الغرب أمام تحدي الراديكالية... يسارًا ويمينًا

تتنامى على جانبي المحيط الأطلسي وليس للمرة الأولى

الغرب أمام تحدي الراديكالية... يسارًا ويمينًا
TT

الغرب أمام تحدي الراديكالية... يسارًا ويمينًا

الغرب أمام تحدي الراديكالية... يسارًا ويمينًا

«في سماء مشمسة حتى أصغر السُّحُب تترك تأثيرًا».. هكذا وصف ميخائيل باكونين، أحد روّاد الراديكالية الثورية في أوروبا، الحالة السياسية داخل كيانات «القارة العجوز» خلال عقد الستينات من القرن التاسع عشر.
لفترة ما كانت أوروبا تعيش بسلام، وقد توحّدت نخبها الحاكمة على تفاهمات الضرورة، كي لا نقول الرغبة، بديمومة «الأمر الواقع».
عام 1848، بدا وكأن النخب المحافظة الحاكمة حريصة على منع حدوث أي تغيير ذي شأن. كذلك كانت تلك النخب متخوّفة من نوبات راديكالية من العنف تجسّدت أكثر ما تجسّدت بحركات فوضوية شبحية، كان من أبرز رموزها الروسي ميخائيل باكونين ومواطنه بيتر كروبوتكين. أما «السحابة الصغيرة» التي لمّح إليها باكونين في مقولته المذكورة آنفًا فكان يمكن أن تأتي على شكل قنبلة يرميها فوضوي متطرّف على عربة أحد الأعيان، أو تفجير يستهدف محطة سكك حديدية مزدحمة بالركاب. وكانت آمال النفخ في الجمر المدفون تحت رماد 1848 قد أبقت أعداء صيغة «الأمر الواقع» نشطين في الشارع، بل جعلتهم أكثر راديكالية وتشدّدًا.
ومع الوقت، أدّت ضغوط الراديكاليين على السياسات الأوروبية، التي رسم معالمها «مؤتمر فيينا» ورسوخ أشكال «الدولة - الأمة»، إلى نشوب الحرب الفرنسية – الروسية عام 1870، وبعد سنة واحدة «كومونة باريس» – أو «ثورة باريس الشعبية» – وولادة الحركة الثورية في روسيا القيصرية.
في حينه، حاولت أوروبا مواجهة ضغط الراديكاليين، عبر ثلاثة توجهات:
التوجّه الأول، الذي يمكن تسميته «التوجه الإمبريالي»، اعتمدته بعض الدول، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا - فرنسا بعد الهزيمة في معركة سيدان – وقام على توجيه زخم طاقة الاضطراب والقلاقل نحو مشاريع «بناء الإمبراطوريات» عالميا. ولقد وفّر «مؤتمر برلين» الذي كان خلفه دهاء الزعيم البريطاني بنجامين دزرائيلي «خارطة طريق» لتقاسم الإمبراطوريات الأوروبية الاستعمارية مناطق العالم بأسره.
التوجّه الثاني، هو الذي اعتمدته قوى جديدة مثل «الرايخ الألماني»، وتصحّ تسميته بـ«التوجّه القومي» إذ إنه تمثّل بدعوة الراديكاليين للمساهمة في بناء نماذج «الدولة - الأمة» الجديدة باسم «القومية».
التوجّه الثالث، هو «التوجّه الديمقراطي الاجتماعي»، ذلك أن التطوّرات المُشار إليها سابقا تزامنت مع ولادة النقابات العمالية في أوروبا، التي كانت قد انطلقت أصلا كأدوات ثورية، غير أنها انتهت كعوامل ضامنة لاستقرار «الأمر الواقع». ومع أنه ظل هناك أشخاص، مثل كارل ماركس، يحلمون بشبح يقض مضاجع أوروبا، فإن هؤلاء عملوا في نهاية المطاف على «مأسسة» الحركات الراديكالية اليسارية عبر الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية. وفي المقابل، اكتشف آخرون مثل فرديناند لاسال وكارل كاوتسكي وغيرهما من آباء «الدولية الأولى» الفوائد الجمة للخروج بنصيب معقول من كعكة السلطة عن طريق الانتخابات ضمن إطار السياسات البرلمانية. وهكذا، لم يبق من دعاة «اللامساومة» و«الثورة الكاملة» سوى «الشعبويين» الذين هم على شاكلة سيرغي نيتشاييف.
وفي الحصيلة النهائية، بفضل توليفة من «الإمبريالية» و«القومية» و«الديمقراطية الاجتماعية»، وعلى الرغم من عقود من الراديكالية العنيفة، تحقّق التفاهم الأوروبي على «الأمر الواقع» الذي صمد على امتداد القارة حتى مستهل ما يوصف بـ«العصر الحديث» اعتبارا من عام 1913.
هذا الوضع سقط مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، والمفارقة أن التوجّهات الثلاثة، أي «الإمبريالية» و«القومية» و«الديمقراطية الاجتماعية»، التي صنعت «الأمر الواقع»، عادت فأسهمت في صنع «النظام الأوروبي».. وكانت قد أسهمت أيضا في اندلاع الحرب.

* صدمة الثورة
«النظام الأوروبي» تعرّض لصدمة كبرى عام 1917 هي الثورة البلشفية الشيوعية في روسيا التي أعطت القوى المناوئة لـ«الأمر الواقع» أرضية صلبة، على الأقل في ساحة اليسار. ومن ثَم، لمجابهة التهديد البلشفي اضطرت السياسات الأوروبية للتحرّك يسارا. ولقد تجسّد ذلك بدخول الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية (أو الاشتراكية المعتدلة) عددا من حكومات القارة، وظهور حزب العمال في بريطانيا، والإصلاحات الراديكالية التي اعتمدتها حكومة تحالف «الجبهة الشعبية» في فرنسا.
بيد أن الضغوط، التي تراكمت وتكثّفت إبان الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، ثم بعد «معاهدة فرساي»، أنتجت شكلا جديدا من أشكال الراديكالية.. ولكن في ساحة اليمين هذه المرة. ففي إيطاليا، أسّس بينيتو موسوليني «الحركة الفاشية» وفق خطاب جوهره أن إيطاليا وإن كانت وقفت في صف «الحلفاء» إبان الحرب العالمية الأولى (مع بريطانيا وفرنسا وباقي الحلفاء) فإنها لم تخرج بنصيب موازٍ لنصيبي البريطانيين والفرنسيين بعد تقاسم كعكة المستعمرات.
أما بالنسبة لألمانيا التي هُزِمت في تلك الحرب، فقد نهضت فيها الراديكالية الجديدة من ركام اليسار الراديكالي الذي سحقته السلطات وصفّت قادته بعد اتهامهم بالتآمر مع «العدو البلشفي». وحقا، خلال وقت قصير، ظهرت حركة راديكالية يمينية جديدة تجسّدت بالحزب النازي تحت زعامة أدولف هتلر. بل حتى في فرنسا وبريطانيا، حيث بدا لفترة ما أن وهج الراديكالية خبا، وجدت الفاشية والنازية مناصرين.

