبا، بما في ذلك ألمانيا نفسها حيث يفكر اشتراكيون بالتنكّر لأفكار باد غودسبرغ والشيوعية معًا، وفي اسكوتلندا، حيث حقق الحزب القومي الاسكوتلندي انتصاره الكبير الأخير على العمال بصفته القوة الرئيسة لليسار. أيضًا، في إسبانيا برز حزب «بوديموس» (ومعنى اسمه «نستطيع»)، الذي ولد من رحم «حركة 15 مايو» الشعبية كأحد أقوى أحزاب البلاد، ونجح في كسب بلديات بعض أكبر مدن البلاد، على رأسها العاصمة مدريد وثاني كبرى المدن برشلونة. بل تشير استطلاعات الرأي إلى أن «بوديموس» قد يفوز بالانتخابات العامة المقبلة، ومن ثم يشكل حكومة إئتلافية بفضل شعبويته الاشتراكية.
«بوديموس»، الذي يقوده الزعيم الجذاب بابلو إيغليسياس تورون، تأثر كثيرا بالحركة التي أطلقها شتيفان هيسل، العالم والدبلوماسي والكاتب الألماني - الفرنسي الراحل، عام 2011. ويومذاك أدان هيسل في مؤلفه الصغير «إينديي فو» (وترجمته بالعربية «ثُر» أو «اغضب») نظام «الرأسمالية الجديدة» المتفلّت من كل ضوابط الذي أفرز إجحافا وفسادا وكوارث بيئية وموجات لجوء وحروبا. ومع أن «غاضبي» هيسل أو «ثائريه أخفقوا في بناء هياكل حزبية فإنهم ألهموا عددا من الجماعات اليسارية لرفع لواء الراديكالية ضد «الأمر الواقع».
إلا أن التهديد الذي يواجه «النظام الأوروبي» لا يأتي من اليسار فحسب. فثمة قوى يمينية راديكالية تشكل تهديدًا مساويًا إن لم يكن أخطر، وبخاصة بعدما أثبتت قدرتها على كسب انتخابات. في الدنمارك والسويد وهولندا والنمسا غدت أحزاب اليمين الراديكالي المتطرّف جزءا من المشهد السياسي، وبعضها شريك في حكومات ائتلافية. وفي فرنسا نجح حزب «الجبهة الوطنية» في أن يصبح أكبر الأحزاب في البلاد من حيث عدد الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات المحلية، وتتمتّع زعيمته مارين لوبن بفرصة طيبة للمنافسة بقوة في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 1917. بل، حتى في بريطانيا، تمكن حزب استقلال المملكة المتحدة (UKIP) في أن يغدو ثالث أكبر الأحزاب من حيث عدد الأصوات التي نالها مرشحوه في الانتخابات العامة الأخيرة. وأخيرا وليس آخرا، في دول أوروبا الشرقية، وبالأخص، المجر وبولندا وسلوفاكيا وبلغاريا، نجد أحزاب اليمين الراديكالي إما مشاركة في الحكومات أو تتمتع بنفوذ مؤثر من خارجها.

* راديكاليون.. في أميركا!
«الأمر الواقع» يواجه تحدّيا جدّيا اليوم ليس فقط في أوروبا، بل حتى في الولايات المتحدة، التي يعدّها كثيرون الدولة الديمقراطية الأكثر يمينية في العالم.
في أميركا نرى حاليا بروزا لافتا للراديكاليين اليساريين واليمينيين بعد عقود عديدة من الغياب شبه الكامل عن الساحة.
على اليسار يطلّ السيناتور بيرني ساندرز، السياسي الأميركي الوحيد على المستوى الوطني الذي يصف نفسه بأنه «اشتراكي»، وهو يتصدّر استطلاعات الرأي بين ناخبي الحزب الديمقراطي متقدما على هيلاري كلينتون في التنافس على ترشيح الحزب لمعركة دخول البيت الأبيض. ومثل كوربن في بريطانيا، الذي يتقاسم معه الكثير من المبادئ والشعارات، يجتذب ساندرز جموعا ضخمة غير مسبوقة في السياسة الأميركية. كذلك على يسار الديمقراطيين هناك نجمة متألقة هي السيناتورة الديناميكية الشقراء إليزابيث وارين (تمثل ولاية ماساتشوستس)، التي تطرح نفسها مناضلة من أجل المساواة وإعادة توزيع الثروات، وثمة في واشنطن من يقول إن وارين مرشحة جدية لمنصب نائب الرئيس إذا ترشح نائب الرئيس الحالي جو بايدن بهدف مواصلة برامج باراك أوباما وسياساته.