* الحرب العالمية الثانية
جاء التحدي الراديكالي الثاني لـ«النظام الأوروبي» مع نشوب الحرب العالمية الثانية التي انتهت بهزيمة ساحقة للراديكالية اليمينية (النازية والفاشية)، واستيعاب الراديكالية اليسارية (الشيوعية السوفياتية) في صيغة «الأمر الواقع» عبر الاتحاد السوفياتي، حليف «الحلفاء» بين عامي 1941 و1945. ومع سقوط نصف اليابسة الأوروبية تحت هيمنة الاتحاد السوفياتي، وبروز الأحزاب الشيوعية كقوى فاعلة ونشطة في عدة دول غربية مثل فرنسا ولإيطاليا، بدا وكأن راديكالية اليسار صارت حقًا جزءًا من «الأمر الواقع»، وهو ما حفّز على إعداد قوة محافظة يمينية مقابلة لحفظ توازن.. وهكذا أبصر النور «حلف شمال الأطلسي» (الناتو)، في مواجهة «حلف وارسو».
غير أن قوى جديدة أخذت تتحدّى الوضع العام، مختزنة في ذواتها طاقات راديكالية، وترفع شعارات ودعوات قومية وأحيانا تقسيمية انفصالية صريحة، منها حركات القوميين الباسك والكتالونيين في إسبانيا، والحركة الاستقلالية الكورسيكية – ولبعض الوقت الحركة البريتونية – في فرنسا، والتنظيمات الجمهورية الآيرلندية بإقليم آيرلندا الشمالية. ولقد لجأت بعض هذه الحركات والتنظيمات في تحدّيها الجديد إلى الإرهاب والعنف، الذي بلغ أقصاه في ممارسات «الألوية الحمراء» الإيطالية و«فصيل الجيش الأحمر» في ألمانيا الغربية، و«العمل المباشر» (آكسيون ديريكت) في فرنسا وبلجيكا.
وفي هذه الأثناء، عانت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية من إشكالية الإصلاح في خضمّ سعيها الدؤوب للتميّز عن كل من الشيوعية السوفياتية والرأسمالية المحافظة. وكان أول حزب يبادر بشجاعة لحسم مواقفه ومرئياته الحزب الديمقراطي الاجتماعي في ألمانيا الغربي، الذي اعتمد خلال المؤتمر الذي عقده عام 1959 في منتجع باد غودسبرغ، قرب العاصمة بون، برنامجا يهدف إلى نظام يقوم على فكرة «السوق الاجتماعية».

* وداعًا للماركسية!
كانت فكرة الديمقراطيين الاجتماعيين الألمان التخلّي عن الهدف الماركسي القاضي بإنشاء نظام اقتصادي مخطط مركزيا، ولكن مع مفهوم «السوق» الرأسمالية بنكهة اجتماعية. وحقًا، لم يلبث عدد من الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية الأصغر حجما أولا في السويد، ثم هولندا، أن لحق بالتجربة الألمانية.
في بريطانيا حاول حزب العمال، بزعامة هيو غايتسكيل، اقتباس تجربة الديمقراطيين الاجتماعيين الألمان غير أنه فشل، وكان وراء فشل التجربة وفاة غايتسكيل عام 1963 وكتلة أدعياء اليسار بقيادة هارولد ويلسون.
أما في فرنسا، فلم تناقش الحركة الاشتراكية - التي تبلورت أصلا من القسم الفرنسي من «الدولية الأولى للعمال» لكي تشكل الحزب الاشتراكي - هذا الموضوع بجدية، ولم تطوّر قاعدتها الآيديولوجية، أما أولئك الذين أغرتهم تجربة الديمقراطيين الاجتماعيين الألمان، فاختاروا بكل بساطة ترك الحزب لتأسيس تجمعات أخرى. ولكن خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي، قاد فرنسوا ميتران الاشتراكيين الفرنسيين إلى الحكم لأول مرة خلال عقدين من الزمن، وبدأ عهده ببعض المناورات ذات النكهة الماركسية كتأميم بعض الصناعات، بل وتأسيس وزارة للتخطيط. كذلك ضم إلى وزارته وزراء شيوعيين مع «برنامج مشترك». إلا أن ميتران عاد، ليكشف «واقعيته» الخفية، ويبيّن للملأ أنه أقرب إلى الديمقراطيين الاجتماعيين الألمان منه إلى الفضاء الشيوعي. وكانت فكرته تقوم على الزعم بأنه من اليسار لكن مع ممارسة الحكم من مواقع يمين الوسط. هذه الفكرة وجدت لها أصداء إيجابية في عدة دول أوروبية، منها اليونان حيث حكم الديمقراطيون الاجتماعيون (اشتراكيو «باسوك») لعقود، وكذلك في «إسبانيا ما بعد حقبة فرانكو» حيث كان فيليبي غونزاليس تلميذا نجيبا لميتران.
عودة إلى بريطانيا، مني حزب العمال تحت قيادته اليسارية الرافضة للإصلاح بثلاث هزائم انتخابية، بينما كانت جماعة ماركسية متصلبة عرفت بـ«النزعة الصارمة» (ميليتنت تندنسي) تسيطر على مفاصل عديدة في جهاز الحزب، لا سيما على مستوى التنظيمات المحلية والنقابات. ولم تنته سطوة هذا التيار اليساري إلا مع توني بلير، الذي استغل التداعيات الانتخابية الكارثية للحزب تحت هيمنة اليسار للسير به نحو تجربة الديمقراطيين الاجتماعيين الألمان في باد غودسبرغ. ومثل ميتران، حكم بلير بريطانيا من يمين الوسط، بل أحيانا من قلب اليمين، وأثمر خياره هذا فوز حزب العمال لأول مرة في تاريخه بثلاث انتخابات عامة متتالية، كما أثمر اقتصادا مزدهرا وسلاما اجتماعيا واستقرارا داخليا غير مسبوقين بعد اضطرابات عقد السبعينات، وفترة حكم مارغريت ثاتشر.
طوال ركون «النظام الأوروبي» إلى التفاهم المُستكين كان يشهد تحدّيات راديكالية.. إما من اليسار أو من اليمين، وأحيانا من الاتجاهين في آن معا. فهل علينا إذن أن نستغرب التحدي الراهن لصيغة «الأمر الواقع»؟ الإجابة عند كثرة من المحللين هي: لا.

* المشروع الأوروبي
«المشروع الأوروبي» بشكله الراهن يرمز إليه مباشرة كيان «الاتحاد الأوروبي» (بدوله الـ28)، والعملة الموحّدة (اليورو)، واتفاقيات شينغن التي تتيح حرية الحركة بين 25 دولة أوروبية. غير أن كثيرين ممّن هم في معسكر اليسار يرون هذا «الاتحاد»، بصورة متزايدة، مجرّد آلة تتحكّم بها القوى الاقتصادية العالمية، والمصارف والمؤسسات والشخصيات المالية، الحريصة على مصالحها وأرباحها القصيرة الأجل. ويتضايق اليساريون جدًا من أن «الرأسماليين العالميين»، الذين تسبّبوا بالأزمة المالية العالمية عام 2008 بسياساتهم الإقراضية الجشعة والمتهورة، يضعون اللوم، بوقاحة فظيعة، على «الشعوب» بحجة أنها «تتمتع بضمانات مبالغ فيها».
والحقيقة أن ممارسات النخب الجديدة وفلسفتها قامت على عصر النفقات، وخفض المديونيات العامة، والاقتطاع من الخدمات العامة. وعلى امتداد نحو سبع سنوات كانت كل الحكومات الأوروبية تقول الشيء نفسه، وتنتهج عمليا السياسة نفسها من دون مردود إيجابي ملحوظ.
ثم إن الزعم أن بمقدور «السوق» أن تضبط أوضاعها من تلقاء نفسها، ما عاد يحظى بالاحترام كما في الماضي. وكانت النتيجة توافر مجال واسع جديد للراديكالية، حتى إن حزب «سيريزا» اليساري الحديث التأسيس فاز بالانتخابات اليونانية، قبل أن يزجّه تواضع خبرته في الشؤون الدولية في مواجهة مع «الاتحاد الأوروبي» بقيادة ألمانيا.. الحريصة على المحافظة على «الأمر الواقع». وها هو «سيريزا» (يعني اسمه «الجذور») يعاني من انقسام داخلي يهدّد بتهميشه.
اليسار الراديكالي في فرنسا، الرافض أيضًا للنهج الحالي في «الاتحاد الأوروبي»، منقسم إلى أربعة أجنحة، وليست لديه فرصة لكسب انتخابات في وقت قريب، مع أنه كفيل بتدمير فرص الاشتراكيين بالفوز في الانتخابات الرئاسية والعامة المقبلة.

* جيريمي كوربن
أما انتخاب جيريمي كوربن، قبل أيام زعيما لحزب العمال البريطاني، فيعني أن الاشتراكية المشذّبة المعتدلة التي تبنّاها ميتران وبلير، ويمارسها حاليا فرنسوا هولاند، ما عادت قادرة على اجتذاب الجماهير وتجييشها. وهذا، مع أن كوربن ليس ماركسيا ولا يصح اعتباره من جماعة «ميليتنت تندنسي» الراديكالية. وهو لن يلعب ورقة «الصراع الطبقي» لأن قاعدته الانتخابية والسياسية في لندن ومحيطها تضم مثقفين وتكنوقراطيين من الطبقة الوسطى وما فوقها. لكن كوربن بدأ من موقع قوة لأنه تحدّى التفاهم العريض حول «الأمر الواقع» المأزوم.
تاريخيا، كوربن يشكل نقيضا مباشرا لمفهوم باد غودسبرغ، لكنه على المدى القصير قد ينشّط الحياة السياسية البريطانية، ويفرض تغييرات منتظرة على نهج التقشّف والاستسلام لفكرة «قداسة» السوق.
وليس كوربن وحده في الميدان اليوم. ذلك أن له أتباعا ونظراء على امتداد أوروبا، بما في ذلك ألمانيا نفسها حيث يفكر اشتراكيون بالتنكّر لأفكار باد غودسبرغ والشيوعية معًا، وفي اسكوتلندا، حيث حقق الحزب القومي الاسكوتلندي انتصاره الكبير الأخير على العمال بصفته القوة الرئيسة لليسار. أيضًا، في إسبانيا برز حزب «بوديموس» (ومعنى اسمه «نستطيع»)، الذي ولد من رحم «حركة 15 مايو» الشعبية كأحد أقوى أحزاب البلاد، ونجح في كسب بلديات بعض أكبر مدن البلاد، على رأسها العاصمة مدريد وثاني كبرى المدن برشلونة. بل تشير استطلاعات الرأي إلى أن «بوديموس» قد يفوز بالانتخابات العامة المقبلة، ومن ثم يشكل حكومة إئتلافية بفضل شعبويته الاشتراكية.
«بوديموس»، الذي يقوده الزعيم الجذاب بابلو إيغليسياس تورون، تأثر كثيرا بالحركة التي أطلقها شتيفان هيسل، العالم والدبلوماسي والكاتب الألماني - الفرنسي الراحل، عام 2011. ويومذاك أدان هيسل في مؤلفه الصغير «إينديي فو» (وترجمته بالعربية «ثُر» أو «اغضب») نظام «الرأسمالية الجديدة» المتفلّت من كل ضوابط الذي أفرز إجحافا وفسادا وكوارث بيئية وموجات لجوء وحروبا. ومع أن «غاضبي» هيسل أو «ثائريه أخفقوا في بناء هياكل حزبية فإنهم ألهموا عددا من الجماعات اليسارية لرفع لواء الراديكالية ضد «الأمر الواقع».
إلا أن التهديد الذي يواجه «النظام الأوروبي» لا يأتي من اليسار فحسب. فثمة قوى يمينية راديكالية تشكل تهديدًا مساويًا إن لم يكن أخطر، وبخاصة بعدما أثبتت قدرتها على كسب انتخابات. في الدنمارك والسويد وهولندا والنمسا غدت أحزاب اليمين الراديكالي المتطرّف جزءا من المشهد السياسي، وبعضها شريك في حكومات ائتلافية. وفي فرنسا نجح حزب «الجبهة الوطنية» في أن يصبح أكبر الأحزاب في البلاد من حيث عدد الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات المحلية، وتتمتّع زعيمته مارين لوبن بفرصة طيبة للمنافسة بقوة في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 1917. بل، حتى في بريطانيا، تمكن حزب استقلال المملكة المتحدة (UKIP) في أن يغدو ثالث أكبر الأحزاب من حيث عدد الأصوات التي نالها مرشحوه في الانتخابات العامة الأخيرة. وأخيرا وليس آخرا، في دول أوروبا الشرقية، وبالأخص، المجر وبولندا وسلوفاكيا وبلغاريا، نجد أحزاب اليمين الراديكالي إما مشاركة في الحكومات أو تتمتع بنفوذ مؤثر من خارجها.