اللافت، هذه المرة، أن الحزب الاشتراكي الأميركي، الذي تأسس عام 1973، يدعم بقوة ترشيح ساندرز، لكنه قد يساند وارين إذا دخلت الحلبة. لكن هناك قوى يسارية راديكالية ناشطة الآن بجانب الاشتراكيين، مثل «التحالف الأخضر»، وإن كانت الجماعات الراديكالية التي اعتمدت العنف اختفت وطويت صفحتها.
وعلى اليمين، يسبّب رجل الأعمال الملياردير اليميني دونالد ترامب، هذه الأيام، ضيقا بالغا في أوساط المرشحين الرئاسيين الجمهوريين بخطابه اللاذع المتطرّف، لا سيما أن ما يقول دفعه إلى صدارة استطلاعات الرأي عند ناخبي الحزب الجمهوري.
بطبيعة الحال، لا يعتبر ترامب زعيم الجناح اليميني في الحزب الجمهوري. بل يتنافس على «الزعامة» هنا عدة مرشحين طموحين بينهم السيناتور تيد كروز (من ولاية تكساس)، المحسوب من نجوم جماعة «حفلة الشاي» اليمينية المتشددة. ويذكر أن هذا الجماعة عبارة عن تحالف شعبوي يميني عريض القاعدة يطالب بتقليص دور الحكومة وخفض الضرائب ووقف الهجرة وإنهاض ما تصفه بـ«القيم العائلية الأميركية الأصيلة والتدين الإنجيلي» ضمن إطار «الحلم الأميركي». لكن مناوئي جماعة «حفلة الشاي» يتهمونها بأنها تنظيم فاشي يهدف إلى الحفاظ على نفوذ الجماعات العنصرية المتطرفة مثل الـ«كو كلوكس كلان» و«جمعية جون بيرتش»، التي ظلت ناشطة على الأقل حتى عقد السبعينات من القرن الماضي في ولايات الجنوب الأميركي المحافظة.
الحقيقة أن الراديكالية الجديدة، يمينية كانت أم يسارية، تقوم الآن على ثلاثة مبادئ:
1) الطبقة الحاكمة باتت تعبة وفاسدة ومغرورة، مما يحتّم تغييرها.
2) التفاهم السياسي العريض الراهن لا يؤدّي إلا لمزيد من الإجحاف (الغني يزداد غنى والفقير يزداد فقرا) والنزاع الاجتماعي.
3) المؤسسات الحالية غير ديمقراطية وما عادت تتجاوب مع رغبات الناس وحاجاتهم.
وفي حين يلوم الشارع الأوروبي مؤسسة «الاتحاد الأوروبي»، يلوم المواطن الأميركي «الحكومة الفيدرالية» والنخبة الطبقية المرتبطة بها. لكن هناك، في المقابل، فارقًا مهمًا هو أن الأحزاب الراديكالية الأوروبية، اليسارية واليمينية، تتشارك في نوع من «العداء للأمركة» وفقا لمقتضيات الموضة. وهذا، بالذات، هو الاختلاف الأساسي بين موجة الراديكالية الحالية والموجات السابقة.
الموجة الحالية لا تسعى إلى تغيير المجتمع بأساليب عُنفية، بل تأمل في تحقيق مُبتغاها عبر صناديق الاقتراع ومن خلال المؤسسات الديمقراطية.
هل سيعزّز التحدّي الراديكالي الجديد قوة الديمقراطيات الغربية في نهاية المطاف؟
لقد فعل ذلك في الماضي، أما عن المستقبل فعلينا الانتظار.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.