* راديكاليون.. في أميركا!
«الأمر الواقع» يواجه تحدّيا جدّيا اليوم ليس فقط في أوروبا، بل حتى في الولايات المتحدة، التي يعدّها كثيرون الدولة الديمقراطية الأكثر يمينية في العالم.
في أميركا نرى حاليا بروزا لافتا للراديكاليين اليساريين واليمينيين بعد عقود عديدة من الغياب شبه الكامل عن الساحة.
على اليسار يطلّ السيناتور بيرني ساندرز، السياسي الأميركي الوحيد على المستوى الوطني الذي يصف نفسه بأنه «اشتراكي»، وهو يتصدّر استطلاعات الرأي بين ناخبي الحزب الديمقراطي متقدما على هيلاري كلينتون في التنافس على ترشيح الحزب لمعركة دخول البيت الأبيض. ومثل كوربن في بريطانيا، الذي يتقاسم معه الكثير من المبادئ والشعارات، يجتذب ساندرز جموعا ضخمة غير مسبوقة في السياسة الأميركية. كذلك على يسار الديمقراطيين هناك نجمة متألقة هي السيناتورة الديناميكية الشقراء إليزابيث وارين (تمثل ولاية ماساتشوستس)، التي تطرح نفسها مناضلة من أجل المساواة وإعادة توزيع الثروات، وثمة في واشنطن من يقول إن وارين مرشحة جدية لمنصب نائب الرئيس إذا ترشح نائب الرئيس الحالي جو بايدن بهدف مواصلة برامج باراك أوباما وسياساته.
اللافت، هذه المرة، أن الحزب الاشتراكي الأميركي، الذي تأسس عام 1973، يدعم بقوة ترشيح ساندرز، لكنه قد يساند وارين إذا دخلت الحلبة. لكن هناك قوى يسارية راديكالية ناشطة الآن بجانب الاشتراكيين، مثل «التحالف الأخضر»، وإن كانت الجماعات الراديكالية التي اعتمدت العنف اختفت وطويت صفحتها.
وعلى اليمين، يسبّب رجل الأعمال الملياردير اليميني دونالد ترامب، هذه الأيام، ضيقا بالغا في أوساط المرشحين الرئاسيين الجمهوريين بخطابه اللاذع المتطرّف، لا سيما أن ما يقول دفعه إلى صدارة استطلاعات الرأي عند ناخبي الحزب الجمهوري.
بطبيعة الحال، لا يعتبر ترامب زعيم الجناح اليميني في الحزب الجمهوري. بل يتنافس على «الزعامة» هنا عدة مرشحين طموحين بينهم السيناتور تيد كروز (من ولاية تكساس)، المحسوب من نجوم جماعة «حفلة الشاي» اليمينية المتشددة. ويذكر أن هذا الجماعة عبارة عن تحالف شعبوي يميني عريض القاعدة يطالب بتقليص دور الحكومة وخفض الضرائب ووقف الهجرة وإنهاض ما تصفه بـ«القيم العائلية الأميركية الأصيلة والتدين الإنجيلي» ضمن إطار «الحلم الأميركي». لكن مناوئي جماعة «حفلة الشاي» يتهمونها بأنها تنظيم فاشي يهدف إلى الحفاظ على نفوذ الجماعات العنصرية المتطرفة مثل الـ«كو كلوكس كلان» و«جمعية جون بيرتش»، التي ظلت ناشطة على الأقل حتى عقد السبعينات من القرن الماضي في ولايات الجنوب الأميركي المحافظة.
الحقيقة أن الراديكالية الجديدة، يمينية كانت أم يسارية، تقوم الآن على ثلاثة مبادئ:
1) الطبقة الحاكمة باتت تعبة وفاسدة ومغرورة، مما يحتّم تغييرها.
2) التفاهم السياسي العريض الراهن لا يؤدّي إلا لمزيد من الإجحاف (الغني يزداد غنى والفقير يزداد فقرا) والنزاع الاجتماعي.
3) المؤسسات الحالية غير ديمقراطية وما عادت تتجاوب مع رغبات الناس وحاجاتهم.
وفي حين يلوم الشارع الأوروبي مؤسسة «الاتحاد الأوروبي»، يلوم المواطن الأميركي «الحكومة الفيدرالية» والنخبة الطبقية المرتبطة بها. لكن هناك، في المقابل، فارقًا مهمًا هو أن الأحزاب الراديكالية الأوروبية، اليسارية واليمينية، تتشارك في نوع من «العداء للأمركة» وفقا لمقتضيات الموضة. وهذا، بالذات، هو الاختلاف الأساسي بين موجة الراديكالية الحالية والموجات السابقة.
الموجة الحالية لا تسعى إلى تغيير المجتمع بأساليب عُنفية، بل تأمل في تحقيق مُبتغاها عبر صناديق الاقتراع ومن خلال المؤسسات الديمقراطية.
هل سيعزّز التحدّي الراديكالي الجديد قوة الديمقراطيات الغربية في نهاية المطاف؟
لقد فعل ذلك في الماضي، أما عن المستقبل فعلينا الانتظار.



إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
TT

إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)

في جنوب لبنان، لا يبدو الدمار مجرّد نتيجة جانبية لحربٍ مفتوحة، بل هو أقرب إلى مسارٍ متكامل يعيد رسم الجغرافيا والواقع الديموغرافي معاً. قرى تُمحى تدريجياً من الخريطة، منازل تُسوّى بالأرض، وجسور ومدارس ومستشفيات تُستهدف بشكل متكرر، فيما يُمنع السكان من العودة إلى أراضيهم. وفي حين «يبرّر» المسؤولون الإسرائيليون ما يقومون به - في هدنة مفترضة مع «حزب الله» - بالسعي لتوسيع «المنطقة العازلة» جنوباً بهدف حماية المستوطنات الشمالية من خطر «حزب الله»، تؤكد الوقائع أن التدمير - الذي يتم بالجرافات والمتفجرات - تحوّل حقاً إلى أداة استراتيجية إسرائيلية تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الأهداف السياسية. وتُلقى تبعاتها الثقيلة على المدنيين اللبنانيين الذين يشاهدون من بعيد منازلهم وذكرياتهم ومستقبلهم يدمّر أمام أعينهم، وهم ودولتهم عاجزون عن التصدّي لواقع مرير، يرى البعض أن الذي جرّهم إليه «حزب الله»... تنفيذاً لأجندة إيرانية تتحكم بقراره.

حتى الساعة، يبدو من الصعب جداً الوصول إلى معطيات دقيقة حول حجم الدمار ووضعية القرى الحدودية في جنوب لبنان، التي بات من المستحيل الوصول إليها بعدما صارت خاضعة تماماً للاحتلال الإسرائيلي الذي تمدّد إلى بلدات ومناطق جديدة خلال فترة الهدنة.

دخان القصف الإسرائيلي يغلف إحدى البلدات الحدودية في جنوب لبنان (أ ف ب)

عدد القرى المدمّرة

وفق تحليل أجرته «هيئة الإذاعة البريطانية» (البي بي سي) فقد جرى تدمير أكثر من 1400 مبنى في جنوب لبنان منذ يوم 2 مارس (آذار) الماضي، استناداً إلى أدلة بصرية موثّقة.

ومن ناحية ثانية، وفق معطيات أولية ومصادر متقاطعة، تأكد تدمير أكثر من 25 ألف منزل في المنطقة الحدودية خلال جولة الحرب الحالية وحدها، بينها 56 مدرسة دمّرت بالكامل، بينما تضرّرت 120 مدرسة أخرى. كذلك طال التدمير 15 مستشفى، خرج 8 منها عن الخدمة تماماً، وهذا بالإضافة إلى 10 جسور حيوية، من بينها 4 جسور رئيسة على نهر الليطاني.

العميد المتقاعد منير شحادة يوضح خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «حتى الآن لا توجد لائحة رسمية مكتملة تحدد القرى التي دُمّرت كلياً - أي بنسبة 100 في المائة - لكن المعطيات الميدانية المتقاطعة تشير إلى أن نحو 24 قرية حدودية باتت مفرغة بالكامل أو بشكل شبه كامل من سكانها. وثمة عشرات آلاف الوحدات السكنية دُمّرت أو تضرّرت، وآلاف المنشآت (منازل، مؤسسات، بنى تحتية) خرجت من الخدمة، كما أنه في بعض المناطق الحدودية، تم تجريف شريط بعرض مئات الأمتار بشكل كامل»، قبل أن يعلّق قائلاً: «ما حصل تدمير واسع ومنهجي لشريط القرى الأمامية يصل في بعض البلدات إلى شبه إبادة عمرانية».

أبرز المدن والقرى التي تعرّضت لدمار كبير أو شبه كامل في قضاء مرجعيون (القطاع الشرقي من الحدود اللبنانية - الإسرائيلية) فهي: كفركِلا، والعُدَيسة، ومَركَبا، الطَّيّبة والخِيام.

أما تلك الواقعة في قضاء بنت جبيل (القطاع الأوسط) فهي عَيتا الشعب، ورامية، يارون، ومارون الراس، بليدا، ومَيس الجبل.

وأما تلك الواقعة في قضاء صور (القطاع الغربي) فهي: الضُّهَيرة، ومَروَحين، وأم التوت، وعلما الشعب، والناقورة. وهذا إضافة إلى بلدات أخرى متضرّرة بشدة هي من الشرق إلى الغرب: حُولا ودير سريان وعَيترون وبيت ليف وكَفرا ومجدل زون.

«التبريرات» الإسرائيلية

في الحقيقة، لم يعد خافياً أن إسرائيل تنتهج سياسة «الأرض المحروقة» في مسعى واضح منها لإفراغ المنطقة وفرض واقع جديد بالقوة. وبالفعل، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، صراحةً، نية الجيش الإسرائيلي هدم المنازل في القرى الحدودية جنوب لبنان، «على غرار ما جرى في مدينتي رفح وخان يونس جنوبي قطاع غزة»، بزعم استخدامها من جانب «حزب الله».

وتتقاطع تصريحات كاتس هذه مع مواقف سابقة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي كان أعلن اعتزامه توسيع «المنطقة العازلة»، ومنع عودة آلاف النازحين اللبنانيين إلى مناطقهم جنوبي نهر الليطاني.

وفي منتصف الشهر الماضي، تكلّم الجيش الإسرائيلي لأول مرة عن «خط أصفر» في لبنان، على غرار الخط الذي «رسمته» إسرائيل في قطاع غزة، وأقرّ بالاستهداف المتعمد لأشخاص بزعم اقترابهم من المنطقة، مشيراً إلى أن السكان اللبنانيين «لن يُسمح لهم بالعودة إلى 55 قرية لبنانية تقع داخل هذه المنطقة».

إسرائيل تعتبر أنها مخوّلة بـ«مواصلة تدمير» ما تصفه بـ«البنى التحتية لـ(حزب الله)»، حتى خلال فترة وقف إطلاق النار. وبالتالي، يعتمد «المشروع» الإسرائيلي الساري على استراتيجية تدمير شامل للمرافق الحيوية ومقوّمات الحياة تحت مسمى «عمليات تطهير وتنظيف»، باستخدام معدّات وشركات مقاولات سبق لها أن شاركت في عمليات هدم وتجريف مشابهة بقطاع غزة، وفق ما ورد في تقرير لصحيفة «هآرتس» Haaretz الإسرائيلية. كذلك كشفت الصحيفة الإسرائيلية، نقلاً عن شهادات ميدانية لضباط وجنود يعملون في جنوب لبنان، عن أن جزءاً محورياً من النشاط العسكري الإسرائيلي هناك «لا يتركز على القتال المباشر»، بل على «عمليات هدم واسعة و«ممنهجة» تطال المباني والمنشآت في القرى والبلدات اللبنانية». وبحسب الشهادات ذاتها، فإن هذه العمليات تشمل تدمير كل ما يمكن الوصول إليه داخل مناطق الانتشار الإسرائيلي «من دون استثناء يُذكر».

ويوم الثلاثاء الماضي، في تصعيد ميداني لافت، أعلن الجيش الإسرائيلي تدمير ما وصفه بأكبر نفق تابع لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، في عملية وُصفت بأنها من الأضخم من حيث حجم التفجير والرسائل العسكرية المرافقة لها. وسبق هذه العملية تحذير استثنائي وُجّه إلى سكان المستوطنات الشمالية، الممتدة من رأس الناقورة غرباً حتى هضبة الجولان شرقاً، طُلب فيه منهم الابتعاد عن النوافذ والشرفات، «تحسباً لقوة الانفجار».

وبالتوازي، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن العملية نُفذت باستخدام نحو 570 طناً من المتفجّرات، مستهدفة نفقاً وبنىً تحتية على عمق يقارب 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، في خطوة اعتُبرت من بين الأكبر في سياق العمليات الميدانية الأخيرة.

يُجمع الخبراء على أن الهدف الأكثر واقعية هو إقامة «منطقة عازلة» بحكم الأمر الواقع من دون إعلان رسمي عبر التدمير

الأهداف ليست عسكرية حصراً

ومما يؤكد أن الكثير من عمليات التدمير الحاصلة جنوباً لا تلحظ حصراً أهدافاً عسكرية، بل لها أبعاد أخرى، أقدم الجيش الإسرائيلي هذا الأسبوع على تفجير «ملعب بنت جبيل» بمدينة بنت جبيل الذي كان قد ألقى فيه أمين عام «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله خطابه الشهير قبل 26 سنة. ويُذكَر أن نصر الله قال في ذلك الخطاب - الذي أُلقي بعد إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000 - إن إسرائيل «أوهن من بيت العنكبوت». ولقد حرصت وسائل إعلام إسرائيلية على بث عملية التفجير التي ترافقت مع هتافات لجنود إسرائيليين يعبّرون عن فرحهم وغبطتهم.

الأهداف الإسرائيلية الحقيقية

وهنا يوضح العميد المتقاعد منير شحادة عن وجود «أكثر من هدف وراء التدمير المنهجي الإسرائيلي»، أبرزها اثنان: الأول، الهدف العسكري المباشر الذي يلحظ إزالة أي غطاء ميداني يمكن استخدامه في القتال، وتحويل المنطقة إلى أرض مكشوفة نارياً، ما يؤدي تلقائياً لمنع نصب الكمائن، وقطع الطريق على التسلل واستخدام المنازل كنقاط قتال. وهنا لفت شحادة إلى أن «هذه سياسة عسكرية معروفة تقوم على تدمير بيئة القتال، وليس فقط استهداف المقاتلين».

أما الهدف الثاني، بحسب شحادة، فهو «تكتيكي قصير المدى، ويقوم على إنشاء ما يشبه حزاماً أمنياً بالنار؛ وهو إبعاد السكان ومنع عودتهم وتقليل الاحتكاك المباشر مع المقاومة».

ومن ثم يتابع شحادة شارحاً الهدف النفسي والاجتماعي «للضغط على البيئة الحاضنة ومنعها من العودة لإحداث خلل ديموغرافي في الجنوب، ورفع كلفة الحرب على المجتمع المحلي، وأيضاً ضرب الاقتصاد الحدودي، وخصوصاً قطاع الزراعة».

وفي هذا السياق، يُجمع الخبراء على أن الهدف و«السيناريو» الأكثر واقعية هو إقامة «منطقة عازلة» بحكم الأمر الواقع (de facto) أي من دون إعلان رسمي عبر التدمير، ومنع العودة والسيطرة النارية. وهذه المنطقة قد تمتد بعمق يتراوح بين مئات الأمتار وعدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

أما على المدى المتوسط، فيبدو أن الهدف الإسرائيلي هو تثبيت هذا الواقع كـ«أمر دائم» شبيه بتجارب سابقة، وبخاصة «الشريط الحدودي» قبل عام 2000.

مشهد مأساوي صادم

من جهته، يرى عباس ضاهر، مدير «مركز الاستشراف للمعلومات»، أن «التدمير الممنهج الذي تمارسه إسرائيل في جنوب لبنان يهدف إلى فرض أمر واقع، لا يقتصر على ما يُعلن عن تدمير أنفاق لـ(حزب الله)؛ فمتابعة مسار العمليات تُظهر سعياً لخلق واقع جديد في الجنوب، وبالأخص في القرى الأمامية المصنّفة ضمن ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»... إذ إن هذا التدمير يطال منازل وقرى وأحياء بكاملها، بما فيها مناطق لا صلة لها، لا من قريب ولا من بعيد، بالحزب؛ أي بيوت المدنيين اللبنانيين».

وبحسب ضاهر، تُظهر المعطيات أن «الرغبة الإسرائيلية تتّجه نحو واحد من ثلاثة سيناريوهات، هي: أولاً، احتلال دائم لهذه المنطقة، وهو احتمال وارد. ثانياً، إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان، وهو ما يعزّزه التدمير الممنهج. وثالثاً، سيناريو يرتبط بفرض واقع معيّن حيث لا يكون هناك سيادة كاملة للدولة اللبنانية على أراضيها في الجنوب».

ويصف ضاهر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، المشهد الحالي جنوباً بـ«المأساوي الذي قد يُدخل اللبنانيين في حالة صدمة، وسيزيد إرباك النازحين، مع اتساع حجم الدمار الذي طال المنشآت والمباني والمدارس والبنى التحتية والآبار. وذلك لأن كل ما أُنجِز خلال عقود، لا سيما عبر مجلس الجنوب، يتعرّض اليوم للتدمير».

ومن ثم، يشدد على أن «ما يجري راهناً جريمة حرب، لاعتبارات أساسية عدّة أهمها: أولاً، استهداف بيوت ومنازل اللبنانيين الآمنين. وثانياً، تدمير مراكز الخدمات العامة التابعة للدولة اللبنانية، بما فيها مراكز التعليم والمؤسسات التربوية، ومرافق الري والآبار، إضافة إلى مباني البلديات، وهي جميعها مرافق مدنية. كما يشمل ذلك تدمير وسائل العيش في المنطقة الجنوبية، من اقتلاع الأشجار إلى سرقة الممتلكات، فضلاً عن تهجير السكان من أرضهم».

ويختتم عباس ضاهر قراءته للوضع بالقول: «كل هذه الممارسات يُفترض أن يُحاسَب عليها وفق القانون الدولي، في حال قرر لبنان المضي في ملاحقتها. لكن الشرط الأساسي لذلك هو وحدة الموقف الداخلي اللبناني. فإذا لم تتحقق هذه الوحدة، ولم يحصل تقدّم رسمي في اتخاذ خطوات قانونية لمتابعة الملف دولياً، وبقي السجال الداخلي قائماً بين أكثر من خط، فلن يؤدي ذلك إلا إلى مزيد من الارتباك والضياع والتعقيد السياسي، وهو ما لا يفيد اللبنانيين إطلاقًاً.

تدمير القرى: انتهاك للقانون الدولي

وفعلاً، ثمة المفاعيل القانونية للتدمير الإسرائيلي الممنهج، يتطرق إليها المحامي والأستاذ الجامعي الدكتور عادل يمين قائلاً إن «القانون الدولي الإنساني يفرض قيوداً صارمة على كيفية إدارة العمليات العسكرية، وتُعتبر مخالفتها جرائم حرب في حال ثبوت القصد أو الإهمال الجسيم».

ويتابع يمين شارحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «المادة الـ53 من اتفاقية جنيف الرابعة، تحظر على دولة الاحتلال أو القوة المهاجمة تدمير الممتلكات الثابتة أو المنقولة الخاصة بالأفراد أو الجماعات. وفوق ذلك، فإنّ تحويل قرى كاملة إلى (مناطق عازلة) عبر التدمير الشامل يمثل انتهاكاً جسيماً؛ لأنه يؤدي إلى تهجير قسري طويل الأمد، وهو ما يرقى إلى مستوى التطهير العرقي أو النقل القسري للسكان».

ثم يضيف أنه على مستوى القانون البيئي الدولي، تنتهك إسرائيل في جنوبيّ لبنان «بروتوكولات الأسلحة التقليدية» التي تحظّر استخدام الأسلحة القاتلة للبيئة. وفيما خصّ التراث، فـ«إن حماية المواقع التاريخية في الجنوب (مثل صور أو القلاع التاريخية) مكفولة بموجب «اتفاقية لاهاي لعام 1954»، وأي تدمير يلحق بها يُعدّ جريمة ضد التراث الإنساني».

ويشدد يمين على أنه «يترتّب على لبنان توثيق الجرائم الإسرائيلية وجمع الأدلة وحفظها، وتقديم شكاوى متلاحقة إلى مجلس الأمن الدوليّ بها، وعند الاقتضاء للجمعية العمومية للأمم المتحدة، مع طلب إدانة إسرائيل وإلزامها بوقف اعتداءاتها والانسحاب الكامل من جميع الأراضي اللبنانية. وكذلك عليه أن يطلب من مجلس الأمن الدولي تحريك المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين عن جرائم الحرب والادعاء ضد إسرائيل، أمام محكمة العدل الدولية، لانتهاكها المعاهدات الدولية المرتبطة بالقانون الإنساني والدولي والقانون الدولي العام والقانون الدولي البيئي، وطلب إلزامها بالتوقف عن جرائمها والتعويض عن الأضرار المباشرة وغير المباشرة للبنان».


تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
TT

تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس

لم يكن صعود تود بلانش إلى رأس وزارة العدل الأميركية، ولو بالوكالة حتى الآن، انتقالاً إدارياً عادياً في واشنطن. فالرجل الذي بدأ حياته المهنية داخل الوزارة نفسها، ثم غادرها إلى عالم الدفاع الجنائي الرفيع، عاد إليها من أضيق أبواب السياسة وأوسعها حساسية: بوصفه أحد محامي دونالد ترمب الشخصيين في القضايا الجنائية التي لاحقته قبل عودته إلى البيت الأبيض. لذلك؛ فإن تكليفه مهام وزير العدل بعد خروج بام بوندي لا يختصر فقط قصة رجل قانون صعد بسرعة، بل يكشف أيضاً عن طبيعة المرحلة الثانية من إدارة ترمب، حيث تتداخل مفاهيم العدالة، والولاء، والثأر السياسي، وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤية الرئيس. إذ تزامن هذا الصعود مع إعادة فتح ملف جيمس كومي، مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي) الأسبق، في قضية بدت في ظاهرها مرتبطة بصورة أصداف على شاطئ حملت عبارة «86 47»، لكنها في جوهرها أعادت إلى الواجهة سؤالاً أوسع، هو: هل ستبقى وزارة العدل في عهد بلانش أداة تنفيذية لرغبات ترمب ضد خصومه، أم يستطيع الرجل الذي يعرف الوزارة من داخلها أن يعيد إليها شيئاً من التوازن المؤسسي؟ هذا الاتهام الجديد لكومي يضع بلانش مباشرة في قلب هذه المعضلة، من خلال دفاعه العلني عن القضية وتجنبه الإجابة بوضوح عن طبيعة الأدلة التي تثبت نية كومي تهديد الرئيس.

وُلد تود والاس بلانش في مدينة دنفر عاصمة ولاية كولورادو وكبرى مدنها عام 1974، لأب كندي كان لاعب هوكي وأم تعمل ممرضة. ونشأ في دنفر قبل أن تنتقل عائلته إلى مدينة غينزفيل بشمال ولاية فلوريدا عام 1987 إثر نزاع قانوني بين والده، الذي كان يدير جماعة دينية في قبو منزله، والسلطات المحلية بسبب مخالفات تقسيم المناطق.

تلقى بلانش تعليمه في معهد نيومكسيكو العسكري، حيث برز رياضياً، ثم تنقّل بين جامعة ولاية لويزيانا وكلية بيلويت (ولاية ويسكونسن)، قبل أن يتخرّج في الجامعة الأميركية بالعاصمة واشنطن، ثم حصل على إجازة في الحقوق كلية بروكلين للحقوق عام 2003. وبعدها التحق بوزارة العدل وعمل فيها نحو 15 سنة، وفق السيرة الرسمية المنشورة على موقع الوزارة.

بلانش متزوّج من كريستين، الاختصاصية في علم الأحياء في الجامعة الكاثوليكية الأميركية، وكان التقاها في أستراليا، وأنجبا طفلين.

ووظيفياً، تنقل بلانش في مناصب إدارية وقانونية. ثم صار مساعداً للمدعي العام الفيدرالي في المنطقة الجنوبية من نيويورك، وهي واحدة من أكثر النيابات الفيدرالية نفوذاً في الولايات المتحدة، قبل أن يصبح مشرفاً فيها. ووفق وزارة العدل، يشرف بلانش الآن، بصفته وزيراً بالوكالة ونائباً للوزير، على أكثر من مئة ألف موظف في الوزارة، بما في ذلك «مكتب التحقيقات الفيدرالي»، وإدارة مكافحة المخدرات، والمارشالات، ومكاتب المدعين الفيدراليين الـ93.

الشرعية المهنية

هذه الخلفية تمنح الرجل شيئاً من الشرعية المهنية التي لا يملكها كثيرون ممن دخلوا إدارة ترمب من بوابة الولاء السياسي وحده. فهو ليس ناشطاً حزبياً طارئاً على سلك القانون، ولا محامياً تلفزيونياً جاء مباشرة من استوديوهات التعليق السياسي. بيد أنه في الوقت عينه ليس بيروقراطياً محايداً بالمعنى التقليدي. ذلك أنه غادر الوزارة إلى القطاع الخاص، وعمل محامياً للدفاع. ثم مثّل ترمب في ثلاث من القضايا الجنائية التي واجهها في 2023 و2024، حسب السيرة الرسمية نفسها.

وهنا تكمن مفارقة بلانش... إذ إن خبرته القانونية حقيقية، لكنها لم تعد منفصلة عن علاقة شخصية وسياسية مباشرة بالرئيس. وفي واشنطن، لا يُقاس المسؤولون الكبار فقط بما يعرفونه، بل أيضاً إلى مَن يدينون بصعودهم. وبلانش، منذ ترشيحه نائباً لوزير العدل، حمل معه سؤالاً يصعب تجاوزه هو: هل يستطيع محامي ترمب السابق أن يتحوّل حارساً مستقلاً للقانون، أم أن موقعه الجديد هو امتداد لعلاقة الدفاع عن الرئيس، ولكن بأدوات الدولة؟

تثبيت... بصعوبة

في مارس (آذار) 2025، ثبّت مجلس الشيوخ بلانش نائباً لوزير العدل بغالبية 52 صوتاً مقابل 46. ولم يكن ذلك التصويت مجرد انقسام حزبي مألوف، بل عَكَس قلقاً عميقاً من أن يتولّى محامي ترمب السابق موقع «الرجل الثاني» في الوزارة التي يُفترض بها أن تشرف على التحقيقات الفيدرالية، ومكاتب الادعاء، والوكالات الأمنية.

وللعلم، ذكرت وكالة «رويترز» أن بلانش، بصفته نائباً للوزير، كان مسؤولاً عن الإشراف على المدّعين الفيدراليين الـ93 وعلى أجهزة مثل «إف بي آي» و«دي إي آيه» (إدارة مكافحة المخدّرات) و«آيه تي إف» (مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجّرات) والمارشالات (وهي من وكالات إنفاذ القانون الأميركية).

الأهم، أن تثبيت بلانش السابق جاء في سياق أوسع من مجرّد إعادة توجيه وزارة العدل. إذ إن بام بوندي، في يومها الأول كوزيرة للعدل، كلّفت مكتب نائب الوزير إطلاق مجموعة عمل لـ«مراجعة» ما وصفته الإدارة بـ«تسليح» العدالة ضد ترمب، بما يشمل قضايا المحقق الخاص جاك سميث، وقضية الوثائق السرّية، ومحاولة قلب نتائج انتخابات 2020، وقضية نيويورك المتعلقة بمدفوعات إسكات الممثلة ستورمي دانييلز.

كذلك، أشارت «رويترز» إلى أن بلانش تفادى خلال جلسة تثبيته الإجابة بوضوح عما إذا كان سيتنحّى عن مراجعة قضايا شارك سابقاً في الدفاع عن ترمب فيها. ومن هنا، لم يكن وصوله إلى منصب الوزير بالوكالة، بعد بوندي، قفزة مفاجئة تماماً. فهو كان موجوداً في قلب الآلة منذ البداية. لكنه بعد خروج بوندي لم يعد مجرّد منفّذ ثانٍ أو مشرف خلفي، بل صار الوجه العلني للوزارة في لحظة تتّهم فيها المعارضة الديمقراطية الإدارة بأنها حوّلت وزارة العدل ذراعاً لمحاسبة الخصوم لا لمحاسبة المخالفين.

قضية كومي

من جهة ثانية، جاء اتهام جيمس كومي ليمنح بلانش أول اختبار كبير في موقعه الجديد. فالقضية، كما ورد في الصحف الأميركية، تستند إلى صورة نشرها كومي عام 2025 لأصداف مرتبة على هيئة «86 47». وبما أن ترمب هو الرئيس السابع والأربعون، اعتبر مسؤولون جمهوريون العبارة تهديداً مبطناً؛ لأن «86» قد تُستخدم عامياً بمعنى التخلّص من شخص أو قتله. أما كومي فأزال المنشور لاحقاً، مؤكداً أنه لم يكن يدعو إلى العنف، وأنه افترض أنها رسالة سياسية لا أكثر.

المشكلة القانونية هنا ليست في حساسية أي تهديد محتمل ضد رئيس الولايات المتحدة؛ فالقانون الأميركي يتعامل مع ذلك بجدّيّة قصوى. بل تكمن المشكلة في إثبات النية. ذلك أن القضايا المتعلقة بالتهديدات لا تقوم عادة على العبارة وحدها، وإنما على السياق، والقصد، ومدى إدراك المتهم لمعناها، وما إذا كان الشخص العاقل سيفهمها كتعبير جاد عن نية إلحاق الأذى. لذا؛ بدا بلانش، في مؤتمره الصحافي، كأنه يحاول تثبيت معادلة سياسية أكثر منها قانونية، عندما قال: «لا يُسمح لك بتهديد رئيس الولايات المتحدة!».

العبارة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها لا تجيب عن السؤال الأصعب: هل ما فعله كومي تهديد جنائي... أم تعبير سياسي فجّ، غامض، أم غير موفّق؟

إبستين جُرح أسقط بوندي ويلاحق بلانش

من جانب آخر، إذا كانت قضية كومي تمثّل اختباراً لهوية وزارة العدل تحت قيادة بلانش، فإن ملف جيفري إبستين يمثل اختباراً لصدقيتها. فقد تحوّل هذا الملف عبئاً سياسياً على إدارة ترمب الثانية، ليس فقط بسبب حساسيته الأخلاقية والقانونية، بل أيضاً بسبب اتهامات بالتلاعب بالإفراج عن الوثائق، أو استخدام حجب واسع يمنع الجمهور والصحافيين والضحايا من معرفة الحقيقة الكاملة.

وفق «الغارديان» البريطانية، رفعت الصحافية والمحلّلة القانونية كايتي فانغ دعوى ضد بلانش، متّهمة وزارة العدل بـ«انتهاك قانون الشفافية» المتعلق بملفات إبستين عبر الإحجام عن نشر كل الوثائق المطلوبة، أو الإفراط في حجبها، أو تفويت المهل القانونية. وذكرت الصحيفة أن بلانش، الذي كان نائباً للوزير قبل أن يصبح وزيراً بالوكالة بعد إقالة بوندي، واجه اتهامات بتعطيل العملية وإصدار جزء فقط من الوثائق.

هذا الملف، تحديداً، يفسّر جانباً من معضلة بلانش. فإذا كشف عن الكثير من المعطيات، قد يثير غضب دوائر قريبة من السلطة، أو يفتح أسئلة محرجة عن علاقات قديمة بإبستين. وإذا حجب الكثير فسيعزّز اتهامات التستر. أما إذا حاول الموازنة بين الخيارين فسيبدو في نظر قاعدة ترمب متردّداً، وفي نظر خصومه متواطئاً.

الولاء كمعيار حكم

واقع الأمر، أنه في إدارة ترمب الثانية، لا يبدو الولاء شرطاً جانبياً، بل جزءاً من هندسة الحكم.

بام بوندي، التي جاءت إلى الوزارة وهي محسوبة أصلاً على عالم ترمب السياسي، غادرت أو أُقيلت لأنها، حسب تقارير أميركية، لم تكن فعالة بما يكفي في ملاحقة أعداء الرئيس. وهذا يعني أن المشكلة لم تكن مقتصرة فقط على اتجاه الوزارة، بل أيضاً في سرعة تنفيذ هذا الاتجاه وحدّته.

بلانش يفهم هذه الرسالة جيداً. فهو لم يأت من خارج تجربة ترمب القضائية، بل من داخلها.

لقد دافع عن الرئيس في لحظة كان فيها الأخير يرى نفسه ضحية «دولة عميقة» وقضاء مسيّس. ومن ثم، فإن ترمب لا ينظر إليه كموظف قانوني فحسب، بل كشاهد سابق على «المظلومية» التي بنى عليها حملته للعودة إلى السلطة. وهذا، وإن منح بلانش ثقة الرئيس، فإنه يضعف، في المقابل، قدرته على إقناع خصوم الإدارة بأنه مستقل عنها.

وهنا يصبح السؤال عن النساء اللواتي غادرن أو تعرّضن للتهميش في إدارة ترمب، جزءاً من نمط أوسع. وذلك ليس لأن المشكلة مرتبطة بالنوع الاجتماعي وحده، بل لأن إدارة ترمب تُخضع كبار مسؤوليها، رجالاً ونساءً، لاختبار ولاء دائم.

بلانش وتحدي إصلاح ما كسرته السياسة

في أي حال، قدرة بلانش على معالجة أسباب سقوط بوندي تبدو محدودة. فهو يملك خبرة قانونية لا يمكن إنكارها، ويعرف وزارة العدل من الداخل، ويفهم آليات الادعاء الفيدرالي، لكنه وصل إلى المنصب محمولاً على موجة سياسية لا تشجّع «الاستقلالية». وإذا كانت بوندي فشلت لأنها لم تذهب بعيداً بما يكفي لإرضاء ترمب، فإن نجاح بلانش، في قاموس البيت الأبيض، قد يعني الذهاب أبعد لا التراجع.

في قضية كومي، سيُقاس نجاح بلانش بقدرته على تحويل الغضب السياسي إلى قضية قابلة للصمود أمام قاضٍ وهيئة محلفين. وفي ملف إبستين، سيُقاس بقدرته على إقناع الرأي العام بأن الوزارة لا تخفي ما يجب كشفه ولا تكشف ما يضرّ بالضحايا. وفي ملفات خصوم ترمب، من مسؤولي عهد أوباما إلى شخصيات ديمقراطية أخرى، سيُقاس بمدى الفصل بين المساءلة القانونية والانتقام الرئاسي.

المؤشرات الأولى لا تمنح الرجل هامشاً كبيراً. فوزارة العدل، التي يقودها الآن، ليست مؤسسة تدخل مرحلة تهدئة، بل مؤسسة يُطلب منها أن تكون رأس الحربة في معركة سياسية داخلية. وبلانش، مهما بلغت مهارته القانونية، لا يستطيع الهروب من أصل تعيينه: فهو محامي ترمب السابق، الذي صار حارس القانون الاتحادي.

هذه الجملة وحدها تكفي لتفسير قوته وضعفه معاً.


صلاحيات وزارة العدل الأميركية والمكاتب التابعة لها... وأبرز وزرائها

جانيت رينو (آ ب)
جانيت رينو (آ ب)
TT

صلاحيات وزارة العدل الأميركية والمكاتب التابعة لها... وأبرز وزرائها

جانيت رينو (آ ب)
جانيت رينو (آ ب)

وزير العدل الأميركي هو عملياً رأس وزارة العدل وكبير مسؤولي إنفاذ القانون الفيدرالي. وهو يمثّل الحكومة الأميركية في المسائل القانونية، ويقدّم المشورة القانونية للرئيس ورؤساء الوزارات والوكالات، ويشرف على تطبيق القوانين الفيدرالية والتحقيقات والادعاءات الكبرى. كما يدير جهازاً واسعاً يشمل مكاتب المدعين العامين الفيدراليين في الولايات والدوائر القضائية، ويؤثر في أولويات الملاحقة الجنائية، من الإرهاب والفساد والجرائم المالية إلى الحقوق المدنية والهجرة والمخدرات والسلاح.

إريك هولدر (آ ب)

تتبع الوزارة، أو تعمل تحت مظلتها، وكالات ومكاتب بالغة الأهمية، أبرزها «إف بي آي» (مكتب التحقيقات الفيدرالي)، و«دي إي إيه» (إدارة مكافحة المخدرات) و«آيه تي إف» (مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات) وخدمة المارشالات الأميركية ومكتب السجون الفيدرالي، إضافة إلى أقسام متخصّصة مثل الحقوق المدنية، ومكافحة الاحتكار، والقسم الجنائي، وقسم الأمن القومي، ومكتب المستشار القانوني، ومكتب مكتب المحامي العام للحكومة (السوليسيتور جنرال) الذي يترافع أمام المحكمة العليا. وتقول الوزارة إن لديها أكثر من 40 مكوّناً، بينها 94 مكتباً للمدّعين الفيدراليين.

من أبرز وزراء العدل الأميركيين خلال العقود الأخيرة، جانيت رينو في عهد بيل كلينتون، وكانت أول امرأة تتولى المنصب، وارتبط اسمها بملفات كبرى، مثل حصار واكو عام 1993 في ولاية تكساس، عندما حاصرت السلطات الفيدرالية مجمّع جماعة دينية تُعرف باسم «فرع داود»، وقضية الطفل الكوبي إليان غونزاليس عام 1999 الذي كان في السادسة ونجا من الغرق بعدما أقدمت والدته التي توفيت على تهريبه بقارب من كوبا إلى فلوريدا، وهناك اندلع خلاف بين أقاربه ووالده الذي طالب بإعادته.

جون آشكروفت (غيتي)

أيضاً، برز جون آشكروفت وألبرتو غونزاليس إبان عهد جورج بوش الابن، في مرحلة ما بعد «هجمات 11 سبتمبر (أيلول)»، حين توسّعت صلاحيات الأمن القومي ومكافحة الإرهاب. وجاء بعدهما مايكل موكاسي في نهاية عهد بوش.

أما في عهد باراك أوباما، فقد برز إريك هولدر، أول أميركي من أصل أفريقي يتولى المنصب، ثم لوريتا لينش. وفي عهد ترمب الأول تولى المنصب جيف سيشنز ثم وليام بار، الذي صار أشد منتقديه، قبل أن يأتي ميريك غارلاند في عهد جو بايدن، ثم بام بوندي في إدارة ترمب الثانية.